Ibn al-QayyimAl‑Baqarah · 2:234–254

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:234–254

2:234Page 38

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٣٤

And those who are taken in death among you and leave wives behind - they, [the wives, shall] wait four months and ten [days]. And when they have fulfilled their term, then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable manner.1 And Allāh is [fully] Aware of what you do.

(فائدة)

ربما يظن بعض الناس أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر ليال فإذا طلع فجر الليلة العاشرة انقضت العدة.

ووقع في التنبيه: "وإن كانت أمة اعتدت بشهرين وخمس ليال" ويقوي هذا الوهم حذف التاء من العشر وإنما يحذف مع المؤمن نحو سبع ليال وثمانية أيام.

وجواب هذا أن المعدود إذا ذكر مع عدده فالأمر كما ذكر تحذف التاء مع المؤنث وتثبت مع المذكر وإذا ذكر العدد دون معدوده المذكر جاز فيه الوجهان حذف التاء وذكرها حكاه الفراء وابن السكيت وغيرهما وعلي هذا جاء قوله: "من صام رمضان واتبعه بست من شوال" ولم يقل: "بستة" وقوله تعالى: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلاّ عَشْرًا﴾ فهذه أيام بدليل ما بعدها وعلى هذا فلا تنقضي العدة حتى تغيب شمس اليوم العاشر وما وقع في التنبيه فغلط والله تعالى أعلم. ووقع له هذا في باب العدد وباب الاستبراء.

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في وُجُوبِ إحْدادِ المَرْأةِ عَلى زَوْجِها أكْثَرَ مِمّا تَحُدُّ عَلى أبِيها]

وَأمّا قَوْلُهُ: " ومَنعُ المَرْأةِ مِن الإحْدادِ عَلى أُمِّها وأبِيها فَوْقَ ثَلاثٍ، وأوْجَبَهُ عَلى زَوْجِها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا وهو أجْنَبِيٌّ " فَيُقالُ: هَذا مِن تَمامِ مَحاسِنِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وحِكْمَتِها ورِعايَتِها لِمَصالِحِ العِبادِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ؛ فَإنَّ الإحْدادَ عَلى المَيِّتِ مِن تَعْظِيمِ مُصِيبَةِ المَوْتِ الَّتِي كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُبالِغُونَ فِيها أعْظَمَ مُبالَغَةٍ، ويُضِيفُونَ إلى ذَلِكَ شَقَّ الجُيُوبِ، ولَطْمَ الخُدُودِ، وحَلْقَ الشُّعُورِ، والدُّعاءَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ، وتَمْكُثُ المَرْأةُ سَنَةً في أضْيَقِ بَيْتٍ وأوْحَشْهُ لا تَمَسُّ طِيبًا ولا تَدْهُنُ ولا تَغْتَسِلُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو تَسَخُّطٌ عَلى الرَّبِّ تَعالى وأقْدارِهِ، فَأبْطَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِرَحْمَتِهِ ورَأْفَتِهِ سُنَّةَ الجاهِلِيَّةِ، وأبْدَلَنا بِها الصَّبْرَ والحَمْدَ والِاسْتِرْجاعَ الَّذِي هو أنْفَعُ لِلْمُصابِ في عاجِلَتِهِ وآجِلَتِهِ؛ ولَمّا كانَتْ مُصِيبَةُ المَوْتِ لا بُدَّ أنْ تُحْدِثُ لِلْمُصابِ مِن الجَزَعِ والألَمِ والحُزْنِ ما تَتَقاضاهُ الطِّباعُ سَمَحَ لَها الحَكِيمُ الخَبِيرُ في اليَسِيرِ مِن ذَلِكَ، وهو ثَلاثَةُ أيّامٍ تَجِدُ بِها نَوْعَ راحَةٍ وتَقْضِي بِها وطَرًا مِن الحُزْنِ، كَما رَخَّصَ لِلْمُهاجِرِ أنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضاءِ نُسُكِهِ ثَلاثًا، وما زادَ عَلى الثَّلاثِ فَمَفْسَدَتُهُ راجِحَةٌ، فَمَنَعَ مِنهُ، بِخِلافِ مَفْسَدَةِ الثَّلاثِ فَإنَّها مَرْجُوحَةٌ مَغْمُورَةٌ بِمَصْلَحَتِها، فَإنَّ فِطامَ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفاتِها بِالكُلِّيَّةِ مِن أشَقِّ الأُمُورِ عَلَيْها، فَأُعْطِيَتْ بَعْضَ الشَّيْءِ لِيَسْهُلَ عَلَيْها تَرْكُ الباقِي، فَإنَّ النَّفْسَ إذا أخَذَتْ بَعْضَ مُرادِها قَنَعَتْ بِهِ، فَإذا سُئِلَتْ تَرْكَ الباقِي كانَتْ إجابَتُها إلَيْهِ أقْرَبَ مِن إجابَتِها لَوْ حُرِّمَتْ بِالكُلِّيَّةِ.

وَمَن تَأمَّلَ أسْرارَ الشَّرِيعَةِ وتَدَبَّرَ حُكْمَها رَأى ذَلِكَ ظاهِرًا عَلى صَفَحاتِ أوامِرِها ونَواهِيها، بادِيًا لِمَن نَظَرُهُ نافِذٌ؛ فَإذا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا عَوَّضَهم عَنْهُ بِما هو خَيْرٌ لَهم مِنهُ وأنْفَعُ، وأباحَ لَهم مِنهُ ما تَدْعُو حاجَتُهم إلَيْهِ لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ، كَما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وأباحَ لَهم مِنهُ العَرايا، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ النَّظَرَ إلى الأجْنَبِيَّةِ، وأباحَ لَهم مِنهُ نَظَرَ الخاطِبِ والمُعامِلِ والطَّبِيبِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أكْلَ المالِ بِالمُغالَباتِ الباطِلَةِ كالنَّرْدِ والشِّطْرَنْجِ وغَيْرِهِما، وأباحَ لَهم أكْلَهُ بِالمُغالَباتِ النّافِعَةِ كالمُسابَقَةِ والنِّضالِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ لِباسَ الحَرِيرِ، وأباحَ لَهم مِنهُ اليَسِيرَ الَّذِي تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ كَسْبَ المالِ بِرِبا النَّسِيئَةِ، وأباحَ لَهم كَسْبَهُ بِالسَّلَمِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ في الصِّيامِ وطْءَ نِسائِهِمْ وعَوَّضَهم عَنْ ذَلِكَ بِأنْ أباحَهُ لَهم لَيْلًا؛ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ بِالنَّهارِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الزِّنا وعَوَّضَهم بِأخْذِ ثانِيَةٍ وثالِثَةٍ ورابِعَةٍ ومِن الإماءِ ما شاءُوا؛ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ غايَةَ التَّسْهِيلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ وعَوَّضَهم عَنْهُ بِالِاسْتِخارَةِ ودُعائِها ويا بُعْدَ ما بَيْنَهُما، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ نِكاحَ أقارِبِهِمْ وأباحَ لَهم مِنهُ بَناتَ العَمِّ والعَمَّةِ والخالِ والخالَةِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ وطْءَ الحائِضِ وسَمَحَ لَهم في مُباشَرَتِها وأنْ يَصْنَعُوا بِها كُلَّ شَيْءٍ إلّا الوَطْءَ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ غايَةَ السُّهُولَةِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الكَذِبَ وأباحَ لَهم المَعارِيضَ الَّتِي لا يُحْتاجُ مِن عُرْفِها إلى الكَذِبِ مَعَها ألْبَتَّةَ، وأشارَ إلى هَذا ﷺ بِقَوْلِهِ: «إنّ في المَعارِيضِ مَندُوحَةً عَنْ الكَذِبِ» وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الخُيَلاءَ بِالقَوْلِ والفِعْلِ وأباحَها لَهم في الحَرْبِ لِما فِيها مِن المَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ المُوافِقَةِ لِمَقْصُودِ الجِهادِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِن الطَّيْرِ وعَوَّضَهم عَنْ ذَلِكَ بِسائِرِ أنْواعِ الوُحُوشِ والطَّيْرِ عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها وأنْواعِها، وبِالجُمْلَةِ فَما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ خَبِيثًا ولا ضارًّا إلّا أباحَ لَهم طَيِّبًا بِإزائِهِ أنْفَعَ لَهم مِنهُ، ولا أمَرَهم بِأمْرٍ إلّا وأعانَهم عَلَيْهِ فَوَسِعَتْهم رَحْمَتُهُ ووَسِعَهم تَكْلِيفُهُ.

والمَقْصُودُ أنَّهُ أباحَ لِلنِّساءِ - لِضَعْفِ عُقُولِهِنَّ وقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ - الإحْدادَ عَلى مَوْتاهُنَّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وأمّا الإحْدادُ عَلى الزَّوْجِ فَإنَّهُ تابِعٌ لِلْعِدَّةِ وهو مِن مُقْتَضَياتِها ومُكَمِّلاتِها، فَإنَّ المَرْأةَ إنّما تَحْتاجُ إلى التَّزَيُّنِ والتَّجَمُّلِ والتَّعَطُّرِ، لِتَتَحَبَّبَ إلى زَوْجِها، وتَرِدُ لَها نَفْسُهُ، ويَحْسُنُ ما بَيْنَهُما مِن العِشْرَةِ، فَإذا ماتَ الزَّوْجُ واعْتَدَّتْ مِنهُ وهي لَمْ تَصِلْ إلى زَوْجٍ آخَرَ، فاقْتَضى تَمامَ حَقِّ الأوَّلِ وتَأْكِيدَ المَنعِ مِن الثّانِي قَبْلَ بُلُوغِ الكِتابِ أجَلَهُ أنْ تُمْنَعَ مِمّا تَصْنَعُهُ النِّساءُ لِأزْواجِهِنَّ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن سَدِّ الذَّرِيعَةِ إلى طَمَعِها في الرِّجالِ وطَمَعِهِمْ فِيها بِالزِّينَةِ والخِضابِ والتَّطَيُّبِ، فَإذا بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ صارَتْ مُحْتاجَةً إلى ما يَرْغَبُ في نِكاحِها، فَأُبِيحَ لَها مِن ذَلِكَ ما يُباحُ لِذاتِ الزَّوْجِ، فَلا شَيْءَ أبْلَغَ في الحُسْنِ مِن هَذا المَنعِ والإباحَةِ، ولَوْ اقْتَرَحَتْ عُقُولُ العالَمِينَ لَمْ تَقْتَرِحْ شَيْئًا أحْسَنَ مِنهُ.

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ عِدَّةِ المَوْتِ والطَّلاقِ]

وَأمّا تَفْرِيقُهُ في العِدَّةِ بَيْنَ المَوْتِ والطَّلاقِ، وعِدَّةِ الحُرَّةِ وعِدَّةِ الأمَةِ، وبَيْنَ الِاسْتِبْراءِ والعِدَّةِ، مَعَ أنَّ المَقْصُودَ العِلْمُ بِبَراءَةِ الرَّحِمِ في ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَذا إنّما يَتَبَيَّنُ وجْهُهُ إذا عُرِفَتْ الحِكْمَةُ الَّتِي لِأجْلِها شُرِعَتْ العِدَّةُ وعُرِفَ أجْناسُ العِدَدِ وأنْواعُها.

فَأمّا المَقامُ الأوَّلُ فَفي شَرْعِ العِدَّةِ عِدَّةُ حِكَمٍ: مِنها العِلْمُ بِبَراءَةِ الرَّحِمِ، وأنْ لا يَجْتَمِعَ ماءُ الواطِئَيْنِ فَأكْثَرُ في رَحِمٍ واحِدٍ، فَتَخْتَلِطُ الأنْسابُ وتَفْسُدُ وفي ذَلِكَ مِن الفَسادِ ما تَمْنَعُهُ الشَّرِيعَةُ والحِكْمَةُ.

وَمِنها تَعْظِيمُ خَطَرِ هَذا العَقْدِ، ورَفْعُ قَدْرِهِ، وإظْهارُ شَرَفِهِ.

وَمِنها تَطْوِيلُ زَمانِ الرَّجْعَةِ لِلْمُطْلَقِ؛ إذْ لَعَلَّهُ أنْ يَنْدَمَ ويَفِيءَ فَيُصادِفُ زَمَنًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِن الرَّجْعَةِ.

وَمِنها قَضاءُ حَقِّ الزَّوْجِ، وإظْهارُ تَأْثِيرِ فَقْدِهِ في المَنعِ مِن التَّزَيُّنِ والتَّجَمُّلِ، ولِذَلِكَ شَرَعَ الإحْدادَ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِن الإحْدادِ عَلى الوالِدِ والوَلَدِ.

وَمِنها الِاحْتِياطُ لِحَقِّ الزَّوْجِ، ومَصْلَحَةِ الزَّوْجَةِ، وحَقِّ الوَلَدِ، والقِيامِ بِحَقِّ اللَّهِ الَّذِي أوْجَبَهُ؛ فَفي العِدَّةِ أرْبَعَةُ حُقُوقٍ، وقَدْ أقامَ الشّارِعُ المَوْتَ مَقامَ الدُّخُولِ في اسْتِيفاءِ المَعْقُودِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ النِّكاحَ مُدَّتُهُ العُمْرُ، ولِهَذا أُقِيمُ مَقامَ الدُّخُولِ في تَكْمِيلِ الصَّداقِ، وفي تَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن الصَّحابَةِ ومِن بَعْدِهِمْ كَما هو مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وأحْمَدَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ؛ فَلَيْسَ المَقْصُودُ مِن العِدَّةِ مُجَرَّدُ بَراءَةِ الرَّحِمِ، بَلْ ذَلِكَ مِن بَعْضِ مَقاصِدِها وحِكَمِها.

المَقامُ الثّانِي في أجْناسِها، وهي أرْبَعَةٌ في كِتابِ اللَّهِ، وخامِسٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: الجِنْسُ الأوَّلُ: أُمُّ بابِ العِدَّةِ، ﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]

الثّانِي: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]

الثّالِثُ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]

الرّابِعُ: ﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِسائِكم إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]

الخامِسُ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:

«لا تُوطَأُ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ، ولا حائِلٌ حَتّى تَسْتَبْرِئَ بِحَيْضَةٍ»

وَمُقَدَّمُ هَذِهِ الأجْناسِ كُلِّها الحاكِمُ عَلَيْها كُلِّها وضْعُ الحَمْلِ، فَإذا وُجِدَ فالحُكْمُ لَهُ، ولا التِفاتَ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ كانَ بَيْنَ السَّلَفِ نِزاعٌ في المُتَوَفّى عَنْها أنَّها تَتَرَبَّصُ أبْعَدَ الأجَلَيْنِ، ثَمَّ حَصَلَ الِاتِّفاقُ عَلى انْقِضائِها بِوَضْعِ الحَمْلِ؛ وأمّا عِدَّةُ الوَفاةِ فَتَجِبُ بِالمَوْتِ، سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ عُمُومُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ واتِّفاقُ النّاسِ؛ فَإنَّ المَوْتَ لَمّا كانَ انْتِهاءَ العَقْدِ وانْقِضاءَهُ اسْتَقَرَّتْ بِهِ الأحْكامُ: مِن التَّوارُثِ، واسْتِحْقاقِ المَهْرِ، ولَيْسَ المَقْصُودُ بِالعِدَّةِ ها هُنا مُجَرَّدَ اسْتِبْراءِ الرَّحِمِ كَما ظَنَّهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ؛ لِوُجُوبِها قَبْلَ الدُّخُولِ، ولِحُصُولِ الِاسْتِبْراءِ بِحَيْضَةٍ واحِدَةٍ، ولِاسْتِواءِ الصَّغِيرَةِ والآيِسَةِ وذَواتِ القُرُوءِ في مُدَّتِها، فَلَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ قالَتْ طائِفَةٌ: هي تَعَبُّدٌ مَحْضٌ لا يُعْقَلُ مَعْناهُ، وهَذا باطِلٌ لِوُجُوهٍ:

مِنها: أنَّهُ لَيْسَ في الشَّرِيعَةِ حُكْمٌ واحِدٌ إلّا ولَهُ مَعْنًى وحِكْمَةٌ يَعْقِلُهُ مَن عَقَلَهُ ويَخْفى عَلى مَن خَفِيَ عَلَيْهِ.

وَمِنها: أنَّ العِدَدَ لَيْسَتْ مِن بابِ العِباداتِ المَحْضَةِ؛ فَإنَّها تَجِبُ في حَقِّ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ والعاقِلَةِ والمَجْنُونَةِ والمُسْلِمَةِ والذِّمِّيَّةِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى نِيَّةٍ.

وَمِنها: أنَّ رِعايَةَ حَقِّ الزَّوْجَيْنِ والوَلَدِ والزَّوْجِ الثّانِي ظاهِرٌ فِيها؛ فالصَّوابُ أنْ يُقالَ: هي حَرِيمٌ لِانْقِضاءِ النِّكاحِ لَمّا كَمُلَ، ولِهَذا تَجِدُ فِيها رِعايَةً لِحَقِّ الزَّوْجِ وحُرْمَةً لَهُ، ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مِن احْتِرامِهِ ورِعايَةِ حُقُوقِهِ تَحْرِيمُ نِسائِهِ بَعْدَهُ، ولَمّا كانَتْ نِساؤُهُ في الدُّنْيا هُنَّ نِساؤُهُ في الآخِرَةِ قَطْعًا، لَمْ يَحِلَّ لِأحَدٍ أنْ يَتَزَوَّجَ بِهِنَّ بَعْدَهُ، بِخِلافِ غَيْرِهِ؛ فَإنَّ هَذا لَيْسَ مَعْلُومًا في حَقِّهِ، فَلَوْ حُرِّمَتْ المَرْأةُ عَلى غَيْرِهِ لَتَضَرَّرَتْ ضَرَرًا مُحَقَّقًا بِغَيْرِ نَفْعٍ مَعْلُومٍ، ولَكِنْ لَوْ تَأيَّمَتْ عَلى أوْلادِها كانَتْ مَحْمُودَةً عَلى ذَلِكَ.

وَقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُبالِغُونَ في احْتِرامِ حَقِّ الزَّوْجِ وتَعْظِيمِ حَرِيمِ هَذا العَقْدِ غايَةَ المُبالَغَةِ مِن تَرَبُّصِ سَنَةٍ في شَرِّ ثِيابِها وحَفْشِ بَيْتِها، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهم ذَلِكَ بِشَرِيعَتِهِ الَّتِي جَعَلَها رَحْمَةً وحِكْمَةً ومَصْلَحَةً ونِعْمَةً، بَلْ هي مِن أجْلِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ عَلى الإطْلاقِ، فَلَهُ الحَمْدُ كَما هو أهْلُهُ.

وَكانَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؛ إذْ لا بُدَّ مِن مُدَّةٍ مَضْرُوبَةٍ لَها، وأوْلى المُدَدِ بِذَلِكَ المُدَّةُ الَّتِي يُعْلَمُ فِيها بِوُجُودِ الوَلَدِ وعَدَمِهِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ أرْبَعِينَ عَلَقَةً، ثُمَّ أرْبَعِينَ مُضْغَةً فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ في الطَّوْرِ الرّابِعِ، فَقُدِّرَ بِعَشَرَةِ أيّامٍ لِتَظْهَرَ حَياتُهُ بِالحَرَكَةِ إنْ كانَ ثَمَّ حَمْلٌ.

2:235Page 38

وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ٢٣٥

There is no blame upon you for that to which you [indirectly] allude concerning a proposal to women or for what you conceal within yourselves. Allāh knows that you will have them in mind. But do not promise them secretly except for saying a proper saying. And do not determine to undertake a marriage contract until the decreed period1 reaches its end. And know that Allāh knows what is within yourselves, so beware of Him. And know that Allāh is Forgiving and Forbearing.

لما ذكر سبحانه التعريض بخطبة المرأة الدال على أن المعرّض في قلبه رغبة فيها ومحبة لها، وأن ذلك يحمله على الكلام الذي يتوصل به إلى نكاحها، رفع الجناح عن التعريض، وانطواء القلب على ما فيه من الميل والمحبة، ونفي مواعدتهن سرا.

فقيل: هو النكاح. والمعنى: لا تصرحوا لهن بالتزويج، إلا أن تعرّضوا تعريضا. وهو القول المعروف.

وقيل: هو أن يتزوجها في عدتها سرا. فإذا انقضت العدة أظهر العقد. ويدل هذا على قوله: ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ وهو انقضاء العدة. ومن رجح القول الأول قال: دلت الآية على إباحة التعريض بنفي الجناح، وتحريم التصريح بالنهي عن المواعدة سرا، وتحريم عقد النكاح قبل انقضاء العدة. فلو كان معنى مواعدة السر: هو إسرار العقد. كان تكرارا.

ثم عقب ذلك بقوله: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ أن تتعدوا ما حدّ لكم. فإنه مطلع على ما تسرون وما تعلنون.

ثم قال: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ولولا مغفرته وحلمه لعنتم غاية العنت، فإنه سبحانه مطلع عليكم، يعلم ما في قلوبكم، ويعلم ما تعملون، فإن وقعتم في شيء فما نهاكم عنه فبادروا إليه بالتوبة والاستغفار. فإنه هو الغفور الحليم.

(فَصْلٌ: مَنزِلَةُ المُراقَبَةِ)

وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ المُراقَبَةُ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤]، وقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]، وقالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أنَّهُ «سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإحْسانِ؟ فَقالَ لَهُ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ».

المُراقَبَةُ تَعْرِيفُها: دَوامُ عِلْمِ العَبْدِ، وتَيَقُّنِهِ بِاطِّلاعِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. فاسْتَدامَتُهُ لِهَذا العِلْمِ واليَقِينِ هي المُراقَبَةُ وهي ثَمَرَةُ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَقِيبٌ عَلَيْهِ، ناظِرٌ إلَيْهِ، سامِعٌ لِقَوْلِهِ. وهو مُطَّلِعٌ عَلى عَمَلِهِ كُلَّ وقْتٍ وكُلَّ لَحْظَةٍ، وكُلَّ نَفَسٍ وكُلَّ طَرْفَةِ عَيْنٍ. والغافِلُ عَنْ هَذا بِمَعْزِلٍ عَنْ حالِ أهْلِ البِداياتِ. فَكَيْفَ بِحالِ المُرِيدِينَ؟ فَكَيْفَ بِحالِ العارِفِينَ؟

قالَ الجَرِيرِيُّ: مَن لَمْ يُحَكِّمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى التَّقْوى والمُراقَبَةَ: لَمْ يَصِلْ إلى الكَشْفِ والمُشاهَدَةِ

وَقِيلَ: مَن راقَبَ اللَّهَ في خَواطِرِهِ، عَصَمَهُ في حَرَكاتِ جَوارِحِهِ.

وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: مَتى يَهُشُّ الرّاعِي غَنَمَهُ بِعَصاهُ عَنْ مَراتِعَ الهَلَكَةِ؟ فَقالَ: إذا عَلِمَ أنَّ عَلَيْهِ رَقِيبًا.

وَقالَ الجُنَيْدُ: مَن تَحَقَّقَ في المُراقَبَةِ خافَ عَلى فَواتِ لَحْظَةٍ مِن رَبِّهِ لا غَيْرَ.

وَقالَ ذُو النُّونِ: عَلامَةُ المُراقَبَةِ إيثارُ ما أنْزَلَ اللَّهُ، وتَعْظِيمُ ما عَظَّمَ اللَّهُ، وتَصْغِيرُ ما

صَغَّرَ اللَّهُ.

وَقِيلَ: الرَّجاءُ يُحَرِّكُ إلى الطّاعَةِ، والخَوْفُ يُبْعِدُ عَنِ المَعاصِي، والمُراقَبَةُ تُؤَدِّيكَ إلى طَرِيقِ الحَقائِقِ.

وَقِيلَ: المُراقَبَةُ مُراعاةُ القَلْبِ لِمُلاحَظَةِ الحَقِّ مَعَ كُلِّ خَطْرَةٍ وخُطْوَةٍ.

وَقالَ الجَرِيرِيُّ: أمْرُنا هَذا مَبْنِيٌّ عَلى فَصْلَيْنِ: أنْ تُلْزِمَ نَفْسَكَ المُراقَبَةَ لِلَّهِ، وأنْ يَكُونَ العِلْمُ عَلى ظاهِرِكَ قائِمًا.

وَقالَ إبْراهِيمُ الخَوّاصُ: المُراقَبَةُ خُلُوصُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَقِيلَ: أفْضَلُ ما يُلْزِمُ الإنْسانُ نَفْسَهُ في هَذِهِ الطَّرِيقِ: المُحاسَبَةُ والمُراقَبَةُ، وسِياسَةُ عَمَلِهِ بِالعِلْمِ.

وَقالَ أبُو حَفْصٍ لِ أبِي عُثْمانَ النَّيْسابُورِيِّ: إذا جَلَسْتَ لِلنّاسِ فَكُنْ واعِظًا لِقَلْبِكَ ونَفْسِكَ. ولا يَغُرَّنَّكَ اجْتِماعُهم عَلَيْكَ. فَإنَّهم يُراقِبُونَ ظاهِرَكَ. واللَّهُ يُراقِبُ باطِنَكَ.

وَأرْبابُ الطَّرِيقِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ مُراقَبَةَ اللَّهِ تَعالى في الخَواطِرِ: سَبَبٌ لِحِفْظِها في حَرَكاتِ الظَّواهِرِ. فَمَن راقَبَ اللَّهَ في سِرِّهِ، حَفِظَهُ اللَّهُ في حَرَكاتِهِ في سِرِّهِ وعَلانِيَتِهِ.

والمُراقَبَةُ هي التَّعَبُّدُ بِاسْمِهِ الرَّقِيبِ، الحَفِيظِ، العَلِيمِ، السَّمِيعِ، البَصِيرِ، فَمَن عَقَلَ هَذِهِ الأسْماءَ، وتَعَبَّدَ بِمُقْتَضاها: حَصَلَتْ لَهُ المُراقَبَةُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

2:236Page 38

لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٣٦

There is no blame upon you if you divorce women you have not touched1 nor specified for them an obligation.2 But give them [a gift of] compensation - the wealthy according to his capability and the poor according to his capability - a provision according to what is acceptable, a duty upon the doers of good.

No commentary for this ayah

2:237Page 38

وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٣٧

And if you divorce them before you have touched them and you have already specified for them an obligation, then [give] half of what you specified - unless they forego the right or the one in whose hand is the marriage contract foregoes it. And to forego it is nearer to righteousness. And do not forget graciousness between you. Indeed Allāh, of whatever you do, is Seeing.

﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ هو الزوج، وقد قال قوم هو الولي فإذا عفا الرجل أعطاها المهر كاملا ﴿أنْ يَعْفُونَ﴾

قال الإمام أحمد: "تكون المرأة تترك للزوج ما عليه فتكون قد عفت".

قلت: ونص أحمد في رواية أخرى أنه الأب وهو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.

وقد ذكرت على رجحانه بضعة عشر دليلا في موضع آخر.

2:238Page 39

حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨

Maintain with care the [obligatory] prayers and [in particular] the middle [i.e., ʿaṣr] prayer and stand before Allāh, devoutly obedient.

الناس في الصلاة على مراتب خمسة:

أحدها: مرتبة الظالم لنفسه المفرط وهو الذي انتقص من وضوئها ومواقيتها وحدودها وأركانها.

الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها، لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة فذهب مع الوساوس والأفكار.

الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد.

الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئًا منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي وإكمالها واتمامها، قد استغرق قلب شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها.

الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ناظرًا بقبله إليه مراقبًا له ممتلئًا من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطوات وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل قرير العين به.

فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب من ربه لأن له نصيبًا ممن جعلت قرة عينه في الصلاة، فمن قرت عينه بصلاته في الدنيا قرت عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة، وقرت عينه أيضًا به في

الدنيا، ومن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تعالى تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، وقد روي أن العبد إذا قام يصلي قال الله عز وجل: (ارفعوا الحجب، فإذا التفت قال أرخوها)، وقد فسر هذا الالتفات بالتفات القلب عن الله عز وجل إلى غيره، فإذا التفت إلى غيره، أرخى الحجاب بينه وبين العبد فدخل الشيطان وعرض عليه أمور الدنيا وأراه إياها في صورة المرآة، وإذا أقبل بقلبه على الله ولم يلتفت لم يقدر الشيطان على أن يتوسط بين الله تعالى وبين ذلك القلب، وإنما يدخل الشيطان إذا وقع الحجاب، فإن فر إلى الله تعالى وأحضر قلبه فر الشيطان، فإن التفت حضر الشيطان، فهو هكذا شأنه وشأن عدوه في الصلاة.

فإن قيل: فأي فائدة في تخصيص صلاة العصر بكونها محبطة دون غيرها من الصلوات؟

قيل: الحديث لم ينف الحبوط بغير العصر إلا بمفهوم لقب وهو مفهوم ضعيف جدا وتخصيص العصر بالذكر لشرفها من بين الصلوات ولهذا كانت هي الصلاة الوسطى بنص رسول الله ﷺ الصحيح الصريح.

ولهذا خصها بالذكر في الحديث الآخر وهو قوله: " الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله".

أي فكأنما سلب أهله وماله فأصبح بلا أهل ولا مال، وهذا تمثيل لحبوط عمله بتركها، كأنه شبه أعماله الصالحة بانتفاعه وتمتعه بها بمنزلة أهله وماله فإذا ترك صلاة العصر فهو كمن له أهل ومال فخرج من بيته لحاجة وفيه أهله وماله فرجع وقد احتيج الأهل والمال فبقي وترا دونهم وموتورا بفقدهم عليه أعماله الصالحة لم يكن التمثيل مطابقا.

2:239Page 39

فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ٢٣٩

And if you fear [an enemy, then pray] on foot or riding. But when you are secure, then remember Allāh [in prayer], as He has taught you that which you did not [previously] know.

No commentary for this ayah

2:240Page 39

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٤٠

And those who are taken in death among you and leave wives behind - for their wives is a bequest: maintenance for one year without turning [them] out. But if they leave [of their own accord], then there is no blame upon you for what they do with themselves in an acceptable way.1 And Allāh is Exalted in Might and Wise.

No commentary for this ayah

2:241Page 39

وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٤١

And for divorced women is a provision according to what is acceptable - a duty upon the righteous.

No commentary for this ayah

2:242Page 39

كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٤٢

Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., laws] that you might use reason.

No commentary for this ayah

2:243Page 39

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٢٤٣

Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allāh said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of the people do not show gratitude.

No commentary for this ayah

2:244Page 39

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤

And fight in the cause of Allāh and know that Allāh is Hearing and Knowing.

No commentary for this ayah

2:245Page 39

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allāh who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.

وقوله: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾.

صدر سبحانه الآية بألطف أنواع الخطاب، وهو الاستفهام المتضمن معنى الطلب، وهو أبلغ في الطلب من صيغة الأمر.

والمعنى: هل أحد يبذل هذا القرض الحسن، فيجازي عليه أضعافا مضاعفة؟

وسمي ذلك الإنفاق قرضا حسنا حثّا للنفوس، وبعثا لها على البذل. لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوّعت له نفسه، وسهل عليه إخراجه. فإن علم أن المستقرض ملئ وفيّ محسن، كان أبلغ في طيب فعله وسماحة نفسه.

فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه، وينميه له ويثمّره حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح.

فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجرا آخر من غير جنس القرض، فإن ذلك الأجر حظ عظيم، وعطاء كريم، فإنه لا يختلف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل والشح، أو عدم الثقة بالضمان.

وذلك من ضعف إيمانه. ولهذا كانت الصدقة برهانا لصاحبها.

وهذه الأمور كلها تحت هذه الألفاظ التي تضمنتها الآية، فإنه سماه قرضا وأخبر أنه هو المقترض لا قرض حاجة، ولكن قرض إحسان إلى المقرض واستدعاء لمعاملته، وليعرف مقدار الربح، فهو الذي أعطاه ماله واستدعى منه معاملته به.

ثم أخبر عما يرجع إليه بالقرض، وهو الأضعاف المضاعفة.

ثم أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة، وهو الأجر الكريم.

وحيث جاء هذا القرض في القرآن قيده بكونه حسنا. وذلك يجمع أمورا ثلاثة.

أحدها: أن يكون من طيب ماله، لا من رديئه وخبيثة.

والثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه، ثابتة عند بذله، ابتغاء مرضاة الله.

الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذى.

فالأول يتعلق بالمال. والثاني يتعلق بالمنفق بينه وبين الله. والثالث بينه وبين الآخذ.

2:246Page 40

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦

Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

No commentary for this ayah

2:247Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧

And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."

No commentary for this ayah

2:248Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨

And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance1 from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."

No commentary for this ayah

2:249Page 41

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩

And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."

No commentary for this ayah

2:250Page 41

وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠

And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

فالصبر وثبات الأقدام فعلان اختياريان، ولكن التصبير والتثبيت فعل الرب تعالى وهو المسؤول، والصبر والثبات فعلهم القائم بهم حقيقة.

(فائدة)

﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ففي الآية أربعة أدلة:

أحدها: قولهم: ﴿أفرغ علينا صبرا﴾ والصبر فعلهم الاختياري فسألوه ممن هو بيده ومشيئته وإذنه إن شاء أعطاهموه وإن شاء منعهموه.

والثاني: قولهم: ﴿وَثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ وثبات الأقدام فعل اختياري ولكن التثبيت فعله والثبات فعلهم ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله.

الثالث: قولهم: ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فسألوه النصر وذلك بأن يقوي عزائمهم ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم ويلقي في قلوب أعداهم الخور والخوف والرعب فيحصل النصر وأيضا فإن كون الإنسان منصورا على غيره إما أن يكون بأفعال الجوارح وهو واقع بقدرة العبد واختياره وأما أن يكون بالحجة والبيان والعلم وذلك أيضا فعل العبد وقد أخبر سبحانه أن النصر بجملته من عنده وأثنى على من طلبه منه وعند القدرية لا يدخل تحت مقدور الرب.

الرابع: قوله: ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وإذنه هاهنا هو الإذن الكوني القدري أي بمشيئته وقضائه وقدره وليس هو الإذن الشرعي الذي بمعنى الأمر فإن ذلك لا يستلزم الهزيمة بخلاف إذنه الكوني وأمره الكوني فإن المأمور المكون لا يتخلف عنه ألبتة.

2:251Page 41

فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١

So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.

No commentary for this ayah

2:252Page 41

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢

These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

No commentary for this ayah

2:253Page 42

۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.

(فصل في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم)

أعلاهم منزلة سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابن مَرْيَمَ البَيِّنات﴾

قال مجاهد وغيره: منهم من كلم الله وموسى ورفع بعضهم درجات هو محمد وفي حديث الإسراء المتفق على صحته أنه لما جاوز موسى قال رب لم أظن أن ترفع على أحد ثم علا فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز سدرة المنتهى وفي صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا على فإنه من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا إلى الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجوا أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة"

وفي صحيح مسلم من حديث المغيرة بن شيبة عن النبي ﷺ: "أن موسى سأل ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة فقال رجل يجئ بعد ما دخل أهل الجنة الجنة فيقال له ادخل الجنة فيقول رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم فيقال له أتوصي أن يكون ذلك مثل ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله فقال في الخامسة رضيت رب قال رب فأعلاهم منزلة قال أولئك الذين غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر.

وقال الترمذي حدثنا عبد بن حميد أنبأنا شبابة عن إسرائيل عن ثوير قال سمعت بن عمر يقول قال رسول الله أن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرد مسيرة ألف عام وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾

قال وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن إسرائيل عن ثوير عن ابن عمر غير مرفوع قال ورواه عبد الملك بن أبحر عن ثوير عن ابن عمر مرقوفا ورواه عبد الله الأشجعي بن سفيان عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر ونحوه ولم يرفعه

قلت ورواه الطبراني في معجمه من حديث أبي معاوية عن عبد الملك بن أبجر عن ثوير عن ابن عمر مرفوعا: "أن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفى سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه ينظر إلى أزواجه وسرره وخدمه" الحديث

ورواه أبو نعيم عن إسرائيل عن ثوير قال سمعت ابن عمر يقول قال إسرائيل لا أعلم ثويرا إلا رفعه إلى النبي ﷺ.

2:254Page 42

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤

O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском