Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:84–110
17:84Page 290
قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا ٨٤
Say, "Each works according to his manner, but your Lord is most knowing of who is best guided in way."
قالَ شَقِيق بن إبْراهِيم أغلق باب التَّوْفِيق عَن الخلق من سِتَّة أشْياء:
اشتغالهم بِالنعْمَةِ عَن شكرها ورغبتهم في العلم وتركهم العَمَل والمسارعة إلى الذَّنب وتَأْخِير التَّوْبَة والاغترار بِصُحْبَة الصّالِحين وترك الِاقْتِداء بفعالهم وإدبار الدُّنْيا عَنْهُم وهم يتبعونها وإقبال الآخِرَة عَلَيْهِم وهم معرضون عَنْها.
قلت وأصل ذَلِك عدم الرَّغْبَة والرهبة وأصله ضعف اليَقِين وأصله ضعف البصيرة وأصله مهانة النَّفس ودناءتها واستبدال الَّذِي هو أدنى بِالَّذِي هو خير وإلّا فَلَو كانَت النَّفس شريفة كَبِيرَة لم ترض بالدون فَأصل الخَيْر كُله بِتَوْفِيق الله ومشيئته وشرف النَّفس ونبلها وكبرها وأصل الشَّرّ خستها ودناءتها وصغرها قالَ تَعالى قَدْ أفْلح من زكاها وقد خابَ من دساها أي أفْلح من كبرها وكثرها ونماها بِطاعَة الله وخاب من صغرها وحقرها بمعاصي الله فالنفوس الشَّرِيفَة لا ترْضى من الأشْياء إلّا بِأعْلاها وأفضلها وأحمدها عاقِبَة والنفوس الدنيئة تحوم حول الدناءات وتَقَع عَلَيْها كَما يَقع الذُّباب على الأقذار فالنَّفْس الشَّرِيفَة العلية لا ترْضى بالظلم ولا بالفواحش ولا بِالسَّرقَةِ والخيانة لِأنَّها أكبر من ذَلِك وأجلّ والنَّفس المهينة الحقيرة والخسيسة بالضد من ذَلِك فَكل نفس تميل إلى ما يُناسِبها ويشاكلها وهَذا معنى قَوْله تَعالى ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه﴾
أي على ما يشاكله ويناسبه فَهو يعْمل على طَرِيقَته الَّتِي تناسب أخلاقه وطبيعته وكل إنْسان يجْرِي على طَرِيقَته ومذهبه وعادته الَّتِي ألفها وجبل عَلَيْها فالفاجر يعْمل بِما يشبه طَرِيقَته من مُقابلَة النعم بِالمَعاصِي والإعراض عَن النعم والمُؤمن يعْمل بِما يشاكله من شكر النعم ومحبته والثناء عَلَيْهِ والتودد إلَيْهِ والحياء مِنهُ والمراقبة لَهُ وتعظيمه وإجلاله.
(لطيفة)
علمت كلبك فَهو يتْرك شَهْوَته في تناول ما صاده احتراما لنعمتك، وخوفا من سطوتك.
وَكم علمك معلم الشَّرْع وأنت لا تقبل.
حرم صيد الجاهِل والممسك لنَفسِهِ فَما ظن الجاهِل الَّذِي أعماله لهوى نَفسه؟
جمع فِيك عقل الملَك، وشهوة البَهِيمَة، وهوى الشَّيْطان.
وَأنت للْغالِب عَلَيْك من الثَّلاثَة.
إن غلبت شهوتك وهواك زِدْت على مرتبَة ملك.
وَإن غلبك هَواك وشهوتك نقصت عَن مرتبَة كلب.
لما صاد الكَلْب لرَبه أُبِيح صَيْده.
وَلما أمسك على نَفسه حرم ما صاده.
(فصل لَذَّة كل أحد على حسب قدره وهمّته وشرف نَفسه)
فَأشْرَف النّاس نفسا وأعْلاهم همّة وأرفعهم قدرا من لذّته في معرفَة الله ومحبته والشوق إلى لِقائِه والتودد إلَيْهِ بِما يُحِبهُ ويرضاه، فلذته في إقباله عَلَيْهِ وعكوف همته عَلَيْهِ ودون ذَلِك مَراتِب لا يحصيها إلّا الله حَتّى تَنْتَهِي إلى من لذته في أخس الأشْياء من القاذورات والفَواحِش في كل شَيْء من الكَلام والفعال والأشغال فَلَو عرضت عَلَيْهِ ما يلتذ بِهِ الأول لم تسمح نَفسه بقبوله ولا الِالتِفات إلَيْهِ ورُبما تألمت من ذَلِك كَما أن الأول إذا عرض عَلَيْهِ ما يلتذ بِهِ هَذا لم تسمح نَفسه بِهِ ولم تلْتَفت إلَيْهِ ونفرت نَفسه مِنهُ وأكمل النّاس لَذَّة من جمع لَهُ بَين لَذَّة القلب والروح ولَذَّة البدن فَهو يتَناوَل لذاته المُباحَة على وجه لا ينقص حَظه من الدّار والآخِرَة ولا يقطع عَلَيْهِ لَذَّة المعرفَة والمحبة والأنس بربه فَهَذا مِمَّن قالَ تَعالى فِيهِ قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قل هَل هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ وأبخسهم حظا من اللَّذَّة من تناولها على وجه يحول بَينه وبَين لذات الآخِرَة فَيكون مِمَّن يُقال لَهُم يَوْم اسْتِيفاء اللَّذّات أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَهَؤُلاءِ تمَتَّعُوا بالطيبات وأُولَئِكَ تمَتَّعُوا بالطيبات وافترقوا في وجه التَّمَتُّع فَأُولَئِك تمَتَّعُوا بها على الوَجْه الَّذِي أذن لَهُم فِيهِ فَجمع لَهُم بَين لَذَّة الدُّنْيا والآخِرَة وهَؤُلاء تمَتَّعُوا بها على الوَجْه الَّذِي دعاهم إلَيْهِ الهوى والشهوة وسَواء أذن لَهُم فِيهِ أم لا فانْقَطَعت عَنْهُم لَذَّة الدُّنْيا وفاتتهم لَذَّة الآخِرَة فَلا لَذَّة الدُّنْيا دامَت لَهُم ولا لَذَّة الآخِرَة حصلت لَهُم فَمن أحب اللَّذَّة ودوامها والعيش الطيّب فليجعل لَذَّة الدُّنْيا موصلا لَهُ إلى لَذَّة الآخر بِأن يَسْتَعِين بها على فراغ قلبه لله وإرادته وعبادته فيتناولها بِحكم الِاسْتِعانَة والقُوَّة على طلبه لا بِحكم مُجَرّد الشَّهْوَة والهوى وإن كانَ مِمَّن زويت عَنهُ لذات الدُّنْيا وطيباتها فليجعل ما نقص مِنها زِيادَة في لَذَّة الآخِرَة ويجم نَفسه هاهُنا بِالتّرْكِ ليستوفيها كامِلَة هُناكَ فطيبات الدُّنْيا ولذاتها نعم العون لمن صَحَّ طلبه لله والدّار الآخِرَة وكانَت همه لما هُناكَ وبئسَ القاطِع لمن كانَت هي مَقْصُوده وهمته وحولها يدندن وفواتها في الدُّنْيا نعم العون لطالب الله والدّار الآخِرَة وبئسَ القاطِع النازع من الله والدّار الآخِرَة فَمن أخذ مَنافِع الدُّنْيا على وجه لا ينقص حَظه من الآخِرَة ظفر بهما جَمِيعًا وإلّا خسرهما جَمِيعًا.
سُبْحانَ الله رب العالمين لَو لم يكن في ترك الذُّنُوب والمعاصي إلّا إقامَة المُرُوءَة وصون العرض وحفظ الجاه وصيانة المال الَّذِي جعله الله قواما لمصالح الدُّنْيا والآخِرَة ومحبة الخلق وجوار القَوْل بَينهم وصَلاح المعاش وراحة البدن وقُوَّة القلب وطيب النَّفس ونعيم القلب وانشراح الصَّدْر والأمن من مخاوف الفُسّاق والفجار وقلة الهم والغَم والحزن وعز النَّفس عَن احْتِمال الذل وصون نور القلب أن تطفئه ظلمَة المعْصِيَة وحُصُول المخْرج لَهُ مِمّا ضاقَ على الفُسّاق والفجار وتيسر الرزق عَلَيْهِ من حَيْثُ لا يحْتَسب وتيسير ما عسر على أرْباب الفسوق والمعاصي وتسهيل الطّاعات عَلَيْهِ وتيسير العلم والثناء الحسن في النّاس وكَثْرَة الدُّعاء لَهُ والحلاوة الَّتِي يكتسبها وجهه المهابة الَّتِي تلقى لَهُ في قُلُوب النّاس وانتصارهم وحميتهم لَهُ إذا أوذي وظلم وذبهم عَن عرضه إذا اغتابه مغتاب وسُرْعَة إجابَة دُعائِهِ وزَوال الوحشة الَّتِي بَينه وبَين الله وقرب المَلائِكَة مِنهُ وبعد شياطين الإنْس والجِنّ مِنهُ وتنافس النّاس على خدمته وقَضاء حَوائِجه وخطبتهم لمودته وصحبته وعدم خَوفه من المَوْت بل يفرح بِهِ لقدومه على ربه ولقائه لَهُ ومصيره إلَيْهِ وصغر الدُّنْيا في قلبه وكبر الآخِرَة عِنْده وحرصه على الملك الكَبِير والفوز العَظِيم فِيها وذوق حلاوة الطّاعَة ووجد حلاوة الإيمان ودُعاء حَملَة العَرْش ومن حوله من المَلائِكَة لَهُ وفَرح الكاتِبين بِهِ ودعائهم لَهُ كل وقت والزِّيادَة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته وحُصُول محبَّة الله لَهُ وإقباله عَلَيْهِ وفرحه بتويته وهَكَذا يجازيه بفرح وسرور لا نِسْبَة لَهُ إلى فرحه وسروره بالمعصية بِوَجْه من الوُجُوه
فَهَذِهِ بعض آثار ترك المعاصِي في الدُّنْيا فَإذا ماتَ تَلَقَّتْهُ المَلائِكَة بالبشرى من ربه بِالجنَّةِ وبِأنَّهُ لا خوف عَلَيْهِ ولا حزن وينتقل من سجن الدُّنْيا وضيقها إلى رَوْضَة من رياض الجنَّة ينعم فِيها إلى يَوْم القِيامَة فَإذا كانَ يَوْم القِيامَة كانَ النّاس في الحر والعرق وهو في ظلّ العَرْش فَإذا انصرفوا من بَين يَدي الله أخذ بِهِ ذات اليَمين مَعَ أوليائه المُتَّقِينَ وحزبه المفلحين وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو فضل عَظِيم.
[فَصْلٌ تَعْرِيفُ الإرادَةِ]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ " رَحِمَهُ اللَّهُ:
بابُ الإرادَةِ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤].
فِي تَصْدِيرِهِ البابَ بِهَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِهِ. وجَلالَةِ مَحِلِّهِ مِن هَذا العِلْمِ. فَإنَّ مَعْنى الآيَةِ: كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى كُلِّ ما يُشاكِلُهُ، ويُناسِبُهُ، ويَلِيقُ بِهِ. فالفاجِرُ يَعْمَلُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ. وكَذَلِكَ الكافِرُ والمُنافِقُ، ومُرِيدُ الدُّنْيا وجِيفَتِها عامِلٌ عَلى ما يُناسِبُهُ، ولا يَلِيقُ بِهِ سِواهُ. ومُحِبُّ الصُّوَرِ: عامِلٌ عَلى ما يُناسِبُهُ ويَلِيقُ بِهِ.
فَكُلُّ امْرِئٍ يَهْفُو إلى ما يُحِبُّهُ وكُلُّ امْرِئٍ يَصْبُو إلى ما يُناسِبُهُ فالمُرِيدُ الصّادِقُ المُحِبُّ لِلَّهِ: يَعْمَلُ ما هو اللّائِقُ بِهِ والمُناسِبُ لَهُ. فَهو يَعْمَلُ عَلى شاكِلَةِ إرادَتِهِ. وما هو الألْيَقُ بِهِ، والأنْسَبُ لَها.
قالَ: الإرادَةُ مِن قَوانِينِ هَذا العِلْمِ، وجَوامِعِ أبْنِيَتِهِ. وهي الإجابَةُ لِدَواعِي الحَقِيقَةِ، طَوْعًا أوْ كَرْهًا.
يُرِيدُ: أنَّ هَذا العِلْمَ مَبْنِيٌّ عَلى الإرادَةِ. فَهي أساسُهُ، ومَجْمَعُ بِنائِهِ. وهو مُشْتَمِلٌ عَلى تَفاصِيلِ أحْكامِ الإرادَةِ. وهي حَرَكَةُ القَلْبِ. ولِهَذا سُمِّيَ عِلْمَ الباطِنِ كَما أنَّ عِلْمَ الفِقْهِ يَشْتَمِلُ عَلى تَفاصِيلِ أحْكامِ الجَوارِحِ. ولِهَذا سَمَّوْهُ عِلْمَ الظّاهِرِ
فَهاتانِ حَرَكَتانِ اخْتِيارِيَّتانِ. ولِلْعَبْدِ حَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ اضْطِرارِيَّةٌ. فالعِلْمُ المُشْتَمِلُ عَلى تَفاصِيلِها، وأحْكامِها: هو عِلْمُ الطِّبِّ. فَهَذِهِ العُلُومُ الثَّلاثَةُ: هي الكَفِيلَةُ بِمَعْرِفَةِ حَرَكاتِ النَّفْسِ والقَلْبِ. وحَرَكاتِ اللِّسانِ والجَوارِحِ، وحَرَكاتِ الطَّبِيعَةِ.
فالطَّبِيبُ: يَنْظُرُ في تِلْكَ الحَرَكاتِ مِن جِهَةِ تَأثُّرِ البَدَنِ عَنْها صِحَّةً واعْتِلالًا، وفي لَوازِمِ ذَلِكَ ومُتَعَلِّقاتِهِ.
والفَقِيهُ: يَنْظُرُ في تِلْكَ الحَرَكاتِ مِن جِهَةِ مُوافَقَتِها لِأمْرِ الشَّرْعِ، ونَهْيِهِ وإذْنِهِ، وكَراهَتِهِ، ومُتَعَلِّقاتِ ذَلِكَ.
والصُّوفِيُّ: يَنْظُرُ في تِلْكَ الحَرَكاتِ مِن جِهَةِ كَوْنِها مُوَصِّلَةً لَهُ إلى مُرادِهِ. أوْ قاطِعَةً عَنْهُ، ومُفْسِدَةً لِقَلْبِهِ، أوْ مُصَحِّحَةً لَهُ.
وَأمّا قَوْلُهُ: وهي الإجابَةُ لِداعِي الحَقِيقِيَّةِ
فالإجابَةُ هي الِانْقِيادُ، والإذْعانُ. والحَقِيقَةُ عِنْدَهُمْ: مُشاهَدَةُ الرُّبُوبِيَّةِ. والشَّرِيعَةُ التِزامُ العُبُودِيَّةِ.
فالشَّرِيعَةُ: أنْ تَعْبُدَه. والحَقِيقَةُ: أنْ تَشَهَدُهُ.
فالشَّرِيعَةُ: قِيامُكَ بِأمْرِهِ. والحَقِيقَةُ: شُهُودُكَ لِوَصْفِهِ. وداعِي الحَقِيقَةِ: هو صِحَّةُ المَعْرِفَةِ. فَإنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ أحَبَّهُ ولا بُدَّ.
وَلا بُدَّ في هَذِهِ الإجابَةِ مِن ثَلاثَةِ أشْياءَ: نَفْسٌ مُسْتَعِدَّةٌ قابِلَةٌ. لا تُعْوِزُ إلّا الدّاعِيَ. ودَعْوَةٌ مُسْتَمَعَةٌ، وتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ مِنَ المانِعِ.
فَما انْقَطَعَ مَنِ انْقَطَعَ إلّا مِن جِهَةٍ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الثَّلاثِ.
وَقَوْلُهُ: طَوْعًا أوْ كَرْهًا يُشِيرُ إلى المَجْذُوبِ، المُخْتَطَفِ مِن نَفْسِهِ، والسّالِكِ إرادَةً واخْتِيارًا ومُجاهَدَةً.
(فائدة)
من الناس من يكون سيد عمله وطريقه الذي يعد سلوكه إلى الله طريق العلم والتعليم، قد وفر عليه زمانه مبتغيًا به وجه الله فلا يزال كذلك عاكفًا على طريق العلم والتعليم حتى يصل من تلك الطريق إلى الله ويفتح له فيها الفتح الخاص أو يموت في طريق طلبه فيرجى له الوصول إلى مطلبه بعد مماته.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى الله ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ على الله﴾ [النساء: ١٠٠].
وقد حكي عن جماعة كثيرة ممن أدركه الأجل وهو حريص طالب للقرآن أنه رؤي بعد موته وأخبره أنه في تكميل مطلوبه وأنه يتعلم في البرزخ، فإن العبد يموت على ما عاش عليه.
ومن الناس من يكون سيد عمله الذكر وقد جعله زاده لمعاده ورأْس ماله لمآله، فمتى فتر عنه أو قصر رأى أنه قد غبن وخسر، ومن الناس من يكون سيد عمله وطريقه الصلاة، فمتى قصر في ورده منها أو مضى عليه وقت وهو غير مشغول بها أو مستعد لها أظلم عليه وقته وضاق صدره.
ومن الناس من يكون طريقه الإحسان والنفع المتعدى، كقضاءِ الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وأنواع الصدقات، قد فتح له في هذا وسلك منه طريقًا إلى ربه. ومن الناس من يكون طريقه تلاوة القرآن وهي الغالب على أوقاته وهي أعظم أورداه. ومن الناس من يكون طريقه الصوم، فهو متى أفطر تغير عليه قلبه وساءَت حاله.
ومنهم يكون طريقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد فتح الله له فيه ونفذ منه إلى ربه، ومنهم من يكون طريقه الذي نفذ فيه الحج والاعتمار. ومنهم من يكون طريقه قطع العلائق وتجريد الهمة ودوام المراقبة ومراعاة الخواطر وحفظ الأوقات أن تذهب ضائعة.
ومنهم من جامع المنفذ السالك إلى الله في كل واد الواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قبلة قلبه ونصب عينه يؤمها أين كانت ويسير معها حيث سارت قد ضرب من كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك: إن كان علم وجدته مع أهله، أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو ومراقبة ومحبه وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أنّى استقلت ركائبها، ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها، لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال: أريد أن أنفذ أوامر ربي حيث كانت وأين كانت، جالبة ما جلبت مقتضية ما اقتضت جمعيتين أو فرقتين أو فرقتني، ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها مراقبًا له فيها عاكفًا عليه بالروح والقلب والبدن والسر، قد سلمت إليه المبيع منتظرًا منه تسليم الثمن: ﴿إنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّة﴾ [التوبة: ١١١]، فهذا هو العبد السالك إلى ربه النافذ إليه حقيقة.
ومعنى النفوذ إليه أن يتصل به قلبه ويعلق به تعلق المحب التام المحبه بمحبوبه فيسلو به عن جميع
المطالب سواه، فلا يبقى في قلبه إلا محبة الله وأمره وطلب التقريب إليه.
فإذا سلك العبد على هذا الطريق عطف عليه ربه فقربه واصطفاه وأخذ بقلبه إليه وتولاه في جميع أموره في معاشه ودينه وتولى تربيته أحسن وأبلغ مما يربي الوالد الشفيق ولده، فإنه سبحانه القيوم المقيم لكل شيء من المخلوقات طائعها وعاصيها، فكيف تكون قيوميته بمن أحبه وتولاه وآثره على ما سواه، ورضي به من الناس حبيبًا وربًا، ووكيلًا وناصرًا ومعينًا وهاديًا، فلو كشف الغطاءَ عن ألطافه وبره وصنعه له من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه حبا ًله وشوقًا إليه ويقع شكرًا له، ولكن حجب القلوب عن مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك تقدير العزيز العليم.
وإلا فأي قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى غيره ويسكن إلى ما سواه؟
هذا ما لا يكون أبدًا، ومن ذاق شيئًا من ذلك وعرف طريقًا موصلة إلى الله ثم تركها وأقبل على إرادته وراحاته وشهواته ولذاته وقع في آثار المعاطب وأودع قلبه سجون المضايق وعذب في حياته عذابًا لم يعذبه أحد من العالمين، فحياته عجز وغم وحزن، وموته كدر وحسرة، ومعاده أسف وندامة، قد فرط عليه أمره وشتت عليه شمله، وأحضرت نفسه الغموم والأحزان، فلا لذة الجاهلين ولا راحة العارفين، يستغيث فلا يغاث ويشتكي فلا يشكى، فقد ترحلت أفراحه وسروره مدبرة وأقبلت آلامه، وأحزانه وحسراته مقبلة، فقد أُبدل بأُنسه وحشه وبعزه ذلًا وبغناه فقرًا وبجمعيته تشتيتًا، وأبعدوه فلم يظفر بقربهم، وأبدلوه مكان الأنس إيحاشًا، ذلك بأنه عرف طريقه إلى الله ثم تركها وناكبًا عنها مكبًا على وجهه، فأبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر، وأقبل ثم أدبر ودعى فما أجاب، وفتح له فولى ظهره الباب، قد ترك طريق مولاه وأقبل بكليته على هواه، فلو نال بعض حظوظه وتلذذ براحاته وشئونه فهو مقيد القلب عن انطلاقه في فسيح التوحيد وميادين الأُنس ورياض المحبة وموائد القرب، قد انحط بسبب إعراضه عن إلهه الحق إلى أسفل السافلين، وحصل في عداد الهالكين فنار الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده، وإعراض الكون عنه - إذ أعرض عن ربه - حائل بينه وبين مراده، فهو قبر يمشي على وجه الأرض فروحه في وحشة من جسمه وقلبه في ملال من حياته، يتمنى الموت ويشتهيه ولو كان فيه ما فيه، حتى إذا جاءه الموت على تلك الحال والعياذ بالله فلا تسأل عما يحل به من العذاب الأليم بسب وقوع الحجاب بينه وبين مولاه الحق وإحداقه بنار البعد عن قربه والإعراض عنه وقد حيل بينه وبين سعادته وأمنيته.
فلو توهم العبد المسكين هذه الحال وصورتها له نفسه وأرته إياها على حقيقتها لتقطع والله قلبه ولم يلتذ بطعام ولا شراب، ولخرج إلى الصعدات يجأر إلى الله ويستغيث به ويستعتبه في زمن الاستعتاب، هذا مع أنه إذا آثر شهواته ولذاته الفانية التي كخيال طيف أو مزنة صيف نغصت عليه لذاتها أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها أقدر ما كان عليه، وتلك سنة الله في خلقه كما قال تعالى: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضِ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمرُنا لَيْلًا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ، كَذَلِكَ نُفصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
17:85Page 290
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٥
And they ask you, [O Muḥammad], about the soul. Say, "The soul is of the affair [i.e., concern] of my Lord. And you [i.e., mankind] have not been given of knowledge except a little."
[فصل: هل الروح قديمة أم محدثة مخلوقة]
وهي هل الروح قديمة أو محدثة مخلوقة، وإذا كانت محدثة مخلوقة وهي من أمر اللّه فكيف يكون أمر اللّه محدثا مخلوقا؟ وقد أخبر سبحانه أنه نفخ في آدم من روحه فهذه الإضافة إليه هل تدل على أنها قديمة أم لا؟
وما حقيقة هذه الإضافة؟
فقد أخبر عن آدم أنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، فأضاف اليد والروح إليه إضافة واحدة؟
فهذه مسألة زل فيها عالم، وضلت فيها طوائف من بني آدم. وهدى اللّه أتباع رسوله فيها للحق المبين والصواب المستبين، فأجمعت الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم على أنها محدثة مخلوقة مصنوعة مربوبة مدبرة. هذا معلوم بالاضطرار من دين الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم، كما يعلم بالاضطرار من دينهم أن العالم حادث، وأن معاد الأبدان واقع، وأن اللّه وحده الخالق، وكل ما سواه مخلوق له، وقد انطوى عصر الصحابة والتابعين وتابعيهم وهم القرون الفضيلة على ذلك من غير اختلاف بينهم في حدوثها وأنها مخلوقة، حتى نبغت نابغة ممن قصر فهمه في الكتاب والسنّة فزعم أنها قديمة غير مخلوقة، واحتج بأنها من أمر اللّه، وأمره غير مخلوق، وبأن اللّه تعالى أضافها إليه كما أضاف إليه علمه وكتابه وقدرته وسمعه وبصره ويده، وتوقف آخرون فقالوا: لا نقول مخلوقة ولا غير مخلوقة.
وسئل عن ذلك حافظ أصبهان: أبو عبد اللّه بن منده فقال: أما بعد فإن سائلا سألني عن الروح التي جعلها اللّه سبحانه قوام نفس الخلق وأبدانهم وذكر أقواما تكلموا في الروح وزعموا أنها غير مخلوقة وخص بعضهم منها أرواح القدس وأنها من ذات اللّه، قال وأنا أذكر اختلاف أقاويل متقدميهم وأبين ما يخالف أقاويلهم من الكتاب والأثر وأوضح خطأ المتكلم في الروح بغير علم وأن كلامهم يوافق قول جهم وأصحابه.
فنقول وباللّه التوفيق:
إن الناس اختلفوا في معرفة الأرواح ومحلها من النفس.
١ - فقال بعضهم: الأرواح كلها مخلوقة، وهذا مذهب أهل الجماعة والأثر.
واحتجوا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».
والجنود المجندة لا تكون إلا مخلوقة.
٢ - وقال بعضهم: الأرواح من أمر اللّه، أخفى اللّه حقيقتها وعلمها عن الخلق واحتجوا بقول اللّه تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾.
٣ - وقال بعضهم: الأرواح نور من نور اللّه تعالى وحياة من حياته واحتجوا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن اللّه خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره»
ثم ذكر الخلاف في الأرواح هل تموت أم لا؟ وهل تعذب مع الأجساد في البرزخ وفي مستقرها بعد الموت؟ وهل هي النفس أو غيرها.
٤ - وقال محمد بن نصر المروزي في كتابه: تأول صنف من الزنادقة وصنف من الروافض في روح آدم ما تأولته النصارى في روح عيسى، وما تأوله قوم من أن الروح انفصل من ذات اللّه فصار في المؤمن فعبد صنف من النصارى عيسى ومريم جميعا، لأن عيسى عندهم روح من اللّه صار في مريم فهو غير مخلوق عندهم.
٥ - وقال صنف من الزنادقة وصنف من الروافض: إن روح آدم مثل ذلك أنه غير مخلوق، وتأولوا قوله تعالى: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ فزعموا أن روح آدم ليس بمخلوق كما تأول من قال: إن النور من الرب غير مخلوق، قال: ثم صاروا بعد آدم في الوصي بعده، ثم هو في كل نبي ووصي إلى أن صار في علي ثم في الحسن والحسين، ثم في كل وصي وإمام فيه يعلم الإمام كل شيء ولا يحتاج أن يتعلم من أحد.
ولا خلاف بين المسلمين أن الأرواح التي في آدم وبنيه وعيسى ومن سواه من بني آدم كلها مخلوقة للّه، خلقها وأنشأها وكونها واخترعها ثم أضافها إلى نفسه كما أضاف إليه سائر خلقه قال تعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾.
٦ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: روح الآدمي مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وائمتها وسائر أهل السنّة.
وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من ائمة المسلمين مثل محمد بن نصر المروزي الإمام المشهور الذي هو من أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، وكذلك أبو محمد بن قتيبة قال في (كتاب اللفظ) لما تكلم على الروح قال: النسم الأرواح.
قال وأجمع الناس على أن اللّه تعالى هو خالق الحبة وبارئ النسمة أي خالق الروح.
وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: سألت رحمك اللّه عن الروح مخلوقة هي أو غير مخلوقة؟
قال: وهذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب أو الروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة، وصنف الحافظ أبو عبد اللّه بن منده في ذلك كتابا كبيرا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره والشيخ أبو سعيد الخراز وأبو يعقوب النهر جوري والقاضي أبو يعلى.
وقد نص على ذلك الأئمة الكبار واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في روح عيسى ابن مريم، فكيف بروح غيره.
17:86Page 290
وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦
And if We willed, We could surely do away with that which We revealed to you. Then you would not find for yourself concerning it an advocate against Us.
No commentary for this ayah
17:87Page 291
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧
Except [We have left it with you] as a mercy from your Lord. Indeed, His favor upon you has ever been great.
No commentary for this ayah
17:88Page 291
قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨
Say, "If mankind and the jinn gathered in order to produce the like of this Qur’ān, they could not produce the like of it, even if they were to each other assistants."
No commentary for this ayah
17:89Page 291
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٨٩
And We have certainly diversified for the people in this Qur’ān from every [kind of] example, but most of the people refused except disbelief.
No commentary for this ayah
17:90Page 291
وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠
And they say, "We will not believe you until you break open for us from the ground a spring
No commentary for this ayah
17:91Page 291
أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١
Or [until] you have a garden of palm trees and grapes and make rivers gush forth within them in force [and abundance]
No commentary for this ayah
17:92Page 291
أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢
Or you make the heaven fall upon us in fragments as you have claimed or you bring Allāh and the angels before [us]
No commentary for this ayah
17:93Page 291
أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣
Or you have a house of ornament [i.e., gold] or you ascend into the sky. And [even then], we will not believe in your ascension until you bring down to us a book we may read." Say, "Exalted is my Lord! Was I ever but a human messenger?"
No commentary for this ayah
17:94Page 291
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤
And what prevented the people from believing when guidance came to them except that they said, "Has Allāh sent a human messenger?"
No commentary for this ayah
17:95Page 291
قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥
Say, "If there were upon the earth angels walking securely,1 We would have sent down to them from the heaven an angel [as a] messenger."
No commentary for this ayah
17:96Page 291
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦
Say, "Sufficient is Allāh as Witness between me and you. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing."
No commentary for this ayah
17:97Page 292
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧
And whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides, We increase [for] them blazing fire.
No commentary for this ayah
17:98Page 292
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨
That is their recompense because they disbelieved in Our verses and said, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected [in] a new creation?"
No commentary for this ayah
17:99Page 292
۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩
Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth, is [the one] Able to create the likes of them? And He has appointed for them a term, about which there is no doubt. But the wrongdoers refuse except disbelief.
No commentary for this ayah
17:100Page 292
قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠
Say [to them], "If you possessed the depositories of the mercy of my Lord, then you would withhold out of fear of spending." And ever has man been stingy.
No commentary for this ayah
17:101Page 292
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١
And We had certainly given Moses nine evident signs, so ask the Children of Israel [about] when he came to them and Pharaoh said to him, "Indeed I think, O Moses, that you are affected by magic."
No commentary for this ayah
17:102Page 292
قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢
[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."
No commentary for this ayah
17:103Page 292
فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣
So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.
No commentary for this ayah
17:104Page 292
وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤
And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."
No commentary for this ayah
17:105Page 293
وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥
And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
No commentary for this ayah
17:106Page 293
وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦
And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.
No commentary for this ayah
17:107Page 293
قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧
Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,
No commentary for this ayah
17:108Page 293
وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨
And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."
No commentary for this ayah
17:109Page 293
وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩
And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.
No commentary for this ayah
17:110Page 293
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا ١١٠
Say, "Call upon Allāh or call upon the Most Merciful [ar-Raḥmān]. Whichever [name] you call - to Him belong the best names." And do not recite [too] loudly in your prayer or [too] quietly but seek between that an [intermediate] way.
أما قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسماءُ الحُسْنى﴾
فهذا الدعاء المشهور وأنه دعاء المسألة وهو سبب النزول قالوا: "كان النبي ﷺ يدعوا ربه فيقول مرة "يا الله" ومرة: "يا رحمن" فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعوا إليهين فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال ابن عباس: "سمع المشركون النبي ﷺ يدعو في سجوده (يا رحمن يا رحيم) فقالوا: هذا يزعم أنه يدعوا واحدا وهو يدعوا مثنى مثنى فأنزل الله هذه الآية ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أو ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾.
وقيل إن الدعاء هاهنا بمعنى التسمية كقولهم: "دعوت ولدي سعيدا" "وادعه بعبد الله" ونحوه والمعنى: سموا الله أو أو سموا الرحمن فالدعاء هاهنا بمعنى التسمية وهذا قول الزمخشري والذي حمله على هذا قوله: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسماءُ الحُسْنى﴾ فإن المراد بتعدده معنى أي وعمومها هاهنا تعدد الأسماء ليس إلا والمعنى أي اسم سميتموه به من أسماء الله تعالى إما الله إما الرحمن فله الأسماء الحسنى أي فللمسمى سبحانه الأسماء الحسنى والضمير في (له) يعود إلى المسمى فهذا الذي أوجب له أن يحمل الدعاء في الداء في هذه الآية على التسمية وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المرادبالدعاء في الآية وليس هو عين المراد بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن وهو دعاء السؤال ودعاء الثناء ولكنه متضمن معنى التسمية فليس المراد مجرد التسمية الخالية عن العبادة والطلب بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب فعلى هذا المعنى يصح أن يكون في (تدعوا) معنى تسموا فتأمله؛ والمعنى أيا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم والله أعلم.
[فَصْلٌ: سِرُّ التَّفْرِقَةِ في الوَصْفِ بَيْنَ صَلاةِ اللَّيْلِ وصَلاةِ النَّهارِ]
وَأمّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ صَلاةِ اللَّيْلِ وصَلاةِ النَّهارِ في الجَهْرِ والإسْرارِ فَفي غايَةِ المُناسَبَةِ والحِكْمَةِ؛ فَإنَّ اللَّيْلَ مَظِنَّةُ هُدُوءِ الأصْواتِ وسُكُونِ الحَرَكاتِ وفَراغِ القُلُوبِ واجْتِماعِ الهِمَمِ المُشَتَّتَةِ بِالنَّهارِ، فالنَّهارُ مَحِلُّ السَّبْحِ الطَّوِيلِ بِالقَلْبِ والبَدَنِ، واللَّيْلُ مَحِلُّ مُواطَأةِ القَلْبِ لِلِّسانِ ومُواطَأةِ اللِّسانِ لِلْأُذُنِ؛ ولِهَذا كانَتْ السُّنَّةُ تَطْوِيلُ قِراءَةِ الفَجْرِ عَلى سائِرِ الصَّلَواتِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيها بِالسِّتِّينَ إلى المِائَةِ، وكانَ الصِّدِّيقُ يَقْرَأُ فِيها بِالبَقَرَةِ، وعُمَرُ بِالنَّحْلِ وهُودٍ وبَنِي إسْرائِيلَ ويُونُسَ ونَحْوِها مِن السُّوَرِ؛ لِأنَّ القَلْبَ أفْرَغُ ما يَكُونُ مِن الشَّواغِلِ حِينَ انْتِباهِهِ مِن النَّوْمِ، فَإذا كانَ أوَّلُ ما يَقْرَعُ سَمْعَهُ كَلامَ اللَّهِ الَّذِي فِيهِ الخَيْرُ كُلُّهُ بِحَذافِيرِهِ صادَفَهُ خالِيًا مِن الشَّواغِلِ فَتَمَكَّنَ فِيهِ مِن غَيْرِ مُزاحِمٍ؛ وأمّا النَّهارُ فَلَمّا كانَ بِضِدِّ ذَلِكَ كانَتْ قِراءَةُ صَلاتِهِ سِرِّيَّةً إلّا إذا عارَضَ في ذَلِكَ مُعارِضٌ أرْجَحُ مِنهُ، كالمَجامِعِ العِظامِ في العِيدَيْنِ والجُمُعَةِ والِاسْتِسْقاءِ والكُسُوفِ؛ فَإنَّ الجَهْرَ حِينَئِذٍ أحْسَنُ وأبْلَغُ في تَحْصِيلِ المَقْصُودِ، وأنْفَعُ لِلْجَمْعِ، وفِيهِ مِن قِراءَةِ كَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وتَبْلِيغِهِ في المَجامِعِ العِظامِ ما هو مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ الرِّسالَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences