Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:102–115
2:102Page 16
وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢
And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.
(فائدة)
والإذن أيضا نوعان كوني كقوله: ﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾
وديني أمري كقوله: ﴿آللَّهُ أذِنَ لَكُم﴾ وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾.
[فَصْلٌ: مَقاماتُ العاشِقِ]
والعاشِقُ لَهُ ثَلاثُ مَقاماتٍ: مَقامُ ابْتِداءٍ، ومَقامُ تَوَسُّطٍ، ومَقامُ انْتِهاءٍ.
فَأمّا مَقامُ ابْتِدائِهِ: قالُوا: يَجِبُ عَلَيْهِ مُدافَعَتُهُ بِكُلِّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، إذا كانَ الوُصُولُ إلى مَعْشُوقِهِ مُتَعَذِّرًا قَدَرًا وشَرْعًا، فَإنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ وأبى قَلْبُهُ إلّا السَّفَرَ إلى مَحْبُوبِهِ - وهَذا مَقامُ التَّوَسُّطِ والِانْتِهاءِ - فَعَلَيْهِ كِتْمانُهُ ذَلِكَ، وأنْ لا يُفْشِيَهُ إلى الخَلْقِ، ولا يَشْمَتَ بِمَحْبُوبِهِ ويَهْتِكُهُ بَيْنَ النّاسِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ الشِّرْكِ والظُّلْمِ، فَإنَّ الظُّلْمَ في هَذا البابِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الظُّلْمِ، ورُبَّما كانَ أعْظَمَ ضَرَرًا عَلى المَعْشُوقِ وأهْلِهِ مِن ظُلْمِهِ في مالِهِ، فَإنَّهُ يُعَرِّضُ المَعْشُوقَ بِهَتْكِهِ في عِشْقِهِ إلى وُقُوعِ النّاسِ فِيهِ، وانْقِسامِهِمْ إلى مُصَدِّقٍ ومُكَذِّبٍ، وأكْثَرُ النّاسِ يَصَدَّقُ في هَذا البابِ بِأدْنى شُبْهَةٍ، وإذا قِيلَ فُلانٌ فَعَلَ بِفُلانٍ أوْ بِفُلانَةَ، كَذَّبَهُ واحِدٌ وصَدَّقَهُ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ.
وَخَبَرُ العاشِقِ المُتَهَتِّكِ عِنْدَ النّاسِ في هَذا البابِ يُفِيدُ القَطْعَ اليَقِينِيَّ، بَلْ إذا أخْبَرَهُمُ المَفْعُولُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ كَذِبًا وافْتِراءً عَلى غَيْرِهِ جَزَمُوا بِصِدْقِهِ جَزْمًا لا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، بَلْ لَوْ جَمَعَهُما مَكانٌ واحِدٌ اتِّفاقًا؛ لَجَزَمُوا أنَّ ذَلِكَ عَنْ وعْدٍ واتِّفاقٍ بَيْنَهُما، وجَزْمُهم في هَذا البابِ عَلى الظُّنُونِ والتَّخَيُّلِ والشُّبَهِ والأوْهامِ والأخْبارِ الكاذِبَةِ، كَجَزْمِهِمْ بِالحِسِّيّاتِ المُشاهَدَةِ، وبِذَلِكَ وقَعَ أهْلُ الإفْكِ في الطَّيِّبَةِ المُطَيَّبَةِ، حَبِيبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، المُبَرَّأةِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ، بِشُبْهَةِ مَجِيءِ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ بِها وحْدَهُ خَلْفَ العَسْكَرِ حَتّى هَلَكَ مَن هَلَكَ، ولَوْلا أنْ تَوَلّى اللَّهُ سُبْحانَهُ بَراءَتَها، والذَّبَّ عَنْها، وتَكْذِيبَ قاذِفِها، لَكانَ أمْرًا آخَرَ.
والمَقْصُودُ: أنَّ في إظْهارِ المُبْتَلى عِشْقَ مَن لا يَحِلُّ لَهُ الِاتِّصالُ بِهِ مِن ظُلْمِهِ وأذاهُ ما هو عُدْوانٌ عَلَيْهِ وعَلى أهْلِهِ، وتَعَرُّضٌ لِتَصْدِيقِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ ظُنُونَهم فِيهِ، فَإنِ اسْتَعانَ عَلَيْهِ بِمَن يَسْتَمِيلُهُ إلَيْهِ، إمّا بِرَغْبَةٍ أوْ رَهْبَةٍ، تَعَدّى الظُّلْمُ وانْتَشَرَ، وصارَ ذَلِكَ الواسِطَةُ دَيُّوثًا ظالِمًا، وإذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ لَعَنَ الرّائِشَ - وهو الواسِطَةُ بَيْنَ الرّاشِي والمُرْتَشِي في إيصالِ الرِّشْوَةِ - فَما ظَنُّكَ بِالدَّيُّوثِ الواسِطَةِ بَيْنَ العاشِقِ والمَعْشُوقِ في الوَصْلِ، فَيَتَساعَدُ العاشِقُ والدَّيُّوثُ عَلى ظُلْمِ المَعْشُوقِ وظُلْمِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ غَرَضِهِ عَلى ظُلْمِهِ في نَفْسٍ أوْ مالٍ أوْ عِرْضٍ، فَإنَّ كَثِيرًا ما يَتَوَقَّفُ المَطْلُوبُ فِيهِ عَلى قَتْلِ نَفْسٍ يَكُونُ حَياتُها مانِعَةً مِن غَرَضِهِ، وكَمْ قَتِيلٍ طُلَّ دَمُهُ بِهَذا السَّبَبِ، مِن زَوْجٍ وسَيِّدٍ وقَرِيبٍ، وكَمْ خُبِّبَتِ امْرَأةٌ عَلى بَعْلِها، وجارِيَةٍ وعَبْدٍ عَلى سَيِّدِهِما، وقَدْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن فَعَلَ ذَلِكَ وتَبَرَّأ مِنهُ، وهو مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ.
وَإذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ نَهى أنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلى خِطْبَةِ أخِيهِ، وأنْ يَسْتامَ عَلى سَوْمِ أخِيهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَسْعى في التَّفْرِيقِ بَيْنَ رَجُلٍ وبَيْنَ امْرَأتِهِ وأمَتِهِ حَتّى يَتَّصِلَ بِهِما؟
وَعُشّاقُ الصُّوَرِ ومُساعِدُوهم مِنَ الدَّيايِثَةِ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ ذَنْبًا، فَإنْ طَلَبَ العاشِقُ وصْلَ مَعْشُوقِهِ ومُشارَكَةَ الزَّوْجِ والسَّيِّدِ، فَفي ذَلِكَ مِن إثْمِ ظُلْمِ الغَيْرِ ما لَعَلَّهُ لا يَقْصُرُ عَنْ إثْمِ الفاحِشَةِ، وإنْ لَمْ يُرَبَّ عَلَيْها، ولا يَسْقُطُ حَقُّ الغَيْرِ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الفاحِشَةِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ وإنْ أسْقَطَتْ حَقَّ اللَّهِ فَحَقُّ العَبْدِ باقٍ لَهُ المُطالَبَةُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإنَّ مِن ظُلْمِ الوالِدِ إفْسادَ ولَدِهِ وفِلْذَةِ كَبِدِهِ، ومَن هو أعَزُّ عَلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، فَظُلْمُ الزَّوْجِ بِإفْسادِ حَبِيبَتِهِ والجِنايَةِ عَلى فِراشِهِ - أعْظَمُ مِن ظُلْمِهِ بِأخْذِ مالِهِ كُلِّهِ، ولِهَذا يُؤْذِيهِ ذَلِكَ أعْظَمَ مِمّا يُؤْذِيهِ أخْذُ مالِهِ، ولا يَعْدِلُ ذَلِكَ عِنْدَهُ إلّا سَفْكُ دَمِهِ، فَيا لَهُ مِن ظُلْمٍ أعْظَمَ إثْمًا مِن فِعْلِ الفاحِشَةِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا لِغازٍ في سَبِيلِ اللَّهِ وُقِفَ لَهُ الجانِي الفاعِلُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ لَهُ: «خُذْ مِن حَسَناتِهِ ما شِئْتَ،» كَما أخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ.
ثُمَّ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَما ظَنُّكُمْ؟ أيْ: فَما تَظُنُّونَ يَبْقى لَهُ مِن حَسَناتِهِ؟ فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ المَظْلُومُ جارًا، أوْ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، تَعَدَّدَ الظُّلْمُ فَصارَ ظُلْمًا مُؤَكَّدًا لِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وإيذاءِ الجارِ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قاطِعُ رَحِمٍ، ولا مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ.
فَإنِ اسْتَعانَ العاشِقُ عَلى وِصالِ مَعْشُوقِهِ بِشَياطِينِ الجِنِّ - إمّا بِسِحْرٍ أوِ اسْتِخْدامٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ - ضُمَّ إلى الشِّرْكِ والظُّلْمِ كُفْرُ السِّحْرِ، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ هو ورَضِيَ بِهِ، كانَ راضِيًا بِالكُفْرِ غَيْرَ كارِهٍ لِحُصُولِ مَقْصِدِهِ، وهَذا لَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنَ الكُفْرِ.
والمَقْصُودُ أنَّ التَّعاوُنَ في هَذا البابِ، تَعاوُنٌ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ.
وَأمّا ما يَقْتَرِنُ بِحُصُولِ غَرَضِ العاشِقِ مِنَ الظُّلْمِ المُنْتَشِرِ المُتَعَدِّي ضَرَرُهُ فَأمْرٌ لا يَخْفى، فَإنَّهُ إذا حَصَلَ لَهُ مَقْصُودُهُ مِنَ المَعْشُوقِ، فَلِلْمَعْشُوقِ أغْراضٌ أُخَرُ يُرِيدُ مِنَ العاشِقِ إعانَتَهُ عَلَيْها، فَلا يَجِدُ مِن إعانَتِهِ بُدًّا، فَيَبْقى كُلٌّ مِنهُما يُعِينُ الآخَرَ عَلى الظُّلْمِ والعُدْوانِ، فالمَعْشُوقُ يُعِينُ العاشِقَ عَلى ظُلْمِ مَن يَتَّصِلُ بِهِ مِن أهْلِهِ وأقارِبِهِ وسَيِّدِهِ وزَوْجِهِ، والعاشِقُ يُعِينُ المَعْشُوقَ عَلى ظُلْمِ مَن يَكُونُ غَرَضُ المَعْشُوقِ مُتَوَقِّفًا عَلى ظُلْمِهِ، فَكُلٌّ مِنهُما يُعِينُ الآخَرَ عَلى أغْراضِهِ الَّتِي فِيها ظُلْمُ النّاسِ، فَيَحْصُلُ العُدْوانُ والظُّلْمُ بِسَبَبِ اشْتِراكِهِما في القُبْحِ لِتَعاوُنِهِما بِذَلِكَ عَلى الظُّلْمِ، كَما جَرَتْ بِهِ العادَةُ بَيْنَ العُشّاقِ والمَعْشُوقِينَ، مِن إعانَةِ العاشِقِ لِمَعْشُوقِهِ عَلى ما فِيهِ ظُلْمٌ وعُدْوانٌ وبَغْيٌ، حَتّى رُبَّما يَسْعى لَهُ في مَنصِبٍ لا يَلِيقُ بِهِ ولا يَصْلُحُ لِمَثَلِهِ، وفي تَحْصِيلِ مالٍ مِن غَيْرِ حِلِّهِ، وفي اسْتِطالَتِهِ عَلى غَيْرِهِ، فَإذا اخْتَصَمَ مَعْشُوقُهُ وغَيْرُهُ أوْ تَشاكَيا لَمْ يَكُنْ إلّا في جانِبِ المَعْشُوقِ ظالِمًا كانَ أوْ مَظْلُومًا، هَذا إلى ما يَنْضَمُّ إلى ذاكَ مِن ظُلْمِ العاشِقِ لِلنّاسِ بِالتَّحَيُّلِ عَلى أخْذِ أمْوالِهِمْ، والتَّوَصُّلِ بِها إلى مَعْشُوقِهِ بِسَرِقَةٍ أوْ غَصْبٍ أوْ خِيانَةٍ أوْ يَمِينٍ كاذِبَةٍ أوْ قَطْعِ طَرِيقٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، ورُبَّما أدّى ذَلِكَ إلى قَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، لِيَأْخُذَ مالَهُ لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إلى مَعْشُوقِهِ.
فَكُلُّ هَذِهِ الآفاتِ وأضْعافُها وأضْعافُ أضْعافِها تَنْشَأُ مِن عِشْقِ الصُّوَرِ، ورُبَّما حَمَلَ عَلى الكُفْرِ الصَّرِيحِ، وقَدْ تَنَصَّرَ جَماعَةٌ مِمَّنْ نَشَئُوا في الإسْلامِ بِسَبَبِ العِشْقِ، كَما جَرى لِبَعْضِ المُؤَذِّنِينَ حِينَ أبْصَرَ امْرَأةً جَمِيلَةً عَلى سَطْحٍ، فَفُتِنَ بِها، ونَزَلَ، ودَخَلَ عَلَيْها، وسَألَها نَفْسَها، فَقالَتْ: هي نَصْرانِيَّةٌ، فَإنْ دَخَلْتَ في دِينِي تَزَوَّجْتُ بِكَ، فَفَعَلَ، فَرَقِيَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى دَرَجَةٍ عِنْدَهم فَسَقَطَ مِنها فَماتَ، ذَكَرَ هَذا عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِ العاقِبَةِ لَهُ.
وَإذا أرادَ النَّصارى أنْ يُنَصِّرُوا الأسِيرَ، أرَوْهُ امْرَأةً جَمِيلَةً وأمَرُوها أنْ تُطْمِعَهُ في نَفْسِها حَتّى إذا تَمَكَّنَ حُبُّها مِن قَلْبِهِ، بَذَلَتْ لَهُ نَفْسَها إنْ دَخَلَ في دِينِها، فَهُنالِكَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ ويَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وَفِي العِشْقِ مِن ظُلْمِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ العاشِقِ والمَعْشُوقِ لِصاحِبِهِ بِمُعاوَنَتِهِ لَهُ عَلى الفاحِشَةِ، وظُلْمِهِ لِنَفْسِهِ ما فِيهِ، فَكُلٌّ مِنهُما ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وصاحِبِهِ، وظُلْمُهُما مُتَعَدٍّ إلى الغَيْرِ كَما تَقَدَّمَ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ ظُلْمُهُما بِالشِّرْكِ، فَقَدْ تَضَمَّنَ العِشْقُ أنْواعَ الظُّلْمِ كُلَّها.
والمَعْشُوقُ إذا لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ فَإنَّهُ يُعَرِّضُ العاشِقَ لِلتَّلَفِ، وذَلِكَ ظُلْمٌ مِنهُ، بِأنْ يُطْمِعَهُ في نَفْسِهِ ويَتَزَيَّنَ لَهُ ويَسْتَمِيلَهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ حَتّى يَسْتَخْرِجَ مِنهُ مالَهُ ونَفْعَهُ ولا يُمَكِّنُهُ مِن نَفْسِهِ، لِئَلّا يَزُولَ غَرَضُهُ بِقَضاءِ وطَرِهِ مِنهُ، فَهو يَسُومُهُ سُوءَ العَذابِ، والعاشِقُ رُبَّما قَتَلَ مَعْشُوقَهُ لِيَشْفِيَ نَفْسَهُ مِنهُ، ولا سِيَّما إذا جادَ بِالوِصالِ لِغَيْرِهِ، فَكَمْ لِلْعِشْقِ مِن قَتِيلٍ مِنَ الجانِبَيْنِ، وكَمْ أزالَ مِن نِعْمَةٍ، وأفْقَرَ مِن غِنًى، وأسْقَطَ مِن مَرْتَبَةٍ، وشَتَّتَ مِن شَمْلٍ، وكَمْ أفْسَدَ مِن أهْلٍ لِلرَّجُلِ ووَلَدِهِ، فَإنَّ المَرْأةَ إذا رَأتْ بَعْلَها عاشِقًا لِغَيْرِها اتَّخَذَتْ هي مَعْشُوقًا لِنَفْسِها، فَيَصِيرُ الرَّجُلُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ خَرابِ بَيْتِهِ بِالطَّلاقِ وبَيْنَ القِيادَةِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يُؤْثِرُ هَذا، ومِنهم مَن يُؤْثِرُ هَذا.
فَعَلى العاقِلِ أنْ لا يُحَكِّمَ عَلى نَفْسِهِ عِشْقَ الصُّوَرِ، لِئَلّا يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إلى هَذِهِ المَفاسِدِ أوْ أكْثَرِها أوْ بَعْضِها، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَهو المُفَرِّطُ بِنَفَسِهِ المُغَرِّرُ بِها، فَإذا هَلَكَتْ فَهو الَّذِي أهْلَكَها، فَلَوْلا تَكْرارُهُ النَّظَرَ إلى وجْهِ مَعْشُوقِهِ وطَمَعُهُ في وِصالِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ عِشْقُهُ مِن قَلْبِهِ، فَإنَّ أوَّلَ أسْبابِ العِشْقِ الِاسْتِحْسانُ سَواءٌ تَوَلَّدَ عَنْ نَظَرٍ أوْ سَماعٍ، فَإنْ لَمْ يُقارِنْهُ طَمَعٌ في الوِصالِ وقارَنَهُ الإياسُ مِن ذَلِكَ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ العِشْقُ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِهِ الطَّمَعُ فَصَرَفَهُ عَنْ فِكْرِهِ ولَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ بِهِ؛ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ ذَلِكَ، فَإنْ أطالَ مَعَ ذَلِكَ الفِكْرَ في مَحاسِنِ المَعْشُوقِ وقارَنَهُ خَوْفُ ما هو أكْبَرُ عِنْدَهُ مِن لَذَّةِ وِصالِهِ، إمّا خَوْفٌ دِينِيٌّ كَدُخُولِ النّارِ، وغَضَبِ الجَبّارِ، واحْتِقابِ الأوْزارِ، وغَلَبَ هَذا الخَوْفُ عَلى ذَلِكَ الطَّمَعِ والفِكْرِ؛ لَمْ يَحْدُثْ لَهُ ذَلِكَ العِشْقُ، فَإنْ فاتَهُ هَذا الخَوْفُ فَقارَنَهُ خَوْفٌ دُنْيَوِيٌّ كَخَوْفِ إتْلافِ نَفْسِهِ، أوْ مالِهِ، أوْ ذَهابِ جاهِهِ وسُقُوطِ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ النّاسِ، وسُقُوطِهِ مِن عَيْنِ مَن يَعِزُّ عَلَيْهِ، وغَلَبَ هَذا الخَوْفُ لِداعِي العِشْقِ دَفَعَهُ، وكَذَلِكَ إذا خافَ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ هو أحَبُّ إلَيْهِ وأنْفَعُ لَهُ مِن ذَلِكَ المَعْشُوقِ، وقَدَّمَ مَحَبَّتَهُ عَلى مَحَبَّةِ ذَلِكَ المَعْشُوقِ؛ انْدَفَعَ عَنْهُ العِشْقُ، فَإنِ انْتَفى ذَلِكَ كُلُّهُ، وغَلَبَتْ مَحَبَّةُ المَعْشُوقِ لِذَلِكَ، انْجَذَبَ إلَيْهِ القَلْبُ بِالكُلِّيَّةِ، ومالَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ كُلَّ المَيْلِ.
2:103Page 16
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣
And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.
No commentary for this ayah
2:104Page 16
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤
O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"1 and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.
No commentary for this ayah
2:105Page 16
مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥
Neither those who disbelieve from the People of the Scripture [i.e., the Jews and Christians] nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allāh selects for His mercy whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.
No commentary for this ayah
2:106–107Page 17
۞ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦
We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allāh is over all things competent?
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧
Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allāh any protector or any helper?
(فصل)
قالت الأمة الغضبية:
التوراة قد حظرت أمورا، كانت مباحة من قبل، ولم تأت بإباحة محظور، والنسخ الذي ننكره ونمنع منه: هو ما أوجب إباحة محظور، لأن تحريم الشيء إنما هو لأجل ما فيه من المفسدة، فإذا جاءت شريعة بتحريمه كان ذلك من مؤكداتها ومقرراتها فإذا جاء من أباحه علمنا بإباحة المفسدة: أنه غير نبي، بخلاف تحريم ما كان مباحا، فإنا نكون متعبدين بتحريمه.
قالوا: وشريعتكم جاءت بإباحة كثير مما حرمته التوراة، مع أنه إنما حرم لما فيه من المفسدة.
فهذه النكتة هى التي تعتمد عليها الأمة الغضبية، ويتلقاها خالف منهم عن سالف والمتكلمون لم يشفوهم في جوابها. وإنما أطالوا معهم الكلام في رفع البراءة الأصلية بالشرائع، وفي نسخ الإباحة بالتحريم.
ولعمر الله إنه لمما يبطل شبهتهم، لأن رفع البراءة الأصلية، ورفع الإباحة بالتحريم هو تغيير لما كان عليه الحكم الاستصحابى أو الشرعى، بحكم آخر لمصلحة اقتضت تغييره، ولا فرق في اقتضاء المصلحة بين تغيير الإباحة بالتحريم، أو تغيير التحريم بالإباحة.
والشبهة التي عرضت لهم في أحد الموضعين هى بعينها في الموضع الآخر، فإن إباحة الشيء في الشريعة تابع لعدم مفسدته، إذا لو كانت فيه مفسدة راجحة لم تأت الشريعة بإباحته. فإذا حرمته الشريعة الأخرى وجب قطعا أن يكون تحريمه فيها هو المصلحة، كما كان إباحته في الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة في الشريعة الأولى هو المصلحة، فإن تضمن إباحة الشحوم المحرمة في الشريعة الأولى إباحة المفاسد - وحاشا لله - تضمن تحريم المباح في الشريعة الأولى تحريم المصالح. وكلاهما باطل قطعا.
فإذا جاز أن تأتى شريعة التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ومن تقدمه يستبيحه، فجائز أن تأتى شريعة أخرى بتحليل بعض ما كان في التوراة محظورا.
وهذه الشبهة الباطلة الداحضة هى التي ردت بها الأمة الغضبية نبوة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، هى بعينها التي رد بها أسلافهم نبوة المسيح، وتوارثوها كافرا عن كافر. وقالوا لمحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، كما قال أسلافهم للمسيح: لا نقر بنبوة من غير شريعة التوراة.
فيقال لهم: فكيف أقررتم لموسى بالنبوة، وقد جاء بتغيير بعض شرائع من تقدمه فإن قدح ذلك في المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام قدح في موسى فلا تقدحون، في نبوتهما بقادح إلا ومثله في نبوة موسى سواء، كما أنكم لا تثبتون نبوءة موسى ببرهان إلا وأضعافه شاهد على نبوة محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. فمن أبين المحال أن يكون موسى رسولا صادقا ومحمد ليس برسول، أو يكون المسيح رسولا ومحمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ليس برسول.
ويقال للأمة الغضبية أيضا: لا يخلو المحرم، إما أن يكون تحريمه لعينه وذاته، بحيث تمنع إباحته في زمان من الأزمنة، وإما أن يكون تحريمه لما تضمنه من المفسدة في زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وحال دون حال.
فإن كان الأول، لزم أن يكون ما حرمته التوراة محرما على جميع الأنبياء في كل زمان ومكان، من عهد نوح إلى خاتم الأنبياء عليهم السلام.
وإن كان الثاني، ثبت أن التحريم والإباحة تابعان للمصالح، وإنما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والحال، فيكون الشيء الواحد حراما في ملة دون ملة، وفي وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، وفي حال دون حال. وهذا معلوم بالاضطرار من الشرائع، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك.
ألا ترى أن تحريم السبت لو كان لعينه لكان حراما على إبراهيم ونوح وسائر النبيين؟
وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها لو كان حراما لعينه وذاته لوجب تحريمه على كل نبي وفي كل شريعة.
وإذا كان الرب تعالى لا حجر عليه، بل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويبتلى عباده لما يشاء، ويحكم ولا يحكم عليه. فما الذي يحيل عليه ويمنعه أن يأمر أمة بأمر من أوامر الشريعة، ثم ينهى أمة أخرى عنه أو يحرم محرما على أمة ويبيحه لأمة أخرى؟
بل أي شيء يمنعه سبحانه أن يفعل ذلك في الشريعة الواحدة في وقتين مختلفين، بحسب المصلحة، وقد بين ذلك سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شيء قَدِير * ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ لَهُ مُلْك السَّمواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٦-١٠٧].
فأخبر سبحانه أن عموم قدرته وملكه وتصرفه في مملكته وخلقه لا يمنعه أن ينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء كما أنه يمحو من أحكامه القدرية الكونية ما يشاء، ويثبت فهكذا أحكامه الدينية الأمرية، ينسخ منها ما يشاء، ويثبت منها ما يشاء.
فمن أكفر الكفر وأظلم الظلم: أن يعارَض الرسول الذي جاء بالبينات والهدى وتدفع نبوته، وتجحد رسالته: بكونه أتى بإباحة بعض ما كان محرما على من قبله، أو تحريم بعض ما كان مباحا لهم. وبالله التوفيق، يضل من يشاء ويهدى من يشاء.
ومن العجب أن هذه الأمة الغضبية تحجر على الله تعالى أن ينسخ ما يشاء من شرائعه، وقد تركوا شريعة موسى عليه السلام في أكثر ما هم عليه، وتمسكوا بما شرعه لهم أحبارهم وعلماؤهم.
فمن ذلك: أنهم يقولون في صلاتهم ما ترجمته هكذا "اللهم اضرب ببوق عظيم لفيفنا واقبضنا جميعا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع شتات قوم إسرائيل".
ويقولون كل يوم ما ترجمته هكذا "أردد حكامنا كالأولين، ومسراتنا كالابتداء وابْنِ أورشليم قرية قدسك في أيامنا، وأعزنا بابتنائها، سبحانك يا بانى يورشليم".
فهذا قولهم في صلاتهم، مع علمهم بأن موسى وهارون عليهما السلام لم يقولا شيئا من ذلك. ولكنها فصول لفقوها بعد زوال دولتهم.
وكذلك صيامهم، كصوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصا، وصوم كدليا التي جعلوها فرضا لم يصمها موسى، ولا يوشع بن نون. وكذلك صوم صَلْبِ هامان، ليس شيء من ذلك في التوراة، وإنما وضعوها لأسباب اقتضت وضعها عندهم.
هذا.
مع أنه في التوراة ما ترجمته "لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئا، ولا تنقصوا منه شيئا".
وقد تضمنت التوراة أوامر كثيرة جدا، هم مجمعون على تعطليها وإلغائها فإما أن تكون منسوخة بنصوص أخرى من التوراة أو بنقل صحيح عن موسى عليه السلام، أو باجتهاد علمائهم.
وعلى التقادير الثلاث. فقد بطلت شبهتهم في إنكار النسخ.
ثم من العجب أن أكبر تلك الأوامر التي هم مجمعون على عدم القول والعمل بها إنما يستندون فيها إلى أقوال علمائهم وأمرائهم. وقد اتفقوا على تعطيل الرجم للزانى، وهو نص التوراة. وتعطيل أحكام كثيرة منصوصة في التوراة.
ومن تلاعب الشيطان بهم: أنهم يزعمون أن الفقهاء إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالا، وإذا حرموه صار حراما وإن كان نص التوراة بخلافه.
وهذا تجويز منهم لنسخهم ما شاءوا من شريعة التوراة. فحجروا على الرب تعالى وتقدس أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم.
كما تكبر إبليس أن يسجد لآدم، ورأى أن ذلك يغض منه. ثم رضى أن يكون قوادا لكل عاص وفاسق.
وكما أبى عباد الأصنام أن يكون النبي المرسل إليهم بشرا، ثم رضوا أن يكون إلههم ومعبودهم حجرًا.
وكما نزهت النصارى بتاركتهم عن الولد والصاحبة، ولم يتحاشوا من نسبة ذلك إلى الله سبحانه تعالى.
وكما نزهت الفرعونية من الجهمية الرب سبحانه أن يكون مستويا على عرشه، لئلا يلزم الحصر، ثم جعلوه سبحانه في الآبار والحانات، وأجواف الحيوانات.
2:108Page 17
أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨
Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.
No commentary for this ayah
2:109Page 17
وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٠٩
Many of the People of the Scripture wish they could turn you back to disbelief after you have believed, out of envy from themselves [even] after the truth has become clear to them. So pardon and overlook until Allāh delivers His command. Indeed, Allāh is over all things competent.
No commentary for this ayah
2:110Page 17
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٠
And establish prayer and give zakāh, and whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. Indeed Allāh, of what you do, is Seeing.
No commentary for this ayah
2:111Page 17
وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١١١
And they say, "None will enter Paradise except one who is a Jew or a Christian." That is [merely] their wishful thinking. Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
هذه دعوى من كل واحد من الطائفتين أنه لن يدخل الجنة إلا من كان منهما فقالت اليهود لا يدخلها إلا من كان هودا وقالت النصارى لا يدخلها إلا من كان نصرانيا فاختصر الكلام أبلغ اختصار وأوجزه مع أمن اللبس ووضوح المعنى فطالبهم الله تعالى بالبرهان على صحة الدعوى فقال: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وهذا هو المسمى سؤال المطالبة بالدليل فمن ادعى دعوى بلا دليل يقال له هات برهانك إن كنت صادقا فيما ادعيت ويحتج بهذه الآية من يقول بلزوم النافي الدليل كما يلزم المثبت وحكوا في ذلك ثلاث مذاهب ثالثها يلزمه في الشرعيات دون العقليات واستدلالهم بالآية لا يصح لأن الله تعالى لم يطالبهم بدليل النفي المجرد بل ادعوا دعوى مضمونها إثبات دخولهم الجنة وإن غيرهم لم يدخلها فطولبوا بالدليل الدال على هذه الدعوى المركبة من النفي والإثبات وصاحب هذه الدعوى يلزمه الدليل باتفاق الناس وإنما الخلاف في النفي المجرد ولو استدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلاّ أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ لكان أقرب مع كونه متضمنا للنفي والإثبات لكن الدعوى فيه إنما توجهت إلى النفي ومقصود الكلام إنا لا نعذب بعد تلك الأيام فلم ينكر عليهم اعترافهم بالتعذيب تلك الأيام بل دعواهم أنهم لا يعذبون بعدها وذلك نفي محض فلذلك قلنا إن الاستدلال بها أقرب من هذه الآية.
2:112Page 17
بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١١٢
Yes, [on the contrary], whoever submits his face [i.e., self] in Islām to Allāh while being a doer of good will have his reward with his Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
No commentary for this ayah
2:113Page 18
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١١٣
The Jews say, "The Christians have nothing [true] to stand on," and the Christians say, "The Jews have nothing to stand on," although they [both] recite the Scripture. Thus do those who know not [i.e., the polytheists] speak the same as their words. But Allāh will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
No commentary for this ayah
2:114Page 18
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤
And who are more unjust than those who prevent the name of Allāh from being mentioned [i.e., praised] in His mosques and strive toward their destruction. It is not for them to enter them except in fear. For them in this world is disgrace, and they will have in the Hereafter a great punishment.
No commentary for this ayah
2:115Page 18
وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥
And to Allāh belongs the east and the west. So wherever you [might] turn, there is the Face1 of Allāh. Indeed, Allāh is all-Encompassing and Knowing.
(فائدة)
إذا اشتبهت عليه جهة القبلة ففيها ثلاثة أقوال:
أحدها: يجتهد ويصلي صلاة واحدة هذا أصح الأقوال في المذاهب الأربعة وهو المشهور.
الثاني: أنه يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات ليؤدي مسيتقنا كما قالوا في الثياب النجسة وكما قالوا فيمن فاتته صلاة من يوم لا يعلم عينها صلى خمس صلوات.
والقول الثالث: أنه قد سقط عنه فرض الاستقبال في هذه الحال فيصلي حيث شاء.
وهذا مذهب أبي محمد بن حزم.
واحتج بأن الله إنما فرض الاستقبال على العالم بجهة الكعبة القادر على التوجه إليها فأما العاجز عنها فلم يفرض الله عليه التوجه إليها قط فلا يجوز أن يلزم بما لا يلزمه الله ورسوله به وإذا لم يكن التوجه واجبا عليه لأن وجوبه مشروط بالقدرة صلى إلى أي جهة شاء كالمسافر المتطوع والزمن الذي لا يمكنه التوجه إلى جهة القبلة.
قلت: وهذا القول أرجح وأصح من القول بوجوب أربع صلوات عليه فإنه إيجاب ما لم يوجبه الله ورسوله ولا نظير له في إيجابات الشارع ألبتة ولم يعرف في الشريعة موضع واحد أوجب الله على العبد فيه أن يوقع الصلاة ثم يعيدها مرة أخرى إلا لتفريط في فعلها أولا كتارك الطمأنينة والمصلي بلا وضوء ونحوه.
وأما أن يأمره بصلاة فيصليها بأمره ثم يأمره بإعادتها بعينها فهذا لم يقع قط، وأصول الشريعة ترده.
وقياس هذه المسألة على مسألة الثياب وناسي صلاة من يوم قياس لمختلف فيه على مثله ولعل الكلام إلا في تينك المسألتين أيضا فلو أن حكمهما ثبت بكتاب أو سنة أو إجماع لكان في قياس عليها ما فيه بل لم يكن صحيحا لأن جهة الفرق إما مساوية لجهة الجمع أو أظهر وعلى التقديرين فالقياس منتف بقي النظر في ترجيح أحد قولي الاجتهاد والتخيير في مسألة القبلة على الآخر فمن نصر التخيير احتج بما في الترمذي وسنن ابن ماجة عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ "
قال الترمذي: "هذا حديث حسن إلا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعف" وروى الدارقطني من حديث عطاء عن جابر قال: " كنا مع النبي ﷺ في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي فلم يأمرنا بالإعادة فقال: "قد أجزأتكم صلاتكم"
قال الدارقطني: "رواه محمد ابن سالم عن عطاء قال: "ويروى أيضا عن محمد بن عبد الله العرزمي عن عطاء وكلاهما ضعيف".
وقال العقيلي: "لا يروى متن هذا الحديث من وجه يثبت.
واحتجوا أيضا بما تقدم حكايته أن الله لم يأمر بالاستقبال إلا من كان عالما به وقادرا عليه وأما العاجز الجاهل فساقط عنه فرض الاستقبال فلا يكلف به.
ومن نصر الاجتهاد احتج بأن الله تعالى أوجب على العبد أن يتقيه ما استطاع وهذا مقتضي وجوب الاجتهاد عليه في تقوى ربه تعالى والتقوى هي فعل ما أمر وترك ما نهي قالوا وأيضا فإنه من المعلوم أنه إذا قام إلى الصلاة لم يجز له أن يستقبل أي جهة شاء ابتداء بل ينظر إلى مطالع الكواكب ومساقطها وسمت جهة القبلة حتى إذا علم جهتها استقبلها وهذا نوع اجتهاد وأدلة الجهة متفاوتة الخفاء والظهور فيجب على كل أحد فعل مقدوره من ذلك فإن لم يصبها قطعا أصابها ظنا وهو الذي يقدر عليه فمتى ترك مقدوره لم يكن قد اتقى الله تعالى بحسب استطاعته.
وقولكم إن الله إنما أوجب الاستقبال على القادر عليه العالم به قلنا الله سبحانه وتعالى أوجب على كل عبد ما تؤديه إليه استطاعته من طاعته فإذا عجز عن هذا اليقين وأدلة الجهة سقط عنه، ولكن من أين يسقط عنه بذل وسعه ومقدوره اللائق به.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences