Ibn al-QayyimAn‑Nahl · 16:49–67

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:49–67

16:49–50Page 272

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩

And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

فإن قيل: فما وجه خوف الملائكة وهم معصومون من الذنوب التي هي أسباب المخافة، وشدة خوف النبي ﷺ مع علمه بأن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأنه أقرب الخلق إلى الله؟

قيل: عن هذا أربعة أجوبة:

الجواب الأول: إن هذا الخوف على حسب القرب من الله والمنزلة عنده. وكلما كان العبد أقرب إلى الله كان خوفه منه أشد، لأنه يطالب بما لا يطالب به غيره، ويجب عليه من رعاية تلك المنزلة وحقوقها ما لا يجب على غيره.

ونظير هذا في المشاهد أن الماثل بين يدي أحد الملوك المشاهد له أشد خوفًا منه من البعيد عنه، بحسب قربه منه ومنزلته عنده ومعرفته به وبحقوقه، وأنه يطالب من حقوقه الخدمة وأدائها بما لا يطالب به غيره، فهو أحق بالخوف من البعيد.

ومن تصور هذا حق تصوره فهم قوله ﷺ: "إني أعلمكم بالله وأشدكم له خشية"، وفهم قوله ﷺ في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره من حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم ".

وليس المراد به لو عذبهم لتصرف في ملكه - والمتصرف في ملكه غير ظالم - كما يظنه كثير من الناس، فإن هذا يتضمن مدحًا، والحديث إنما سيق للمدح وبيان عظم حق الله على عباده وأنه لو عذبهم لعذبهم بحقه عليهم ولم يكن بغير استحقاق، فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف أضعاف ما أتوا. ولهذا قال بعده: "ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم" يعني أن رحمته لهم ليست ثمنًا لأعمالهم ولا تبلغ أعمالهم رحمته فرحمته لهم ليست على قدر أعمالهم، إذ أعمالهم لا تستقل باقتضاء الرحمة، وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها، فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبًا لحقه، وهو غير ظالم لهم فيه. ولا سيما فإن أعمالهم لا توازى القليل من نعمه عليهم، فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداءِ حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالمًا لهم.

فإن قيل: فهم إذا فعلوا مقدورهم من شكره وعبوديته لم يكن ما عداه مما ينبغي له مقدورًا لهم.

فكيف يحسن العذاب عليه؟

قيل: الجواب من وجهين:

أحدهما: أن المقدور للعبد لا يأْتي به كله، بل لا بد من فتور وإعراض وغفلة وتوان. وأيضًا ففى نفس قيامه بالعبودية لا يوفيها حقها الواجب لها من كمال المراقبة والإجلال والتعظيم والنصيحة التامة لله فيها، بحيث يبذل مقدوره كله في تحسينها وتكميلها ظاهرًا وباطنًا، فالتقصير لازم في حال الترك وفي حال الفعل، ولهذا سأل الصديق النبي، دعاءً يدعو به في صلاته، فقال له: "قل: اللَّهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى إنك أنت الغفور الرحيم"، فأخبر عن ظلمه لنفسه مؤكدًا له بأن المقتضية ثبوت الخبر وتحققه، ثم أكده بالمصدر النافي للتجوز والاستعارة، ثم وصفه بالكثرة المقتضية لتعدده وتكثره، ثم قال: "فاغفر لى مغفرة من عندك"، أي لا ينالها عملى ولا سعيى بل عملى يقصر عنها، وإنما هي من فضلك وإحسانك، لا بكسبي ولا باستغفاري وتوبتي.

ثم قال: "وارحمني" أي ليس معولي إلا على مجرد رحمتك، فإن رحمتى وإلا فالهلاك لازم لى فليتدبر اللبيب هذا الدعاء وما فيه من المعارف والعبودية، وفي ضمنه: إنه لو عذبتني لعدلت في ولم يتظلمني، وإني لا أنجو إلا برحمتك ومغفرتك. ومن هذا قوله ﷺ: "لن ينجى أحدًا منكم عمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمة منه وفضل"، فإذا كان عمل العبد لا يستقل بالنجاة، فلو لم ينجه الله فلم يكن قد بخسه شيئًا من حقه ولا ظلمه، فإنه ليس معه ما يقتضي نجاته، وعمله ليس وافيًا بشكر القليل من نعمه، فهل يكون ظالمًا له لو عذبه؟ وهل تكون رحمته له جزاءً لعمله، ويكون العمل ثمنًا لها مع تقصيره فيه وعدم توفيته ما ينبغي له من بذل النصيحة فيه، وكمال العبودية من الحياءِ والمراقبة، والمحبة والخشوع وحضور القلب بين يدى الله في العمل له؟ ومن علم هذا علم السر في كون أعمال الطاعات تختم بالاستغفار، ففى صحيح مسلم عن ثوبان قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سلم من صلاته استغفر ثلاثًا. وقال: اللَّهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام"، قال تعالى: ﴿كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧-١٨]، فأخبر عن استغفارهم عقيب صلاة الليل.

قال الحسن: مدوا الصلاة إلى السحر، فلما كان السحر جلسوا يستغفرون الله.

وأمر الله تعالى عباده بالاستغفار عقيب الإفاضة في الحج فقال: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]،

وشرع رسول الله ﷺ للمتوضئ أن يختم وضوءَه بالتوحيد والاستغفار فيقول:

"أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلا اللهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه، اللَّهمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوّابِين واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِين"

فهذا ونحوه مما يبين حقيقة الأمر، وأن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله ورحمته، وأنه لا سبيل إلى النجاة بدون مغفرته ورحمته أصلًا.

الجواب الثاني: أنه لو فرض أن العبد يأْتي بمقدوره كله من الطاعة ظاهرًا وباطنًا، فالذي ينبغي لربه سبحانه فوق ذلك وأضعاف أضعافه. فإذا عجز العبد عنه لم يستحق ما يترتب عليه من الجزاءِ. والذي أتى به لا يقابل أقل النعم.

فإذا حرم جزاءَ العمل الذي ينبغي للرب سبحانه من عبده كان ذلك تعذيبًا له، ولم يكن الرب ظالمًا له في هذا الحرمان.

ولو كان عاجزًا عن أسبابه فإنه لم يمنعه حقًا يستحقه عليه فيكون ظالمًا بمنعه. فإذا أعطاه الثواب كان مجرد صدقة منه وفضل تصدق بها عليه لا ينالها عمله، بل هي خير من عمله وأفضل وأكثر، ليست معوضة عليه. والله أعلم.

الجواب الثالث عن السؤال الأول: إن العبد إذا علم أن الله سبحانه وتعالى هو مقلب القلوب، وأنه يحول بين المرءِ وقلبه وأنه تعالى سبحانه كل يوم هو في شأْن، يفعل ما يشاءُ ويحكم ما يريد وأنه يهدى من يشاءُ ويضل من يشاءُ، ويرفع من يشاءُ ويخفض من يشاءُ، فما يؤمنه أن يقلب الله قلبه ويحول بينه وبينه ويزيغه بعد إقامته؟ وقد أثنى الله على عباده المؤمنين بقولهم: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨]، فلولا خوف الإزاغة لما سألوه أن لا يزيغ قلوبهم.

وكان من دعاء النبي ﷺ: " اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك، ومثبت القلوب، ثبت قلوبنا على دينك"، وفي الترمذي عنه ﷺ أنه كان يدعو: "أعوذ بعزتك أن تضلنى أنت الحي الذي لا تموت".

وكان من دعائه: "اللَّهُمَّ إنِّى أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطكَ وأعُوذُ بِمُعافاتِكَ مِن عُقُوبَتِكَ وأعُوذُ بِكَ مِنكَ".

فاستعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب، وبفعل العافية من فعل العقوبة، واستعاذ به منه باعتبارين. وكأن في استعاذته منه جمعًا لما فصله في الجملتين قبله.

فإن الاستعاذة به منه ترجع إلى معنى الكلام قبلها، مع تضمنها فائدة شريفة وهي كمال التوحيد وأن الذي يستعيذ به العائذ ويهرب منه إنما هو فعل الله ومشيئته وقدره، فهو وحده المنفرد بالحكم. فإذا أراد بعبده سوءًا لم يعذه منه إلا هو. فهو الذي يريد به ما يسوؤه، وهو الذي يريد دفعه عنه. فصار سبحانه مستعاذًا به منه باعتبار الإرادتين: ﴿وَإنْ يمسسك اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، فهو الذي يمس بالضر، وهو الذي يكشفه، لا إله إلا هو فالمهرب منه إليه، والفرار منه إليه، واللجأُ منه إليه، كما أن الاستعاذة منه، فإنه لا رب غيره ولا مدبر للعبد سواه. فهو الذي يحركه ويقلبه، ويصرفه كيف يشاءُ.

الجواب الرابع: أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق أفعال العبد الظاهرة والباطنة، فهو الذي يجعل الإيمان والهدى في القلب ويجعل التوبة والإنابة والإقبال والمحبة والتفويض وأضدادها والعبد في كل لحظة مفتقر إلى هداية يجعلها الله في قلبه وحركات يحركها بها في طاعته.

وهذا إلى الله سبحانه وتعالى فهو خلقه وقدره، وكان من دعاءِ النبي ﷺ: "اللَّهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" وعلم حصين بن المنذر أن يقول: "اللَّهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي"

وعامة أدعيته ﷺ متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له واستعماله في محابه، فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره، وهو المالك له ولها، المتصرف فيه بما يشاءُ ليس له من أمره شيء، من أحق بالخوف منه؟ وهب أنه قد خلق له في الحال الهداية، فهل هو على يقين وعلم أن الله سبحانه وتعالى يخلقها له في المستقبل ويلهمه رشده أبدًا؟ فعلم أن خوف المقربين عند ربهم أعظم من خوف غيرهم والله المستعان، ومن هاهنا كان خوف السابقين من فوات الإيمان كما قال بعض السلف: أنتم تخافون الذنب، وأنا أخاف الكفر.

وكان عمر بن الخطاب يقول لحذيفة: نشدتك الله هل سماني لك رسول الله ﷺ؟ يعني في المنافقين فيقول: لا، ولا أزكى بعدك أحدًا"

رواه البخاري يعني لا أفتح على هذا الباب في سؤال الناس لى، وليس مراده أنه لم يخلص من النفاق غيرك.

16:51Page 272

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١

And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."

(فائدة)

قال ابن عقيل في مناظرته لبعض المعتزلة: "أنتم اعتمدتم في نفي التثنية على دليل التمانع وهو بعينه ينقلب عليكم في خلق الأفعال، لأنا إذا قدرنا أنه تعالى أراد تحريك جسم، وأراد العبد تسكينه فلا يخلوا ... إلى آخره.

وفعل الله لا يدخل تحت مقدور العبد، وفعل العبد لا يدخل تحت مقدور الله عندكم، فلا انفكاك لكم ألبتة عن هذا السؤال فأين توحيدكم؟!.

16:52Page 272

وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢

And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?

No commentary for this ayah

16:53Page 272

وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣

And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.

قوله تعالى: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ والإيمان والطاعة من أجل النعم بل هما أجل النعم على الإطلاق فهما منه سبحانه تعليما وإرشادا وإلهاما وتوفيقا ومشيئة وخلقا ولا يصح أن يقال أنها أمرا وبيانا فقط فإن ذلك حاصل بالنسبة إلى الكفار والعصاة فتكون نعمته على أكفر الخلق كنعمته على أهل الإيمان والطاعة والبر منهم إذ نعمة البيان والإرشاد مشتركة وهذا قول القدرية وقد صرح به كثير منهم ولم يجعلوا لله على العبد نعمة في مشيئته وخلقه فعله وتوفيقه إياه حين فعله وهذا من قولهم الذي باينوا به جميع الرسل والكتب وطردوا ذلك حين لم يجعلوا لله على العبد منه في إعطائه الجزاء بل قالوا ذلك محض حقه الذي لا منة لله عليه فيه واحتجوا بقوله: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾

قالوا أي غير ممنون به عليهم إذ هو جزاء أعمالهم وأجورها قالوا والمنة تكدر النعمة والعطية ولم يدعوا هؤلاء للجهل بالله موضعا وقاسوا منته على منة المخلوق فإنهم مشبهة في الأفعال معطلة في الصفات وليست المنة في الحقيقة إلا لله فهو المان بفضله وأهل سماواته وأهل أرضه في محض منته عليهم قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلْإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وقال تعالى لكليمه موسى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وهارُونَ﴾ وقال: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ ولما قال النبي ﷺ للأنصار "ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي وعالة فأغناكم الله بي"

قالوا الله ورسوله أمن.

وقال الرسل لقومهم: ﴿إنْ نَحْنُ إلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ فمنه سبحانه وتعالى محض إحسانه وفضله ورحمته وما طاب عيش أهل الجنة فيها إلا بمنته عليهم، ولهذا قال أهلها وقد أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ﴿إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم﴾

فأجزوا لمعرفتهم بربهم، وحقه عليهم أن نجاهم من عذاب السموم بمحض منته عليهم.

وقد قال أعلم الخلق بالله وأحبهم إليه وأقربهم منه وأطوعهم له: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟

قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل "

وقال: "إن الله لو عذب أهل سماواته وأرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته لهم خيرا من أعمالهم" والأول في الصحيح والثاني في المسند والسنن وصححه الحاكم وغيره.

فأخبر سيد العالمين والعاملين أنه لا يدخل الجنة بعمله، وقالت القدرية إنهم يدخلونها بأعمالهم لئلا يتكدر نعيمهم عليهم بمشيئة الله بل يكون ذلك النعيم عوضا وما رمى السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم القدرية عن قوس واحد إلا لعظم بدعهم ومنافاتها لما بعث الله به أنبياءه ورسله فلو أتى العباد بكل طاعة وكانت أنفاسهم كلها طاعات لله لكانوا في محض منته وفضله وكانت له المنة عليهم، وكلما عظمت طاعة العبد كانت منة الله عليه أعظم فهو المان بفضله فمن أنكر منته فقد أنكر إحسانه وأما قوله تعالى: ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فلم يختلف أهل العلم بالله ورسوله وكتابه أن معناه غير مقطوع ومنه ريب المنون وهو الموت لأنه يقطع العمر.

(قاعِدَة جليلة)

قد فكّرت في هَذا الأمر فَإذا أصله أن تعلم أن النعم كلها من الله وحده نعم الطّاعات ونعم اللَّذّات فترغب إلَيْهِ أن يلهمك ويوزعك شكرها قالَ تَعالى ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تجأرون﴾

وَقالَ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

وَقالَ ﴿واشكروا نعْمَة اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاه تَعْبدُونَ﴾

وكما أن تِلْكَ النعم مِنهُ ومن ومُجَرَّد فَضله فَذكرها وشكرها لا ينال إلّا بتوفيقه والذنُوب من خذلانه وتخليه عَن عَبده وتخليته بَينه وبَين نَفسه وإن لم يكْشف ذَلِك عَن عَبده فَلا سَبِيل لَهُ إلى كشفه عَن نَفسه فَإذا هو مُضْطَر إلى التضرع والابتهال إلَيْهِ أن تدفع عَنهُ أسبابها حَتّى لا تصدر مِنهُ وإذا وقعت بِحكم المَقادِير ومُقْتَضى البشرية فَهو مُضْطَر إلى التضرع والدُّعاء أن يدْفع عَنهُ موجباتها وعقوباتها فَلا يَنْفَكّ عَن العَبْد عَن ضَرُورَته إلى هَذِه الأُصُول الثَّلاثَة ولا فلاح لَهُ إلّا بها الشُّكْر وطلب العافِيَة والتَّوْبَة النصوح.

ثمَّ فَكرت فَإذا مدار ذَلِك على الرَّغْبَة والرهبة وليسا بيد العَبْد بل بيد مُقَلِّب القُلُوب ومصرفها كَيفَ يَشاء فَإن وفْق عَبده أقبل بِقَلْبِه إلَيْهِ وملأه رَغْبَة ورَهْبَة وإن خذله لَهُ تَركه ونَفسه ولم يَأْخُذ بِقَلْبِه إلَيْهِ ولم يسْأله ذَلِك وما شاءَ الله كانَ وما لم يَشَأ لم يكن

ثمَّ فَكرت هَل للتوفيق والخذلان سَبَب أم هما بِمُجَرَّد المشية لا سَبَب لَهما فَإذا سببهما أهْلِيَّة المحل وعدمها فَهو سُبْحانَهُ خالق المحال مُتَفاوِتَة في الاستعداد والقَبُول أعظم تفاوت فالجمادات لا تقبل ما يقبله الحَيَوان وكَذَلِكَ النوعان كل مِنهُما متفاوت في القبُول فالحيوان النّاطِق يقبل ما لا يقبله البهيم وهو متفاوت في القبُول أعظم تفاوت وكَذَلِكَ الحَيَوان البهيم متفاوت في القبُول لَكِن لَيْسَ بَين النَّوْع الواحِد م ن التَّفاوُت كَما بَين النَّوْع الإنساني فَإذا كانَ المحل قابلا للنعمة بِحَيْثُ يعرفها ويعرف قدرها وخطرها ويشكر المُنعم بها ويثني عَلَيْهِ بها ويعظمه عَلَيْها ويعلم أنَّها من مَحْض الجُود وعين المِنَّة من غير أن يكون هو مُسْتَحقّا لَها ولا هي لَهُ ولا بِهِ، وإنَّما هي لله وحده وبِه وحده فوحده بنعمته إخلاصا وصرفها في محبته شكرا وشهدها من مَحْض جوده منَّة وعرف قصوره وتقصيره في شكرها عجز أو ضعفا وتفريطا وعلم أنه إن أدامها عَلَيْهِ فَذَلِك مَحْض صدقته وفضله وإحسانه وإن سلبه إيّاها فَهو أهل لذَلِك مُسْتَحقّ لَهُ وكلما زاده من نعمه ازْدادَ زلالة وانكسارا وخضوعا بَين يَدَيْهِ، وقياما بشكره وخشيته لَهُ سُبْحانَهُ أن يسلبه إيّاها لعدم توفيته شكرها كَما سلب نعْمَته عَمَّن لم يعرفها ولم يرعها حق رعايتها فَإن لم يشْكر نعْمَته وقابلها بضد ما يلق أن يُقابل بِهِ سلبه إيّاها ولا بُد قالَ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَم بِالشّاكِرِينَ﴾

وهم الَّذين عرفُوا قدر النِّعْمَة وقبلوها وأحبوها وأثنوا على المُنعم بها وأحبوه وقامُوا بشكره وقالَ تَعالى ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته﴾.

(قاعِدَة)

أساس كل خير أن تعلم أن ما شاءَ الله كانَ، وما لم يَشَأْ لم يكن فتيقن حِينَئِذٍ أن الحَسَنات من نعمه فتشكره عَلَيْها وتتضرّع إلَيْهِ أن لا يقطعها عَنْك وأن السَّيِّئات من خذلانه وعقوبته فتبتهل إلَيْهِ أن يحول بَيْنك وبَينها ولا يكلك في فعل الحَسَنات وترك السَّيِّئات إلى نَفسك

وَقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بِتَوْفِيق الله للْعَبد وكل شَرّ فأصله خذلانه لعَبْدِهِ.

وَأجْمعُوا أن التَّوْفِيق أن لا يكلك الله نفسك وأن الخذلان أن يخلي بَيْنك وبَين نَفسك فَإذا كانَ كل خير فأصله التَّوْفِيق وهو بيد الله إلى نَفسك وأن لا بيد العَبْد فمفتاحه الدُّعاء والافتقار وصدق اللجأ والرَّغْبَة والرهبة إلَيْهِ فَمَتى أعْطى العَبْد هَذا المِفْتاح فقد أرادَ أن يفتح لَهُ ومَتى أضلّه عَن المِفْتاح بَقِي باب الخَيْر مُرْتَجًا دونه.

قالَ أمِير المُؤمنِينَ عمر بن الخطاب إنِّي لا أحمل هم الإجابَة ولَكِن هم الدُّعاء فَإذا ألهمت الدُّعاء فَإن الإجابَة مَعَه وعَلى قدرنية العَبْد وهمته ومراده ورغبته في ذَلِك يكون توفيقه سُبْحانَهُ وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم.

والخذلان ينزل عَلَيْهِم على حسب ذَلِك فالله سُبْحانَهُ أحكم الحاكِمين وأعلم العالمين يضع التَّوْفِيق في مواضعه اللائقة بِهِ، والخذلان في مواضعه اللائقة بِهِ هو العَلِيم الحَكِيم.

16:54Page 272

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤

Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord

No commentary for this ayah

16:55Page 273

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥

So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.

No commentary for this ayah

16:56Page 273

وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦

And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.

No commentary for this ayah

16:57Page 273

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧

And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].

No commentary for this ayah

16:58Page 273

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨

And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.

No commentary for this ayah

16:59Page 273

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٥٩

He hides himself from the people because of the ill of which he has been informed. Should he keep it in humiliation or bury it in the ground? Unquestionably, evil is what they decide.

No commentary for this ayah

16:60Page 273

لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠

For those who do not believe in the Hereafter is the description [i.e., an attribute] of evil;1 and for Allāh is the highest attribute. And He is Exalted in Might, the Wise.

No commentary for this ayah

16:61Page 273

وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٦١

And if Allāh were to impose blame on the people for their wrongdoing, He would not have left upon it [i.e., the earth] any creature, but He defers them for a specified term. And when their term has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

[فَصْلٌ: شُؤْمُ الذُّنُوبِ]

وَمِنها: أنَّ غَيْرَهُ مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ يَعُودُ عَلَيْهِ شُؤْمُ ذَنْبِهِ، فَيَحْتَرِقُ هو وغَيْرُهُ بِشُؤْمِ الذُّنُوبِ والظُّلْمِ.

قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: إنَّ الحُبارى لَتَمُوتَ في وكْرِها مِن ظُلْمِ الظّالِمِ.

وَقالَ مُجاهِدٌ: إنَّ البَهائِمَ تَلْعَنُ عُصاةَ بَنِي آدَمَ إذا اشْتَدَّتِ السَّنَةُ، وأُمْسِكَ المَطَرُ، وتَقُولُ: هَذا بِشُؤْمِ مَعْصِيَةِ ابْنِ آدَمَ.

وَقالَ عِكْرِمَةُ: دَوابُّ الأرْضِ وهَوامُّها حَتّى الخَنافِسُ والعَقارِبُ، يَقُولُونَ: مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ.

فَلا يَكْفِيهِ عِقابُ ذَنْبِهِ، حَتّى يَلْعَنَهُ مَن لا ذَنْبَ لَهُ.

16:62Page 273

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢

And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1

No commentary for this ayah

16:63Page 273

تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣

By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.

No commentary for this ayah

16:64Page 273

وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤

And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.

No commentary for this ayah

16:65Page 274

وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥

And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.

No commentary for this ayah

16:66Page 274

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦

And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.

[اللَّبَنُ]

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦]

وَقالَ في الجَنَّةِ: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥].

وَفِي " السُّنَنِ " مَرْفُوعًا: «مَن أطْعَمَهُ اللَّهُ طَعامًا فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وارْزُقْنا خَيْرًا مِنهُ، ومَن سَقاهُ اللَّهُ لَبَنًا، فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيهِ وزِدْنا مِنهُ، فَإنِّي لا أعْلَمُ ما يُجْزِئُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ إلّا اللَّبَنَ».

اللَّبَنُ: وإنْ كانَ بَسِيطًا في الحِسِّ، إلّا أنَّهُ مُرَكَّبٌ في أصْلِ الخِلْقَةِ تَرْكِيبًا طَبِيعِيًّا مِن جَواهِرَ ثَلاثَةٍ: الجُبْنِيَّةُ، والسَّمْنِيَّةُ، والمائِيَّةُ، فالجُبْنِيَّةُ: بارِدَةٌ رَطْبَةٌ، مُغَذِّيَةٌ لِلْبَدَنِ، والسَّمْنِيَّةُ: مُعْتَدِلَةُ الحَرارَةِ والرُّطُوبَةِ مُلائِمَةٌ لِلْبَدَنِ الإنْسانِيِّ الصَّحِيحِ، كَثِيرَةُ المَنافِعِ، والمائِيَّةُ: حارَّةٌ رَطْبَةٌ، مُطْلِقَةٌ لِلطَّبِيعَةِ، مُرَطِّبَةٌ لِلْبَدَنِ، واللَّبَنُ عَلى الإطْلاقِ أبْرَدُ وأرْطَبُ مِنَ المُعْتَدِلِ.

وَقِيلَ: قُوَّتُهُ عِنْدَ حَلْبِهِ الحَرارَةُ والرُّطُوبَةُ، وقِيلَ مُعْتَدِلٌ في الحَرارَةِ والبُرُودَةِ.

وَأجْوَدُ ما يَكُونُ اللَّبَنُ حِينَ يُحْلَبُ، ثُمَّ لا يَزالُ تَنْقُصُ جَوْدَتُهُ عَلى مَرِّ السّاعاتِ، فَيَكُونُ حِينَ يُحْلَبُ أقَلَّ بُرُودَةً، وأكْثَرَ رُطُوبَةً، والحامِضُ بِالعَكْسِ، ويُخْتارُ اللَّبَنُ بَعْدَ الوِلادَةِ بِأرْبَعِينَ يَوْمًا، وأجْوَدُهُ ما اشْتَدَّ بَياضُهُ، وطابَ رِيحُهُ، ولَذَّ طَعْمُهُ، وكانَ فِيهِ حَلاوَةٌ يَسِيرَةٌ، ودُسُومَةٌ مُعْتَدِلَةٌ، واعْتَدَلَ قِوامُهُ في الرِّقَّةِ والغِلَظِ، وحُلِبَ مِن حَيَوانٍ فَتِيٍّ صَحِيحٍ، مُعْتَدِلِ اللَّحْمِ، مَحْمُودِ المَرْعى والمَشْرَبِ.

وَهُوَ مَحْمُودٌ يُوَلِّدُ دَمًا جَيِّدًا، ويُرَطِّبُ البَدَنَ اليابِسَ، ويَغْذُو غِذاءً حَسَنًا، ويَنْفَعُ مِنَ الوَسْواسِ والغَمِّ والأمْراضِ السَّوْداوِيَّةِ، وإذا شُرِبَ مَعَ العَسَلِ نَقّى القُرُوحَ الباطِنَةَ مِنَ الأخْلاطِ العَفِنَةِ، وشُرْبُهُ مَعَ السُّكَّرِ يُحَسِّنُ اللَّوْنَ جِدًّا، والحَلِيبُ يَتَدارَكُ ضَرَرَ الجِماعِ، ويُوافِقُ الصَّدْرَ والرِّئَةَ، جَيِّدٌ لِأصْحابِ السُّلِّ، رَدِيءٌ لِلرَّأْسِ والمَعِدَةِ، والكَبِدِ والطِّحالِ، والإكْثارُ مِنهُ مُضِرٌّ بِالأسْنانِ واللِّثَةِ، ولِذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُتَمَضْمَضَ بَعْدَهُ بِالماءِ وفي " الصَّحِيحَيْنِ ": «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، ثُمَّ دَعا بِماءٍ فَتَمَضْمَضَ وقالَ: " إنَّ لَهُ دَسَمًا».

وَهُوَ رَدِيءٌ لِلْمَحْمُومِينَ، وأصْحابِ الصُّداعِ، مُؤْذٍ لِلدِّماغِ، والرَّأْسِ الضَّعِيفِ، والمُداوَمَةُ عَلَيْهِ تُحْدِثُ ظُلْمَةَ البَصَرِ والغِشاءَ، ووَجَعَ المَفاصِلِ وسُدَّةَ الكَبِدِ، والنَّفْخَ في المَعِدَةِ والأحْشاءِ، وإصْلاحُهُ بِالعَسَلِ والزَّنْجَبِيلِ المُرَبّى ونَحْوِهِ، وهَذا كُلُّهُ لِمَن لَمْ يَعْتَدْهُ.

(فصل)

تَأمل العبْرَة الَّتِي ذكرها الله عز وجل في الأنعام وما سقانا من بطونها من اللَّبن الخالِص السائغ الهنيء المريء الخارِج من بَين الفرث والدَّم، فَتَأمل كَيفَ ينزل الغذاء من أفواهها إلى المعدة فينقلب بعضه دَمًا بإذن الله وما يسرى في عروقها وأعضائها وشحومها ولحومها فَإذا أرسلته العُرُوق في مجاريها إلى جملَة الأجزاء قلبه كل عُضْو أوْ عصب وغضروف وشعر وظفر وحافر إلى طَبِيعَته ثمَّ يبْقى الدَّم في تِلْكَ الخزائن الَّتِي لَهُ إذْ بِهِ قوام الحَيَوان، ثمَّ ينصب ثقله إلى الكرش فَيصير زبلا، ثمَّ يَنْقَلِب باقِيَة لَبَنًا صافيا أبيض سائغا للشاربين فَيخرج من بَين الفرث والدَّم حَتّى إذا أنهكت الشّاة أوْ غَيرها حَلبًا خرج الدَّم مشوبا بحمرة فصفى الله سُبْحانَهُ الألطف من الثفل بالطبخ الأول فانفصل إلى الكبد وصارَ دَمًا وكانَ مخلوطا بالأخلاط الأربعة فَأذْهب الله عز وجل كل خلط مِنها إلى مقره وخزانته المهيأة لَهُ من المرارة والطحال والكلية، وباقِي الدَّم الخالِص يدْخل في أوردة الكبد فينصب من تِلْكَ العُرُوق إلى الضَّرع فيقلبه الله تبارك وتَعالى من صُورَة الدَّم وطبعه وطعمه إلى صُورَة اللَّبن وطبعه وطعمه فاستخرج من الفرث والدَّم، فسل المُعَطل الجاحد من الَّذِي دبر هَذا التَّدْبِير وقدر هَذا التَّقْدِير وأتقن هَذا الصنع ولطف هَذا اللطف سوى اللَّطِيف الخَبِير.

16:67Page 274

وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧

And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском