Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:28–49
18:28Page 297
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨
And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1
والصَّبْرُ في اللُّغَةِ: الحَبْسُ والكَفُّ. ومِنهُ: قُتِلَ فُلانٌ صَبْرًا. إذا أُمْسِكَ وحُبِسَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨]؛ أيِ احْبِسْ نَفْسَكَ مَعَهم.
فالصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الجَزَعِ والتَّسَخُّطِ. وحَبْسُ اللِّسانِ عَنِ الشَّكْوى. وحَبْسُ الجَوارِحِ عَنِ التَّشْوِيشِ.
وَهُوَ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: صَبْرٌ عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وصَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وصَبْرٌ عَلى امْتِحانِ اللَّهِ.
فالأوَّلانِ: صَبْرٌ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالكَسْبِ. والثّالِثُ: صَبْرٌ عَلى ما لا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فِيهِ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: كانَ صَبْرُ يُوسُفَ عَنْ مُطاوَعَةِ امْرَأةِ العَزِيزِ عَلى شَأْنِها: أكْمَلُ مِن صَبْرِهِ عَلى إلْقاءِ إخْوَتِهِ لَهُ في الجُبِّ، وبَيْعِهِ وتَفْرِيقِهِمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ. فَإنَّ هَذِهِ أُمُورٌ جَرَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ، لا كَسْبَ لَهُ فِيها، لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيها حِيلَةٌ غَيْرَ الصَّبْرِ.
وَأمّا صَبْرُهُ عَنِ المَعْصِيَةِ: فَصَبْرُ اخْتِيارٍ ورِضًا ومُحارَبَةٍ لِلنَّفْسِ. ولا سِيَّما مَعَ الأسْبابِ الَّتِي تَقْوى مَعَها دَواعِي المُوافَقَةِ. فَإنَّهُ كانَ شابًّا، وداعِيَةُ الشَّبابِ إلَيْها قَوِيَّةٌ. وعَزَبًا لَيْسَ لَهُ ما يُعَوِّضُهُ ويَرُدُّ شَهْوَتَهُ. وغَرِيبًا، والغَرِيبُ لا يَسْتَحِي في بَلَدِ غُرْبَتِهِ مِمّا يَسْتَحِي مِنهُ مَن بَيْنَ أصْحابِهِ ومَعارِفِهِ وأهْلِهِ. ومَمْلُوكًا، والمَمْلُوكُ أيْضًا لَيْسَ وازِعُهُ كَوازِعِ الحُرِّ. والمَرْأةُ جَمِيلَةٌ، وذاتُ مَنصِبٍ. وهي سَيِّدَتُهُ. وقَدْ غابَ الرَّقِيبُ. وهي الدّاعِيَةُ لَهُ إلى نَفْسِها.
والحَرِيصَةُ عَلى ذَلِكَ أشَدَّ الحِرْصِ، ومَعَ ذَلِكَ تَوَعَّدَتْهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ بِالسِّجْنِ والصَّغارِ. ومَعَ هَذِهِ الدَّواعِي كُلِّها صَبَرَ اخْتِيارًا، وإيثارًا لِما عِنْدَ اللَّهِ. وأيْنَ هَذا مِن صَبْرِهِ في الجُبِّ عَلى ما لَيْسَ مِن كَسْبِهِ؟
وَكانَ يَقُولُ: الصَّبْرُ عَلى أداءِ الطّاعاتِ: أكْمَلُ مِنَ الصَّبْرِ عَلى اجْتِنابِ المُحَرَّماتِ وأفْضَلُ؛ فَإنَّ مَصْلَحَةَ فِعْلِ الطّاعَةِ أحَبُّ إلى الشّارِعِ مِن مَصْلَحَةِ تَرْكِ المَعْصِيَةِ. ومُفْسِدَةُ عَدَمِ الطّاعَةِ: أبْغَضُ إلَيْهِ وأكْرَهُ مِن مَفْسَدَةِ وُجُودِ المَعْصِيَةِ.
وَلَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ذَلِكَ مُصَنَّفٌ قَرَّرَهُ فِيهِ بِنَحْوٍ مِن عِشْرِينَ وجْهًا. لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها.
(فصل: في معنى الصبر لغة واشتقاق هذه اللفظة وتصريفها)
أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما ويقال صبر يصبر صبرا وصبر نفسه قال تعالى ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الكهف
وقال عنترة
؎فصبرت عارفة لذلك حرة ∗∗∗ ترسو إذا نفس الجبان تطلع
يقول حبست نفسا عارفة وهي نفس حر يأنف لا نفس عبد لا أنفه له وقوله ترسو أي تثبت وتسكن إذا خفت نفس الجبان واضطربت ويقال صبرت فلانا إذا حبسته وصبرته بالتشديد إذا حملته على الصبر وفي حديث الذي أمسك رجلا وقتله آخر يقتل القاتل ويصبر الصابر أي يحبس للموت كما حبس من أمسكه للموت وصبرت الرجل إذا قتلته صبرا أي أمسكته للقتل وصبرته أيضا وأصبرته إذا حبسه للحلف ومنه الحديث الصحيح من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عنه معرض ومنه الحديث الذي في القسامة ولا تصبر يمينه حيث تصبر الإيمان والمصبورة اليمين المحلوف عليها وفي الحديث نهى عن المصبورة وهي الشاة والدجاجة ونحوهما تصبر للموت فتربط فترمى حيث تموت.
وفعل هذا الباب صبرت أصبر بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل وأما صبرت أصبر بالضم في المستقبل فهو بمعنى الكفالة والصبير الكفيل كأنه حبس نفسه للغرم ومنه قولهم أصبرني أي جعلني كفيلا وقيل أصل الكلمة من الشدة والقوة ومنه الصبر للدواء المعروف لشدة مرارته وكراهته.
قال الأصمعي "إذا لقي الرجل الشدة بكمالها قيل لقيها بأصبارها"
ومنه الصبر بضم الصاد للأرض ذات الحصب لشدتها وصلابتها ومنه سميت الحرة أم صبار ومنه قولهم وقع القوم في أمر صبور بتشديد الباء أي أمر شديد ومنه صبارة الشتاء بتخفيف الباء وتشديد الراء لشدة برده وقيل مأخوذ من الجمع والضم فالصابر يجمع نفسه ويضمها عن الهلع والجزع ومنه صبرة الطعام وصبارة الحجارة.
والتحقيق أن في الصبر المعاني الثلاثة المنع والشدة والضم ويقال صبر إذا أتى بالصبر وتصبر إذا تكلفه واستدعاه واصطبر إذا اكتسبه وتعمله وصابر إذا وقف خصمه في مقام الصبر وصبر نفسه وغيره بالتشديد إذا حملها على الصبر واسم الفاعل صابر وصبار وصبور ومصابر ومصطبر فمصابر من صابر ومصطبر من اصطبر وصابر من صبر وأما صبار وصبور فمن أوزان المبالغة من الثلاثى كضراب وضروب والله أعلم.
(فصل)
وَمن تَأمل حال هَذا الخلق وجدهم كلهم إلّا أقل القَلِيل مِمَّن غفلت قُلُوبهم عَن ذكر الله تَعالى واتبعُوا أهواءهم وصارَت أُمُورهم ومصالحهم ﴿فرطا﴾ أي فرطوا فِيما يَنْفَعهم ويعود بصلاحهم واشْتَغلُوا بِما لا يَنْفَعهم بل يعود بضررهم عاجلا وآجلا
وَهَؤُلاء قد أمر الله سُبْحانَهُ رَسُوله ألا يطيعهم فطاعة الرَّسُول لاتتم إلّا بِعَدَمِ طاعَة هَؤُلاءِ فَإنَّهُم إنَّما يدعونَ إلى ما يشاكلهم من اتِّباع الهوى والغفلة عَن ذكر الله والغفلة عَن الله والدّار الآخِرَة مَتى تزوجت بِاتِّباع الهوى تولد ما بَينهما كل شَرّ وكَثِيرًا ما يقْتَرن أحدهما بِالآخِرَة ولا يُفارِقهُ
وَمن تَأمل فَساد أحْوال العالم عُمُوما وخصوصا وجده ناشئا عَن هذَيْن الأصْلَيْنِ فالغفلة تحول بَين العَبْد وبَين تصور الحق ومعرفته والعلم بِهِ فَيكون من الضّالّين واتِّباع الهوى يصده عَن قصد الحق وإرادته واتباعه فَيكون من المغضوب عَلَيْهِم
وَأما المُنعم عَلَيْهِم فهم الَّذين من الله عَلَيْهِم بِمَعْرِفَة الحق علما وبالانقياد إلَيْهِ وإيثاره على ما سواهُ عملا وهَؤُلاء هم الَّذين على سَبِيل النجاة ومن سواهُم على سَبِيل الهَلاك ولِهَذا أمرنا الله سُبْحانَهُ أن نقُول كل يَوْم ولَيْلَة عدَّة مَرّات ﴿اهدنا الصِّراط المُسْتَقيم صِراط الَّذين أنْعَمت عَلَيْهِم غير المغضوب عَلَيْهِم ولا الضّالّين﴾.
(فصل)
وفي الآية رد ظاهر على الطائفتين وإبطال لقولهما فإنه سبحانه أغفل قلب العبد عن ذكره فغفل هو.
فالإغفال فعل الله، والغفلة فعل العبد ثم أخبر عن اتّباعه هواه وذلك فعل العبد حقيقة.
والقدرية تحرف هذا النص وأمثاله بالتسمية والعلم فيقولون: معنى ﴿أغفلنا قلبه﴾ سميناه غافلا، أو وجدناه غافلا أي علمناه كذلك.
وهذا من تحريفهم بل أغفلته مثل أقمته وأقعدته وأغنيته وأفقرته أي جعلته كذلك.
وأما أفعلته أو أوجدته كذلك كأحمدته وأجنبته وأبخلته وأعجزته، فلا يقع في أفعال الله ألبتة إنما يقع في أفعال العاجز أن يجعل جبانا وبخيلا وعاجزا، فيكون معناه صادفته كذلك.
وهل يخطر بقلب الداعي اللهم أقدرني أو أوزعني وألهمني أي سمني وأعلمني كذلك، وهل هذا إلا كذب عليه وعلى المدعو سبحانه، والعقلاء يعلمون علما ضروريا أن الداعي إنما سأل الله أن يخلق له ذلك ويشاءه له ويقدره عليه حتى القدري إذا غابت عنه بدعته وما تقلده عن أشياخه وأسلافه وبقي وفطرته لم يخطر بقلبه سوى ذلك.
وأيضا فلا يمكن أن يكون العبد هو المغفل لنفسه عن الشيء فإن إغفاله لنفسه عنه مشروط بشعوره به، وذلك مضاد لغفلته عنه بخلاف إغفال الرب تعالى له فإنه لا يضاد علمه بما يغفل عنه العبد، وبخلاف غفلة العبد فإنها لا تكون إلا مع عدم شعوره بالمغفول عنه، وهذا ظاهر جدا فثبت أن الإغفال فعل الله بعبده والغفلة فعل العبد.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾
هذه الآية جمعت بين تفويض الأمور كلها نفعها وضرها خيرها وشرها إلى الإله جلت قدرته، وبين إثبات حقائق التكليف وتقرير قواعد الشرع على الوجه المعقول.
ألست في هذا أهدى سبيلا وأقوم قيلا ممن يقدر الطبع منعا والختم صدا ودفعا ثم ينفي التكاليف بزعمه وقد افترق الخلق في هذا المقام فرقا فذهب ذاهبون إلى أن المخذولين ممنوعون مدفوعون لا اقتدار لهم على إجابة دعاة الحق وهم مع ذلك ملزمون وهذا خطب جسيم وأمر عظيم وهو طعن في الشرائع وإبطال للدعوات وقد قال تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾
وقال إبليس: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُد﴾ نعوذ بالله من سوء النظر في مواقع الخطر وذهب طوائف من الضلال إلى أن العبد يعصي والرب لما يأتي به كاره فهذا خبط في الأحكام الإلهية ومزاحمة في الربوبية، ولو لم يرد الرب من الفجار ما علمه منهم في أزليته لما فطرهم مع علمه بهم كيف وقد أكمل قواهم وأمدهم بالعدد والعدد والعتاد وسهل لهم طريق الحيد عن السداد.
فإن قيل: فعل ذلك بهم ليطيعوه؟
قلنا أنى يستقيم ذلك وقد علم أنهم يعصونه ويهلكون أنفسهم ويهلكون أولياءه وأنبيائه ويشقون شقاوة لا يسعدون بها أبدا ولو علم سيد عن وحي أو أخبار نبي أنه لو أمد عبده بالمال لطغى وأبق وقطع الطريق فأمده بالمال زاعما أنه يريد منه ابتناء القناطر والمساجد وهو مع ذلك يقول أعلم أنه لا يفعل ذلك قطعا، فهذا السيد مفسد عبده وليس مصلحا له باتفاق من أرباب الألباب فقد زاغت الفئتان، وضلت الفرقتان، واعترضت إحداهما على القواعد الشرعية، وزاحمت الأخرى أحكام الربوبية، واقتصد الموفقون فقالوا: مراد الله من عباده ما علم أنهم إليه يصيرون ولكنه لم يسلبهم قدرتهم ولم يمنعهم مراشدهم، فقرت الشريعة في نصابها، وجرت العقيدة في الأحكام الإلهية على صوابها.
(فصل)
ما من شيء أنجى من عذاب الله عز وجل من ذكر الله عز وجل قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع».
ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء.
فإذا ترك صدئ، فإذا جلاه.
وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر.
فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه.
فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا.
وهذا أعظم عقوبات القلب.
وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره، قال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا﴾.
فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟
وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟
فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة. كان أمره فرطا.
ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع، أي أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه: ضائع، قد فرط فيه.
وفسر بالإسراف، أي قد أفرط بالإهلاك. وفسر بالخلاف للحق.
وكلها أقوال متقاربة.
والمقصود: أن الله سبحانه وتعالى نهي عن طاعة من جمع هذه الصفات. فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه. فإن وجده كذلك فليبعد منه وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه.
ولا فرق بين الحي والميت إلا بالذكر، فمثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت.
وفي المسند مرفوعًا «أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون».
وقد سئل أبو العباس ثعلب عن قوله تعالى: ﴿أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ فقال: جعلناه غافلا.
قال: ويكون في الكلام: أغفلته، سميته غافلا: ووجدته غافلا.
قلت: الغفل الشيء الفارغ، والأرض الغفل: التي لا علامة بها، والكتاب الغفل: الذي لا شكل عليه.
فأغفلناه: تركناه غافلا عن الذكر فارغا منه. فهو إبقاء له على العدم الأصلي، لأنه سبحانه لم يشأ له الذكر، فبقي غافلا، فالغفلة وصفه.
والإغفال فعل الله فيه بمشيئته، وعدم مشيئته لتذكرة. فكل منهما مقتض لغفلته. فإذا لم يشأ له التذكر لم يتذكر، وإذا شاء غفلته امتنع منه الذكر.
فإن قيل: فهل تضاف الغفلة والكفر والإعراض ونحوها إلى عدم مشيئة الرب لأضدادها، أم إلى عدم مشيئته لوقوعها؟
قيل: القرآن قد نطق بهذا وبهذا. قال تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾
وقال: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾
وقال: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾.
فإن قيل: فكيف يكون عدم السبب المقتضي موجبا للأثر؟
قيل: الأثر إن كان وجوديا فلا بد من مؤثر وجودي، وأما العدم فيكفى فيه عدم سببه وموجبه. فيبقى على العدم الأصلي. فإذا أضيف إليه، كان من باب إضافة الشيء إلى دليله. فعدم السبب دليل على عدم المسبب.
وإذا سمي موجبا ومقتضيا بهذا الاعتبار فلا مشاحّة في ذلك وإما أن يكون العدم أثرا ومؤثرا فلا.
وهذا الإغفال ترتب عليه اتباع هواه، وتفريطه في أمره.
قال مجاهد: كان أمره فرطا: أي ضياعا.
وقال قتادة: ضاع أكبر الضيعة.
وقال السدي: هلاكا.
وقال أبو الحسن بن الهيثم: أمر فرط: متهاون به مضيّع. والتفريط تقديم العجز.
: أمر فرط: متهاون به مضيّع. والتفريط تقديم العجز.
وقال أبو إسحاق: من قدم العجز في أمر أضاعه وأهلكه.
وقال الليث: الفرط الأمر الذي يفرط فيه. يقال: كل أمر فلان فرط.
وقال الفراء: فرطا متروكا، فرط فيما لا ينبغي التفريط فيه، واتبع ما لا ينبغي اتباعه. وغفل عما لا يحسن الغفلة عنه.
(فائدة)
قال الحسن: "لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه، وماذا أردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين؟
والفاجر يمضى قدما قدما لا يحاسب نفسه".
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾
أضاع نفسه وغبن، مع ذلك تراه حافظا لماله مضيعا لدينه.
18:29Page 297
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.
No commentary for this ayah
18:30Page 297
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.
No commentary for this ayah
18:31Page 297
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١
Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.
No commentary for this ayah
18:32Page 297
۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢
And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.
No commentary for this ayah
18:33Page 297
كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣
Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.
(فائدة لغوية)
اختلف الكوفيون والبصريون في (كلا) و (كلتا)
فذهب البصريون إلى أنها اسم مفرد دال على الاثنين فيجوز عود الضمير إليه باعتبار لفظه وهو الأكثر ويجوز عوده باعتبار معناه وهو الأقل وألفها لام الفعل ليست ألف تثنية عندهم ولهم حجج منها أنها في الأحوال الثلاثة مع الظاهر على صورة واحدة والمثنى ليس كذلك وأما انقلابها ياء مع الضمير فلا يدل على أنها ألف تثنية كألف على وإلى ولدى هذا قول الخليل وسيبويه واحتجوا أيضا بقولهم كلاهما ذاهب دون ذاهبان وسيبويه لم يحتج بهذه الحجة لما تقدم من أنك إذا أضفت لفظ كل أفردت خبره مع كونه دالا على الجمع حملا على المعنى لأن قولك كلكم راع بمنزلة كل واحد منكم راع فكذا قولك كلاكما قائم أي كل واحد منكما قائم.
فإن قيل: بل أفرد الخبر عن كل وكلا لأنهما اسمان مفردان قيل هذا يبطل بتوكيد الجمع والتثنية بهما وكما لا ينعت الجمع والمثنى بالواحد فكذلك لا يؤكد به بطريق الأولى لأن التوكيد تكرار للمؤكد بعينه بخلاف النعت فإنه عينه بوجه والمعول عليه لمن نصر مذهب سيبويه على الحجة الأولى على ما فيها وعلى معارضتها بتوكيد الاثنين وكلا والمثنى لا يؤكد بالمفرد كما قررناه.
فإن قيل: الجواب عن هذا أن كلا اسم للمثنى فحسن التوكيد به وحصلت المطابقة باعتبار مدلوله وهو المقصود من الكلام فلا يضر إفراد اللفظ؟
قيل هذا يمكن في الجمع أن يكون لفظه واحدا ومعناه جمعا نحو كل وأسماء الجموع ك رهط وقوم لأن الجموع قد اختلفت صورها أشد اختلاف فمذكر ومؤنث مسلم ومكسر على اختلاف ضروبه وما لفظه على لفظ واحد كما تقدم بيانه فليس ببدع أن يكون صورة اللفظ مفردا ومعناه جمعا وأما التثنية فلم تختلف قط بل لزمت طريقة واحدة أين وقعت فبعيد جدا بل ممتنع أن يكون منها اسم فرد معناه مثنى وليس معكم إلا القياس على الجمع وقد وضح الفرق بينهما فتعين أن تكون كلا لفظا مثنى ينقلب ألفه ياء مع المضمر دون المظهر لأنك إذا أضفته إلى ظاهر استغنيت عن قلب ألفه ياء بانقلابها في المضاف إليه لتنزله منزلة الجزئية لدلالة اللفظ على مدلول واحد لأن كلا هو نفس ما يضاف إليه بخلاف قولك ثوبا الرجلين وفرسا الزيدين فلو قلت مررت بكلا الرجلين جمعت بين علامتي تثنية فيما هو كالكلمة الواحدة لأنهما لا ينفصلان أبدا ولا تنفك هذه عن الإضافة بحال ألا ترى كيف رفضوا ضربت رأسي الزيدين وقالوا: رؤوسهما لما رأوا المضاف والمضاف إليه كاسم واحد هذا مع أن الرؤوس تنفصل عن الإضافة كثيرا، وكذلك القلوب من قوله: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ فإذا كانوا قد رفضوا علامة التثنية هناك مع أن الإضافة عارضة فما ظنك بهذا الموضع الذي لا تفارقه الإضافة ولا تنفك عنه، فهذا الذي حملهم على أن ألزموها الألف على كل حال وكان هذا أحسن من إلزام طيء وخثعم وبني الحرث وغيرهم المثنى للألف في كل حال نحو: الزيدان والعمران فإذا أضافوه إلى الضمير قلبوا ألفه في النصب والجر لأن المضاف إليه ليس فيه علامة إعراب ولا يثنى بالياء ولكنه أبدا بالألف فقد زالت العلة التي رفضوها في الظاهر.
وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله كما ترى وإن كان سيبويه المعظم المقدم في الصناعة فمأخوذ من قوله ومتروك ومما يدل على صحة هذا القول أن (كلا) يفهم من لفظه ما يفهم من لفظ كل وهو موافق له في فاء الفعل وعينه، وأما اللام فمحذوفة كما حذفت في كثير من الأسماء فمن ادعى أن لام الفعل واو وأنه من غير لفظ كل فليس له دليل يعضده ولا اشتقاق يشهد له.
فإن قيل: فلم رجع الضمير إليها بلفظ الإفراد إذا كانت مثناة؟
قيل: لما تقدم من رجوع الضمير على كل لذلك إيذانا بأن الخبر عن كل واحد واحد فكأنك قلت كل واحد من الرجلين قام وفيه نكتة بديعة وهي أن عود الضمير بلفظ الإفراد أحسن لأنه يتضمن صدور الفعل عن كل واحد منفردا به ومشاركا للآخر.
فإن قيل: فلم كسرت الكاف من (كلا) وهي من كل مضمومة؟
قيل هذا لا يلزمهم لأنهم لم يقولوا إنها لفظة كل بعينها ولهم أن يقولوا كسرت تنبيها على معنى الاثنين كما يبتدئ لفظ الاثنين بالكسر ولهذا كسروا العين من عشرين إشعارا بتثنية عشر ومما يدل على صحة هذا القول أيضا أن (كلتا) بمنزلة قولك ثنتا ولا خلاف أن ألف ثنتا ألف تثنية فكذلك ألف كلتا.
ومن ادعى أن الأصل فيها كلواهما فقد ادعى ما تستبعده العقول ولا يقوم عليه برهان ومما يدل أيضا على صحته أنك تقول في التوكيد مررت بإخوتك ثلاثتهم وأربعتهم فتؤكد بالعدد فاقتضى القياس أن تقول أيضا في التثنية كذلك مررت بأخويك اثنيهما فاستغنوا عنه بكليهما لأنه في معناه وإذا كان كذلك فهو مثنى مثله.
فإن قيل فإنك تقول كلا أخويك جاء ولا تقول اثنا أخويك جاء فدل على أنه ليس في معناه؟
قيل العدد الذي يؤكد به إنما يكون تأكيدا مؤخرا تابعا لما قبله فأما إذا قدم لم يجز ذلك لأنه في معنى الوصف، والوصف لا يقدم على الموصوف فلا تقول ثلاثة إخوتك جاؤوني، وهذا بخلاف كل وكلا وكلتا لأن فيها معنى الإحاطة فصارت كالحرف الداخل لمعنى فيما بعده فحسن تقديمهما في حال الإخبار عنها وتأخيرهما في حال التوكيد فهذا في هذا المذهب كما ترى.
18:34Page 297
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤
And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."
No commentary for this ayah
18:35Page 298
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥
And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.
No commentary for this ayah
18:36Page 298
وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦
And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."
No commentary for this ayah
18:37Page 298
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧
His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?
No commentary for this ayah
18:38Page 298
لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨
But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.
No commentary for this ayah
18:39Page 298
وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩
And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,
[فَصْلٌ: في هَدْيِهِ ﷺ فِيما يَقُولُ مَن رَأى ما يُعْجِبُهُ مِن أهْلِهِ ومالِهِ]
فينبغي لمن دخل بستانه أو داره أو رأى في ماله وأهله ما يعجبه أن يبادر إلى هذه الكلمة، فإنه لا يرى فيه سوءًا.
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ
«ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في أهْلٍ، ولا مالٍ، أوْ ولَدٍ، فَيَقُولُ: ما شاءَ اللَّهُ، لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، فَيَرى فِيهِ آفَةً دُونَ المَوْتِ».
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ﴾.
وعنه ﷺ أنه كان إذا رأى ما يسره قال «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يسوءه قال الحمد لله على كل حال».
(فصل: في الشيء يراه ويعجبه ويخاف عليه العين)
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾
وقال النبي ﷺ «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين» حديث صحيح.
ويذكر عن النبي ﷺ أنه قال «إذا رأى أحدكم ما يعجبه في نفسه أو ماله فليتبرك عليه، فإن العين حق».
ويذكر عنه ﷺ أنه قال «من رأى شيئًا فأعجبه فليقل: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله».
ويذكر عنه ﷺ فيمن خاف أن يصيب شيئًا بعينه قال «اللهم بارك لنا فيه ولا تضره».
وقال أبو سعيد: «كان رسول الله ﷺ يتعوذ من الجان، وعين الإنسان، حتى نزلت المعوذتان، فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما».
قال الترمذي حديث حسن.
ورواه ابن ماجه في سننه.
(فائدة)
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن كَثُرَتْ هُمُومُهُ وغُمُومُهُ، فَلْيُكْثِرْ مِن قَوْلِ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ».
وَثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ ": أنَّها كَنْزٌ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ.
(فصل)
وَأمّا تَأْثِيرُ (لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ) في دَفْعِ هَذا الدّاءِ [جَوى القَلْبِ وغَمِّهِ وهَمِّهِ وحُزْنِهِ] فَلِما فِيها مِن كَمالِ التَّفْوِيضِ، والتَّبَرِّي مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، إلّا بِهِ وتَسْلِيمِ الأمْرِ كُلِّهِ لَهُ، وعَدَمِ مُنازَعَتِهِ في شَيْءٍ مِنهُ، وعُمُومُ ذَلِكَ لِكُلِّ تَحَوُّلٍ مِن حالٍ إلى حالٍ في العالَمِ العُلْوِيِّ، والسُّفْلِيِّ، والقُوَّةِ عَلى ذَلِكَ التَّحَوُّلِ، وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِاللَّهِ، وحْدَهُ فَلا يَقُومُ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ شَيْءٌ.
وَفِي بَعْضِ الآثارِ إنَّهُ ما يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ، ولا يَصْعَدُ إلَيْها إلّا بِلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، ولَها تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في طَرْدِ الشَّيْطانِ واللَّهُ المُسْتَعانُ.
18:40Page 298
فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠
It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,
No commentary for this ayah
18:41Page 298
أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١
Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."
No commentary for this ayah
18:42Page 298
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢
And his fruits were encompassed [by ruin], so he began to turn his hands about [in dismay] over what he had spent on it, while it had collapsed upon its trellises, and said, "Oh, I wish I had not associated with my Lord anyone."1
No commentary for this ayah
18:43Page 298
وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣
And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor could he defend himself.
No commentary for this ayah
18:44Page 298
هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤
There1 the authority is [completely] for Allāh, the Truth. He is best in reward and best in outcome.
No commentary for this ayah
18:45Page 298
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥
And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.
No commentary for this ayah
18:46Page 299
ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦
Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.
No commentary for this ayah
18:47Page 299
وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧
And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.
No commentary for this ayah
18:48Page 299
وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨
And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."
No commentary for this ayah
18:49Page 299
وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩
And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.
(فصل)
النكرة في سياق النفي تعم مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُن﴾
وفي الاستفهام من قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾
الشرط من قوله: ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾، ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ﴾
وفي النهي من قوله: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾
وفي سياق الإثبات بعموم العامة والمقتضى كقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾
وإذا أضيف إليها كل نحو: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾
ومن عمومها بعُمُومِ المُقْتَضى: ﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences