Ibn al-QayyimAl‑Isra · 17:57–72

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:57–72

17:57Page 287

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧

Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.

(فائدة)

الخوف أحد أركان الإيمان والإحسان الثلاثة التي عليها مدار مقامات السالكين جميعها وهي: الخوف، والرجاءُ، والمحبة، وقد ذكره سبحانه في قوله: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكم ولا تحويلا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧]

فجمع بين المقامات الثلاثة، فإن ابتغاءَ الوسيلة إليه هو التقرب إليه بحبه وفعل ما يحبه. ثم يقول: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُون عَذابَهُ)، فذكر الحب والخوف والرجاءَ، والمعنى أن الذين تدعونهم من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين يتقربون إلى ربهم ويخافونه ويرجونه، فهم عبيده كما أنكم عبيده، فلماذا تعبدونهم من دونه وأنتم وهم عبيد له؟

(فصل)

وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الرَّجاءِ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] فابْتِغاءُ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ: طَلَبُ القُرْبِ مِنهُ بِالعُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ. فَذَكَرَ مَقاماتِ الإيمانِ الثَّلاثَةَ الَّتِي عَلَيْها بِناؤُهُ: الحُبَّ، والخَوْفَ، والرَّجاءَ. قالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]، وقالَ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ - قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ -: «لا يَمُوتَنَّ أحَدُكم إلّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ»، وفي الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي ما شاءَ».

" الرَّجاءُ " حادٍ يَحْدُو القُلُوبَ إلى بِلادِ المَحْبُوبِ. وهو اللَّهُ والدّارُ الآخِرَةُ. ويَطِيبُ لَها السَّيْرُ.

وَقِيلَ: هو الِاسْتِبْشارُ بِجُودِ وفَضْلِ الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى. والِارْتِياحُ لِمُطالَعَةِ كَرَمِهِ سُبْحانَهُ.

وَقِيلَ: هو الثِّقَةُ بِجُودِ الرَّبِّ تَعالى.

والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّمَنِّي أنَّ التَّمَنِّيَ يَكُونُ مَعَ الكَسَلِ. ولا يَسْلُكُ بِصاحِبِهِ طَرِيقَ الجِدِّ والِاجْتِهادِ. و" الرَّجاءُ " يَكُونُ مَعَ بَذْلِ الجُهْدِ وحُسْنِ التَّوَكُّلِ.

فالأوَّلُ كَحالِ مَن يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ أرْضٌ يَبْذُرُها ويَأْخُذُ زَرْعَها.

والثّانِي كَحالِ مَن يَشُقُّ أرْضَهُ ويَفْلَحُها ويَبْذُرُها. ويَرْجُو طُلُوعَ الزَّرْعِ.

وَلِهَذا أجْمَعَ العارِفُونَ عَلى أنَّ الرَّجاءَ لا يَصِحُّ إلّا مَعَ العَمَلِ.

قالَ شاهٌ الكَرْمانِيُّ: عَلامَةُ صِحَّةِ الرَّجاءِ حُسْنُ الطّاعَةِ.

والرَّجاءُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: نَوْعانِ مَحْمُودانِ، ونَوْعٌ غَرُورٌ مَذْمُومٌ.

فالأوَّلانِ رَجاءُ رَجُلٍ عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ. فَهو راجٍ لِثَوابِهِ. ورَجُلٌ أذْنَبَ ذُنُوبًا ثُمَّ تابَ مِنها. فَهو راجٍ لِمَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعالى وعَفْوِهِ وإحْسانِهِ وجُودِهِ وحِلْمِهِ وكَرَمِهِ.

والثّالِثُ: رَجُلٌ مُتَمادٍ في التَّفْرِيطِ والخَطايا. يَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ بِلا عَمَلٍ. فَهَذا هو الغُرُورُ والتَّمَنِّي والرَّجاءُ الكاذِبُ.

وَلِلسّالِكِ نَظَرانِ: نَظَرٌ إلى نَفْسِهِ وعُيُوبِهِ وآفاتِ عَمَلِهِ، يَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ الخَوْفِ إلى سِعَةِ فَضْلِ رَبِّهِ وكَرْمِهِ وبَرِّهِ. ونَظَرٌ يَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ الرَّجاءِ.

وَلِهَذا قِيلَ في حَدِّ الرَّجاءِ: هو النَّظَرُ إلى سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ.

وَقالَ أبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبارِيُّ: الخَوْفُ والرَّجاءُ كَجَناحَيِ الطّائِرِ إذا اسْتَوَيا اسْتَوى الطَّيْرُ وتَمَّ طَيَرانُهُ. وإذا نَقَصَ أحَدَهُما وقَعَ فِيهِ النَّقْصُ. وإذا ذَهَبا صارَ الطّائِرُ في حَدِّ المَوْتِ.

وَسُئِلَ أحْمَدُ بْنُ عاصِمٍ: ما عَلامَةُ الرَّجاءِ في العَبْدِ؟ فَقالَ: أنْ يَكُونَ إذا أحاطَ بِهِ الإحْسانُ أُلْهِمَ الشُّكْرَ، راجِيًا لِتَمامِ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَمامِ عَفْوِهِ عَنْهُ في الآخِرَةِ.

واخْتَلَفُوا، أيُّ الرَّجائَيْنِ أكْمَلُ: رَجاءُ المُحْسِنِ ثَوابَ إحْسانِهِ. أوْ رَجاءُ المُسِيءِ التّائِبِ مَغْفِرَةَ رَبِّهِ وعَفْوِهِ؟

فَطائِفَةٌ رَجَّحَتْ رَجاءَ المُحْسِنِ. لِقُوَّةِ أسْبابِ الرَّجاءِ مَعَهُ. وطائِفَةٌ رَجَّحَتْ رَجاءَ المُذْنِبِ؛ لِأنَّ رَجاءَهُ مُجَرَّدٌ عَنْ عِلَّةِ رُؤْيَةِ العَمَلِ، مَقْرُونٌ بِذِلَّةِ رُؤْيَةِ الذَّنْبِ.

قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: يَكادُ رَجائِي لَكَ مَعَ الذُّنُوبِ يَغْلِبُ رَجائِي لَكَ مَعَ الأعْمالِ؛ لِأنِّي أجِدُنِي أعْتَمِدُ في الأعْمالِ عَلى الإخْلاصِ، وكَيْفَ أُصَفِّيها وأُحْرِزُها؟ وأنا بِالآفاتِ مَعْرُوفٌ. وأجِدُنِي في الذُّنُوبِ أعْتَمِدُ عَلى عَفْوِكَ، وكَيْفَ لا تَغْفِرُها وأنْتَ بِالجُودِ مَوْصُوفٌ؟

وَقالَ أيْضًا: إلَهِي، أحْلى العَطايا في قَلْبِي رَجاؤُكَ. وأعْذَبُ الكَلامِ عَلى لِسانِي ثَناؤُكَ. وأحَبُّ السّاعاتِ إلَيَّ ساعَةٌ يَكُونُ فِيها لِقاؤُكَ.

(فصل)

والرَّجاءُ مِن أجَلِّ مَنازِلِهِمْ، وأعْلاها وأشْرَفِها. وعَلَيْهِ وعَلى الحُبِّ والخَوْفِ مَدارُ السَّيْرِ إلى اللَّهِ. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أهْلَهُ، وأثْنى عَلَيْهِمْ. فَقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].

وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الإلَهِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ - «يا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوْتَنِي ورَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلى ما كانَ مِنكَ ولا أُبالِي.» ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأنا مَعَهُ. إذا ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي. وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ مِنهم. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ شِبْرًا، اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا. وإنِ اقْتَرَبَ إلَيَّ ذِراعًا، اقْتَرَبْتُ إلَيْهِ باعًا. وإنْ أتانِي يَمْشِي، أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً». رَواهُ مُسْلِمٌ.

وَقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْ خَواصِّ عِبادِهِ الَّذِينَ كانَ المُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَقَرَّبُونَ بِهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى: أنَّهم كانُوا راجِينَ لَهُ، خائِفِينَ مِنهُ. فَقالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦].

يَقُولُ تَعالى: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَدْعُونَهم مِن دُونِي: هم عِبادِي، يَتَقَرَّبُونَ إلَيَّ بِطاعَتِي، ويَرْجُونَ رَحْمَتِي، ويَخافُونَ عَذابِي، فَلِماذا تَدْعُونَهم مِن دُونِي؟ فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِأفْضَلِ أحْوالِهِمْ ومَقاماتِهِمْ مِنَ الحُبِّ، والخَوْفِ والرَّجاءِ.

قَوْلُهُ: لِأنَّهُ مُعارَضَةٌ مِن وجْهٍ، واعْتِراضٌ مِن وجْهٍ.

يُقالُ: وهو عُبُودِيَّةٌ، وتَعَلُّقٌ بِاللَّهِ مِن حَيْثُ اسْمُهُ المُحْسِنُ البَرُّ فَذَلِكَ التَّعَلُّقُ والتَّعَبُّدُ بِهَذا الِاسْمِ والمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ هو الَّذِي أوْجَبَ لِلْعَبْدِ الرَّجاءَ، مِن حَيْثُ يَدْرِي ومِن حَيْثُ لا يَدْرِي. فَقُوَّةُ الرَّجاءِ عَلى حَسَبِ قُوَّةِ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وغَلَبَةِ رَحْمَتِهِ غَضَبَهُ. ولَوْلا رُوحُ الرَّجاءِ لَعُطِّلَتْ عُبُودِيَّةُ القَلْبِ والجَوارِحِ. وهُدِّمَتْ صَوامِعُ، وبَيْعٌ، وصَلَواتٌ، ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا. بَلْ لَوْلا رُوحُ الرَّجاءِ لَما تَحَرَّكَتِ الجَوارِحُ بِالطّاعَةِ. ولَوْلا رِيحُهُ الطَّيِّبَةُ لَما جَرَتْ سُفُنُ الأعْمالِ في بَحْرِ الإراداتِ. ولِي مِن أبْياتٍ:

؎لَوْلا التَّعَلُّقُ بِالرَّجاءِ تَقَطَّعَتْ ∗∗∗ نَفْسُ المُحِبِّ تَحَسُّرًا وتَمَزُّقا

؎وَكَذاكَ لَوْلا بَرْدُهُ بِحَرارَةِ ال ∗∗∗ أكْبادِ ذابَتْ بِالحِجابِ تَحَرُّقا

؎أيَكُونُ قَطُّ حَلِيفُ حُبٍّ لا يُرى ∗∗∗ بِرَجائِهِ لِحَبِيبِهِ مُتَعَلِّقًا؟!

؎أمْ كُلَّما قَوِيَتْ مَحَبَّتُهُ لَهُ ∗∗∗ قَوِيَ الرَّجاءُ فَزادَ فِيهِ تَشَوُّقا

؎لَوْلا الرَّجا يَحْدُو المَطِيَّ لَما سَرَتْ ∗∗∗ بِحُمُولِها لِدِيارِهِمْ تَرْجُو اللِّقا

وَعَلى حَسَبِ المَحَبَّةِ وقُوَّتِها يَكُونُ الرَّجاءُ. فَكُلُّ مُحِبٍّ راجٍ خائِفٌ بِالضَّرُورَةِ فَهو أرْجى ما يَكُونُ لِحَبِيبِهِ، أحَبُّ ما يَكُونُ إلَيْهِ. وكَذَلِكَ خَوْفُهُ. فَإنَّهُ يَخافُ سُقُوطَهُ مِن عَيْنَيْهِ. وطَرْدَ مَحْبُوبِهِ لَهُ وإبْعادَهُ. واحْتِجابَهُ عَنْهُ. فَخَوْفُهُ أشَدُّ خَوْفٍ. ورَجاؤُهُ ذاتِيٌّ لِلْمَحَبَّةِ. فَإنَّهُ يَرْجُوهُ قَبْلَ لِقائِهِ والوُصُولِ إلَيْهِ. فَإذا لَقِيَهُ ووَصَلَ إلَيْهِ اشْتَدَّ الرَّجاءُ لَهُ، لِما يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِن حَياةِ رُوحِهِ، ونَعِيمِ قَلْبِهِ مِن ألْطافِ مَحْبُوبِهِ، وبِرِّهِ وإقْبالِهِ عَلَيْهِ، ونَظَرِهِ إلَيْهِ بِعَيْنِ الرِّضا، وتَأْهِيلِهِ في مَحَبَّتِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا حَياةَ لِلْمُحِبِّ، ولا نَعِيمَ ولا فَوْزَ إلّا بِوُصُولِهِ إلَيْهِ مِن مَحْبُوبِهِ. فَرَجاؤُهُ أعْظَمُ رَجاءٍ، وأجَلُّهُ وأتَمُّهُ.

فَتَأمَّلْ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ يُطْلِعْكَ عَلى أسْرارٍ عَظِيمَةٍ مِن أسْرارِ العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ. فَكُلُّ مَحَبَّةٍ فَهي مَصْحُوبَةٌ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ. وعَلى قَدْرِ تَمَكُّنِها مِن قَلْبِ المُحِبِّ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ، لَكِنَّ خَوْفَ المُحِبِّ لا يَصْحَبُهُ وحْشَةٌ. بِخِلافِ خَوْفِ المُسِيءِ، ورَجاءِ المُحِبِّ لا يَصْحَبُهُ عِلَّةٌ، بِخِلافِ رَجاءِ الأجِيرِ. وأيْنَ رَجاءُ المُحِبِّ مِن رَجاءِ الأجِيرِ؟! وبَيْنَهُما كَما بَيْنَ حالَيْهِما.

وَبِالجُمْلَةِ: فالرَّجاءُ ضَرُورِيٌّ لِلْمُرِيدِ السّالِكِ، والعارِفُ لَوْ فارَقَهُ لَحْظَةً لَتَلِفَ أوْ كادَ. فَإنَّهُ دائِرٌ بَيْنَ ذَنْبٍ يَرْجُو غُفْرانَهُ، وعَيْبٍ يَرْجُو إصْلاحَهُ، وعَمَلٍ صالِحٍ يَرْجُو قَبُولَهُ، واسْتِقامَةٍ يَرْجُو حُصُولَها ودَوامَها، وقُرْبٍ مِنَ اللَّهِ ومَنزِلَةٍ عِنْدَهُ يَرْجُو وُصُولَهُ إلَيْها. ولا يَنْفَكُّ أحَدٌ مِنَ السّالِكِينَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ أوْ بَعْضِها.

(فصل)

وَلَيْسَ في الرَّجاءِ ولا في الدُّعاءِ مُعارَضَةٌ لِتَصَرُّفِ المالِكِ في مُلْكِهِ. فَإنَّهُ إنَّما يَرْجُو تَصَرُّفَهُ في مُلْكِهِ أيْضًا بِما هو أوْلى وأحَبُّ الأمْرَيْنِ إلَيْهِ. فَإنَّ الفَضْلَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ العَدْلِ، والعَفْوَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِانْتِقامِ، والمُسامَحَةَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِقْصاءِ، والتَّرْكَ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِيفاءِ، ورَحْمَتَهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ.

فالرّاجِي عَلَّقَ رَجاءَهُ بِتَصَرُّفِهِ المَحْبُوبِ لَهُ المُرْضِي لَهُ. فَلَمْ يُوجِبْ رَجاؤُهُ خُرُوجَهُ عَنْ تَصَرُّفِهِ في مُلْكِهِ. بَلِ اقْتَضى عُبُودِيَّتَهُ، وحُصُولَ أحَبِّ التَّصَرُّفَيْنِ إلَيْهِ. وهو سُبْحانُهُ وتَعالى لا يَنْتَفِعُ بِاسْتِيفاءِ حَقِّهِ وعُقُوبَةِ عَبْدِهِ، حَتّى يَكُونَ رَجاؤُهُ مُبْطِلًا لِذَلِكَ. وإنَّما العَبْدُ اسْتَدْعى العُقُوبَةَ، وأخَذَ الحَقَّ مِنهُ لِشِرْكِهِ بِاللَّهِ وكُفْرِهِ بِهِ. واجْتِهادِهِ في غَضَبِهِ. ولِغَضَبِهِ مُوجِباتٌ وآثارٌ ومُقْتَضَياتٌ، والعَبْدُ مُؤْثِرٌ لَها، ساعٍ في تَحْصِيلِها، عامِلٍ عَلَيْها بِإيثارِهِ إيّاها وسَعْيِهِ في أسْبابِها. فَهو المُهْلِكُ لِنَفْسِهِ. ورَبُّهُ يُحَذِّرُهُ ويُبَصِّرُهُ ويُنادِيهِ: هَلُمَّ إلَيَّ أحْمِكَ وأصُنْكَ، وأُنْجِكَ مِمّا تَحْذَرُ، وأُؤَمِّنْكَ مِن كُلِّ ما تَخافُ، وهو يَأْبى إلّا شُرُودًا عَلَيْهِ ونِفارًا عَنْهُ، ومُصالَحَةً لِعَدُوِّهِ، ومُظاهَرَةً لَهُ عَلى رَبِّهِ. ومُتَطَلِّبًا لِمَرْضاةِ خَلْقِهِ بِمَساخِطِهِ. رِضا المَخْلُوقِ آثَرُ عِنْدَهُ مِن رِضا خالِقِهِ. وحَقُّهُ آكُدُ عِنْدَهُ مِن حَقِّهِ. وخَوْفُهُ ورَجاؤُهُ وحُبُّهُ في قَلْبِهِ أعْظَمُ مِن خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ ورَجائِهِ وحُبِّهِ. فَلَمْ يَدَعْ لِفَضْلِ رَبِّهِ وكَرامَتِهِ وثَوابِهِ إلَيْهِ طَرِيقًا، بَلْ سَدَّ دُونَهُ طُرُقَ مَجارِيها بِجُهْدِهِ. وأعْطى بِيَدِهِ لِعَدُوِّهِ. فَصالَحَهُ وسَمِعَ لَهُ وأطاعَ. وانْقادَ إلى مَرْضاتِهِ. فَجاءَ مِنَ الظُّلْمِ بِأقْبَحِهِ وأشَدِّهِ.

فَهُوَ الَّذِي عارَضَ مُرادَهُ بِهِ مِنهُ بِمُرادِهِ وهَواهُ وشَهْوَتِهِ. واعْتَرَضَ لِمَحابِّهِ ومَراضِيهِ بِالدَّفْعِ. ولَمْ يَأْذَنْ لَها في الدُّخُولِ عَلَيْهِ. فَأضاعَ حَظَّهُ وبَخَسَ حَقَّهُ. وظَلَمَ نَفْسَهُ. وعادى حَبِيبَهُ. ووالى عَدُوَّهُ. وأسْخَطَ مِن حَياتِهِ في رِضاهُ. وأرْضى مِن حَياتِهِ في سَخَطِهِ. وجادَ بِنَفْسِهِ لِعَدُوِّهِ. وبَخِلَ بِها عَنْ حَبِيبِهِ ووَلِيِّهِ.

والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لَيْسَ لَهُ ثَأْرٌ عِنْدَ عَبْدِهِ فَيُدْرِكَهُ بِعُقُوبَتِهِ. ولا يَتَشَفّى بِعِقابِهِ. ولا يَزِيدُ ذَلِكَ في مُلْكِهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن مُلْكِهِ. كَيْفَ، والرَّحْمَةُ أوْسَعُ مِنَ العُقُوبَةِ وأسْبَقُ مِنَ الغَضَبِ وأغْلَبُ لَهُ؟ وهو قَدْ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ. فَرَجاءُ العَبْدِ لَهُ لا يُنْقِصُ شَيْئًا مِن حِكْمَتِهِ. ولا يُنْقِصُ ذَرَّةً مِن مُلِكِهِ. ولا يُخْرِجُهُ عَنْ كَمالِ تَصَرُّفِهِ. ولا يُوجِبُ خِلافَ كَمالِهِ. ولا تَعْطِيلَ أوْصافِهِ وأسْمائِهِ. ولَوْلا أنَّ العَبْدَ هو الَّذِي سَدَّ عَلى نَفْسِهِ طُرُقَ الخَيْراتِ، وأغْلَقَ دُونَها أبْوابَ الرَّحْمَةِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَكانَ رَبُّهُ لَهُ فَوْقَ رَجائِهِ وفَوْقَ أمَلِهِ.

وَأمّا اسْتِسْلامُ العَبْدِ لِرَبِّهِ، واسْتِسْلامُهُ بِانْطِراحِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ورِضاهُ بِمَواقِعِ حُكْمِهِ فِيهِ فَما ذاكَ إلّا رَجاءً مِنهُ أنْ يَرْحَمَهُ، ويُقِيلَهُ عَثْرَتَهُ ويَعْفُوَ عَنْهُ، ويَقْبَلَ حَسَناتِهِ مَعَ عُيُوبِ أعْمالِهِ وآفاتِها. ويَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِ. فَقُوَّةُ رَجائِهِ أوْجَبَتْ لَهُ هَذا الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ، والِانْطِراحَ بِالبابِ. ولا يُتَصَوَّرُ هَذا بِدُونِ الرَّجاءِ ألْبَتَّةَ. فالرَّجاءُ حَياةُ الطَّلَبِ. والإرادَةُ رُوحُها.

17:58Page 287

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.

No commentary for this ayah

17:59Page 288

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.

وَقد وصف سُبْحانَهُ ثَمُود بأنها كفرت عَن علم وبصيرة بِالحَقِّ ولِهَذا قالَ ﴿وآتينا ثَمُود النّاقة مبصرة فظلموا بها﴾

يَعْنِي بَيِّنَة مضيئة وهَذا كَقوله تَعالى: ﴿وَجَعَلنا آيَة النَّهار مبصرة﴾ أي مضيئة وحَقِيقَة اللَّفْظ أنها تجْعَل من رَآها مبصرا فَهي توجب لَهُ البَصَر فتبصره أي تَجْعَلهُ ذا بصر فَهي مُوضحَة مبينَة يُقال بصر بِهِ إذا رَآهُ كَقوله تَعالى: ﴿فبصرت بِهِ عَن جنب﴾ وقَوله ﴿بصرت بِما لم يبصروا بِهِ﴾

وأما أبصره فَلهُ مَعْنيانِ أحدهما جعله باصرا بالشَّيْء أي ذا بصر بِهِ كآية النَّهار وآيَة ثَمُود.

والثّانِي بِمَعْنى رَآهُ كَقَوْلِك أبصرت زيدا.

وَفِي حَدِيث أبي شُرَيْح العَدْوي "أحدثك قولا قالَ بِهِ رَسُول الله يَوْم الفَتْح فَسَمعته أذناي ووعاه قلبِي وأبصرته عَيْنايَ حِين تكلم بِهِ"

وَمِنه قوله تَعالى: {فتول عَنْهُم حَتّى حِين وأبصرهم فسوق يبصرون)

قيل المَعْنى أبصرهم وما يقْضى عَلَيْهِم من الأسر والقَتْل والعَذاب في الآخرة فَسَوف يبصرونك وما يقْضى لَك من النَّصْر والتأييد وحسن العاقِبَة.

والمراد تقريب المبصر من المُخاطب حَتّى كأنه نصب عَيْنَيْهِ ورَأى ناظريه.

والمَقْصُود أن الآية أوجبت لَهُم البصيرة فآثروا الضلال والكفْر عَن علم ويقين، ولِهَذا والله أعْلَم ذكر قصتهم من بَين قصَص سائِر الأمم في سُورَة والشَّمْس وضُحاها لأنه ذكر فِيها انقسام النُّفُوس إلى الزكية الراشدة المهتدية وإلى الفاجِرَة الضّالة الغاوية وذكر فِيها الأصلين القدر والشَّرْع فَقالَ ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ فَهَذا قدره وقضاؤه.

ثمَّ قالَ ﴿قد أفْلح من زكاها وقد خابَ من دساها﴾ فَهَذا أمره ودينه وثَمُود هداهُم فاستحبوا العَمى على الهدى فَذكر قصتهم ليبين سوء عاقِبَة من آثر الفُجُور على التَّقْوى والتدسية على التَّزْكِيَة والله أعْلَم بِما أرادَ.

17:60Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي رُؤْيا عَيْنٍ، أُرِيَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، ومَعَ هَذا فَأصْبَحَ بَيْنَهم لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَيْهِ حالُهُ، ولَمْ يَعْرِضْ لَهُ صَعْقٌ ولا غُشِيَ، يُخْبِرُهم عَنْ تَفْصِيلِ ما رَأى، غَيْرَ فانٍ عَنْ نَفْسِهِ، ولا عَنْ شُهُودِهِ، ولِهَذا كانْتَ حالُهُ أكْمَلَ مَن حالِ مُوسى بْنِ عِمْرانَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ لَمّا خَرَّ صَعِقًا حِينَ تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ وجَعَلَهُ دَكًّا.

17:61Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"

No commentary for this ayah

17:62Page 288

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."

وتحت هذا الكلام من الاعتراض معنى: أخبرني، لم كرمته علي؟ وغور هذا الاعتراض: أن الذي فعلته ليس بحكمة ولا صواب، وأن الحكمة كانت تقتضى أن يسجد هو لي، لأن المفضول يخضع للفاضل، فلم خالفت الحكمة؟

ثم أردف ذلك بتفضيل نفسه عليه، وإزرائه به، فقال: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ١٢].

ثم قرر ذلك بحجته الداحضة، في تفضيل مادته وأصله على مادة آدم عليه السلام وأصله. فأنتجت له هذه المقدمات إباءه وامتناعه من السجود، ومعصيته الرب المعبود. فجمع بين الجهل والظلم، والكبر والحسد والمعصية، ومعارضة النص بالرأي والعقل، فأهان نفسه كل الإهانة من حيث أراد تعظيمها، ووضعها من حيث أراد رفعتها، وأذلها من حيث أراد عزتها، وآلها كل الألم من حيث أراد لذتها، ففعل بنفسه ما لو اجتهد أعظم أعدائه في مضرته لم يبلغ منه ذلك المبلغ. ومن كان هذا غشه لنفسه فكيف يسمع منه العاقل ويقبل ويواليه؟

17:63Page 288

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.

(فائدة)

قوله تعالى لإبليس: ﴿اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾

أعاد الضمير بلفظ الخطاب وإن كان من تبعك يقتضي الغيبة، لأنه اجتمع مخاطب وغائب فغلب المخاطب وجعل الغائب تبعا له كما كان تبعا له في المعصية والعقوبة، فحسن أن يجعل تبعا له في اللفظ.

وهذا من حسن ارتباط اللفظ بالمعنى واتصاله به وانتصب جزاء موفورا عند ابن مالك على المصدر وعامله عنده المصدر الأول قال والمصدر يعمل في المصدر تقول عجبت من قيامك قياما ويعمل فيه الفعل نحو قيام قياما واسم الفاعل كقوله:

؎فأصبحت لا أقرب الغانيا ∗∗∗ ت مزدجرا عن هواها ازدجارا

واسم المفعول هو مطلوب طلبا وبعد ففي نصب جزاء قولان آخران:

أحدهما: أنه منصوب بما في معنى فإن جهنم جزاؤكم من الفعل فإنه متضمن لتجازون وهو الناصب جزاء.

الثاني: أنه حال وساغ وقوع المصدر حالا هاهنا لأنه موصوف.

ذكر الزمخشري هذين القولين وهذا كما تقول خذ عطاءك عطاء موفورا.

والذي يظهر في الآية أن جزاء ليس بمصدر وإنما هو اسم للحظ والنصيب فليس مصدر جزيته جزاء بل هو كالعطاء والنصيب ولهذا وصفه بأنه موفورا اي تام لا نقص فيه وعلى هذا فنصبه على الاختصاص وهو يشبه نصب الصفات المقطوعة وهذا كما قال الزمخشري وغيره في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قال: نصبه على الاختصاص أي أعني نصيبا مفروضا ويجوز أن ينتصب انتصاب المصادر المؤكدة كقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.

17:64Page 288

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

No commentary for this ayah

17:65Page 288

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

No commentary for this ayah

17:66Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

No commentary for this ayah

17:67Page 289

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.

وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلاّ إيّاهُ﴾ كيف أتى بـ (إذا) هاهنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله: ﴿لا يَسْأمُ الإنسان مِن دُعاءِ الخَيْرِ وإنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾

فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه، ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة (إذا)

وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنسانُ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُوسًا﴾ كيف أتى هنا بـ (إذا) المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس، فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له فكان الإتيان بـ (إذا) هاهنا أدل على المعنى المقصود من (إنْ) بخلاف قوله: ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ فإنه بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء، فإذا تحقق وقوعه كان يؤوسا ومثل هذه الأسرار في القرآن لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله وفهم يؤتيه عبدا في كتابه.

فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾

والهلاك محقق؟

قلت التعليق ليس على مطلق الهلاك بل على هلاك مخصوص وهو هلاك لا عن ولد.

فإن قلت فما تصنع بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني وفي الحديث: في السلام على الموتى "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون "

رواه مسلم واللحاق محقق وفي قولة الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة"

17:68Page 289

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.

No commentary for this ayah

17:69Page 289

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2

No commentary for this ayah

17:70Page 289

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.

فسبحان من ألبسه خلع الكَرامَة كلها من العقل والعلم والبَيان والنطق والشكل والصُّورَة الحَسَنَة والهيئة الشَّرِيفَة والقد المعتدل واكتساب العُلُوم بالاستدلال والفكر واقتناص الأخلاق الشَّرِيفَة الفاضلة من البر والطّاعَة والانقياد فكم بَين حاله وهو نُطْفَة في داخل الرَّحِم مستودع هُنا وبَين حاله والملك يدْخل عَلَيْهِ في جنّات عدن ﴿فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ﴾ فالدنيا قَرْيَة والمُؤمن رئيسها والكل مَشْغُول بِهِ ساع في مَصالِحه والكل قد اقيم في خدمته وحوائجه فالملائكة الَّذين هم حَملَة عرش الرَّحْمَن ومن حوله يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ والمَلائِكَة الموكلون بِهِ يَحْفَظُونَهُ والموكلون بالقطر والنبات يسعون في رزقه ويعملون فِيهِ والأفلاك سخرت منقادة دائِرَة بِما فِيهِ مَصالِحه والشَّمْس والقَمَر والنجوم مسخرات جاريات بِحِساب أزمنته وأوقاته وإصْلاح رواتب أقواته والعالم الجوي مسخر لَهُ برياحه وهوائه وسحابه وطيره وما اودع فِيهِ والعالم السفلي كُله مسخر لَهُ مَخْلُوق لمصالحه أرضه وجباله وبحاره وأنهاره وأشجاره وثماره ونباته وحيوأنه وكل ما فِيهِ كَما قالَ تَعالى ﴿الله الَّذِي سخر لكم البَحْر لتجري الفلك فِيهِ بأمْره﴾ إلى قَوْله ﴿يتفكرون﴾

وَقالَ تَعالى ﴿الله الَّذِي خلق السَّماوات والأرض وأنزل من السَّماء ماء فَأخْرج بِهِ من الثمرات رزقا لكم﴾ إلى قَوْله ﴿كفار﴾

فالسائر في معرفَة آلاء الله وتَأمل حكمته وبديع صِفاته أطول باعا وأمْلَأُ صواعا من اللصيق بمكانه المُقِيم في بلد عادَته وطبعه راضِيا بعيش بني جنسه لا يرضى لنَفسِهِ إلّا أن يكون واحِدًا مِنهُم يَقُول لي أسوة بهم

وَهل أنا إلا من ربيعَة أوْ مُضر، ولَيْسَت نفائس البضائع إلا لمن امتطى غارب الاغتراب، وطوف في الآفاق حَتّى رضي من الغَنِيمَة بالإياب، فاستلان ما استوعره البطالون، وأنس بِما استوحش مِنهُ الجاهلون.

17:71Page 289

يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١

[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].

No commentary for this ayah

17:72Page 289

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢

And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.

والمراد عمى القلب في الدُّنْيا.

وَقالَ تَعالى ﴿ونحشرهم يَوْم القِيامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما مأواهم جَهَنَّم﴾ لأنهم هَكَذا كانُوا في الدُّنْيا والعَبْد يبْعَث على ما ماتَ عَلَيْهِ.

واخْتلف في هَذا العَمى في الآخرة فَقيل هو عمى البصيرة بِدَلِيل إخباره تَعالى عَن رُؤْيَة الكفّار ما في القِيامَة ورؤية المَلائِكَة ورؤية النّار.

وَقيل هو عمي البَصَر ورجح هَذا بأن الإطلاق ينْصَرف إليه وبِقَوْلِهِ ﴿قالَ رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بَصيرًا﴾ وهَذا عمي العين فإن الكافِر لم يكن بَصيرًا بحجته.

وأجاب هَؤُلاءِ عَن رُؤْيَة الكفّار في القِيامَة بِأن الله يخرجهم من قُبُورهم إلى موقف القِيامَة بصراء ويحشرون من الموقف إلى النّار عميا.

قالَه الفراء وغَيره.

(فصل)

المَعادُ يَعُودُ عَلى العَبْدِ فِيهِ ما كانَ حاصِلًا لَهُ في الدُّنْيا ولِهَذا يُسَمّى يَوْمَ الجَزاءِ: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى. .﴾ [مريم: ٧٦] الآيَةَ.

وَمَن كانَ مُسْتَوْحِشًا مَعَ اللَّهِ بِمَعْصِيَتِهِ إيّاهُ في هَذِهِ الدّارِ فَوَحْشَتُهُ مَعَهُ في البَرْزَخِ يَوْمَ المَعادِ أعْظَمُ وأشَدُّ، ومَن قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ في " هَذِهِ الحَياةِ " الدُّنْيا قَرَّتْ عَيْنُهُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وعِنْدَ المَوْتِ ويَوْمَ البَعْثِ فَيَمُوتُ العَبْدُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ويُبْعَثُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ويَعُودُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ بِعَيْنِهِ فَيَنْعَمُ بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا. فَيُورِثُهُ مِنَ الفَرَحِ والسُّرُورِ واللَّذَّةِ والبَهْجَةِ وقُرَّةِ العَيْنِ والنَّعِيمِ وقُوَّةِ القَلْبِ واسْتِبْشارِهِ وحَياتِهِ وانْشِراحِهِ واغْتِباطِهِ ما هو مِن أفْضَلِ النَّعِيمِ وأجَلِّهِ وأطْيَبِهِ وألَذِّهِ، وهَلِ النَّعِيمُ إلّا طِيبُ النَّفْسِ وفَرَحُ القَلْبِ وسُرُورُهُ وانْشِراحُهُ واسْتِبْشارُهُ، هَذا ويَنْشَأُ لَهُ مِن أعْمالِهِ ما تَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ وتَلَذُّهُ عَيْنُهُ مِن سائِرِ المُشْتَهَياتِ الَّتِي تَشْتَهِيها الأنْفُسُ وتَلَذُّها الأعْيُنُ ويَكُونُ تَنَوُّعُ تِلْكَ المُشْتَهَياتِ وكَمالُها وبُلُوغُها مَرْتَبَةَ الحُسْنِ والمُوافِقَةِ بِحَسَبِ كَمالِ عَمَلِهِ ومُتابَعَتِهِ فِيهِ وإخْلاصِهِ وبُلُوغِهِ مَرْتَبَةَ الإحْسانِ فِيهِ، وبِحَسَبِ تَنَوُّعِهِ، فَمَن تَنَوَّعَتْ أعْمالُهُ المُرْضِيَةُ لِلَّهِ المَحْبُوبَةُ لَهُ في هَذِهِ الدّارِ تَنَوَّعَتِ الأقْسامُ الَّتِي يَتَلَذَّذُ بِها في تِلْكَ الدّارِ وتَكَثَّرَتْ لَهُ بِحَسَبِ تَكَثُّرِ أعْمالِهِ هُنا وكانَ مَزِيدُهُ مِن تَنَوُّعِها والِابْتِهاجِ بِها والِالتِذاذِ بِنَيْلِها هُناكَ عَلى حَسَبِ مَزِيدِهِ مِنَ الأعْمالِ وتَنَوُّعِهِ فِيها في هَذِهِ الدّارِ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ المَحْبُوبَةِ لَهُ والمَسْخُوطَةِ أثَرًا وجَزاءً ولَذَّةً وألَمًا يَخُصُّهُ لا يُشْبِهُ أثَرُ الآخَرِ وجَزاءُهُ.

وَلِهَذا تَنَوَّعَتْ لَذّاتُ أهْلِ الجَنَّةِ وآلامُ أهْلِ النّارِ، وتَنَوَّعَ ما فِيهِما مِنَ الطَّيِّباتِ والعُقُوباتِ فَلَيْسَتْ لَذَّةُ مَن ضَرَبَ في كُلِّ مَرْضاةِ اللَّهِ بِسَهْمٍ وأخَذَ مِنها بِنَصِيبٍ كَلَذَّةِ مَن أنْمى سَهْمَهُ ونَصِيبَهُ في نَوْعٍ واحِدٍ مِنها ولا ألَمُ مَن ضَرَبَ في كُلِّ

مَسْخُوطٍ لِلَّهِ بِنَصِيبٍ وعُقُوبَتُهُ كَألَمِ مَن ضَرَبَ بِسَهْمٍ واحِدٍ في مَساخِطِهِ.

وَقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى أنَّ كَمالَ ما يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ في الآخِرَةِ بِحَسَبِ كَمالِ ما قابَلَهُ مِنَ الأعْمالِ في الدُّنْيا (. . . . «فَرَأى قِنْوًا مَن حَشَفٍ مُعَلَّقًا في المَسْجِدِ لِلصَّدَقَةِ فَقالَ إنَّ صاحِبَ هَذا يَأْكُلُ الحَشَفَ يَوْمَ القِيامَةِ»)

فَأخْبَرَ أنَّ جَزاءَهُ يَكُونُ مِن جِنْسِ عَمَلِهِ فَيُجْزى عَلى تِلْكَ الصَّدَقَةِ بِحَشَفٍ مِن جِنْسِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском