Ibn al-QayyimAl‑Baqarah · 2:165–178

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:165–178, continued

فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ القِتالَ مَكْرُوهٌ لَهم مَعَ أنَّهُ خَيْرٌ لَهم لِإفْضائِهِ إلى أعْظَمِ مَحْبُوبٍ وأنْفَعِهِ، والنُّفُوسُ تَحْتَ الرّاحَةِ والدَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ، ذَلِكَ شَرٌّ لَها لِإفْضائِهِ إلى فَواتِ المَحْبُوبِ، فالعاقِلُ لا يَنْظُرُ إلى لَذَّةِ المَحْبُوبِ العاجِلِ فَيُؤْثِرُها، وألَمِ المَكْرُوهِ العاجِلِ فَيَرْغَبُ عَنْهُ، فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ شَرًّا لَهُ، بَلْ قَدْ يَجْلِبُ عَلَيْهِ غايَةَ الألَمِ ويُفَوِّتُهُ أعْظَمَ اللَّذَّةِ، بَلْ عُقَلاءُ الدُّنْيا يَتَحَمَّلُونَ المَشاقَّ المَكْرُوهَةَ لِما يُعْقِبُهم مِنَ اللَّذَّةِ بَعْدَها، وإنْ كانَتْ مُنْقَطِعَةً.

فالأُمُورُ أرْبَعَةٌ: مَكْرُوهٌ يُوَصِّلُ إلى مَكْرُوهٍ، ومَكْرُوهٌ يُوَصِّلُ إلى مَحْبُوبٍ، ومَحْبُوبٌ يُوَصِّلُ إلى مَحْبُوبٍ، ومَحْبُوبٌ يُوَصِّلُ إلى مَكْرُوهٍ، فالمَحْبُوبُ المُوَصِّلُ إلى المَحْبُوبِ قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ داعِيَ الفِعْلِ مِن وجْهَيْنِ، والمَكْرُوهُ المُوَصِّلُ إلى مَكْرُوهٍ، قَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ داعِي التَّرْكِ مِن وجْهَيْنِ.

بَقِيَ القِسْمانِ الآخَرانِ يَتَجاذَبُهُما الدّاعِيانِ - وهُما مُعْتَرَكُ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ - فالنَّفْسُ تُؤْثِرُ أقْرَبَهُما جِوارًا مِنها، وهو العاجِلُ، والعَقْلُ والإيمانُ يُؤْثِرُ أنْفَعَهُما وأبْقاهُما، والقَلْبُ بَيْنَ الدّاعِيَيْنِ، وهو إلى هَذا مَرَّةً، وإلى هَذا مَرَّةً، وهاهُنا مَحَلُّ الِابْتِلاءِ شَرْعًا وقَدَرًا، فَداعِي العَقْلِ والإيمانِ يُنادِي كُلَّ وقْتٍ: حَيَّ عَلى الفَلاحِ، عِنْدَ الصَّباحِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرى، وفي المَماتِ يَحْمَدُ العَبْدُ التُّقى، فَإنِ اشْتَدَّ ظَلامُ لَيْلِ المَحَبَّةِ، وتَحَكَّمَ سُلْطانُ الشَّهْوَةِ والإرادَةِ، يَقُولُ: يا نَفْسُ اصْبِرِي فَما هي إلّا ساعَةٌ ثُمَّ تَنْقَضِي ويَذْهَبُ هَذا كُلُّهُ ويَزُولُ.

2:166Page 25

إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦

[And they should consider that] when those who have been followed disassociate themselves from those who followed [them], and they [all] see the punishment, and cut off from them are the ties [of relationship],

فالأسباب التى تقطعت بهم هى العلائق التى بغير الله ولغير الله، تقطعت بهم أحوج ما كانوا إليها، وذلك لأن تلك الغايات لما اضمحلت وبطلت اضمحلت أسبابها وبطلت، فإن الأسباب تبطل ببطلان غاياتها وتضمحل باضمحلالها، وكل شيء هالك إلا وجهه سبحانه، وكل عمل باطل إلا ما أُريد به وجهه. وكل سعى لغيره باطل ومضمحل، وهذا كما يشاهده الناس في الدنيا من اضمحلال السعى والعمل والكد والخدمة التى يفعلها العبد لمتولٍ أو أمير أو صاحب منصب أو مال، فإذا زال ذلك الذي عمل له عدم ذلك العمل وبطل ذلك السعى ولم يبق في يده سوى الحرمان، ولهذا يقول الله تعالى يوم القيامة: "أليس عدلًا مني أني أُولى كل رجل منكم ما كان يتولى في الدنيا".

فيتولى عباد الأصنام والأوثان أصنامهم وأوثانهم فتتساقط بهم في النار، ويتولى عابدو الشمس والقمر آلهتهم، فإذا كوِّرت الشمس وانتثرت النجوم اضمحلت تلك العبادة وبطلت وصارت حسرة عليهم: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هُم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، ولهذا كان المشرك من أخسر الناس صفقة وأغبنهم يوم معاده، فإنه يحال على مفلس كل الإفلاس بل على عدم، والموحد حوالته على المليء الكريم، فيا بُعدَ ما بين الحوالتين.

قوله تعالى: ﴿وَتقَطّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾

قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: "المودة".

وقال مجاهد: "تواصلهم في الدنيا".

وقال الضحاك: "يعني تقطعت بهم الأرحام، وتفرقت بهم المنازل في النار".

وقال أبو صالح: "الأعمال".

والكل حق. فإن الأسباب هى الوُصَل التي كانت بينهم في الدنيا، تقطعت بهم أحوج ما كانوا إليها.

وأما أسباب الموحدين المخلصين لله فاتصلت بهم ودام اتصالها بدوام معبودهم ومحبوبهم.

فإن السبب تبع لغايته في البقاء والانقطاع.

فصل: [معركة الأتباع والمتبوعين]

فهذا حكم الإتباع والمتبوعين المشركين في الضلالة. وأما الأتباع المخالفون لمتبوعيهم، العادلون عن طريقتهم الذين يزعمون أنهم لهم تبع وليسوا متبعين لطريقتهم، فهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ورَأوُا العَذابَ وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّأُوا مِنّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾، فهؤلاء المتبوعون كانوا على هدى وأتباعهم ادعوا أنهم كانوا على طريقتهم ومنهاجهم، وهم مخالفون لهم سالكون غير طريقتهم، يزعمون أنهم يحبونهم وأن محبتهم لهم تنفعهم مع مخالفتهم، فيتبرءون منهم يوم القيامة فإنهم اتخدوهم أولياء من دون الله وظنوا أن هذا الاتخاذ ينفعهم.

وهذه حال كل من اتخد من دون الله ورسوله وليجة وأولياء، يوالي لهم ويعادي لهم، ويرضى لهم ويغضب لهم فان أعماله كلها باطلة يراها يوم القيامة حسرات عليه مع كثرتها وشدة تعبه فيها ونصبه، إذ لم يجرد موالاته ومعاداته، ومحبته وبغضه، وانتصاره وإيثاره لله ورسوله فأبطل الله عز وجل ذلك العمل كله وقطع تلك الأسباب، فينقطع يوم القيامة كل وصلة ووسيلة ومودة وموالاة كانت لغير الله تعالى، ولا يبقى إلا السبب الواصل بين العبد وربه وهو حظه من الهجرة إليه وإلى رسوله، وتجريد عبادته له وحده ولوازمها من الحب والبغض والعطاء والمنع والموالاة والمعاداة والتقريب والإبعاد وتجريده متابعة رسوله وترك أقوال غيره، وترك ما خالف ما جاء به والإعراض عنه وعدم الاعتناء به وتجريد متابعته تجريدا محضًا بريئًا من شوائب الالتفات إلى غيره، فضلا عن الشركة بينه وبين غيره، فضلا عن تقديم قول غيره عليه.

فهذا هو السبب الذي لا ينقطع بصاحبه، وهذه هي النسبة التي بين العبد وبين ربه، وهي نسبة العبودية المحضة وهي آخيته التي يحول ما يحول ثم إليها مرجعة:

؎نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ∗∗∗ ما الحب إلا للحبيب الأول

؎كم منزل في الأرض يألفه الفتى ∗∗∗ وحنينه أبدًا لأول منزل

وهذه هي النسبة التي تنفع العبد، فلا ينفعه غيرها في الدور الثلاثة: أعني دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، فلا قوام له ولا عيش ولا نعيم ولا فلاح إلا بهذه النسبة. وهي السبب الواصل بين العبد وبين الله ولقد أحسن القائل:

؎إذا تقطع حبل الوصل بينهم ∗∗∗ فللمحبين حبل غير منقطع

؎وإن تصدع شمل القوم بينهم ∗∗∗ فللمحبين شمل غير منصدع

والمقصود أن الله سبحانه يقطع يوم القيامة الأسباب والعلق والوصلات التي كانت بين الخلق في الدنيا كلها، ولا يبقى إلا السبب والوصلة التي بين العبد وبين الله فقط وهو سبب العبودية المحضة التي لا وجود لها ولا تحقيق إلا بتجريد متابعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم إذ هذه العبودية إنما جاءت على ألسنتهم وما عرفت إلا بهم ولا سبيل إليها إلا بمتابعتهم وقد قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾، فهذه هي أعماله التي كانت في الدنيا على غير سنة رسله وطريقتهم ولغير وجهه يجعلها الله هباءًا منثورا. ولا ينتفع منها صاحبها بشيء أصلًا، وهذا من أعظم الحسرات على العبد يوم القيامة: أن يرى سعيه كله ضائعًا لم ينتفع منه بشيء وهو أحوج ما كان العامل إلى عمله، وقد سعد أهل السعي النافع بسعيهم.

2:167Page 25

وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧

Those who followed will say, "If only we had another turn [at worldly life] so we could disassociate ourselves from them as they have disassociated themselves from us." Thus will Allāh show them their deeds as regrets upon them. And they are never to emerge from the Fire.

No commentary for this ayah

2:168Page 25

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ ١٦٨

O mankind, eat from whatever is on earth [that is] lawful and good and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.

No commentary for this ayah

2:169Page 25

إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ١٦٩

He only orders you to evil and immorality and to say about Allāh what you do not know.

No commentary for this ayah

2:170Page 26

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that which we found our fathers doing." Even though their fathers understood nothing, nor were they guided?

No commentary for this ayah

2:171Page 26

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٧١

The example of those who disbelieve is like that of one who shouts at what hears nothing but calls and cries [i.e., cattle or sheep] - deaf, dumb and blind, so they do not understand.

تَضَمَّنَ هَذا المَثَلَ ناعِقًا أيْ مُصَوِّتًا بِالغَنَمِ وغَيْرِها، ومَنعُوقًا بِهِ وهو الدَّوابُّ، فَقِيلَ: النّاعِقُ العابِدُ وهو الدّاعِي لِلصَّنَمِ، والصَّنَمُ هو المَنعُوقُ بِهِ المَدْعُوُّ، وإنَّ حالَ الكافِرِ في دُعائِهِ كَحالِ مَن يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُهُ، هَذا قَوْلُ طائِفَةٍ مِنهم عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ.

واسْتَشْكَلَ صاحِبُ الكَشّافِ وجَماعَةٌ مَعَهُ هَذا القَوْلَ، وقالُوا: قَوْلُهُ: ﴿إلا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] لا يُساعِدُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْمَعُ دُعاءً ولا نِداءً.

وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذا الِاسْتِشْكالِ بِثَلاثَةِ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ " إلّا " زائِدَةٌ، والمَعْنى بِما لا يَسْمَعُ دُعاءً ونِداءً، قالُوا: وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الأصْمَعِيُّ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

حَراجِيجُ ما تَنْفَكُّ إلّا مُناخَةً

أيْ ما تَنْفَكُّ مُناخَةً، وهَذا جَوابٌ فاسِدٌ، فَإنَّ " إلّا " لا تُزادُ في الكَلامِ.

الجَوابُ الثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ وقَعَ في مُطْلَقِ الدُّعاءِ لا في خُصُوصِيّاتِ المَدْعُوِّ.

الجَوابُ الثّالِثُ: أنَّ المَعْنى أنَّ مَثَلَ هَؤُلاءِ في دُعائِهِمْ آلِهَتَهم الَّتِي لا تَفْقَهُ دُعاءَهم كَمَثَلِ النّاعِقِ بِغَنَمِهِ، فَلا يَنْتَفِعُ مِن نَعِيقِهِ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أنَّهُ هو في دُعاءٍ ونِداءٍ، وكَذَلِكَ المُشْرِكُ لَيْسَ لَهُ مِن دُعائِهِ وعِبادَتِهِ إلّا العَناءُ.

وَقِيلَ: المَعْنى ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كالبَهائِمِ الَّتِي لا تَفْقَهُ مِمّا يَقُولُ الرّاعِي أكْثَرَ مِن الصَّوْتِ؛ فالرّاعِي هو داعِي الكُفّارِ، والكُفّارُ هم البَهائِمُ المَنعُوقُ بِها.

قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى ومَثَلُك يا مُحَمَّدُ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ؛ وعَلى قَوْلِهِ فَيَكُونُ المَعْنى: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا وداعِيهمْ كَمَثَلِ الغَنَمِ والنّاعِقِ بِها.

وَلَك أنْ تَجْعَلَ هَذا مِن التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، وأنْ تَجْعَلَهُ مِن التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ، فَإنْ جَعَلْتَهُ مِن المُرَكَّبِ كانَ تَشْبِيهًا لِلْكُفّارِ في عَدَمِ فِقْهِهِمْ وانْتِفاعِهِمْ بِالغَنَمِ الَّتِي يَنْعَقُ بِها الرّاعِي فَلا تَفْقَهُ مِن قَوْلِهِ شَيْئًا غَيْرَ الصَّوْتِ المُجَرَّدِ هو الدُّعاءُ والنِّداءُ، وإنْ جَعَلْتَهُ مِن التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ فاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِمَنزِلَةِ البَهائِمِ، ودُعاءُ داعِيهمْ إلى الطَّرِيقِ والهُدى بِمَنزِلَةِ الَّذِي يَنْعِقُ بِها، ودُعاؤُهم إلى الهُدى بِمَنزِلَةِ النَّعْقِ، وإدْراكُهم مُجَرَّدَ الدُّعاءِ والنِّداءِ كَإدْراكِ البَهائِمِ مُجَرَّدَ صَوْتِ النّاعِقِ، واللَّهُ أعْلَمُ قوله تعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى في الكفار: ﴿صُم بُكْم عُمْى فَهم لا يرْجَعُونَ﴾

فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم عمي وعرف ثم تجاهل وأقر ثم أنكر وآمن، ثم كفر، ومن كان هكذا كان أشد كفرًا وأخبث قلبًا وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل.

وفيه معنى آخر أيضًا وهو أن الحامل لهم على النفاق طلب العز والجاه بين الطائفتين فيرضوا المؤمنين ليعزوهم، ويرضوا الكفار ليعزوهم أيضًا.

ومن هاهنا دخل عليهم البلاءُ، فإنهم أرادوا العزتين من الطائفتين، ولم يكن لهم غرض في الإيمان والإسلام ولا طاعة الله ورسوله، بل كان ميلهم وصغوهم وجهتهم إلى الكفار، فقوبلوا على ذلك بأعظم الذل وهو أن جعل مستقرهم في أسفل السافلين تحت الكفار، فما اتصف به المنافقون من مخادعة الله ورسوله والذين آمنوا، والاستهزاءِ بأهل الإيمان والكذب والتلاعب بالدين وإظهار أنهم من المؤمنين وأبطنوا قلوبهم فتغلظ كفرهم به، فاستحقوا الدرك الأسفل من النار ولهذا لما ذكر تعالى أقسام الخلق في أول سورة [البقرة: ٢-٢٠] فقسمهم إلى مؤمن ظاهرًا وباطنًا، وكافر ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن في الظاهر كافر في الباطن وهم المنافقون، وذكر في حق المؤمنين ثلاث آيات [٣-٥] وفي حق الكفار آيتين [٦-٧].

فلما انتهى إلى ذكر المنافقين ذكر فيهم بضع عشرة آية [٨-٢٠] ذمهم فيها غاية الذم وكشف عوراتهم وقبحهم وفضحهم، وأخبر أنهم هم السفهاءُ المفسدون في الأرض المخادعون المستهزئون المغبونون في اشترائهم الضلالة بالهدى، وأنهم صم بكم عمى فهم لا يرجعون، وأنهم مرضى القلوب وأن الله يزيدهم مرضًا إلى مرضهم، فلم يدع ذمًا ولا عيبًا إلا ذمهم به، وهذا يدل على شدة مقته سبحانه لهم، وبغضه إياهم، وعداوته لهم، وأنهم أبغض أعدائه إليه. فظهرت حكمته الباهرة في تخصص هذه الطبقة بالدرك الأسفل من النار.

نعوذ بالله من مثل حالهم، ونسأله معافاته ورحمته. ومن تأمل ما وصف الله به المنافقين في القرآن من صفات الذم علم أنهم أحق بالدرك الأسفل فإنه وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده ووصف قلوبهم بالمرض وهو مرض الشبهات والشكوك.

ووصفهم بالإفساد في الأرض وبالاستهزاءِ بدينه وبعباده، وبالطغيان، واشتراءِ الضلالة بالهدى والصمم والبكم والعمي والحيرة والكسل عند عبادته، والزنا وقلة ذكره، والتردد - والتذبذب - بين المؤمنين والكفار، فلا إلى هؤلاءِ ولا إلى هؤلاءِ.

2:172Page 26

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢

O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.

فإن قلت فما تصنع بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾

وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني.

وفي الحديث: في السلام على الموتى "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " رواه مسلم.

واللحاق محقق وفي قولة الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة"

قلت أما قوله: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ الذي حسن مجيء (إنْ) هاهنا الاحتجاج والإلزام فإن المعنى إن عبادتكم لله تستلزم شكركم له بل هي الشكر نفسه فإن كنتم ملتزمين لعبادته داخلين في جملتها فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه وهذا كثيرا ما يورد في الحجاج كما تقول للرجل إن كان الله ربك وخالقك فلا تعصه وإن كان لقاء الله حقا فتأهب له وإن كانت الجنة حقا فتزود إليها وهذا أحسن من جواب من أجاب بأن (إنْ) هنا قامت مقام (إذ) وكذا قوله: ﴿إن كنتم بآياته مؤمنين﴾ وكذا قولهم إن كنت ابني فأطعني ونظائر ذلك وأما قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" فالتعليق هنا ليس لمطلق الموت وإنما هو للحاقهم بالمؤمنين ومصيرهم إلى حيث صاروا وأما قول الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة" فلأن الموت وإن كان محققا لكن لما لم يعرف تعين وقته وطال الأمد وانفردت مسافة أمنية الحياة نزل منزلة المشكوك كما هو الواقع الذي يدل عليه أحوال العباد فإن عاقلا لا يتيقن الموت ويرضى بإقامته على حال لا يحب الموت عليها أبدا كما قال بعض السلف: "ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت"

وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فأكد الموت باللام وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت وأتى في البعث بالفعل ولم يؤكده.

(فائدة)

وَما أُتِي من أُتِي إلّا من قِبَل إضاعَة الشُّكْر، وإهمال الافتقار والدُّعاء، ولا ظفر من ظفر بِمَشِيئَة الله وعونه إلّا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدُّعاء، وملاك ذَلِك الصَّبْر فَإنَّهُ من الإيمان بِمَنزِلَة الرَّأْس من الجَسَد فَإذا قطع الرَّأْس فَلا بَقاء للجسد.

2:173Page 26

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

وَمِن أمْثِلَةِ العُدْوانِ تَجاوُزُ ما أُبِيحَ مِنَ المَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ إلى ما لَمْ يُبَحْ مِنها، إمّا بِأنْ يَشْبَعَ، وإنَّما أُبِيحَ لَهُ سَدُّ الرَّمَقِ، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ، والشّافِعِيِّ، وأبِي حَنِيفَةَ.

وَأباحَ مالِكٌ لَهُ الشِّبَعَ والتَّزَوُّدَ إذا احْتاجَ إلَيْهِ، فَإذا اسْتَغْنى عَنْها وأكَلَها واقِيًا لِمالِهِ، وبُخْلًا عَنْ شِراءِ المُذَكّى ونَحْوِهِ، كانَ تَناوُلُها عُدْوانًا، قالَ تَعالى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]

قالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: لا يَأْكُلُها مِن غَيْرِ اضْطِرارٍ، ولا يَعْدُو شِبَعَهُ، وقِيلَ: " غَيْرَ باغٍ " غَيْرَ طالِبِها وهو يَجِدُ غَيْرَها " ولا عادٍ " أيْ لا يَتَعَدّى ما حُدَّ لَهُ مِنها فَيَأْكُلُ حَتّى يَشْبَعَ، ولَكِنْ سَدَّ الرَّمَقِ، وقالَ مُقاتِلٌ: غَيْرَ مُسْتَحِلٍّ لَها، ولا مُتَزَوِّدٍ مِنها.

وَقِيلَ: لا يَبْغِي بِتَجاوُزِ الحَدِّ الَّذِي حُدَّ لَهُ مِنها، ولا يَتَعَدّى بِتَقْصِيرِهِ عَنْ تَناوُلِهِ حَتّى يَهْلِكَ، فَيَكُونَ قَدْ تَعَدّى حَدَّ اللَّهِ بِمُجاوَزَتِهِ أوِ التَّقْصِيرِ عَنْهُ، فَهَذا آثِمٌ، وهَذا آثِمٌ، وقالَ مَسْرُوقٌ: مَنِ اضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ فَلَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النّارَ، وهَذا أصَحُّ القَوْلَيْنِ في الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأصْحابُهُ والشّافِعِيُّ: غَيْرَ باغٍ عَلى السُّلْطانِ ولا عادٍ في سَفَرِهِ، فَلا يَكُونُ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ، وبَنَوْا عَلى ذَلِكَ أنَّ العاصِيَ بِسَفَرِهِ لا يَتَرَخَّصُ.

والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ لِعَشَرَةِ أوْجُهٍ، لَيْسَ هَذا مَوْضِعَ ذِكْرِها، إذِ الآيَةُ لا تَعَرُّضَ فِيها لِلسَّفَرِ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، ولا لِلْخُرُوجِ عَلى الإمامِ، ولا هي مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ ولا سِيقَتْ لَهُ، وهي عامَّةٌ في حَقِّ المُقِيمِ والمُسافِرِ، والبَغْيُ والعُدْوانُ فِيها يَرْجِعانِ إلى الأكْلِ المَقْصُودِ بِالنَّهْيِ، لا إلى أمْرٍ خارِجٍ عَنْهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالأكْلِ، ولِأنَّ نَظِيرَ هَذا قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] فَهَذا هو الباغِي العادِي، والمُتَجانِفُ لِلْإثْمِ المائِلُ إلى القَدْرِ الحَرامِ مِن أكْلِها، وهَذا هو الشَّرْطُ الَّذِي لا يُباحُ لَهُ بِدُونِهِ، ولِأنَّها إنَّما أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، فَتَقَدَّرَتِ الإباحَةُ بِقَدْرِها، وأعْلَمَهم أنَّ الزِّيادَةَ عَلَيْها بَغْيٌ وعُدْوانٌ وإثْمٌ، فَلا تَكُونُ الإباحَةُ لِلضَّرُورَةِ سَبَبًا لِحِلِّهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

والإثْمُ والعُدْوانُ هُما الإثْمُ والبَغْيُ المَذْكُورانِ في سُورَةِ الأعْرافِ، مَعَ أنَّ البَغْيَ غالِبُ اسْتِعْمالِهِ في حُقُوقِ العِبادِ والِاسْتِطالَةِ عَلَيْهِمْ.

وَعَلى هَذا فَإذا قُرِنَ البَغْيُ بِالعُدْوانِ كانَ البَغْيُ ظُلْمَهم بِمُحَرَّمِ الجِنْسِ، كالسَّرِقَةِ والكَذِبِ، والبَهْتِ والِابْتِداءِ بِالأذى، والعُدْوانُ تَعَدِّي الحَقِّ في اسْتِيفائِهِ إلى أكْبَرَ مِنهُ، فَيَكُونُ البَغْيُ والعُدْوانُ في حَقِّهِمْ كالإثْمِ والعُدْوانِ في حُدُودِ اللَّهِ.

فَهاهُنا أرْبَعَةُ أُمُورٍ: حَقٌّ لِلَّهِ ولَهُ حَدٌّ، وحَقٌّ لِعِبادِهِ ولَهُ حَدٌّ، فالبَغْيُ والعُدْوانُ والظُّلْمُ تَجاوُزُ الحَدَّيْنِ إلى ما وراءَهُما، أوِ التَّقْصِيرُ عَنْهُما، فَلا يَصِلُ إلَيْهِما.

2:174Page 26

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤

Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.

No commentary for this ayah

2:175Page 26

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥

Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!

No commentary for this ayah

2:176Page 26

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦

That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.

No commentary for this ayah

2:177Page 27

۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧

Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.

وقد جمع الله خصال البر في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ ...﴾.

فأخبر سبحانه أن البر هو الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهذه هي أصول الإيمان الخمس التي لا قوام للإيمان إلا بها، وأنها الشرائع الظاهرة من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنفقات الواجبة، وأنها الأعمال القلبية التي هي حقائقه من الصبر والوفاء بالعهد فتناولت هده الخصال جميع أقسام الدين حقائقه وشرائعه والأعمال المتعلقة بالجوارح والقلب وأصول الإيمان الخمس. ثم أخبر سبحانه عن هذا أنها هي خصال التقوى بعينها فقال:

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾.

وأما التقوى فحقيقتها العمل بطاعة الله إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا، فيفعل ما أمر الله به إيمانا بالأمر وتصديقا بوعده، ويترك ما نهى الله عنه إيمانًا بالنهي وخوفًا من وعيده، كما قال طلق بن حبيب: " إذا وقعت الفتنة فاطفئوها بالتقوى " قالوا: وما التقوى؟ قال: " أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجوا ثواب الله وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله ".

وهذا أحسن ما قيل في حد التقوى.

فإن كل عمل لابد له من مبدأ وغاية، فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون مصدره عن الإيمان فيكون الباعث عليه هو الإيمان المحض، لا العادة ولا الهوى ولا طلب المحمدة والجاه وغير ذلك بل لابد أن يكون مبدؤه محض الإيمان وغايته ثواب الله وابتغاء مرضاته وهو الاحتساب.

2:178Page 27

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨

O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.1 But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,2 then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that3 will have a painful punishment.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском