Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:179–184
2:179Page 27
وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩
And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1
في ضمن هذا الخطاب: ما هو كالجواب لسؤال مقدر: إن في إعدام هذه البنية الشريفة، وإيلام هذه النفس وإعدامها في عدم مقابلة إعدام المقتول تكثير لمفسدة القتل، فلأيّة حكمة صدر هذا ممن وسعت رحمته كل شيء، وبهرت حكمته العقول؟
فتضمن الخطاب جواب ذلك بقوله: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾.
وذلك لأن القاتل إذا توهم أنه يقتل قصاصا بمن قتله كفّ عن القتل وارتدع، وآثر حب حياته ونفسه. فكان فيه حياة له ولمن أراد قتله.
ومن وجه آخر: وهو أنهم كانوا إذا قتل الرجل من عشيرتهم وقبيلتهم قتلوا به كل من وجدوه من عشيرة القاتل وحيّه وقبيلته. وكان في ذلك من الفساد والهلاك ما يعم ضرره، وتشتد مؤنته، فشرع الله تعالى القصاص، وأن لا يقتل بالمقتول غير قاتله. ففي ذلك حياة عشيرته وحيّه وأقاربه. ولم تكن الحياة في القصاص من حيث إنه قتل، بل من حيث كونه قصاصا، يؤخذ القاتل وحده بالمقتول لا غيره، فتضمن القصاص الحياة في الوجهين.
وتأمل ما تحت هذه الألفاظ الشريفة من الجلالة والإيجاز، والبلاغة الفصاحة، والمعنى العظيم.
فصدر الآية بقوله: «ولكم» المؤذن بأن منفعة القصاص مختصة بكم، عائدة إليكم، فشرعه إنما كان رحمة بكم وإحسانا إليكم، فمنفعته ومصلحته لكم، إلا لمن لا يبلغ العباد ضره ونفعه.
ثم عقبه بقوله «في القصاص» إيذانا بأن الحية الحاصلة إنما هي في العدل، وهو أن يفعل به كما فعل بالمقتول.
و «القصاص» في اللغة: المماثلة، وحقيقته راجعة إلى الإتباع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي اتبعي أثره.
ومنه قوله: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ أي يقصان الأثر ويتبعانه.
ومنه: قص الحديث واقتصاصه، لأنه يتبع بعضه بعضا في الذكر، فسمى جزاء الجاني قصاصا. لأنه يتبع أثره، فيفعل به كما فعل، وهذا أحد ما يستدل به على أن يفعل بالجاني كما فعل، فيقتل بمثل ما قتل به، لتحقيق معنى القصاص.
(فائدة)
لَوْلا القِصاصُ لَفَسَدَ العالَمُ، وأهْلَكَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا ابْتِداءً واسْتِيفاءً، فَكانَ في القِصاصِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ التَّجَرُّؤِ عَلى الدِّماءِ بِالجِنايَةِ وبِالِاسْتِيفاءِ.
وَقَدْ قالَتْ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها: " القَتْلُ أنَفى لِلْقَتْلِ ".
وَبِسَفْكِ الدِّماءِ تُحْقَنُ الدِّماءُ؛ فَلَمْ تُغْسَلْ النَّجاسَةُ بِالنَّجاسَةِ، بَلْ الجِنايَةُ نَجاسَةٌ والقِصاصُ طُهْرَةٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَوْتِ القاتِلِ ومَن اسْتَحَقَّ القَتْلَ فَمَوْتُهُ بِالسَّيْفِ أنْفَعُ لَهُ في عاجِلَتِهِ وآجِلَتِهِ، والمَوْتُ بِهِ أسْرَعُ المَوْتاتِ وأوْحاها وأقَلُّها ألَمًا، فَمَوْتُهُ بِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ ولِأوْلِياءِ القَتِيلِ ولِعُمُومِ النّاسِ، وجَرى ذَلِكَ مَجْرى إتْلافِ الحَيَوانِ بِذَبْحِهِ لِمَصْلَحَةِ الآدَمِيِّ، فَإنَّهُ حَسَنٌ، وإنْ كانَ في ذَبْحِهِ إضْرارٌ بِالحَيَوانِ؛ فالمَصالِحُ المَرْتَبَةُ عَلى ذَبْحِهِ أضْعافُ أضْعافِ مَفْسَدَةِ إتْلافِهِ، ثُمَّ هَذا السُّؤالُ الفاسِدُ يَظْهَرُ فَسادُهُ وبُطْلانُهُ بِالمَوْتِ الَّذِي خَتَمَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ وساوى فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، ولَوْلاهُ لَما هَنَأ العَيْشُ، ولا وسِعَتْهم الأرْزاقُ، ولَضاقَتْ عَلَيْهِمْ المَساكِنُ والمُدُنُ والأسْواقُ والطُّرُقاتُ، وفي مُفارَقَةِ البَغِيضِ مِن اللَّذَّةِ والرّاحَةِ ما في مُواصَلَةِ الحَبِيبِ، والمَوْتُ مُخَلِّصٌ لِلْحَيِّ، والمَوْتُ مُرِيحٌ لِكُلٍّ مِنهُما مِن صاحِبِهِ، ومُخْرِجٌ مِن دارِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ وبابٌ لِلدُّخُولِ في دارِ الحَيَوانِ.
[السِّرُّ في أنَّ العُقُوباتِ لَمْ يَطَّرِدْ جَعْلُها مِن جِنْسِ الذُّنُوبِ]
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّ هَذِهِ العُقُوباتِ لاصِقَةٌ بِالعُقُولِ ومُوافِقَةٌ لِلْمَصالِحِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا شَيْءَ بَعْدَ الكُفْرِ بِاللَّهِ أفْظَعُ، ولا أقْبَحُ مِن سَفْكِ الدِّماءِ، فَكَيْفَ تَرْدَعُونَ عَنْ سَفْكِ الدَّمِ بِسَفْكِهِ؟ وهَلْ مِثالُ ذَلِكَ إلّا إزالَةُ نَجاسَةٍ بِنَجاسَةٍ؟ ثُمَّ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا لَكانَ أوْلى أنْ يُحْرَقَ ثَوْبُ مَن حَرَقَ ثَوْبَ غَيْرِهِ، وأنْ يُذْبَحَ حَيَوانُ مَن ذَبَحَ حَيَوانَ غَيْرِهِ، وأنْ تُخَرَّبَ دارُ مَن خَرَّبَ دارَ غَيْرِهِ، وأنْ يَجُوزَ لِمَن شُتِمَ أنْ يَشْتُمَ شاتِمَهُ، وما الفَرْقُ في صَرِيحِ العَقْلِ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَتْلِ مَن قَتَلَ غَيْرَهُ أوْ قَطْعِ مَن قَطَعَهُ؟، وإذا كانَ إراقَةُ الدَّمِ الأوَّلِ مَفْسَدَةً وقَطْعُ الطَّرَفِ كَذَلِكَ، فَكَيْفَ زالَتْ تِلْكَ المَفْسَدَةُ بِإراقَةِ الدَّمِ الثّانِي وقَطْعِ الطَّرَفِ الثّانِي؟، وهَلْ هَذا إلّا مُضاعَفَةٌ لِلْمَفْسَدَةِ وتَكْثِيرٌ لَها؟ ولَوْ كانَتْ المَفْسَدَةُ الأُولى تَزُولُ بِهَذِهِ المَفْسَدَةِ الثّانِيَةِ لَكانَ فِيهِ ما فِيهِ؛ إذْ كَيْفَ تُزالُ مَفْسَدَةٌ بِمَفْسَدَةِ نَظِيرِها مِن كُلِّ وجْهٍ؟، فَكَيْفَ والأُولى لا سَبِيلَ إلى إزالَتِها؟، وتَقْرِيرُ ذَلِكَ بِما ذَكَرْناهُ مِن عَدَمِ إزالَةِ مَفْسَدَةِ تَحْرِيقِ الثِّيابِ وذَبْحِ المَواشِي وخَرابِ الدُّورِ وقَطْعِ الأشْجارِ بِمِثْلِها، ثُمَّ كَيْفَ حَسُنَ أنْ يُعاقَبَ السّارِقُ بِقَطْعِ يَدِهِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِها السَّرِقَةَ، ولَمْ تَحْسُنْ عُقُوبَةُ الزّانِي بِقَطْعِ فَرْجِهِ الَّذِي اكْتَسَبَ بِهِ الزِّنا، ولا القاذِفُ بِقَطْعِ لِسانِهِ، الَّذِي اكْتَسَبَ بِهِ القَذْفَ، ولا المُزَوِّرُ عَلى الإمامِ والمُسْلِمِينَ بِقَطْعِ أنامِلِهِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِها التَّزْوِيرَ، ولا النّاظِرُ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُ بِقَلْعِ عَيْنِهِ الَّتِي اكْتَسَبَ بِها الحَرامَ؟ فَعُلِمَ أنَّ الأمْرَ في هَذِهِ العُقُوباتِ جِنْسًا وقَدْرًا وسَبَبًا لَيْسَ بِقِياسٍ، وإنَّما هو مَحْضُ المَشِيئَةِ، ولِلَّهِ التَّصَرُّفُ في خَلْقِهِ، يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويْحَكم ما يُرِيدُ.
فالجَوابُ - وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ والتَّأْيِيدُ - مِن طَرِيقَيْنِ: مُجْمَلٌ، ومُفَصَّلٌ: أمّا المُجْمَلُ: فَهو أنَّ مَن شَرَعَ هَذِهِ العُقُوباتِ ورَتَّبَها عَلى أسْبابِها جِنْسًا وقَدْرًا فَهو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وأحْكَمُ الحاكِمِينَ، وأعْلَمُ العالِمِينَ، ومَن أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وعَلِمَ ما كانَ وما يَكُونُ وما لَمْ يَكُنْ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ، وأحاطَ عِلْمُهُ بِوُجُوهِ المَصالِحِ دَقِيقِها وجَلِيلِها وخَفِيِّها وظاهِرِها، ما يُمْكِنُ اطِّلاعُ البَشَرِ عَلَيْهِ وما لا يُمْكِنُهُمْ، ولَيْسَتْ هَذِهِ التَّخْصِيصاتُ والتَّقْدِيراتُ خارِجَةً عَنْ وُجُوهِ الحِكَمِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ، كَما أنَّ التَّخْصِيصاتِ والتَّقْدِيراتِ الواقِعَةَ في خَلْقِهِ كَذَلِكَ، فَهَذا في خَلْقِهِ وذاكَ في أمْرِهِ، ومَصْدَرُهُما جَمِيعًا عَنْ كَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ووَضْعِهِ كُلَّ شَيْءٍ في مَوْضِعِهِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِهِ سِواهُ ولا يَتَقاضى إلّا إيّاهُ، كَما وضَعَ قُوَّةَ البَصَرِ والنُّورِ لِلْباصِرِ في العَيْنِ، وقُوَّةَ السَّمْعِ في الأُذُنِ، وقُوَّةَ الشَّمِّ في الأنْفِ، وقُوَّةَ النُّطْقِ في اللِّسانِ والشَّفَتَيْنِ، وقُوَّةَ البَطْشِ في اليَدِ، وقُوَّةَ المَشْيِ في الرِّجْلِ، وخَصَّ كُلَّ حَيَوانٍ وغَيْرِهِ بِما يَلِيقُ بِهِ ويَحْسُنُ أنْ يُعْطاهُ مِن أعْضائِهِ وهَيْئاتِهِ وصِفاتِهِ وقَدْرِهِ، فَشَمَلَ إتْقانُهُ وإحْكامُهُ لِكُلِّ ما شَمَلَهُ خَلْقُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] وإذا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ أتْقَنَ خَلْقَهُ غايَةَ الإتْقانِ، وأحْكَمَهُ غايَةَ الإحْكامِ، فَلَأنْ يَكُونَ أمْرُهُ في غايَةِ الإتْقانِ والإحْكامِ أوْلى وأحْرى، ومَن لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ مُفَصَّلًا لَمْ يَسَعْهُ أنْ يُنْكِرَهُ مُجْمَلًا، ولا يَكُونَ جَهْلُهُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وإتْقانِهِ كَذَلِكَ وصُدُورِهِ عَنْ مَحْضِ العِلْمِ والحِكْمَةِ مُسَوِّغًا لَهُ إنْكارَهُ في نَفْسِ الأمْرِ.
وَسُبْحانَ اللَّهِ ما أعْظَمَ ظُلْمَ الإنْسانِ وجَهْلَهُ فَإنَّهُ لَوْ اعْتَرَضَ عَلى أيِّ صاحِبِ صِناعَةٍ كانَتْ مِمَّنْ تَقْصُرُ عَنْها مَعْرِفَتُهُ وإدْراكُهُ عَلى ذَلِكَ وسَألَهُ عَمّا اخْتَصَّتْ بِهِ صِناعَتُهُ مِن الأسْبابِ والآلاتِ والأفْعالِ والمَقادِيرِ وكَيْفَ كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي هو عَلَيْهِ لا أكْبَرَ ولا أصْغَرَ ولا عَلى شَكْلٍ غَيْرِ ذَلِكَ يَسْخَرُ مِنهُ، ويَهْزَأُ بِهِ، وعَجِبَ مِن سُخْفِ عَقْلِهِ وقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ.
هَذا ما تَهَيَّأهُ بِمُشارَكَتِهِ لَهُ في صِناعَتِهِ ووُصُولِهِ فِيها إلى ما وصَلَ إلَيْهِ والزِّيادَةِ عَلَيْهِ والِاسْتِدْراكِ عَلَيْهِ فِيها، هَذا مَعَ أنَّ صاحِبَ تِلْكَ الصِّناعَةِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنْ العَجْزِ والقُصُورِ وعَدَمِ الإحاطَةِ والجَهْلِ، بَلْ ذَلِكَ عِنْدَهُ عَتِيدٌ حاضِرٌ، ثُمَّ لا يَسَعُهُ إلّا التَّسْلِيمُ لَهُ، والِاعْتِرافُ بِحِكْمَتِهِ، وقَرارُهُ بِجَهْلِهِ، وعَجْزُهُ عَمّا وصَلَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، فَهَلّا وسِعَهُ ذَلِكَ مَعَ أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأعْلَمِ العالِمِينَ ومَن أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ فَأحْكَمَهُ وأوْقَعَهُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؟ وقَدْ كانَ هَذا الوَجْهُ وحْدَهُ كافِيًا في دَفْعِ كُلِّ شُبْهَةٍ وجَوابِ كُلِّ سُؤالٍ، وهَذا غَيْرُ الطَّرِيقِ الَّتِي سَلَكَها نُفاةُ الحُكْمِ والتَّعْلِيلِ، ولَكِنْ مَعَ هَذا فَنَتَصَدّى لِلْجَوابِ المُفَصَّلِ، بِحَسَبِ الِاسْتِعْدادِ وما يُناسِبُ عُلُومَنا النّاقِصَةَ وأفْهامَنا الجامِدَةَ وعُقُولَنا الضَّعِيفَةَ وعِباراتِنا القاصِرَةَ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: [رَدْعُ المُفْسِدِينَ مُسْتَحْسَنٌ في العُقُولِ]
أمّا قَوْلُهُ: " كَيْفَ تَرْدَعُونَ عَنْ سَفْكِ الدَّمِ بِسَفْكِهِ، وأنَّ ذَلِكَ كَإزالَةِ النَّجاسَةِ بِالنَّجاسَةِ " سُؤالٌ في غايَةِ الوَهْنِ والفَسادِ، وأوَّلُ ما يُقالُ لِسائِلِهِ: هَلْ تَراهُ رَدَعَ المُفْسِدِينَ والجُناةَ عَنْ فَسادِهِمْ وجِناياتِهِمْ وكَفَّ عُدْوانَهم مُسْتَحْسَنًا في العُقُولِ مُوافِقًا لِمَصالِحِ العِبادِ أوْ لا تَراهُ كَذَلِكَ؟ فَإنْ قالَ: " لا أراهُ كَذَلِكَ " كَفانا مُؤْنَةُ جَوابِهِ بِإقْرارِهِ عَلى نَفْسِهِ بِمُخالَفَةِ جَمِيعِ طَوائِفِ بَنِي آدَمَ عَلى اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ ونِحَلِهِمْ ودِياناتِهِمْ وآرائِهِمْ، ولَوْلا عُقُوبَةُ الجُناةِ والمُفْسِدِينَ لَأهْلَكَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا، وفَسَدَ نِظامُ العالَمِ، وصارَتْ حالُ الدَّوابِّ والأنْعامِ والوُحُوشِ أحْسَنَ مِن حالِ بَنِي آدَمَ، وإنْ قالَ: " بَلْ لا تَتِمُّ المَصْلَحَةُ إلّا بِذَلِكَ "؛ قِيلَ لَهُ: مِن المَعْلُومِ أنَّ عُقُوبَةَ الجُناةِ والمُفْسِدِينَ لا تَتِمُّ إلّا بِمُؤْلِمٍ يَرْدَعُهُمْ، ويَجْعَلُ الجانِيَ نَكالًا وعِظَةً لِمَن يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، وعِنْدَ هَذا فَلا بُدَّ مِن إفْسادِ شَيْءٍ مِنهُ بِحَسَبِ جَرِيمَتِهِ في الكِبَرِ والصِّغَرِ والقِلَّةِ والكَثْرَةِ.
[التَّسْوِيَةُ في العُقُوباتِ مَعَ اخْتِلافِ الجَرائِمِ لا تَلِيقُ بِالحِكْمَةِ]
وَمِن المَعْلُومِ بِبَدائِهِ العُقُولِ أنَّ التَّسْوِيَةَ في العُقُوباتِ مَعَ تَفاوُتِ الجَرائِمِ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ، بَلْ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؛ فَإنَّهُ إنْ ساوى بَيْنَها في أدْنى العُقُوباتِ لَمْ تَحْصُلْ مَصْلَحَةُ الزَّجْرِ، وإنْ ساوى بَيْنَها في أعْظَمِها كانَ خِلافَ الرَّحْمَةِ والحِكْمَةِ؛ إذْ لا يَلِيقُ أنْ يَقْتُلَ بِالنَّظْرَةِ والقُبْلَةِ ويَقْطَعَ بِسَرِقَةِ الحَبَّةِ والدِّينارِ.
وَكَذَلِكَ التَّفاوُتُ بَيْنَ العُقُوباتِ مَعَ اسْتِواءِ الجَرائِمِ قَبِيحٌ في الفِطَرِ والعُقُولِ، وكِلاهُما تَأْباهُ حِكْمَةُ الرَّبِّ تَعالى وعَدْلُهُ وإحْسانُهُ إلى خَلْقِهِ، فَأوْقَعَ العُقُوبَةَ تارَةً بِإتْلافِ النَّفْسِ إذا انْتَهَتْ الجِنايَةُ في عِظَمِها إلى غايَةِ القُبْحِ كالجِنايَةِ عَلى النَّفْسِ أوْ الدِّينِ أوْ الجِنايَةِ الَّتِي ضَرَرُها عامٌّ؛ فالمَفْسَدَةُ الَّتِي في هَذِهِ العُقُوبَةِ خاصَّةً، والمَصْلَحَةُ الحاصِلَةُ بِها أضْعافَ أضْعافِ تِلْكَ المَفْسَدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] فَلَوْلا القِصاصُ لَفَسَدَ العالَمُ، وأهْلَكَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا ابْتِداءً واسْتِيفاءً، فَكانَ في القِصاصِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ التَّجَرُّؤِ عَلى الدِّماءِ بِالجِنايَةِ وبِالِاسْتِيفاءِ.
وَقَدْ قالَتْ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها: " القَتْلُ أنَفى لِلْقَتْلِ ".
وَبِسَفْكِ الدِّماءِ تُحْقَنُ الدِّماءُ؛ فَلَمْ تُغْسَلْ النَّجاسَةُ بِالنَّجاسَةِ، بَلْ الجِنايَةُ نَجاسَةٌ والقِصاصُ طُهْرَةٌ، وإذا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن مَوْتِ القاتِلِ ومَن اسْتَحَقَّ القَتْلَ فَمَوْتُهُ بِالسَّيْفِ أنْفَعُ لَهُ في عاجِلَتِهِ وآجِلَتِهِ، والمَوْتُ بِهِ أسْرَعُ المَوْتاتِ وأوْحاها وأقَلُّها ألَمًا، فَمَوْتُهُ بِهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ ولِأوْلِياءِ القَتِيلِ ولِعُمُومِ النّاسِ، وجَرى ذَلِكَ مَجْرى إتْلافِ الحَيَوانِ بِذَبْحِهِ لِمَصْلَحَةِ الآدَمِيِّ، فَإنَّهُ حَسَنٌ، وإنْ كانَ في ذَبْحِهِ إضْرارٌ بِالحَيَوانِ؛ فالمَصالِحُ المَرْتَبَةُ عَلى ذَبْحِهِ أضْعافُ أضْعافِ مَفْسَدَةِ إتْلافِهِ، ثُمَّ هَذا السُّؤالُ الفاسِدُ يَظْهَرُ فَسادُهُ وبُطْلانُهُ بِالمَوْتِ الَّذِي خَتَمَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ وساوى فِيهِ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ، ولَوْلاهُ لَما هَنَأ العَيْشُ، ولا وسِعَتْهم الأرْزاقُ، ولَضاقَتْ عَلَيْهِمْ المَساكِنُ والمُدُنُ والأسْواقُ والطُّرُقاتُ، وفي مُفارَقَةِ البَغِيضِ مِن اللَّذَّةِ والرّاحَةِ ما في مُواصَلَةِ الحَبِيبِ، والمَوْتُ مُخَلِّصٌ لِلْحَيِّ، والمَوْتُ مُرِيحٌ لِكُلٍّ مِنهُما مِن صاحِبِهِ، ومُخْرِجٌ مِن دارِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ [وَ] بابٌ لِلدُّخُولِ في دارِ الحَيَوانِ.
؎جَزى اللَّهُ عَنّا المَوْتَ خَيْرًا فَإنَّهُ ∗∗∗ أبَرُّ بِنا مِن كُلِّ بَرٍّ وأعْطَفُ
؎يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِن الأذى ∗∗∗ ويُدْنِي إلى الدّارِ الَّتِي هي أشْرَفُ
فَكَمْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى عِبادِهِ الأحْياءِ والأمْواتِ في المَوْتِ مِن نِعْمَةٍ لا تُحْصى، فَكَيْفَ إذا كانَ فِيهِ طُهْرَةٌ لِلْمَقْتُولِ، وحَياةٌ لِلنَّوْعِ الإنْسانِيِّ، وتَشَفٍّ لِلْمَظْلُومِ، وعَدْلٌ بَيْنَ القاتِلِ والمَقْتُولِ؛ فَسُبْحانَ مَن تَنَزَّهَتْ شَرِيعَتُهُ عَنْ خِلافِ ما شَرَعَها عَلَيْهِ مِن اقْتِراحِ العُقُولِ الفاسِدَةِ والآراءِ الضّالَّةِ الجائِرَةِ.
وَأمّا قَوْلُهُ: " لَوْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَحْسَنًا في العُقُولِ لاسْتُحْسِنَ في تَحْرِيقِ ثَوْبِهِ وتَخْرِيبِ دارِهِ وذَبْحِ حَيَوانِهِ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ ". [مُقابَلَةُ الإتْلافِ بِمِثْلِهِ في كُلِّ الأحْوالِ شَرِيعَةُ الظّالِمِينَ]
فالجَوابُ عَنْ هَذا أنَّ مَفْسَدَةَ تِلْكَ الجِناياتِ تَنْدَفِعُ بِتَغْرِيمِهِ نَظِيرَ ما أتْلَفَهُ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ المِثْلَ يَسُدُّ مَسَدَّ المِثْلِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ فَتَصِيرُ المُقابَلَةُ مَفْسَدَةً مَحْضَةً، كَما لَيْسَ لَهُ أنْ يَقْتُلَ ابْنَهُ أوْ غُلامَهُ مُقابَلَةً لِقَتْلِهِ هو ابْنَهُ أوْ غُلامَهُ، فَإنَّ هَذا شَرْعُ الظّالِمِينَ المُعْتَدِينَ الَّذِي تُنَزَّهُ عَنْهُ شَرِيعَةُ أحْكَمِ الحاكِمِينَ، عَلى أنَّ لِلْمُقابَلَةِ في إتْلافِ المالِ بِمِثْلِ فِعْلِهِ مَساغًا في الِاجْتِهادِ، وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ كَما تَقَدَّمَ الإشارَةُ إلَيْهِ في عُقُوبَةِ الكُفّارِ بِإفْسادِ أمْوالِهِمْ إذا كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِنا، أوْ كانَ يَغِيظُهُمْ، وهَذا بِخِلافِ قَتْلِ عَبْدِهِ إذا قَتَلَ عَبْدَهُ أوْ قَتَلَ فَرَسَهُ أوْ عَقَرَ فَرَسَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ لِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ، ولَكِنَّ السُّنَّةَ اقْتَضَتْ التَّضْمِينَ بِالمِثْلِ، لا إتْلافَ النَّظِيرِ، كَما غَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ إحْدى زَوْجَتَيْهِ الَّتِي كَسَرَتْ إناءَ صاحِبَتِها إناءً بَدَلَهُ، وقالَ: «إناءٌ بِإناءٍ» ولا رَيْبَ أنَّ هَذا أقَلُّ فَسادًا، وأصْلَحُ لِلْجِهَتَيْنِ؛ لِأنَّ المُتْلَفَ مالُهُ إذا أخَذَ نَظِيرَهُ صارَ كَمَن لَمْ يَفُتْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وانْتَفَعَ بِما أخَذَهُ عِوَضَ مالِهِ، فَإذا مَكَّنّاهُ مِن إتْلافِهِ كانَ زِيادَةً في إضاعَةِ المالِ، وما يُرادُ مِن التَّشَفِّي وإذاقَةِ الجانِي ألَمَ الإتْلافِ فَحاصِلٌ بِالغُرْمِ غالِبًا، ولا التِفاتَ إلى الصُّوَرِ النّادِرَةِ الَّتِي لا يَتَضَرَّرُ الجانِي فِيها بِالغُرْمِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا ألْيَقُ بِالعَقْلِ، وأبْلُغُ في الصَّلاحِ، وأوْفَقُ لِلْحِكْمَةِ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَوْ شَرَعَ القِصاصَ في الأمْوالِ رَدْعًا لِلْجانِي لَبَقِيَ جانِبُ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ غَيْرُ مُراعًى، بَلْ يَبْقى مُتَألِّمًا مُوتُورًا غَيْرَ مَجْبُورٍ، والشَّرِيعَةُ إنّما جاءَتْ بِجَبْرِ هَذا ورَدْعِ هَذا.
فَإنْ قِيلَ: فَخَيِّرُوا المَجْنِيَّ عَلَيْهِ بَيْنَ أنْ يُغَرِّمَ الجانِيَ أوْ يُتْلِفَ عَلَيْهِ نَظِيرَ ما أتْلَفَهُ هُوَ، كَما خَيَّرْتُمُوهُ في الجِنايَةِ عَلى طَرَفِهِ، وخَيَّرْتُمْ أوْلِياءَ القَتِيلِ بَيْنَ إتْلافِ الجانِي النَّظِيرَ وبَيْنَ أخْذِ الدِّيَةِ.
[حِكْمَةُ تَخْيِيرِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ في بَعْضِ الأحْوالِ دُونَ بَعْضٍ]
قِيلَ: لا مَصْلَحَةَ في ذَلِكَ لِلْجانِي ولا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ولا لِسائِرِ النّاسِ، وإنَّما هو زِيادَةُ فَسادٍ، لا مَصْلَحَةَ فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّشَفِّي، ويَكْفِي تَغْرِيبُهُ وتَعْزِيرُهُ في التَّشَفِّي، والفَرْقُ بَيْنَ الأمْوالِ والدِّماءِ في ذَلِكَ ظاهِرٌ؛ فَإنَّ الجِنايَةَ عَلى النُّفُوسِ والأعْضاءِ تُدْخِلُ مِن الغَيْظِ والحَنَقِ والعَداوَةِ عَلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ وأوْلِيائِهِ ما لا تُدْخِلُهُ جِنايَةُ المالِ ويُدْخِلُ عَلَيْهِمْ مِن الغَضاضَةِ والعارِ واحْتِمالِ الضَّيْمِ والحَمِيَّةِ والتَّحَرُّقِ لِأخْذِ الثَّأْرِ ما لا يَجْبُرُهُ المالُ أبَدًا، حَتّى إنّ أوْلادَهم وأعْقابَهم لَيُعَيَّرُونَ بِذَلِكَ، ولِأوْلِياءِ القَتِيلِ مِن القَصْدِ في القِصاصِ وإذاقَةِ الجانِي وأوْلِيائِهِ ما أذاقَهُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وأوْلِيائِهِ ما لَيْسَ لِمَن حُرِقَ ثَوْبُهُ أوْ عُقِرَتْ فَرَسُهُ، والمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُوتُورٌ هو وأوْلِياؤُهُ، فَإنْ لَمْ يُوتَرْ الجانِي وأوْلِياؤُهُ ويَجْرَعُوا مِن الألَمِ والغَيْظِ ما يَجْرَعُهُ الأوَّلُ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا.
وَقَدْ كانَتْ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها تَعِيبُ عَلى مَن يَأْخُذُ الدِّيَةَ ويَرْضى بِها مِن دَرْكِ ثَأْرِهِ وشِفاءِ غَيْظِهِ، كَقَوْلِ قائِلِهِمْ يَهْجُو مَن أخَذَ الدِّيَةَ مِن الإبِلِ:
؎وَإنَّ الَّذِي أصْبَحْتُمْ تَحْلُبُونَهُ ∗∗∗ دَمٌ غَيْرَ أنَّ اللَّوْنَ لَيْسَ بِأشْقَرا
وَقالَ جَرِيرٌ يُعَيِّرُ مَن أخَذَ الدِّيَةَ فاشْتَرى بِها نَخْلًا:
؎ألا أبْلِغْ بَنِي حُجْرٌ بْنِ وهْبٍ ∗∗∗ بِأنَّ التَّمْرَ حُلْوٌ في الشِّتاءِ
وَقالَ آخَرُ:
؎إذا صُبَّ ما في الوَطْبِ فاعْلَمْ بِأنَّهُ ∗∗∗ دَمُ الشَّيْخِ فاشْرَبْ مِن دَمِ الشَّيْخِ أوْ دَعْ
وَقالَ آخَرُ:
؎خَلِيلانِ مُخْتَلِفٌ شَكْلُنا ∗∗∗ أُرِيدُ العَلاءَ ويَبْغِي السِّمَن
؎أُرِيدُ دِماءَ بَنِي مالِكٍ ∗∗∗ ورَأْيُ المُعَلّى بَياضُ اللَّبَنْ
وَهَذا وإنْ كانَتْ الشَّرِيعَةُ قَدْ أبْطَلَتْهُ وجاءَتْ بِما هو خَيْرٌ مِنهُ وأصْلَحُ في المَعاشِ والمَعادِ مِن تَخْيِيرِ الأوْلِياءِ بَيْنَ إدْراكِ الثَّأْرِ ونَيْلِ التَّشَفِّي وبَيْنَ أخْذِ الدِّيَةِ فَإنَّ القَصْدَ بِهِ أنَّ العَرَبَ لَمْ تَكُنْ تُعَيِّرُ مَن أخَذَ بَدَلَ مالِهِ، ولَمْ تُعَدَّهُ ضَعْفًا ولا عَجْزًا ألْبَتَّةَ، بِخِلافِ مَن أخَذَ بَدَلَ دَمِ ولِيِّهِ، فَما سَوّى اللَّهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في طَبْعٍ، ولا عَقْلٍ ولا شَرْعٍ، والإنْسانُ قَدْ يَخْرِقُ ثَوْبَهُ عِنْدَ الغَيْظِ، ويَذْبَحُ ماشِيَتَهُ، ويُتْلِفُ مالَهُ، فَلا يَلْحَقُهُ في ذَلِكَ مِن المَشَقَّةِ والغَيْظِ والِازْدِراءِ بِهِ ما يُلْحِقُ مَن قَتَلَ نَفْسَهُ أوْ جَدَعَ أنْفَهُ أوْ قَلَعَ عَيْنَهُ.
2:180Page 27
كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠
Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.1
No commentary for this ayah
2:181Page 27
فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٨١
Then whoever alters it [i.e., the bequest] after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
No commentary for this ayah
2:182Page 28
فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢
But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
2:183Page 28
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣
O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -
والتشبيه إنَّما هو في أصل الصَّوْم لا في عينة وقدره وكيفيته.
والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور، وبطنه عن الطعام والشراب، وفرجه عن الرفث.
فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه، فيخرج كلامه كله نافعًا صالحًا، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم.
هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب، ففي الحديث الصحيح «من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» وفي الحديث «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش».
فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام وصوم البطن عن الشراب والطعام، فكما أن الطعام والشراب يقطعه ويفسده فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته، فتصيره بمنزلة من لم يصم.
[فَصْلٌ في هَدْيِهِ ﷺ في الصِّيامِ]
[المَقْصُودُ مِنَ الصِّيامِ وفَوائِدُهُ]
فَصْلٌ في هَدْيِهِ ﷺ في الصِّيامِ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ الصِّيامِ حَبْسَ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ، وفِطامَها عَنِ المَأْلُوفاتِ، وتَعْدِيلَ قُوَّتِها الشَّهْوانِيَّةِ، لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ ما فِيهِ غايَةُ سَعادَتِها ونَعِيمِها، وقَبُولِ ما تَزْكُو بِهِ مِمّا فِيهِ حَياتُها الأبَدِيَّةُ، ويَكْسِرُ الجُوعُ والظَّمَأُ مِن حِدَّتِها وسَوْرَتِها، ويُذَكِّرُها بِحالِ الأكْبادِ الجائِعَةِ مِنَ المَساكِينِ.
وَتُضَيَّقُ مَجارِي الشَّيْطانِ مِنَ العَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجارِي الطَّعامِ والشَّرابِ، وتُحْبَسُ قُوى الأعْضاءِ عَنِ اسْتِرْسالِها لِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ فِيما يَضُرُّها في مَعاشِها ومَعادِها، ويُسَكِّنُ كُلَّ عُضْوٍ مِنها وكُلَّ قُوَّةٍ عَنْ جِماحِهِ وتُلْجَمُ بِلِجامِهِ، فَهو لِجامُ المُتَّقِينَ، وجُنَّةُ المُحارِبِينَ، ورِياضَةُ الأبْرارِ والمُقَرَّبِينَ، وهو لِرَبِّ العالَمِينَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْمالِ، فَإنَّ الصّائِمَ لا يَفْعَلُ شَيْئًا، وإنَّما يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وطَعامَهُ وشَرابَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو تَرْكُ مَحْبُوباتِ النَّفْسِ وتَلَذُّذاتِها إيثارًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ، وهو سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِواهُ، والعِبادُ قَدْ يَطَّلِعُونَ مِنهُ عَلى تَرْكِ المُفْطِراتِ الظّاهِرَةِ، وأمّا كَوْنُهُ تَرَكَ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهْوَتَهُ مِن أجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهو أمْرٌ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ.
وَلِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ في حِفْظِ الجَوارِحِ الظّاهِرَةِ والقُوى الباطِنَةِ، وحِمْيَتِها عَنِ التَّخْلِيطِ الجالِبِ لَها المَوادَّ الفاسِدَةَ الَّتِي إذا اسْتَوْلَتْ عَلَيْها أفْسَدَتْها، واسْتِفْراغِ المَوادِّ الرَّدِيئَةِ المانِعَةِ لَها مِن صِحَّتِها، فالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلى القَلْبِ والجَوارِحِ صِحَّتَها، ويُعِيدُ إلَيْها ما اسْتَلَبَتْهُ مِنها أيْدِي الشَّهَواتِ، فَهو مِن أكْبَرِ العَوْنِ عَلى التَّقْوى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «الصَّوْمُ جُنَّةٌ».
وَأمَرَ مَنِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكاحِ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصِّيامِ، وجَعَلَهُ وِجاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ.
والمَقْصُودُ أنَّ مَصالِحَ الصَّوْمِ لَمّا كانَتْ مَشْهُودَةً بِالعُقُولِ السَّلِيمَةِ والفِطَرِ المُسْتَقِيمَةِ، شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ، وإحْسانًا إلَيْهِمْ وحِمْيَةً لَهم وجُنَّةً.
وَكانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ أكْمَلَ الهَدْيِ، وأعْظَمَ تَحْصِيلٍ لِلْمَقْصُودِ، وأسْهَلَهُ عَلى النُّفُوسِ.
وَلَمّا كانَ فَطْمُ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفاتِها وشَهَواتِها مِن أشَقِّ الأُمُورِ وأصْعَبِها، تَأخَّرَ فَرْضُهُ إلى وسَطِ الإسْلامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، لَمّا تَوَطَّنَتِ النُّفُوسُ عَلى التَّوْحِيدِ والصَّلاةِ، وألِفَتْ أوامِرَ القُرْآنِ، فَنُقِلَتْ إلَيْهِ بِالتَّدْرِيجِ.
2:184Page 28
أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤
[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في تَخْصِيصِ المُسافِرِ بِالرُّخَصِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وجَوَّزَ لِلْمُسافِرِ المُتَرَفِّهِ في سَفَرِهِ رُخْصَةَ الفِطْرِ والقَصْرِ، دُونَ المُقِيمِ المَجْهُودَ الَّذِي هو في غايَةِ المَشَقَّةِ " فَلا رَيْبَ أنَّ الفِطْرَ والقَصْرَ يَخْتَصُّ بِالمُسافِرِ، ولا يُفْطِرُ المُقِيمُ إلّا لِمَرَضٍ، وهَذا مِن كَمالِ حِكْمَةِ الشّارِعِ؛ فَإنَّ السَّفَرَ في نَفْسِهِ قِطْعَةٌ مِن العَذابِ، وهو في نَفْسِهِ مَشَقَّةٌ وجَهْدٌ، ولَوْ كانَ المُسافِرُ مِن أرْفَهِ النّاسِ فَإنَّهُ في مَشَقَّةٍ وجَهْدٍ بِحَسَبِهِ، فَكانَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبادِهِ وبِرِّهِ بِهِمْ أنْ خَفَّفَ عَنْهم شَطْرَ الصَّلاةِ واكْتَفى مِنهم بِالشَّطْرِ، وخَفَّفَ عَنْهم أداءَ فَرْضِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ، واكْتَفى مِنهم بِأدائِهِ في الحَضَرِ، كَما شَرَعَ مِثْلَ ذَلِكَ في حَقِّ المَرِيضِ والحائِضِ، فَلَمْ يُفَوِّتْ عَلَيْهِمْ مَصْلَحَةَ العِبادَةِ بِإسْقاطِها في السَّفَرِ جُمْلَةً، ولَمْ يُلْزِمْهم بِها في السَّفَرِ كَإلْزامِهِمْ في الحَضَرِ، وأمّا الإقامَةُ فَلا مُوجِبَ لِإسْقاطِ بَعْضِ الواجِبِ فِيها ولا تَأْخِيرِهِ، وما يَعْرِضُ فِيها مِن المَشَقَّةِ والشُّغْلِ فَأمْرٌ لا يَنْضَبِطُ ولا يَنْحَصِرُ؛ فَلَوْ جازَ لِكُلِّ مَشْغُولٍ وكُلِّ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ التَّرَخُّصُ ضاعَ الواجِبُ واضْمَحَلَّ بِالكُلِّيَّةِ، وإنْ جَوَّزَ لِلْبَعْضِ دُونَ البَعْضِ لَمْ يَنْضَبِطْ؛ فَإنَّهُ لا وصْفَ يَضْبِطُ ما تَجُوزُ مَعَهُ الرُّخْصَةُ وما لا تَجُوزُ، بِخِلافِ السَّفَرِ، عَلى أنَّ المَشَقَّةَ قَدْ عَلَّقَ بِها مِن التَّخْفِيفِ ما يُناسِبُها، فَإنْ كانَتْ مَشَقَّةَ مَرَضٍ وألَمٍ يَضُرُّ بِهِ جازَ مَعَها الفِطْرُ والصَّلاةُ قاعِدًا أوْ عَلى جَنْبٍ، وذَلِكَ نَظِيرُ قَصْرِ العَدَدِ، وإنْ كانَتْ مَشَقَّةَ تَعَبٍ فَمَصالِحُ الدُّنْيا والآخِرَةِ مَنُوطَةٌ بِالتَّعَبِ، ولا راحَةَ لِمَن لا تَعَبَ لَهُ، بَلْ عَلى قَدْرِ التَّعَبِ تَكُونُ الرّاحَةُ، فَتَناسَبَتْ الشَّرِيعَةُ في أحْكامِها ومَصالِحِها بِحَمْدِ اللَّهِ ومَنِّهِ.
(فائدة)
إذا رأى إنسانا يغرق فلا يمكنه تخليصه إلا بأن يفطر هل يجوز له الفطر؟
أجاب أبو الخطاب يجوز له الفطر إذا تيقن تخليصه من الغرق ولم يمكنه الصوم مع التخليص.
وأجاب ابن الزاغوني عنها إذا كان يقدر على تخليصه وغلب على ظنه ذلك لزمه الإفطار وتخليصه ولا فرق بين أن يفطر بدخول الماء في حلقه وقت السباحة، أو كان يجد من نفسه ضعفا عن تخليصه لأجل الجوع حتى يأكل لأنه يفطر للسفر المباح فلأن يفطر للواجب أولى.
قلت: أسباب الفطر أربعة: السفر والمرض والحيض والخوف على هلاك من يخشى عليه بصوم كالمرضع والحامل إذا خافتا على ولديهما ومثله مسألة الغريق.
وأجاز شيخنا ابن تيمية الفطر للتقوي على الجهاد وفعله وأفتى به لما نازل العدو دمشق في رمضان فأنكر عليه بعض المتفقهين وقال: "ليس سفرا طويلا"
فقال الشيخ: "هذا فطر للتقوي على جهاد العدو وهو أولى من الفطر للسفر يومين سفرا مباحا أو معصية، والمسلمون إذا قاتلوا عدوهم وهم صيام لم يمكنهم النكاية فيهم، وربما أضعفهم الصوم عن القتال فاستباح العدو بيضة الإسلام.
وهل يشك فقيه أن الفطر هاهنا أولى من فطر المسافر؟
وقد أمرهم النبي ﷺ في غزوة الفتح بالإفطار ليتقووا على عدوهم"
فعلل ذلك للقوة على العدو لا للسفر والله أعلم.
قلت: إذا جاز فطر الحامل والمرضع لخوفهما على ولديهما وفطر من يخلص الغريق، ففطر المقاتلين أولى بالجواز، ومن جعل هذا من المصالح المرسلة فقد غلط بل هذا أمر من باب قياس الأولى، ومن باب دلالة النص وإيمائه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences