Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:255–264
2:255Page 42
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٢٥٥
Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living,1 the Self-Sustaining.2 Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them,3 and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursī4 extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High,5 the Most Great.6
ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات وذكر معها قيوميته المقتضية لذاته وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه من النوم والسنة والعجز وغيرها ثم ذكر كمال ملكه ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ثم ذكر سعة علمه وإحاطته ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه ثم ذكر سعة كرسيه منبها به على سعته سبحانه وعظمته وعلوه وذلك توطئة بين يدي ذكر علوه وعظمته ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث ولا مشقة ولا تعب ثم ختم الآية بهذين الاسمين الجليلين الدالين على علو ذاته وعظمته في نفسه وقال في سورة طه ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وقد اختلف في تفسير الضمير في به فقيل هو الله سبحانه أي ولا يحيطون بالله علما وقيل هو ما بين أيديهم وما خلفهم فعلى الأول يرجع إلى العالم وعلى الثاني يرجع إلى المعلوم وهذا القول يستلزم الأول من غير عكس لأنهم إذا لم يحيطوا ببعض معلوماته المتعلقة بهم فأن لا يحيطوا علما به سبحانه أولى وكذلك الضمير في قوله ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِن عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يجوز أن يرجع إلى الله ويجوز أن يرجع إلى ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ أي ولا يحيطون بشيء من علم ذلك إلا بما شاء فعلى الأول يكون المصدر مضافا إلى الفاعل وعلى الثاني يكون مضافا إلى المفعول والمقصود أنه لو كان ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ إنما يراد به اتصافه بالعلم والقدرة والملك وتوابع ذلك كان تكريرا بل دون التكرير فإن ذكر ذلك مفصلا أبلغ من الدلالة عليه بما لا يفهم إلا بكلفة وكذلك إذا قيل إن علوه وعظمته مجرد كونه أعظم من مخلوقاته وأفضل منها فهذا هضم عظيم لهاتين الصفتين العظيمتين وهذا لا يليق ولا يحسن أن يذكر ويخبر به عنه إلا في معرض الرد لمن سوى بينه وبين غيره في العبادة والتأله كقوله ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩].
وقول يوسف الصديق ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩] وقوله تعالى عن السحرة إنهم قالوا لفرعون ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٣].
فهذا السياق يقال في مثله إن الله خير مما سواه من الآلهة الباطلة، وأما بعد أن يذكر أنه مالك الكائنات ويقال مع ذلك هو أفضل من مخلوقاته وأعظم من مصنوعاته فهذا ينزه عنه كلام الله وإنما يليق هذا بهؤلاء الذين يجعلون له مثل السوء في كلامه ويجعلون ظاهره كفرا تارة وضلالة تارة وتشبيها وتجسيما تارة ومخالفا لصريح العقل تارة ويحرفونه بالتحريفات الباطلة ويقولون فيه ما لا يرضى أحدهم أن يقال مثله في كلامه فيجعلون لكلامه مثل السوء كما جعلوا له سبحانه مثل السوء بإنكارهم صفات كماله وحقائق أسمائه الحسنى، ولو تأول أحد كلامهم أو كلام من يعظمونه على ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله لقامت قيامة أحدهم وإذا حقق الأمر عليهم تبين أن ما يتأولون عليه كلام الله ورسوله من التأويلات الفاسدة لا يليق حمل كلام آحاد فضلاء بني آدم عليها.
سقطت حرمة الإيمان والقرآن والرسول من قلوبهم ولهذا يصرحون بأن القرآن والسنة لا تفيدان علما ولا يقينا في هذا الباب ويقولون إن الطريقة البرهانية ليست في القرآن وإنها في منطق اليونان يوضحه
الوجه التاسع والثمانون بعد المائة: أن العظيم يوصف به الأعيان والكلام والصفات والمعاني أما الأعيان فكقوله تعالى ﴿وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [المؤمنون: ٦] وقوله ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣] وأما المعاني فكقوله تعالى ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقوله ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] فيوصف بالذوات وصفاتها وأفعالها وكل موصوف فصفته بحسبه فعظم الذات شيء وعظم صفاتها شيء، وعظم القول شيء وعظم الفعل شيء والرب تعالى له العظمة بكل اعتبار وكل وجه بذاته والمعطلة تنكر عظمة ذاته ولا يثبتون إلا عظمة معنوية لا يثبتون عظمة الذات كما يقولون مثل ذلك في العلو أنه علو
(فصل)
وَفِي تَأْثِيرِ قَوْلِهِ: «يا حَيُّ يا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ» في دَفْعِ هَذا الدّاءِ مُناسَبَةٌ بَدِيعَةٌ فَإنَّ صِفَةَ الحَياةِ مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، مُسْتَلْزِمَةٌ لَها، وصِفَةُ القَيُّومِيَّةِ مُتَضَمِّنَةٌ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأفْعالِ، ولِهَذا كانَ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى: هو اسْمُ الحَيِّ القَيُّومِ، والحَياةُ التّامَّةُ تُضادُّ جَمِيعَ الأسْقامِ والآلامِ، ولِهَذا لَمّا كَمُلَتْ حَياةُ أهْلِ الجَنَّةِ لَمْ يَلْحَقْهم هَمٌّ ولا غَمٌّ، ولا حَزَنٌ ولا شَيْءٌ مِنَ الآفاتِ. ونُقْصانُ الحَياةِ تَضُرُّ بِالأفْعالِ، وتُنافِي القَيُّومِيَّةَ، فَكَمالُ القَيُّومِيَّةِ لِكَمالِ الحَياةِ، فالحَيُّ المُطْلَقُ التّامُّ الحَياةِ لا تَفُوتُهُ صِفَةُ الكَمالِ ألْبَتَّةَ، والقَيُّومُ لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلٌ مُمْكِنٌ ألْبَتَّةَ، فالتَّوَسُّلُ بِصِفَةِ الحَياةِ القَيُّومِيَّةِ لَهُ تَأْثِيرٌ في إزالَةِ ما يُضادُّ الحَياةَ، ويَضُرُّ بِالأفْعالِ.
وَنَظِيرُ هَذا تَوَسُّلُ النَّبِيِّ ﷺ إلى رَبِّهِ بِرُبُوبِيَّتِهِ لِجِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ أنْ يَهْدِيَهُ لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، فَإنَّ حَياةَ القَلْبِ بِالهِدايَةِ، وقَدْ وكَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ الأمْلاكَ الثَّلاثَةَ بِالحَياةِ.
فَجِبْرِيلُ: مُوَكَّلٌ بِالوَحْيِ الَّذِي هو حَياةُ القُلُوبِ.
وَمِيكائِيلُ: بِالقَطْرِ الَّذِي هو حَياةُ الأبْدانِ والحَيَوانِ.
وَإسْرافِيلُ: بِالنَّفْخِ في الصُّورِ، الَّذِي هو سَبَبُ حَياةِ العالَمِ، وعَوْدِ الأرْواحِ إلى أجْسادِها.
فالتَّوَسُّلُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِرُبُوبِيَّةِ هَذِهِ الأرْواحِ العَظِيمَةِ المُوَكَّلَةِ بِالحَياةِ لَهُ تَأْثِيرٌ في حُصُولِ المَطْلُوبِ.
والمَقْصُودُ أنَّ لِاسْمِ الحَيِّ القَيُّومِ تَأْثِيرًا خاصًّا في إجابَةِ الدَّعَواتِ، وكَشْفِ الكُرُباتِ، وفي " السُّنَنِ " و" صَحِيحِ أبي حاتم " مَرْفُوعًا: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، وفاتِحَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿الم - اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾»
قالَ الترمذي: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَفِي "السُّنَنِ" و"صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ " أيْضًا: مِن حَدِيثِ أنس «أنَّ رَجُلًا دَعا،
فَقالَ: اللُّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ المَنّانُ، بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ، يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَقَدْ دَعا اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى».
وَلِهَذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا اجْتَهَدَ في الدُّعاءِ قالَ: «يا حَيُّ يا قَيُّومُ».
(فائدة)
وأما صفات السلب المحض فلا تدخل في أوصافه تعالى إلا أن تكون متضمنة لثبوت كالأحد المتضمن لانفراده بالربوبية والإلهية والسلام المتضمن لبراءته من كل نقص يضاد كماله وكذلك الإخبار عنه بالسلوب هو لتضمنها ثبوتا كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ﴾ فإنه متضمن لكمال حياته وقيوميته وكذلك قوله تعالى: ﴿وَما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ متضمن لكمال قدرته وكذلك قوله: ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾ متضمن لكمال علمه وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ متضمن لكمال صمديته وغناه وكذلك قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ متضمن لتفرده بكماله وأنه لا نظير له وكذلك قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ متضمن لعظمته وأنه جل عن أن يدرك بحيث يحاط به وهذا مطرد في كل ما وصف به نفسه من السلوب.
2:256Page 42
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦
There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.
No commentary for this ayah
2:257Page 43
ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧
Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾
فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم، وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه ولما كانت اليمين جهة الخير والفلاح وأهلها هم الناجون أفردت ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ﴾.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ. .﴾
فَأوْلِياؤُهم يُعِيدُونَهم إلى ما خُلِقُوا فِيهِ، مِن ظُلْمَةِ طَبائِعِهِمْ وجَهْلِهِمْ وأهْوائِهِمْ، وكُلَّما أشْرَقَ لَهم نُورُ النُّبُوَّةِ والوَحْيِ وكادُوا أنْ يَدْخُلُوا فِيهِ مَنَعَهم أوْلِياؤُهم مِنهُ وصَدُّوهُمْ، فَذَلِكَ إخْراجُهم إيّاهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ.
2:258Page 43
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨
Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.
فإن من تأمل موقع الحجاج وقطع المجادل فيما تضمنته هذه الآية وقف على أعظم برهان بأوجز عبارة فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيي ويميت أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة.
فإن كان صادقا فليتصرف في الشمس تصرفا تصح به دعواه وليس هذا انتقالا من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة.
(فائدة)
وفي الحديث "إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب" وقد عرض إبراهيم الخليل للجبار بقوله عن امرأته هذه أختي وعرض النبي للرجل الذي سأله في طريقه ممن أنتم فقال: "نحن من ماء" وعرض الصديق لمن جعل يسأله في طريق الهجرة من هذا معك فقال هاد يهديني السبيل.
2:259Page 43
أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩
Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."
No commentary for this ayah
2:260Page 44
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠
And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."
(فَصْلٌ)
قالَ: وفِرارُ الخاصَّةِ مِنَ الخَبَرِ إلى الشُّهُودِ، ومِنَ الرُّسُومِ إلى الأُصُولِ، ومِنَ الحُظُوظِ إلى التَّجْرِيدِ.
يَعْنِي أنَّهم لا يَرْضَوْنَ أنْ يَكُونَ إيمانُهم عَنْ مُجَرَّدِ خَبَرٍ، حَتّى يَتَرَقَّوْا مِنهُ إلى مُشاهَدَةِ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَيَطْلُبُونَ التَّرَقِّيَ مِن عِلْمِ اليَقِينِ بِالخَبَرِ، إلى عَيْنِ اليَقِينِ بِالشُّهُودِ كَما طَلَبَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِن رَبِّهِ إذْ قالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فَطَلَبَ إبْراهِيمُ أنْ يَكُونَ اليَقِينُ عِيانًا، والمَعْلُومُ مُشاهَدًا، وهَذا هو المَعْنى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالشَّكِّ في قَوْلِهِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» حَيْثُ قالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾ وهو ﷺ لَمْ يَشُكَّ ولا إبْراهِيمُ، حاشاهُما مِن ذَلِكَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِهَذِهِ العِبارَةِ.
هَذا أحَدُ الأقْوالِ في الحَدِيثِ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ: أنَّهُ عَلى وجْهِ النَّفْيِ، أيْ لَمْ يَشُكَّ إبْراهِيمُ حَيْثُ قالَ ما قالَ، ولَمْ نَشُكَّ نَحْنُ، وهَذا القَوْلُ صَحِيحٌ أيْضًا أيْ لَوْ كانَ ما طَلَبَهُ لِلشَّكِّ لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ مِنهُ، لَكِنْ لَمْ يَطْلُبْ ما طَلَبَ شَكًّا، وإنَّما طَلَبَ ما طَلَبَهُ طُمَأْنِينَةً.
فالمَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾
فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ.
2:261Page 44
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١
The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
وهذه الآية كالتفسير والبيان لمقدار الأضعاف التى يضاعفها للمقرض، ومثل سبحانه بهذا المثل إحضارًا لصورة التضعيف في الأذهان بهذه الحبة التى غيبت في الأرض فأنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، حتى كأن القلب ينظر إلى هذا التضعيف ببصيرته كما تنظر العين إلى هذه السنابل التى من الحبة الواحدة فينضاف الشاهد العيانى الشاهد الإيمانى القرآنى فيقوى إيمان المنفق وتسخو نفسه بالإنفاق.
وتأمل كيف جمع السنبلة في هذه الآية على سنابل وهى من مجموع الكثرة، إذ المقام مقام تكثير وتضعيف، وجمعها على سنبلات في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وأُخَرَ يابِساتٍ﴾ [يوسف: ٤٣]، فجاءَ بها على جمع القلة لأن السبعة قليلة ولا مقتضى للتكثير. وقوله تعالى: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾، قيل: المعنى والله يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاءُ لا لكل منفق بل يختص برحمته من يشاءُ، وذلك لتفاوت أحوال الإنفاق في نفسه، وفي صفات المنفق وأحواله وفي شدة الحاجة وعظيم النفع وحسن الموقع.
وقيل: والله يضاعف لمن يشاءُ فوق ذلك فلا يقتصر به على السبعمائة، بل يجاوز في المضاعفة هذا المقدار إلى أضعاف كثيرة.
واختلف في تفسير الآية فقيل: مثل نفقة الذين ينفقون في سبيل الله كمثل حبة.
وقيل: مثل الذين ينفقون في سبيل الله كمثل باذر حبة، ليطابق الممثل للممثل به.
فهاهنا أربعة أُمور: منفق، ونفقة، وباذر، وبذر. فذكر سبحانه من كل شق أهم قسميه، فذكر من شق الممثل المنفق إذ المقصود ذكر حاله وشأْنه، وسكت عن ذكر النفقة لدلالة اللفظ عليها.
وذكر من شق الممثل به البذر إذ هو المحل الذي حصلت فيه المضاعفة، وترك ذكر الباذر لأن القرض لا يتعلق بذكره.
فتأمل هذه البلاغة والفصاحة والإيجاز المتضمن لغاية البيان.
وهذا كثير في أمثال القرآن، بل عامتها ترد على هذا النمط، ثم ختم الآية باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها، وهما الواسع والعليم، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه، فإن المضاعف سبحانه واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضى حصولها لكل منفق فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كرمه سبحانه وفضله تعالى لا يناقض حكمته، بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من ليس من أهل بحكمته وعلمه.
(فصل)
شَبَّهَ سُبْحانَهُ نَفَقَةَ المُنْفِقِ في سَبِيلِهِ، سَواءٌ كانَ المُرادُ بِهِ الجِهادُ أوْ جَمِيعُ سُبُلِ الخَيْرِ مِن كُلِّ بِرٍّ، بِمَن بَذَرَ بَذْرًا فَأنْبَتَتْ كُلُّ حَبَّةٍ مِنهُ سَبْعَ سَنابِلَ اشْتَمَلَتْ كُلُّ سُنْبُلَةٍ عَلى مِائَةِ حَبَّةٍ، واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ فَوْقَ ذَلِكَ بِحَسْبِ حالِ المُنْفِقِ وإيمانِهِ وإخْلاصِهِ وإحْسانِهِ ونَفْعِ نَفَقَتِهِ وقَدْرِها ووُقُوعِها مَوْقِعَها؛ فَإنَّ ثَوابَ الإنْفاقِ يَتَفاوَتُ بِحَسَبِ ما يَقُومُ بِالقَلْبِ مِن الإيمانِ والإخْلاصِ والتَّثْبِيتِ عِنْدَ النَّفَقَةِ، وهو إخْراجُ المالِ بِقَلْبٍ ثابِتٍ قَدْ انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِإخْراجِهِ، وسَمَحَتْ بِهِ نَفْسُهُ، وخَرَجَ مِن قَلْبِهِ خُرُوجَهُ مِن يَدِهِ، فَهو ثابِتُ القَلْبِ عِنْدَ إخْراجِهِ، غَيْرُ جَزِعٍ ولا هَلِعٍ ولا مُتْبِعِهِ نَفْسَهُ تَرْجُفُ يَدُهُ وفُؤادُهُ، ويَتَفاوَتُ بِحَسْبِ نَفْعِ الإنْفاقِ ومَصارِفِهِ بِمَواقِعِهِ، وبِحَسْبِ طِيبِ المُنْفِقِ وزَكاتِهِ وتَحْتَ هَذا المَثَلِ مِن الفِقْهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ شَبَّهَ الإنْفاقَ بِالبَذْرِ.
فالمُنْفِقُ مالَهُ الطَّيِّبَ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ باذِرٌ مالَهُ في أرْضٍ زَكِيَّةِ، فَمُغِلُّهُ بِحَسْبِ بَذْرِهِ وطِيبِ أرْضِهِ وتَعاهُدِ البَذْرِ بِالسَّقْيِ ونَفْيِ الدَّغَلِ والنَّباتِ الغَرِيبِ عَنْهُ، فَإذا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ ولَمْ تُحْرِقْ الزَّرْعَ نارٌ ولا لَحِقَتْهُ جائِحَةٌ جاءَ أمْثالَ الجِبالِ، وكانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ وهي المَكانُ المُرْتَفِعُ الَّذِي تَكُونُ الجَنَّةُ فِيهِ نُصْبَ الشَّمْسِ والرِّياحِ فَتَتَرَبّى الأشْجارُ هُناكَ أتَمَّ تَرْبِيَةٍ فَنَزَلَ عَلَيْها مِن السَّماءِ مَطَرٌ عَظِيمُ القَطْرِ مُتَتابِعٌ فَرَواها ونَمّاها فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْ ما يُؤْتِيهِ غَيْرُها بِسَبَبِ ذَلِكَ الوابِلِ، فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ: مَطَرٌ صَغِيرُ القَطْرِ، يَكْفِيها لِكَرَمِ مَنبَتِها؛ يَزْكُو عَلى الظِّلِّ ويَنْمِي عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ في ذِكْرِ نَوْعَيْ الوابِلِ والطَّلِّ إشارَةً إلى نَوْعَيْ الإنْفاقِ الكَثِيرِ والقَلِيلِ.
فَمِن النّاسِ مَن يَكُونُ إنْفاقُهُ وابِلًا ومِنهم مَن يَكُونُ إنْفاقُهُ طَلًّا، واللَّهُ لا يُضِيعُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، فَإنْ عَرَضَ لِهَذا العامِلِ ما يُغْرِقُ أعْمالَهُ ويُبْطِلُ حَسَناتِهِ كانَ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ ﴿لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ فَإذا كانَ يَوْمُ اسْتِيفاءِ الأعْمالِ وإحْرازِ الأُجُورِ وجَدَ هَذا العامِلُ عَمَلَهُ قَدْ أصابَهُ ما أصابَ صاحِبَ هَذِهِ الجَنَّةِ، فَحَسْرَتُهُ حِينَئِذٍ أشَدُّ مِن حَسْرَةِ هَذا عَلى جَنَّتِهِ.
فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الحَسْرَةِ لِسَلْبِ النِّعْمَةِ عِنْدَ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْها مَعَ عِظَمِ قَدْرِها ومَنفَعَتِها، واَلَّذِي ذَهَبَتْ عَنْهُ قَدْ أصابَهُ الكِبَرُ والضَّعْفُ فَهو أحْوَجُ ما كانَ إلى نِعْمَتِهِ، ومَعَ هَذا فَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ لا يَقْدِرُونَ عَلى نَفْعِهِ والقِيامِ بِمَصالِحِهِ، بَلْ هم في عِيالِهِ فَحاجَتُهُ إلى نِعْمَتِهِ حِينَئِذٍ أشَدُّ ما كانَتْ لِضَعْفِهِ وضَعْفِ ذُرِّيَّتِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَذا إذا كانَ لَهُ بُسْتانٌ عَظِيمٌ فِيهِ مِن جَمِيعِ الفَواكِهِ والثَّمَرِ، وسُلْطانُ ثَمَرِهِ أجَلُّ الفَواكِهِ وأنْفَعُها، وهو ثَمَرُ النَّخِيلِ والأعْنابِ، فَمُغَلَّهُ يَقُومُ بِكِفايَتِهِ وكِفايَةِ ذُرِّيَّتِهِ، فَأصْبَحَ يَوْمًا وقَدْ وجَدَهُ مُحْتَرِقًا كُلَّهُ كالصَّرِيمِ، فَأيُّ حَسْرَةٍ أعْظَمُ مِن حَسْرَتِهِ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مَثَلُ الَّذِي يُخْتَمُ لَهُ بِالفَسادِ في آخَرِ عُمْرِهِ.
وَقالَ مُجاهِدٌ: هَذا مَثَلُ المُفَرِّطِ في طاعَةِ اللَّهِ حَتّى يَمُوتَ، وقالَ السُّدِّيَّ: هَذا مَثَلُ المُرائِي في نَفَقَتِهِ الَّذِي يُنْفِقُ لِغَيْرِ اللَّهِ، يَنْقَطِعُ عَنْهُ نَفْعُها أحْوَجُ ما يَكُونُ إلَيْهِ، وسَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الصَّحابَةَ يَوْمًا عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، فَغَضِبَ عُمَرُ، وقالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: قُلْ يا ابْنَ أخِي ولا تُحَقِّرْ نَفْسَك، قالَ: ضَرَبَ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قالَ: لِأيِّ عَمَلٍ؟ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِالحَسَناتِ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ كُلَّها؛ قالَ الحَسَنُ: هَذا مَثَلٌ قَلَّ واللَّهِ مَن يَعْقِلُهُ مِن النّاسِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَعُفَ جِسْمُهُ وكَثُرَ صِبْيانُهُ أفْقَرُ ما كانَ إلى جَنَّتِهِ، وإنَّ أحَدَكم واللَّهِ أفْقَرُ ما يَكُونُ إلى عَمَلِهِ إذا انْقَطَعَتْ عَنْهُ الدُّنْيا.
2:262Page 44
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢
Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
هذا بيان للقرض الحسن ما هو؟ وهو أن يكون في سبيله أي في مرضاته والطريق الموصلة إليه ومن أنفعها سبيل الجهاد، وسبيل الله خاص وعام، والخاص جزء من السبيل العام وأن لا يتبع صدقته بمن ولا أذى، فالمن نوعان.
أحدهما: منّ بقلبه من غير أن يصرح له بلسانه وهذا إن لم يبطل الصدقة فهو من نقصان شهود منة الله عليه في عطائه المال وحرمان غيره وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه فلله المنة عليه من كل وجه. فكيف يشهد قلبه منة لغيره؟
والنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه وأنه أوجب عليه حقا وطوقه منة في عنقه فيقول:
أما أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده، قال سفيان: يقول: أعطيتك فما شكرت.
وقال عبد الرحمن بن زياد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكنّ سلامك عنه، وكانوا يقولون: إذا اصطنعتم صنيعة فانسوها وإذا أسدى إليكم صنيعة فلا تنسوها، وفي ذلك قيل:
؎وإنّ امرأ أهدى إلى صنيعة ∗∗∗ وذكرنيها مرة لبخيل
وقيل: صفوان من منح سائله ومنّ، ومن منع نائله وضن، وحظر الله على عباده المن بالصنيعة واختص به صفة لنفسه لأنه من العباد تكدير وتعيير، ومن الله سبحانه وتعالى إفضال وتذكير.
وأيضا فإنه هو المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط فهو المنعم على عبده في الحقيقة، وأيضا فالامتنان استعباد، وكسر، وإذلال لمن يمن عليه ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.
وأيضا فالمنة أن يشهد المعطي أنه هو رب الفضل، والإنعام، وأنه ولي النعمة، ومسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا لله، وأيضا فالمانّ بعطائه يشهد نفسه مترفعا على الآخذ مستعليا عليه غنيا عنه عزيزا، ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته ولا ينبغي ذلك للعبد، وأيضا فإن المعطي قد تولى الله ثوابه ورد عليه أضعاف ما أعطى فبقي عوض ما أعطى عند الله. فأي حق بقي له قبل الآخذ؟ فإذا امتن عليه فقد ظلمه ظلما بينا، وادعى أن حقه في قبله.
ومن هنا والله أعلم بطلت صدقته بالمن فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله وعوض تلك الصدقة عنده فلم يرض به، ولاحظ العوض من الآخذ والمعاملة عنده فمن عليه بما أعطاه بطلت معاوضته مع الله ومعاملته له، فتأمل هذه النصائح من الله لعباده ودلالته على ربوبيته، وإلهيته وحده، وأنه يبطل عمل من نازعه في شيء من ربوبيته، وإلهيته لا إله غيره، ولا رب سواه.
ونبه بقوله: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا مَنًّا ولا أذىً﴾ على أن المن والأذى ولو تراخى عن الصدقة وطال زمنه ضر بصاحبه، ولم يحصل له مقصود
الإنفاق، ولو أتى بالواو، وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لأوهمت تقييد ذلك بالحال، وإذا كان المن، والأذى المتراخي مبطلا لأثر الإنفاق مانعا من الثواب. فالمقارن أولى، وأحرى.
وتأمل كيف جرد الخبر هنا عن الفاء فقال: ﴿لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وقرنه بالفاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فإن الفاء الداخلة على خبر المبتدأ الموصول أو الموصوف تفهم معنى الشرط والجزاء وأنه مستحق بما تضمنه المبتدأ من الصلة أو الصفة، فلما كان هنا يقتضي بيان حصر المستحق للجزاء دون غيره جرد الخبر عن الفاء فإن المعنى أن الذي ينفق ماله لله، ولا يمن ولا يؤذي هو الذي يستحق الأجر المذكور لا الذي ينفق لغير الله، ويمن ويؤذي ينفقته فليس المقام مقام شرط وجزاء. بل مقام بيان للمستحق دون غيره.
وفي الآية الأخرى ذكر الإنفاق بالليل والنهار سرا وعلانية. فذكر عموم الأوقات، وعموم الأحوال فأتى بالفاء في الخبر ليدل على أن الإنفاق في أي وقت وجد من ليل أو نهار وعلى أي حالة وجد من سر وعلانية. فإنه سبب الجزاء على كل حال فليبادر إليه العبد ولا ينتظر به غير وقته وحاله ولا يؤخر نفقة الليل إذا حضر إلى النهار، ولا نفقة النهار إلى الليل، ولا ينتظر بنفقة العلانية وقت السر، ولا بنفقة السر وقت العلانية فإن نفقته في أي وقت وعلى أي حال وجدت سبب لأجره وثوابه فتدبر هذه الأسرار في القرآن فلعلك تظفر بها إذ تمر بك في التفاسير والمنة والفضل لله وحده لا شريك له.
[فَصْلٌ: الرِّياءُ والمَنُّ والأذى تُبْطِلُ الأعْمالَ]
فَإنْ عَرَضَ لِهَذِهِ الأعْمالِ مِن الصَّدَقاتِ ما يُبْطِلُها مِن المَنِّ والأذى والرِّياءِ؛ فالرِّياءُ يَمْنَعُ انْعِقادَها سَبَبًا لِلثَّوابِ، والمَنُّ والأذى يُبْطِلُ الثَّوابَ الَّذِي كانَتْ سَبَبًا لَهُ، فَمَثَلُ صاحِبِها وبُطْلانِ عَمَلِهِ كَمَثَلِ صَفْوانٍ - وهو الحَجَرُ الأمْلَسُ - عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ - وهو المَطَرُ الشَّدِيدُ - فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا شَيْءَ عَلَيْهِ، وتَأمَّلْ أجْزاءَ هَذا المَثَلِ البَلِيغِ، وانْطِباقِها عَلى أجْزاءِ المُمَثَّلِ بِهِ، تَعْرِفْ عَظَمَةَ القُرْآنِ وجَلالَتَهُ، فَإنَّ الحَجَرَ في مُقابِلَةِ قَلْبِ هَذا المُرائِي والمانِّ والمُؤْذِي، فَقَلْبُهُ في قَسْوَتِهِ عَنْ الإيمانِ والإخْلاصِ والإحْسانِ بِمَنزِلَةِ الحَجَرِ، والعَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ التُّرابِ الَّذِي عَلى ذَلِكَ الحَجَرِ؛ فَقَسْوَةُ ما تَحْتَهُ وصَلابَتُهُ تَمْنَعُهُ مِن النَّباتِ والثَّباتِ عِنْدَ نُزُولِ الوابِلِ؛ فَلَيْسَ لَهُ مادَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِاَلَّذِي يَقْبَلُ الماءَ ويُنْبِتُ الكَلَأ،
وَكَذَلِكَ قَلْبُ المُرائِي لَيْسَ لَهُ ثَباتٌ عِنْدَ وابِلِ الأمْرِ والنَّهْيِ والقَضاءِ والقَدْرِ، فَإذا نَزَلَ عَلَيْهِ وابِلُ الوَحْيِ انْكَشَفَ عَنْهُ ذَلِكَ التُّرابِ اليَسِيرِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ، فَبَرَزَ ما تَحْتَهُ حَجَرًا صَلْدًا لا نَباتَ فِيهِ.
وَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِعَمَلِ المُرائِي ونَفَقَتِهِ، لا يَقْدِرُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَوابِ شَيْءٍ مِنهُ أحْوَجَ ما كانَ إلَيْهِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
2:263Page 44
۞ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ ٢٦٣
Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allāh is Free of need and Forbearing.
فأخبر أن القول المعروف وهو الذي تعرفه القلوب ولا تنكره.
والمغفرة وهي العفو عمن أساء إليك خير من الصدقة بالأذى. فالقول المعروف إحسان. وصدقة بالقول والمغفرة إحسان بترك المؤاخذة والمقابلة فهما نوعان من أنواع الإحسان، والصدقة المقرونة بالأذى حسنة مقرونة بما يبطلها ولا ريب أن حسنتين خير من حسنة باطلة. ويدخل في المغفرة مغفرة للسائل إذا وجد منه بعض الجفوة والأذى لك بسبب رده فيكون عفوه عنه خيرا من أن يتصدق عليه ويؤذيه. هذا على المشهور من القولين في الآية، والقول الثاني: أن المغفرة من الله أي مغفرة لكم من الله بسبب القول المعروف والرد الجميل خير من صدقة يتبعها أذى، وفيها قول ثالث أي مغفرة وعفو من السائل إذ ردّ وتعذر المسؤول خير من أن ينال بنفسه صدقة يتبعها أذى. وأوضح الأقوال هو الأول ويليه الثاني والثالث ضعيف جدا لأن الخطاب إنما هو للمنفق المسؤول لا للسائل الآخذ. والمعنى: أن قول المعروف له والتجاوز والعفو خير لك من أن تصدق عليه وتؤذيه، ثم ختم الآية بصفتين مناسبتين لما تضمنته فقال: واللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ وفيه معنيان.
أحدهما: إن الله غني عنكم لن يناله شيء من صدقاتكم وإنما الحظ الأوفر لكم في الصدقة فنفعها عائد عليكم لا إليه سبحانه وتعالى فكيف يمن بنفقته ويؤذي مع غني الله التام عنها وعن كل ما سواه ومع هذا فهو حليم إذ لم يعاجل المان بالعقوبة. وفي ضمن هذا: الوعيد والتحذير.
والمعنى الثاني: أنه سبحانه وتعالى مع غناه التام من كل وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز، والصفح مع عطائه وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه، وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره، ثم قال:
2:264Page 44
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤
O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.
فتضمنت هذه الآية الإخبار بأن المن والأذى يحبط الصدقة، وهذا دليل على أن الحسنة قد تحبط بالسيئة مع قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾.
وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في أول هذه الرسالة فلا حاجة إلى إعادته
وقد يقال: إن المن والأذى المقارن للصدقة هو الذي يبطلها دون أن يلحقها بعدها إلا أنه ليس في اللفظ ما يدل على هذا التقييد والسياق يدل على إبطالها به مطلقا، وقد يقال: تمثيله بالمرائي الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر يدل على أن المن والأذى المبطل هو المقارن كالرياء وعدم الإيمان، فإن الرياء لو تأخر عن العمل لم يبطله، ويجاب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن التشبيه وقع في الحال التي يحبط بها العمل وهي حال المرائي والمان المؤذي في أن كل واحد منهما يحبط العمل.
الثاني: أن الرياء لا يكون إلا مقارنا للعمل لأنه فعال من الرؤيا التي صاحبها يعمل ليرى الناس عمله فلا يكون متراخيا وهذا بخلاف المن والأذى فإنه يكون مقارنا ومتراخيا وتراخيه أكثر من مقارنته.
وقوله: «كالذي ينفق» إما أن يكون المعنى كإبطال الذي ينفق فيكون قد شبه الأبطال بالأبطال أو المعنى لا تكونوا كالذي ينفق ماله رئاء الناس فيكون تشبيها للمنفق بالمنفق.
وقوله: «فمثله» أي مثل هذا المنفق الذي قد بطل ثواب نفقته كمثل صفوان وهو الحجر الأملس وفيه قولان: أحدهما: أنه واحد. والثاني: جمع صفوة عَلَيْهِ تُرابٌ فَأصابَهُ وابِلٌ وهو المطر الشديد فتركه صلدا وهو الأملس الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره. وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر، لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلدا فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله. وفيه معنى آخر: وهو أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجرا يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه. فلا ينبت ولا يخرج شيئا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences