Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:145–152
2:145Page 22
وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٥
And if you brought to those who were given the Scripture every sign, they would not follow your qiblah. Nor will you be a follower of their qiblah. Nor would they be followers of one another's qiblah. So if you were to follow their desires after what has come to you of knowledge, indeed, you would then be among the wrongdoers.
ثم أخبر تعالى عن شدة كفر أهل الكتاب بأنهم لو أتاهم الرسول بكل آية ما تبعوا قبلته ففي ذلك التسلية له وتركهم وقبلتهم ثم برأه من قبلتهم فقال: ﴿وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ ثم ذكر اختلافهم في القبلة وأن كل طائفة منهم لا تتبع الطائفة الأخرى لأن القبلة من خواص الدين وأعلامه وشعائره الظاهرة فأهل كل دين لا يفارقون قبلتهم إلا أن يفارقوا دينهم فأخبر تعالى في هذه الجمل الثلاث بثلاث إخبارات تتضمن براءة كل طائفة من قبلة الطائفة الأخرى وتتضمن الإخبار بأن أهل الكتاب لو رأوا كل آية تدل على صدق الرسول لما تبعوا قبلته عنادا وتقليدا لآبائهم وأنهم إن اشتركوا في خلاف القبلة الحق منهم مختلون مختلفون في باطلهم فلا تتبع طائفة قبلة الأخرى فهم متفقون على خلاف الحق في اختيار الباطل وفي هذه الآية أيضا ثبيت للرسول والمؤمنين على لزوم قبلتهم وأنه لا يشتغل بما يقوله أهل الكتاب ارجعوا إلى قبلتنا فنتبعكم على دينكم فإن هذا خداع ومكر منهم فإنهم لو رأوا كل آية تدل على صدقك ما تبعوا قبلتك لأن الكفر قد تمكن من قلوبهم فلا مطمع للحق فيها ولست أيضا بتابع قبلتهم فليقطعوا مطامعهم من موافقتك لهم وعودك إلى قبلتهم وكذلك هم أيضا مختلفون فيما بينهم فلا يتبع أحد منهم قلبة الآخر فهم مختلفون في القبلة ولستم أيها المؤمنون موافقين لأحد منهم في قبلته بل أكرمكم الله بقبلة غير قبلة هؤلاء المختلفين اختارها الله لكم ورضيها وأكد تعالى هذا المعنى بقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فهذا كله تثبيت وتحذير من موافقتهم في القبلة وبراءة من قبلتهم كما هم براء من قبلتك وكما بعضهم برئ من قبله بعض فأنتم أيها المؤمنون أولى بالبراءة من قبلتهم التي أكرمكم الله تعالى بالتحويل عنها ثم أكد ذلك بقوله: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾.
2:146Page 23
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦
Those to whom We gave the Scripture know him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].
﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ فإنهم كان عندهم من صفته قبل أن يروه ما طابق شخصه عند رؤيته وجاء كما يعرفون أبناءهم من باب ازدواج الكلام وتشبيه أحد اليقينين بالآخر فتأمله.
(لطيفة)
ذكرنا في كتاب الفوائد المكية السر في مجيء: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ و ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ والفرق بين الموضعين وأنه حيث ذكر الفاعل كان من آتاه الكتاب واقعا في سياق المدح، وحيث حذفه كان من أوتيه واقعا في سياق الذم أو منقسما.
وذلك من أسرار القرآن الكريم.
ومثله: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ وقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ وبالجملة فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة ومصلحة وعدل، والشر ليس إليه.
2:147Page 23
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١٤٧
The truth is from your Lord, so never be among the doubters.
No commentary for this ayah
2:148Page 23
وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٤٨
For each [religious following] is a [prayer] direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allāh will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allāh is over all things competent.
ثم أخبر تعالى عن اختصاص كل أمة بقبلتهم فقال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ وأصح القولين أن المعنى هو متوجه إليها أي موليها وجهه فالضمير راجع إلى كل، وقيل إلى الله أي الله موليها إياه وليس بشيء لأن الله لم يول القبلة الباطلة أبدا ولا أمر النصارى باستقبال الشرق قط بل هم تولوا هذه القبلة من تلقاء أنفسهم وولوها وجوههم وقوله: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ مشعر بصحة هذا القول أي إذا كان أهل الملل قد تولوا الجهات فاستقبوا أنتم الخيرات وبادروا إلى ما اختاره الله لكم ورضيه وولاكم إياه ولا تتوقفوا فيه ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يجمعكم من الجهات المختلفة والأقطار المتباينة إلى موقف القيامة كما تجتمعون من سائر الجهات إلى جهة القبلة التي تؤمونها فهكذا تجتمعون من سائر أقطار الأرض إلى جهة الموقف الذي يؤمه الخلائق وهذا نظير قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْرات﴾ المرجع إلى الله تعالى. وأخبر أن مرجعهم إليه عند إخباره بتعدد شرائعهم ومنها هجم كما ذكر ذلك بعينه عند إخباره بتعدد وجهتهم وقبلتهم فقال: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْرات أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ وتحت هذا سر بديع يفهمه من يفهمه وهو أنه عند الاختلاف في الطرائق والمذاهب والشرائع والقبل يكون أقربها إلى الحق ما كان أدل على الله وأوصل إليه لأن مرجع الجميع إليه يوم القيامة وحده وإن اختلفت أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم فمرجعهم إلى رب واحد وإله واحد فهكذا ينبغي أن يكون مرد الجميع ورجوعهم كلهم إليه وحده في الدنيا فلا يعبدون غيره ولا يدينون بغير دينه إذ هو إلههم الحق في الدنيا والآخرة فإذا كان أكثر الناس قد أبي ذلك إلا كفورا وذهابا في الطرق الباطلة وعبادة غيره وإن دانوا غير دينه فاستبقوا أنتم أيها المؤمنين للخيرات وبادروا إليها ولا تذهبوا مع الذين يسارعون في الباطل والكفر فتأمل هذا السر البديع في السورتين يوم الفصل والبعث.
2:149Page 23
وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٩
So from wherever you go out [for prayer, O Muḥammad], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allāh is not unaware of what you do.
No commentary for this ayah
2:150Page 23
وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠
And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,
قال أبو القاسم السهيلي:
قال الله تعالى في الآية الناسخة: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أي من أي جهة جئت إلى الصلاة وخرجت إليها فاستقبل الكعبة كنت متسدبرا بيت المقدس أو لم تكن لأنه كان بمكة يتحرى في استقباله بيت المقدس أن تكون الكعبة بين يديه.
قال: "تدبر قوله: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ ولم يقل حيث ما خرجتم وذلك لأنه كان إمام المسلمين فكان يخرج إليهم في كل صلاة ليصلي بهم وكان ذلك واجبا عليه إذ كان الإمام المقتدي به فأفاد ذكر الخروج في خاصته هذا المعنى ولم يكن حكم غيره هكذا يقتضي الخروج ولا سيما النساء ومن لا جماعة عليه".
قلت: ويظهر في هذا معنى آخر وهو أن قوله ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ خطاب عام له ولأمته يقتضي أمرهم بالتوجه إلى المسجد الحرام في أي موضع كانوا من الأرض وقوله: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ خطاب بصيغة الإفراد والمراد هو الأمة كقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ونظائره وهو يفيد الأمر باستقبالها من أي جهة ومكان خرج منه وقوله: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ يفيد الأمر باستقبالها في أي موضع استقر فيه وهو تعالى لم يقيد الخروج بغاية بل أطلق غايته كما عم مبدأة فمن حيث خرج إلى أي مخرج كان من صلاة أو غزو أو حج أو غير ذلك فهو مأمور باستقبال المسجد الحرام هو والأمة وفي أي بقعة كانوا من الأرض فهو مأمور هو والأمة باستقباله فتناولت الآيتان أحوال الأمة كلها في مبدأ تنقلهم من حيث خرجوا وفي غايته إلى حيث أنتهوا وفي حال اسقرارهم حيث ما كانوا فأفاد ذلك عموم الأمر بالاستقبال في الأحوال الثلاث التي لا ينفك منها العبد فتأمل هذا المعنى ووازن بينه وبين ما أبداه أبو القاسم يتبين لك الرجحان والله أعلم بما أراد من كلامه وإنما هو كد أفهام أمثالنا من القاصرين فقوله من حيث خرجت يتناول مبدأ الخروج وغايته له وللأمة
وكان أولى بهذا الخطاب لأن مبدأ التوجه كان على يديه وكان شديد الحرص على التحويل. وقوله: ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾ يتناول أماكن الكون كلها له وللأمة وكانوا أولى بهذا الخطاب لتعدد أماكن أكوانهم وكثرتها بحسب كثرتهم واختلاف بلادهم وأقطارهم واستدارتها حول الكعبة شرقا وغربا ويمنا وعراقا فكان الأحسن في حقهم أن يقال لهم وحيث ما كنتم أي من أقطار الأرض في شرقها وغربها وسائر جهاتها ولا ريب أنهم أدخل في هذا الخطاب منه. فتأمل هذه النكت البديعة فلعلك لا تظفر بها في موضع غير هذا والله أعلم.
قال أبو القاسم: "وكرر الباري تعالى الأمر بالتوجه إلي بيت الحرام في ثلاث آيات لأن المنكرين لتحويل القبلة كانوا ثلاثة أصناف من الناس اليهود لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم وأهل الريب والنفاق اشتد إنكارهم له لأنه كان أول نسخ نزل وكفار قريش قالوا ندم محمد على فراق ديننا فسيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه فيقولون يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل وقد فارق قبله إبراهيم وإسماعيل وآثر عليها قبلة اليهود فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ على الاستثناء المنقطع أي لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أي من الذين شكوا وامتروا ومعنى الحق من ربك أي الذي أمرتك به من التوجه إلى بيت الحرام هوالحق الذي كان عليه الأنبياء قبلك فلا تمتر في ذلك فقال: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ وقال: ﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ أي يكتمون ما علموا أن الكعبة هي قبلة الأنبياء ثم ساق من طريق أبي داود في كتاب الناسخ والمنسوخ".
قال حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة عن يونس عن ابن شهاب قال: "كان سليمان بن عبد الملك لا يعظم إيليا كما يعظمها أهل بيته قال: فسرت معه وهو ولي عهد قال: ومعه خالد بن يزيد بن معاوية فقال سليمان وهو جالس فيه: "والله إن في هذه القبلة التي صلى إليها المسلمون والنصارى لعجبا كذا رأيته.
والصواب اليهود قال خالد بن يزيد: "أما والله إني لأقرأ الكتاب الذي أنزله الله على محمد فلم تجدها اليهود في الكتاب الذي أنزله الله عليهم ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة فلما غضب الله عز وجل على بني إسرائيل رفعه فكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهم".
وروى أبو داود أيضا أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة فقال أبو العالية: "إن موسى كان يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام فكانت الكعبة قبلته وكانت الصخرة بين يديه وقال اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبي ﷺ فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبة". انتهى.
قلت: وقد تضمن هذا الفصل فائدة جليلة وهي أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحي والتوقيف من الله بل كان عن مشورة منهم واجتهاد أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق أبدا وهم مقرون بذلك ومقرون أن قبله المسيح كانت قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة وإنما وضع لهم شيوخهم وأسلافهم هذه القبلة وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح فوض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام وأن ما حللوه وحرموه فقد حلله هو وحرمه في السماء فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال المشرق على لسان رسوله أبدا والمسلمون شاهدون عليهم بذلك وأما قبلة اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة ألبتة وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة. وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طور لهم بأرض الشام ويعظمونه ويحجون إليه ورأيته أنا وهو في بلد نابلس وناظرت فضلاءهم في استقباله وقلت هو قبلة باطلة مبتدعة فقال مشار إليه في دينهم هذه هي القبلة الصحيحة واليهود أخطأوها لأن الله تعالى أمر في التوراة باستقباله عينا ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة في استقباله فقلت له هذا خطأ قطعا على التوراة لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل فهم المخاطبون بها وأنتم فرع عليهم فيها وإنما تلقيتموها عنهم وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم وأنا رأيتها وليس هذا فيها فقال لي: صدقت إنما هو في توراتنا خاصة قلت: له فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها وهم الذين تلقوها عن الكليم وهم متفرقون في أقطار الأرض قد كتموا هذا النص وأزالوه وبدلوا القبلة التي أمروا بها وحفظتموها أنتم وحفظتم النص بها فلم يرجع إلى الجواب.
قلت وهذا كله مما يقوى أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ راجعا إلى (كل) أي هو موليها وجهه ليس المراد أن الله موليه إياها لوجوه هذا أحدها.
الثاني: أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه في الآية وإن كان مذكورا فيما قبلها ففي إعادة الضمير إليه تعالى دون كل رد الضمير إلى غير من هو أولى به ومنعه من القريب منه اللاحق به.
الثالث: أنه لو عاد الضمير عليه تعالى لقال هو موليه إياها هذا وجه الكلام كما قال تعالى: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ فوجه الكلام أن يقال ولاه القبلة لا يقال ولى القبلة إياه فتأمله.
وقول أبي القاسم أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثا ردا على الطوائف الثلاث ليس بالبين ولا في اللفظ إشعار بذلك والذي يظهر فيه أنه أمر به في كل سياق لمعنى يقتضيه فذكره أول مرة ابتداء للحكم ونسخا للاستقبال الأول فقال ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ ثم ذكر أن أهل الكتاب يعلمون أن هذا هو الحق من ربهم حيث يجدونه في كتبهم كذلك ثم أخبر عن عبادتهم وكفرهم وأنه لو أتاهم بكل آية ما تبعوا قبلته ولا هو أيضا بتابع قبلتهم ولا بعضهم بتابع قبلة بعض ثم حذره من اتباع أهوائهم ثم كرر معرفة أهل الكتاب به كمعرفتهم بأبنائهم وأنهم ليكتمون الحق عن علم ثم أخبر أن هذا هو الحق من ربه فلا يلحقه فيه امتراء ثم أخبر أن لكل من الأمم وجهة هو مستقبلها وموليها وجهة فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون الخيرات ثم أعاد الأمر باستقبالها من حيث خرج في ضمن هذا السياق الزائد على مجرد النسخ ثم أعاد الأمر به غير مكرر له تكررا محضا بل في ضمنه أمرهم باستقبالها حيثما كانوا كما أمرهم باستقبالها أولا حيثما كانوا عند النسخ وابتداء شرع لحكم فأمرهم باستقبالها حيثما كانوا عند شرع الحكم وابتدائه وبعد المحاجة والمخاصمة والحكم لهم وبيان عنادهم ومخالفتهم مع علمهم فذكر الأمر بذلك في كل موطن لاقتضاء السياق له فتامله والله أعلم.
وقوله: إن الاستثناء في قوله ﴿إلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم﴾ منقطع قد قاله أكثر الناس ووجهة أن الظالم لا حجة له فاستثناؤه مما ذكر قبله منقطع.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "ليس الاستثناء بمنقطع بل هو متصل على بابه وإنما أوجب لهم أن حكموا بانقطاعه حيث ظنوا أن الحجة هاهنا المراد بها الحجة الصحيحة الحق والحجة في كتاب الله يراد بها نوعان:
أحدهما: الحجة الحق الصحيحة كقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾.
ويراد بها مطلق الاحتجاج بحق أو بباطل كقوله: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله﴾ وقوله: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهم إلاّ أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وقوله: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ﴾ وقوله: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وإذا كانت الحجة اسما لما يحتج به من الحق أو باطل صح استثناء حجة الظالمين من قوله: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ وهذا في غاية التحقيق والمعنى أن الظالمين يحتجون عليك بالحجة الباطلة الداحضة فلا تخشوهم واخشوني. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ فهذه مناظرة حكاها الله بين المسلمين والكفار فإن الكفار لجأوا إلى تقليد الآباء وظنوا أنه منجيهم لإحسانهم ظنهم بهم فحكم الله بينهم بقوله: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ وفي موضع آخر ﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ وفي موضع آخر ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ فأخبر عن بطلان هذه الحجة وأنها لا تنجني من عذاب الله تعالى لأنها تقليد من ليس عنده علم ولا هدى من الله والمعنى ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يقلدونهم ولو كانوا لا علم عندهم ولا هدى يقلدونهم أيضا وهذا شأن من لا غرض له في الهدى ولا في اتباع الحق إن غرضه بالتقليد إلا دفع الحق والحجة إذا لزمته لأنه لو كان مقصوده الحق لاتبعه إذا ظهر له وقد جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم فلو كنتم ممن يتبع الحق لأتبعتم ما جئتكم به فأنتم لم تقلدوا الآباء لكونهم على حق فقد جئتكم أهدى مما وجدتموهم عليه وإنما جعلتم تقليدهم جنة لكم تدفعون بها الحق الذي جئتكم به.
((الجزء الثالث))
2:151Page 23
كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١
Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.
No commentary for this ayah
2:152Page 23
فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢
So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.
(فائدة)
قالوا: الشكر مراد لنفسه، والصبر مراد لغيره، والصبر إنما حمد لإفضائه وإيصاله إلى الشكر فهو خادم الشكر.
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
قال: "أفلا أكون عبدا شكورا"
وثبت في المسند والترمذي أن النبي قال لمعاذ:
"والله إني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا أبو معاوية وجعفر بن عون عن هشام بن عروة قال كان من دعاء النبي ﷺ:
"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
قال وحدثنا محمود بن غيلان حدثنا المؤمل بن إسماعيل حدثنا حماد بن سلمه حدثنا حميد الطويل عن طلق بن حبيب عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال:
"أربع من أعطيهن فقد أعطي خير الدنيا والآخرة: قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وبدنا على البلاء صابرا، وزوجة لا تبغيه خونا في نفسها ولا في ماله"
وذكر أيضا من حديث القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي قال:
"ما أنعم الله على عبد نعمة فعلم أنها من عند الله إلا كتب الله له شكرها، وما علم الله من عبد ندامة على ذنب إلا غفر الله له قبل أن يستغفره، وإن الرجل يشتري الثوب بالدينار فيلبسه فيحمد الله فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له".
وقد ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال:
"إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكله فيحمده عليها، ويشرب الشربه فيحمده عليها"
فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ في مقابلة شكره بالحمد.
وذكر ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن صالح حدثنا أبو زهير يحيى بن عطارد القرشي عن أبيه قال قال رسول الله:
"لا يرزق الله عبدا الشكر فيحرمه الزيادة"
لأن الله تعالى يقول ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾
وقال الحسن البصري:
"إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابا"
ولهذا كانوا يسمون الشكر الحافظ لأنه يحفظ النعم الموجودة والجالب لأنه يجلب النعم المفقودة.
وذكر ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لرجل من همذان:
"إن النعمة موصولة بالشكر، والشكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد"
وقال عمر بن عبد العزيز:
"قيدوا نعم الله بشكر الله"
وكان يقول: الشكر قيد النعم.
وقال مطرف بن عبد الله "لأن أعافى فأشكر أحب إلي من أن ابتلى فأصبر"
وقال الحسن "أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر"
(فصل)
مَن بَذَلَ لِلَّهِ شَيْئًا أعاضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ.
وَمِنها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾.
وَمِنها: قَوْلُهُ في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُ».
وَمِنها: قَوْلُهُ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا» الحَدِيثَ.
فالعَبْدُ لا يَزالُ رابِحًا عَلى رَبِّهِ أفْضَلَ مِمّا قَدَّمَ لَهُ، وهَذا المُتَقَرِّبُ بِقَلْبِهِ ورُوحِهِ وعَمَلِهِ يَفْتَحُ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِحَياةٍ لا تُشْبِهُ ما النّاسُ فِيهِ مِن أنْواعِ الحَياةِ، بَلْ حَياةُ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى حَياتِهِ، كَحَياةِ الجَنِينِ في بَطْنِ أُمِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلى حَياةِ أهْلِ الدُّنْيا ولَذَّتِهِمْ فِيها، بَلْ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ.
فَهَذا نَمُوذَجُ مَن بايَنَ شَرَفَ هَذِهِ الحَياةِ وفَضْلَها، وإنْ كانَ عِلْمُ هَذا يُوجِبُ لِصاحِبِهِ حَياةً طَيِّبَةً، فَكَيْفَ إنِ انْصَبَغَ القَلْبُ بِهِ، وصارَ حالًا مُلازِمًا لِذاتِهِ؟ فاللَّهُ المُسْتَعانُ.
فَهَذِهِ الحَياةُ: هي حَياةُ الدُّنْيا ونَعِيمُها في الحَقِيقَةِ، فَمَن فَقَدَها فَفَقْدُهُ لِحَياتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ أوْلى بِهِ.
؎هَذِي حَياةُ الفَتى فَإنْ فُقِدَتْ ∗∗∗ فَفَقْدُهُ لِلْحَياةِ ألْيَقُ بِهِ
فَلا عَيْشَ إلّا عَيْشَ المُحِبِّينَ، الَّذِينَ قَرَّتْ أعْيُنُهم بِحَبِيبِهِمْ، وسَكَنَتْ نُفُوسُهم إلَيْهِ، واطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم بِهِ، واسْتَأْنَسُوا بِقُرْبِهِ، وتَنَعَّمُوا بِحُبِّهِ، فَفي القَلْبِ فاقَةٌ لا يَسُدُّها إلّا مَحَبَّةُ اللَّهِ والإقْبالُ عَلَيْهِ والإنابَةُ إلَيْهِ، ولا يُلَمُّ شَعَثُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، ومَن لَمْ يَظْفَرْ بِذَلِكَ: فَحَياتُهُ كُلُّها هُمُومٌ وغُمُومٌ، وآلامٌ وحَسَراتٌ، فَإنَّهُ إنْ كانَ ذا هِمَّةٍ عالِيَةٍ تَقَطَّعَتْ نَفْسُهُ عَلى الدُّنْيا حَسَراتٍ، فَإنَّ هِمَّتَهُ لا تَرْضى فِيها بِالدُّونِ وإنْ كانَ مَهِينًا خَسِيسًا، فَعَيْشُهُ كَعَيْشِ أخَسِّ الحَيَواناتِ، فَلا تَقَرُّ العُيُونُ إلّا بِمَحَبَّةِ الحَبِيبِ الأوَّلِ.
؎نَقِّلْ فُؤادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الهَوى ∗∗∗ ما الحُبُّ إلّا لِلْحَبِيبِ الأوَّلِ
؎كَمْ مَنزِلٍ في الأرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتى ∗∗∗ وحَنِينُهُ أبَدًا لِأوَّلِ مَنزِلِ
(فصل: مبْنى الدّين على قاعدتين الذّكر والشُّكْر)
قالَ تَعالى ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تكفرون﴾
وَقالَ النَّبِي لِمعاذ والله إنِّي لَأحبك فَلا تنسى أن تَقول دبر كل صَلاة اللَّهُمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ولَيْسَ المُراد بِالذكر مُجَرّد الذّكر اللِّسان بل الذّكر القلبي واللساني وذكره يتَضَمَّن ذكر أسْمائِهِ وصِفاته وذكر أمره ونَهْيه وذكره بِكَلامِهِ وذَلِكَ يسْتَلْزم مَعْرفَته والإيمان بِهِ وبصفات كَماله ونعوت جَلاله والثناء عَلَيْهِ بأنواع المَدْح وذَلِكَ لا يتم إلّا بتوحيده فَذكره الحَقِيقِيّ يسْتَلْزم ذَلِك كُله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه وإحسانه إلى خلقه.
وَأما الشُّكْر فَهو القيام بِطاعَتِهِ والتقرب إلَيْهِ بأنواع محابه ظاهرا وباطنا وهَذانِ الأمْرانِ هما جماع الدّين فَذكره مُسْتَلْزم لمعرفته وشكره مُتَضَمّن لطاعته وهَذانِ هما الغايَة الَّتِي خلق لأجلها الجِنّ والإنْس والسَّماوات والأرْض ووضع لأجلها الثَّواب والعِقاب وأنزل الكتب وأرْسل الرُّسُل وهِي الحق الَّذِي بِهِ خلقت السَّماوات والأرْض وما بَينهما وضدها هو الباطِل والعبث الَّذِي يتعالى ويتقدس عَنهُ وهو ظن أعدائه بِهِ قالَ تَعالى وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْض وما بَينهما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذين كفرُوا وقالَ وما خَلَقْنا السَّماوات والأرْض وما بَينهما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ وقالَ وما خَلَقْنا السَّماوات والأرْض وما بَينهما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَة لآتية وقالَ بعد ذكر آياته في أول سُورَة يُونُس ﴿ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ وقالَ ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ وقالَ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ وقالَ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إلّا ليعبدون﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سبع سموات ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ على كل شَيْء قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاَطَ بِكُلِّ شَيْء علما﴾
وَقالَ ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماوات وما في الأرْضِ وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْء عليم﴾
فَثَبت بِما ذكر أن غايَة الخلق والأمر أن يذكر وأن يشْكر يذكر فَلا ينسى ويشكر فَلا يكفر وهو سُبْحانَهُ ذاكر لمن ذكره شاكر لمن شكره فَذكره سَبَب لذكره وشكره سَبَب لزيادته من فَضله فالذكر للقلب واللِّسان والشُّكْر للقلب محبَّة وإنابة وللسان ثناد وحمد وللجوارح طاعَة وخدمة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences