Ibn al-QayyimAl‑Baqarah · 2:218–228

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:218–228

2:218Page 34

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨

Indeed, those who have believed and those who have emigrated and fought in the cause of Allāh - those expect the mercy of Allāh. And Allāh is Forgiving and Merciful.

فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ رَجاءَهم إتْيانَهم بِهَذِهِ الطّاعاتِ؟

وَقالَ المُغْتَرُّونَ: إنَّ المُفَرِّطِينَ المُضَيِّعِينَ لِحُقُوقِ اللَّهِ المُعَطِّلِينَ لِأوامِرِهِ، الباغِينَ عَلى عِبادِهِ، المُتَجَرِّئِينَ عَلى مَحارِمِهِ، أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ.

وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرَّجاءَ وحُسْنَ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ الإتْيانُ بِالأسْبابِ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ في شَرْعِهِ وقَدَرِهِ وثَوابِهِ وكَرامَتِهِ، فَيَأْتِي العَبْدُ بِها ثُمَّ يُحْسِنُ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ، ويَرْجُوهُ أنْ لا يَكِلَهُ إلَيْها، وأنْ يَجْعَلَها مُوصِلَةً إلى ما يَنْفَعُهُ، ويَصْرِفَ ما يُعارِضُها ويُبْطِلَ أثَرَها.

وَهُوَ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ الرَّجاءَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَكَذَلِكَ جَعَلَ الخَوْفَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ النّافِعَ ما اقْتَرَنَ بِهِ العَمَلُ.

(فَصْلٌ)

وَلا يَتِمُّ الجِهادُ إلّا بِالهِجْرَةِ، ولا الهِجْرَةُ والجِهادُ إلّا بِالإيمانِ، والرّاجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ قامُوا بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ. قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

وَكَما أنَّ الإيمانَ فَرْضٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ هِجْرَتانِ في كُلِّ وقْتٍ: هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ والإنابَةِ والتَّوَكُّلِ والخَوْفِ والرَّجاءِ والمَحَبَّةِ والتَّوْبَةِ، وهِجْرَةٌ إلى رَسُولِهِ بِالمُتابَعَةِ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ، والتَّصْدِيقِ بِخَبَرِهِ، وتَقْدِيمِ أمْرِهِ وخَبَرِهِ عَلى أمْرِ غَيْرِهِ وخَبَرِهِ: «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ».

وَفَرَضَ عَلَيْهِ جِهادَ نَفْسِهِ في ذاتِ اللَّهِ، وجِهادَ شَيْطانِهِ، فَهَذا كُلُّهُ فَرْضُ عَيْنٍ لا يَنُوبُ فِيهِ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ.

وَأمّا جِهادُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ فَقَدْ يُكْتَفى فِيهِ بِبَعْضِ الأُمَّةِ إذا حَصَلَ مِنهم مَقْصُودُ الجِهادِ.

[فصل: الفرق بين الرجاء والتمني]

والفرق بين الرجاء والتمني: إن الرجاء يكون مع بذل الجهد واستفراغ الطاقة في الإتيان بأسباب الظفر والفوز.

والتمني حديث النفس بحصول ذلك مع تعطيل الأسباب الموصلة إليه قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾

فطوى سبحانه بساقي الرجاء إلا عن هؤلاء.

وقال المغترون: إن الذين ضيعوا أوامره وارتكبوا نواهيه واتبعوا ما أسخطه وتجنبوا ما يرضيه أولئك يرجون رحمته، وليس هذا ببدع من غرور النفس والشيطان لهم فالرجاء لعبد قد امتلأ قلبه من الإيمان باللّه واليوم الآخر فمثل بين عينيه ما وعد اللّه تعالى من كرامته وجنته امتد القلب مائلا إلى ذلك شوقا إليه وحرصا عليه في شبيه بالماد عنقه إلى مطلوب قد صار نصب عينيه.

وعلامة الرجاء الصحيح أن الراجي يخاف قوت الجنة وذهاب حظه منها بترك ما يخاف أن يحول بينه وبين دخولها فمثله مثل رجل خطب امرأة كريمة في منصب وشرف إلى أهلها فلما آن وقت العقد واجتماع الأشراف والأكابر وإتيان الرجل إلى الحضور أعلم عشية ذلك اليوم ليتأهب للحضور فتراه المرأة وأكابر الناس فأخذ في التأهب والتزين والتجميل فأخذ من فضول شعره وتنظف وتطيب ولبس أجمل ثيابه وأتى إلى تلك الدار متقيا في طريقه كل وسخ ودنس وأثر يصيبه أسد تقوى حتى الغبار والدخان وما هو دون ذلك، فلما وصل إلى الباب رحب به ربها ومسكن له في صدر الدار على الفرش والوسائد ورمقته العيون وقصد بالكرامة من كل ناحية فلو أنه ذهب بعد أن أخذ هذه الزينة فجلس في المزابل وتمرغ عليها وتمعك بها وتلطخ في بدنه وثيابه عليها من عذرة وقذر ودخل ذلك في شعره وبشره وثيابه فجاء على ذلك الحال إلى تلك الدار وقصد دخولها للوعد الذي سبق لها لقام إليه البواب بالضرب والطرد والضياع عليه والإبعاد له من بابها وطريقها فرجع متحيرا خاسئا.

فالأول: حال الراجي وهذا حال المتمني، وإن شئت مثلت حال الرجلين بملك هو من أغير الناس وأعظمهم أمانة وأحسنهم معاملة لا يضيع لديه حق أحد، وهو يعامل الناس من وراء ستر لا يراه أحد وبضائعه وأمواله وتجاراته وعبيده وإماؤه ظاهر بارز في داره للمعاملين فدخل عليه رجلان فكان أحدهما يعامله بالصدق والأمانة والنصيحة لم يجرب عليه غشا ولا خيانة ولا مكرا فباعه بضائعه كلها واعتمد مع مماليكه وجواريه ما يجب أن يعتمد معهم فكان إذا دخل عليه ببضاعة تخير له أحسن البضائع وأحبها إليه وإن صنعها بيده بذل جهده في تحسينها وتنميقها وجعل ما خفي عنها أحسن مما ظهر ويستلم المئونة ممن أمره أن يستلمها منه وامتثل ما أمره به السفير بينه وبينه في مقدار ما يعمله، صفته وهيئته وشكله ووقته وسائر شئونه وكان الآخر إذا دخل دخل بأخس بضاعة يجدها لم يخلصها من الغس ولا نصح فيها ولا اعتمد في أثرها ما قاله المترجم عن الملك والسفير بينه وبين الصناع والتجار بل كان يعملها على ما يهواه.

ومع ذلك فكان يخون الملك في داره إذ هو غائب عن عينه فلا يلوح طمع إلا خانه ولا حرمة للملك إلا مد بصره إليها وحرص على إفساده ولا شيء يسخط الملك إلا ارتكبه إذا قدر عليه فمضيا على ذلك مدة ثم قيل إن الملك يبرز اليوم لمعامليه حتى يحاسبهم ويعطيهم حقوقهم فوقف الرجلان بين يديه فعامل كل واحد منها بما يستحقه.

فتأمل هذين المثلين فإن الواقع مطابق لهما، فالراجي على الحقيقة لما صارت الجنة نصب عينه ورجاءه وأمله امتد إليها قلبه وسعى لها سعيها فإن الرجاء هو امتد القلب وميله. وحقق رجاءه كمال التأهب وخوف القوت والأخذ بالحذر.

وأصله من التنحي ورجاء البئر ناحيته وأرجاء السماء نواحيها وامتداد القلب إلى المحبوب منقطعا عما يقطعه عنه هو تنح عن النفس الأمّارة وأسبابها وما تدعو إليه وهذا الامتداد والميل والخوف من شأن النفس المطمئنة فإن القلب إذا انفتحت بصيرته فرأى الآخرة وما أعد اللّه فيها لأهل طاعته وأهل معصيته خاف وخف مرتحلا إلى اللّه والدار الآخرة وكان قبل ذلك مطمئنا إلى النفس، والنفس أم الشهوات والدنيا فلما انكشف عنه غطاء النفس خف وارتحل عن جوارها طالبا جوار العزيز الرحيم في جنات النعيم، ومن هنا صار كل خائف راجيا وكل راج خائفا فأطلق اسم أحدهما على الآخر فإن الراجي قلبه قريب الصفة الخائف هذا الراجي قد نحى قلبه عن مجاورة النفس والشيطان مرتحلا إلى اللّه قد رفع له من الجنة علم فشمر إليه وله مادا إليه قلبه كله.

وهذا الخائف فار من جوارهما ملتجئ إلى اللّه من حبسه في سجنها في الدنيا فيحبس معهما بعد الموت ويوم القيامة فإن المرء مع قرينه في الدنيا والآخرة، فلما سمع الوعيد ارتحل من مجاورة جار السوء في الدارين فأعطى اسم الخائف. ولما سمع الوعد امتد واستطار شوقا إليه وفرحا بالظفر به فأعطى اسم الراجي وحالاه متلازمان لا ينفك عنهما فكل راج خائف من فوات ما يرجوه كما أن كل خائف راج أمنه مما يخاف، فلذلك تداول الاسمان عليه قال تعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾

قالوا في تفسيرها لا تخافون للّه عظمة.

وقد تقدم أن اللّه سبحانه طوى الرجاء إلا عن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا.

وقد فسر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الإيمان بأنه ذو شعب وأعمال ظاهرة وباطنة، وفسر الهجرة بأنها هجر ما نهى اللّه عنه، والجهاد بأنه جهاد النفس في ذات اللّه فقال المهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات اللّه. والمقصود أن اللّه سبحانه جعل أهل الرجاء من آمن وهاجر وأخرج من سواهم من هذه الأمم.

وأما الأماني فإنها رءوس أموال المفاليس أخروها في قالب الرجاء وتلك أمانيهم وهي تصدر من قلب تزاحمت عليه وساوس النفس فأظلم من دخلها فهو يستعمل قلبه في شواتها وكلما فعل ذلك منته حسن العاقبة والنجاة وأحالته على العفو والمغفرة والفضل وإن الكريم لا يستوفي حقه ولا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفر، ويسمى ذلك رجاء وإنما هو وسواس وأماني باطلة تقذف بها النفس إلى القلب الجاهل فيستريح إليها قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾.

فإذا ترك العبد ولاية الحق ونصرته ترك اللّه ولايته ونصرته ولم يجد له من دونه وليا ولا نصيرا، وإذا ترك ولايته ونصرته تولته نفسه والشيطان فصارا وليين له ووكل إلى نفسه فصار انتصاره لها بدلا من نصرة اللّه ورسوله فاستبدل بولاية اللّه ولاية نفسه وشيطانه، وبنصرته نصرة نفسه وهواه، فلم يدع للرجاء موضعا، فإذا قالت: لك النفس أنا في مقام الرجاء فطالبها بالبرهان وقل هذه أمنية فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، فالكيس يعمل أعمال البر على الطمع والرجاء والأحمق العاجز يعطل أعمال البر ويتكل على الأماني التي يسميها رجاء. واللّه الموفق.

2:219Page 34

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩

They ask you about wine1 and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought

No commentary for this ayah

2:220Page 35

فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠

To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."

No commentary for this ayah

2:221Page 35

وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١

And do not marry polytheistic women until they believe.1 And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allāh invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses [i.e., ordinances] to the people that perhaps they may remember.

No commentary for this ayah

2:222Page 35

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢

And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives1 during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves,2 then come to them from where Allāh has ordained for you. Indeed, Allāh loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."

وأما قوله تعالى: ﴿يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ ففيه معنى آخر سوى ما ذكره وهو أن الطهر طهران طهر بالماء من الأحداث والنجاسات وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي وهذا الطهور أصل لطهور الماء وطهور الماء لا ينفع بدونه بل هو مكمل له معد مهيأ بحصوله فكان أولى بالتقديم لأن العبد أول ما يدخل في الإسلام فقد تطهر بالتوبة من الشرك ثم يتطهر بالماء من الحدث.

(فائدة)

قوله تعالى: ﴿وَيَسْألونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ ولم يقل فيه تعليقا لحكم الاعتزال بنفس الحيض وأنه هو سبب الاعتزال وقال تعالى: ﴿قُلْ هو أذى﴾ ولم يقل الحيض لأن الآية جار: ﴿قُلْ هو أذى﴾ فإنه إخبار بالواقع والمخاطبون يعلمون أن جهة كونه أذى هو نفس كونه حيضا بخلاف تعليق الحكم به فإنه إنما يعلم بالشرع فتأمله.

(موعظة)

ويحك لا تحقر نفسك فالتائب حبيب، والمنكر صحيح.

إقرارك بالإفلاس عين الغنى. تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة. اعترافك بالخطأ نفس الإصابة عرضت سلعة العبودية في سوق البيع فبذلت الملائكة نقد ﴿ونحن تسبح بحمدك﴾ فقال آدم ما عندي إلا فلوس الإفلاس نقشها ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا﴾

فقيل هذا الذي ينفق على خزانة الخاص.

أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين.

(فائدة)

الحائض إذا انقطع دمها فهي كالجنب فيما يجب عليها ويحرم فيصح صومها وغسلها وتجب عليها الصلاة ولها أن تتوضأ وتجلس في المسجد، ويجوز طلاقها على أحد القولين إلا في مسألة واحدة فإنها تخالف الجنب فيها وهي جواز وطئها فإنه يتوقف على الاغتسال والفرق بينها وبين الجنب في ذلك أن حدث الحيض أوجب تحريم الوطء وحدثه لا يزول إلا بالغسل بخلاف حدث الجنابة فإنه لا يوجب تحريم الوطء ولا يمكن ذلك فيه ألبتة.

واستثنى بعض الفقهاء مسألة أخرى وهي نقض الشعر للغسل فإنه يجب على الحائض في أحد القولين دون الجنب ولا حاجة إلى هذا الاستثناء فتأمله.

فصول: في أحكام الوطء في الدبر:

فمنها أنه من الكبائر، ومنها أنه يوجب القتل إذا كان من غلام.

نص عليه أحمد في إحدى الروايتين

والثانية حده حد الزاني كقول مالك والشافعي فإن كان من زوجه أو أمة أوجب التعزير.

وفي الكفارة وجهان أحدهما عليه كفارة من وطئ حائضا اختاره ابن عقيل.

والثاني لا كفارة فيه وهو قول أكثر الأصحاب ومنها أن للزوجة أن تفسخ النكاح به وذكره غير واحد من أصحابنا.

وإن كان من امرأة أجنبية فاختلف أصحابنا في حده فالذي قاله أبو البركات وأبو محمد وغيرهما حده حد الزاني.

وقال ابن عقيل في فصوله: "فإن كان الوطء في الدبر في حق أجنبية وجب الحد الذي أوجبناه في اللواط وعلى هذا فحده القتل بكل حال وإن كان في مملوكه فذهب بعض أصحابنا أنه يعتق عليه وأجراه مجرى المثلة الظاهرة.

وهو قول بعض السلف.

قال النسائي في سننه الكبير: "الإباحة للحاكم أن يقول للمدعى عليه احلف قبل أن يسأله المدعى أنبأ هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ:

"من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان"

فقال الأشعت فيّ والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود دار فجحدني فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "ألك بينه فقلت: لا فقال: لليهودي احلف فقلت: والله إذا يحلف فيذهب حقي فأنزل الله: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية.

قال النسائي: "لا نعلم أحدا تابع أبا معاوية على قوله: "فقال لليهودي احلف" انتهى.

ويسوغ للحاكم أن يقول له احلف إذا قصد به الزجر والتخويف أو كان يعلم أن المدعى قاصدا لتحليفه أو كان يعلم أن المدعى عليه بريء من الدعوى فإنه في قصده الصور الثلاث قد أعان على البر والتقوى وظهور الحق وأكثر أوضاع الحكام ورسومهم لا أصل لها في الشريعة. والله المستعان.

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ المُسْتَحاضَةِ والحائِضِ في الوَطْء]

وَأمّا قَوْلُهُ: " وحَرَّمَ وطْءَ الحائِضِ لِأجْلِ الأذى، وأباحَ وطْءَ المُسْتَحاضَةِ مَعَ وُجُودِ الأذى، وهُما مُتَساوِيانِ " فالمُقَدِّمَةُ الأُولى صادِقَةٌ، والثّانِيَةُ فِيها إجْمالٌ؛ فَإنْ أُرِيدَ أنَّ أذى الِاسْتِحاضَةِ مُساوٍ لِأذى الحَيْضِ كَذَبَتْ المُقَدِّمَةُ، وإنْ أُرِيدَ أنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ مِن الأذى لَمْ يَكُنْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُما تَفْرِيقًا بَيْنَ المُتَساوِيَيْنِ، فَبَطَلَ سُؤالُهُ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ.

وَمِن حِكْمَةِ الشّارِعِ تَفْرِيقُهُ بَيْنَهُما؛ فَإنَّ أذى الحَيْضِ أعْظَمُ وأدْوَمُ وأضَرُّ مِن أذى الِاسْتِحاضَةِ، ودَمُ الِاسْتِحاضَةِ عِرْقٌ، وهو في الفَرْجِ بِمَنزِلِهِ الرُّعافِ في الأنْفِ، وخُرُوجُهُ

مُضِرٌّ، وانْقِطاعُهُ دَلِيلٌ عَلى الصِّحَّةِ، ودَمُ الحَيْضِ عَكْسُ ذَلِكَ، ولا يَسْتَوِي الدَّمانِ حَقِيقَةً ولا عُرْفًا ولا حُكْمًا ولا سَبَبًا؛ فَمِن كَمالِ الشَّرِيعَةِ تَفْرِيقَها بَيْنَ الدَّمَيْنِ في الحُكْمِ كَما افْتَرَقا في الحَقِيقَةِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

2:223Page 35

نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٢٣

Your wives are a place of cultivation [i.e., sowing of seed] for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allāh and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

No commentary for this ayah

2:224Page 35

وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٤

And do not make [your oath by] Allāh an excuse against being righteous and fearing Allāh and making peace among people. And Allāh is Hearing and Knowing.

No commentary for this ayah

2:225Page 36

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٢٥

Allāh does not impose blame upon you for what is unintentional in your oaths, but He imposes blame upon you for what your hearts have earned. And Allāh is Forgiving and Forbearing.1

No commentary for this ayah

2:226–227Page 36

لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٢٦

For those who swear not to have sexual relations with their wives1 is a waiting time of four months, but if they return [to normal relations] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٢٧

And if they decide on divorce - then indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

ختم حكم الفيء، الذي هو الرجوع والعود إلى رضى الزوجة، والإحسان إليها: بأنه غفور رحيم، يعود على عبده بمغفرته ورحمته. إذا رجع إليه. والجزاء من جنس العمل. فكما رجع العبد إلى التي هي أحسن، رجع الله إليه بالمغفرة والرحمة: وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فإن الطلاق لما كان لفظا يسمع، ومعنى يقصد، عقبه باسم «السميع» لما نطق به «العليم» بمضمونه.

2:228Page 36

وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٢٨

Divorced women remain in waiting [i.e., do not remarry] for three periods,1 and it is not lawful for them to conceal what Allāh has created in their wombs if they believe in Allāh and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation.2 And due to them [i.e., the wives] is similar to what is expected of them, according to what is reasonable.3 But the men [i.e., husbands] have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

(فصل: حِكْمَةُ عِدَّةِ الطَّلاقِ)

وَأمّا عِدَّةُ الطَّلاقِ فَلا يُمْكِنُ تَعْلِيلُها بِذَلِكَ؛ لِأنَّها إنّما تَجِبُ بَعْدَ المَسِيسِ بِالِاتِّفاقِ، ولا بِبَراءَةِ الرَّحِمِ؛ لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِحَيْضَةٍ كالِاسْتِبْراءِ، وإنْ كانَ بَراءَةُ الرَّحِمِ بَعْضَ مَقاصِدِها.

وَلا يُقالُ: " هي تَعَبُّدٌ " لِما تَقَدَّمَ، وإنَّما يَتَبَيَّنُ حُكْمُها إذا عُرِفَ ما فِيها مِن الحُقُوقِ؛ فَفِيها حَقُّ اللَّهِ، وهو امْتِثالُ أمْرِهِ وطَلَبُ مَرْضاتِهِ، وحَقٌّ لِلزَّوْجِ المُطَلِّقِ وهو اتِّساعُ زَمَنِ الرَّجْعَةِ لَهُ، وحَقٌّ لِلزَّوْجَةِ، وهو اسْتِحْقاقُها لِلنَّفَقَةِ والسُّكْنى ما دامَتْ في العِدَّةِ، وحَقٌّ لِلْوَلَدِ، وهو الِاحْتِياطُ في ثُبُوتِ نَسَبِهِ وأنْ لا يَخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ، وحَقٌّ لِلزَّوْجِ الثّانِي، وهو أنْ لا يَسْقِيَ ماءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، ورَتَّبَ الشّارِعُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الحُقُوقِ ما يُناسِبُهُ مِن الأحْكامِ؛ فَرُتِّبَ عَلى رِعايَةِ حَقِّهِ هو لُزُومُ المَنزِلِ وأنَّها لا تَخْرُجُ ولا تُخْرَجُ، هَذا مُوجِبُ القُرْآنِ ومَنصُوصُ إمامِ أهْلِ الحَدِيثِ وإمامِ أهْلِ الرَّأْيِ.

وَرُتِّبَ عَلى حَقِّ المُطَلِّقِ تَمْكِينُهُ مِن الرَّجْعَةِ ما دامَتْ في العِدَّةِ، وعَلى حَقِّها اسْتِحْقاقُ النَّفَقَةِ والسُّكْنى، وعَلى حَقِّ الوَلَدِ ثُبُوتُ نَسَبِهِ وإلْحاقُهُ بِأبِيهِ دُونَ غَيْرِهِ، وعَلى حَقِّ الزَّوْجِ الثّانِي دُخُولُهُ عَلى بَصِيرَةٍ ورَحِمٍ بَرِيءٍ غَيْرِ مَشْغُولٍ بِوَلَدٍ لِغَيْرِهِ؛ فَكانَ في جَعْلِها ثَلاثَةَ قُرُوءٍ رِعايَةٌ لِهَذِهِ الحُقُوقِ، وتَكْمِيلٌ لَها، وقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّ العِدَّةَ حَقٌّ لِلزَّوْجِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العِدَّةَ لِلرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ بَعْدَ المَسِيسِ، وقالَ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فَجَعَلَ الزَّوْجَ أحَقَّ بِرَدِّها في العِدَّةِ؛ فَإذا كانَتْ العِدَّةُ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ أوْ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ طالَتْ مُدَّةُ التَّرَبُّصِ لِيَنْظُرَ في أمْرِها هَلْ يُمْسِكُها بِمَعْرُوفٍ أوْ يُسَرِّحُها بِإحْسانٍ، كَما جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِلْمُولِي تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ لِيَنْظُرَ في أمْرِهِ هَلْ يَفِيءُ أوْ يُطَلِّقُ، وكَما جَعَلَ مُدَّةَ تَسْيِيرِ الكُفّارِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ لِيَنْظُرُوا في أمْرِهِمْ ويَخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ.

(فائدة)

قال الشيخ تاج الدين: "سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن معنى قول الفقهاء للمطلق الطلاق الرجعي (قل راجعت زوجتي إلى نكاحي) ما معناه وهي لم تخرج من النكاح فإنها زوجة في جميع الأحكام؟

فقلت له: معناه إنها رجعت إلى النكاح الكامل الذي لم تكن فيه صائرة إلى بينونة بانقضاء زمان وبالطلاق صارت إلى بينونة بانقضاء العدة" فقال: "أحسنت".

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في مُساواةِ المَرْأةِ لِلرَّجُلِ في بَعْضِ الأحْكامِ دُونَ بَعْضٍ]

وَأمّا قَوْلُهُ: " وسَوّى بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ في العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والحُدُودِ، وجَعَلَها عَلى النِّصْفِ مِنهُ في الدِّيَةِ والشَّهادَةِ والمِيراثِ والعَقِيقَةِ " فَهَذا أيْضًا مِن كَمالِ شَرِيعَتِهِ وحِكْمَتِها ولُطْفِها؛ فَإنَّ مَصْلَحَةَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ ومَصْلَحَةَ العُقُوباتِ الرِّجالُ والنِّساءُ مُشْتَرِكُونَ فِيها، وحاجَةُ أحَدِ الصِّنْفَيْنِ إلَيْها كَحاجَةِ الصِّنْفِ الآخَرِ؛ فَلا يَلِيقُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُما، نَعَمْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُما في ألْيَقِ المَواضِعِ بِالتَّفْرِيقِ وهو الجُمُعَةُ والجَماعَةُ، فَخَصَّ وُجُوبَهُما بِالرِّجالِ دُونَ النِّساءِ لِأنَّهُنَّ لَسْنَ مِن أهْلِ البُرُوزِ ومُخالَطَةِ الرِّجالِ؛ وكَذَلِكَ فَرَّقَتْ بَيْنَهُما في عِبادَةِ الجِهادِ الَّتِي لَيْسَ الإناثُ مِن أهْلِها، وسَوَّتْ بَيْنَهُما في وُجُوبِ الحَجِّ لِاحْتِياجِ النَّوْعَيْنِ إلى مَصْلَحَتِهِ، وفي وُجُوبِ الزَّكاةِ والصِّيامِ والطَّهارَةِ؛ وأمّا الشَّهادَةُ فَإنَّما جُعِلَتْ المَرْأةُ فِيها عَلى النِّصْفِ مِن الرَّجُلِ؛ لِحُكْمِهِ أشارَ إلَيْها العَزِيزُ الحَكِيمُ في كِتابِهِ، وهي أنَّ المَرْأةَ ضَعِيفَةُ العَقْلِ قَلِيلَةُ الضَّبْطِ لِما تَحْفَظُهُ. وقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ الرِّجالَ عَلى النِّساءِ في العُقُولِ والفَهْمِ والحِفْظِ والتَّمْيِيزِ؛ فَلا تَقُومُ المَرْأةُ في ذَلِكَ مَقامَ الرَّجُلِ، وفي مَنعِ قَبُولِ شَهادَتِها بِالكُلِّيَّةِ إضاعَةٌ لِكَثِيرٍ مِن الحُقُوقِ وتَعْطِيلٌ لَها، فَكانَ مِن أحْسَنِ الأُمُورِ وألْصَقْها بِالعُقُولِ، أنْ ضَمَّ إلَيْها في قَبُولِ الشَّهادَةِ نَظِيرَها لِتُذَكِّرَها إذا نَسِيَتْ، فَتَقُومُ شَهادَةُ المَرْأتَيْنِ مَقامَ شَهادَةِ الرَّجُلِ، ويَقَعُ مِن العِلْمِ أوْ الظَّنِّ الغالِبِ بِشَهادَتِهِما ما يَقَعُ بِشَهادَةِ الرَّجُلِ الواحِدِ، وأمّا الدِّيَةُ فَلَمّا كانَتْ المَرْأةُ أنْقَصُ مِن الرَّجُلِ، والرَّجُلُ أنْفَعُ مِنها، ويَسُدُّ ما لا تَسُدُّهُ المَرْأةُ مِن المَناصِبِ الدِّينِيَّةِ والوِلاياتِ وحِفْظِ الثُّغُورِ والجِهادِ وعِمارَةِ الأرْضِ وعَمَلِ الصَّنائِعِ الَّتِي لا تَتِمُّ مَصالِحُ العالَمِ إلّا بِها والذَّبِّ عَنْ الدُّنْيا والدِّينِ لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهُما مَعَ ذَلِكَ مُتَساوِيَةً وهي الدِّيَةُ؛ فَإنَّ دِيَةَ الحُرِّ جارِيَةٌ مَجْرى قِيمَةِ العَبْدِ وغَيْرِهِ مِن الأمْوالِ، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشّارِعِ أنْ جَعَلَ قِيمَتَها عَلى النِّصْفِ مِن قِيمَتِهِ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَهُما.

فَإنْ قِيلَ: لَكِنَّكم نَقَضْتُمْ هَذا فَجَعَلْتُمْ دِيَتَهُما سَواءٌ فِيما دُونَ الثُّلُثِ.

قِيلَ: لا رَيْبَ أنَّ السُّنَّةَ ورَدَتْ بِذَلِكَ، كَما رَواهُ النَّسائِيّ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَقْلُ المَرْأةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتّى تَبْلُغَ الثُّلُثَ مِن دِيَتِها».

وَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: إنّ ذَلِكَ مِن السُّنَّةِ، وإنْ خالَفَ فِيهِ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ واللَّيْثُ والثَّوْرِيُّ وجَماعَةٌ، وقالُوا: هي عَلى النِّصْفِ في القَلِيلِ والكَثِيرِ، ولَكِنَّ السُّنَّةَ أوْلى، والفَرْقُ فِيما دُونَ الثُّلُثِ وما زادَ عَلَيْهِ أنَّ ما دُونَهُ قَلِيلٌ، فَجُبِرَتْ مُصِيبَةُ المَرْأةِ فِيهِ بِمُساواتِها لِلرَّجُلِ، ولِهَذا اسْتَوى الجَنِينُ الذَّكَرُ والأُنْثى في الدِّيَةِ لِقِلَّةِ دِيَتِهِ، وهي الغُرَّةُ، فَنَزَلَ ما دُونَ الثُّلُثِ مَنزِلَةَ الجَنِينِ.

وَأمّا المِيراثُ فَحِكْمَةُ التَّفْضِيلِ فِيهِ ظاهِرَةٌ؛ فَإنَّ الذَّكَرَ أحْوَجُ إلى المالِ مِن الأُنْثى؛ لِأنَّ الرِّجالَ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ، والذَّكَرُ أنْفَعُ لِلْمَيِّتِ في حَياتِهِ مِن الأُنْثى. وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ أنْ فَرَضَ الفَرائِضَ وفاوَتَ بَيْنَ مَقادِيرِها ﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] وإذا كانَ الذَّكَرُ أنْفَعُ مِن الأُنْثى وأحْوَجُ كانَ أحَقَّ بِالتَّفْضِيلِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَذا يُنْتَقَضُ بِوَلَدِ الأُمِّ. قِيلَ: بَلْ طَرْدُ هَذِهِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ولَدِ الأُمِّ ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَإنَّهم إنّما يَرِثُونَ بِالرَّحِمِ المُجَرَّدِ، فالقَرابَةُ الَّتِي يَرِثُونَ بِها قَرابَةَ أُنْثى فَقَطْ، وهم فِيها سَواءٌ؛ فَلا مَعْنى لِتَفْضِيلِ ذَكَرِهِمْ عَلى أُنْثاهُمْ، بِخِلافِ قَرابَةِ الأبِ. وأمّا العَقِيقَةُ فَأمْرُ التَّفْضِيلِ فِيها تابِعٌ لِشَرَفِ الذَّكَرِ، وما مَيَّزَهُ اللَّهُ بِهِ عَلى الأُنْثى، ولَمّا كانَتْ النِّعْمَةُ بِهِ عَلى الوالِدِ أتَمَّ، والسُّرُورُ والفَرْحَةُ بِهِ أكْمَلَ؛ كانَ الشُّكْرانُ عَلَيْهِ أكْثَرَ؛ فَإنَّهُ كُلَّما كَثُرَتْ النِّعْمَةُ كانَ شُكْرُها أكْثَرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском