Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:265–268
2:265Page 45
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥
And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.
هذا مثل الذي مصدر نفقته عن الإخلاص والصدق. فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص. والتثبيت من النفس هو الصدق في البذل فإن المنفق يعترضه عند إنفاقه آفتان إن نجا منهما كان مثله ما ذكره في هذه الآية.
إحداهما: طلبه بنفقته محمدة أو ثناء أو غرضا من أغراضه الدنيوية. وهذا حال أكثر المنفقين.
والآفة الثانية: ضعف نفسه وتقاعسها وترددها. هل يفعل أم لا؟
فالآفة الأولى: تزول بابتغاء مرضاة الله.
والآفة الثانية: تزول بالتثبيت، فإن تثبيت النفس تشجعها وتقويتها والأقدام بها على البذل. وهذا هو صدقها وطلب مرضاة الله إرادة وجهه وحده وهذا إخلاصها فإذا كان مصدر الإنفاق عن ذلك كان مثله كجنة - وهي البستان الكثير الأشجار - فهو مجتنّ بها أي مستتر ليس قاعا فارغا.
والجنة بربوة وهو المكان المرتفع، لأنها أكمل من الجنة التي بالوهاد والحضيض، لأنها إذا ارتفعت كانت بمدرجة الأهوية والرياح. وكانت ضاحية للشمس وقت طلوعها واستوائها وغروبها. فكانت أنضج ثمرا وأطيبه وأحسنه وأكثره، فإن الثمار تزداد طيبا وزكاء بالرياح والشمس، بخلاف الثمار التي تنشأ في الضلال، وإذا كانت الجنة بمكان مرتفع لم يخش عليها إلا من قلة الماء والشراب فقال تعالى: أصابَها وابِلٌ وهو المطر الشديد العظيم القدر، فأدت ثمرتها وأعطت بركتها، فأخرجت ثمرتها ضعفي ما يثمر غيرها أو ضعفي ما كانت تثمر بسبب ذلك الوابل. فهذا حال السابقين المقربين:
فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ فهو دون الوابل. فهو يكفيها لكرم منبتها وطيب مغرسها تكتفي في إخراج بركتها بالطل، وهذا حال الأبرار والمقتصدين في النفقة، وهم درجات عند الله فأصحاب الوابل أعلاهم درجة، وهم الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. وأصحاب الطلب مقتصدهم.
فمثّل حال القسمين وأعمالهم بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يوجب زكاء ثمر الجنة ونحوه بالأضعاف، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة، بعد أن صدرت عن ابتغاء مرضاة الله والتثبيت من نفوسهم، فهي زاكية عند الله نامية مضاعفة.
واختلف في الضعفين. فقيل: ضعفا الشيء مثلاه زائدا عليه، وضعفه مثله.
وقيل: ضعفه مثلاه وضعفاه ثلاثة أمثاله، وثلاثة أضعافه أربعة أمثاله كلما زاد ضعفا زاد مثلا، والذي حمل هذا القائل على ذلك فراره من استواء دلالة المفرد والتثنية فإنه رأى ضعف الشيء هو مثله الزائد عليه فإذا زاد إلى المثل صار مثلين، وهما الضعف. فلو قيل: لها ضعفان. لم يكن فرق بين المفرد والمثنى. فالضعفان عنده مثلان مضافان إلى الأصل، ويلزم من هذا أن يكون ثلاثة أضعافه ثلاثة أمثاله مضافة إلى الأصل. وهكذا أبدا.
والصواب: أن الضعفين هما مثلان فقط، الأصل ومثله. وعليه يدل قوله تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ﴾ أي مثلين، وقوله تعالى: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ أي مثلين.
ولهذا قال في الحسنات:
﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾.
وأما ما توهموه من استواء دلالة المفرد والتثنية فوهم منشؤه ظن أن الضعف هو المثل مع الأصل، وليس كذلك، بل المثل له اعتباران: إن اعتبر وحده فهو ضعف، وإن اعتبر مع نظيره فهما ضعفان. والله أعلم.
واختلف في رافع قوله: ﴿فَطَلٌّ﴾
فقيل: هو مبتدأ خبره محذوف، أي وطله يكفيها.
وقيل: خبر مبتدؤه محذوف تقديره. فالذي يرويها ويصيبها طل.
والضمير في ﴿أصابَها﴾ إما أن يرجع إلى الجنة، أو إلى الربوة، وهما متلازمان.
(فائدة)
فَإنْ كانَتْ هَذِهِ الجَنَّةُ - الَّتِي بِمَوْضِعٍ عالٍ، حَيْثُ لا تُحْجَبُ عَنْها الشَّمْسُ والرِّياحُ، وقَدْ أصابَها مَطَرٌ شَدِيدٌ، فَأخْرَجَتْ ثَمَرَتَها ضِعْفَيْ ما يُخْرِجُ غَيْرُها - إنْ كانَتْ مُسْتَحْسَنَةً في العَقْلِ والحِسِّ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ مَن أنْفَقَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ، لا لِجَزاءٍ مِنَ الخَلْقِ، ولا لِشُكُورٍ، بَلْ بِثَباتٍ مِن نَفْسِهِ، وقُوَّةٍ عَلى الإنْفاقِ، لا يُخْرِجُ النَّفَقَةَ وقَلْبُهُ يَرْجُفُ عَلى خُرُوجِها، ويَداهُ تَرْتَعِشانِ، ويَضْعُفُ قَلْبُهُ، ويَخُورُ عِنْدَ الإنْفاقِ، بِخِلافِ نَفَقَةِ صاحِبِ التَّثْبِيتِ والقُوَّةِ.
وَلَمّا كانَ النّاسُ في الإنْفاقِ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ كانَ مَثَلُ نَفَقَةِ صاحِبِ الإخْلاصِ والقُوَّةِ والتَّثْبِيتِ كَمَثَلِ الوابِلِ، ومَثَلُ نَفَقَةِ الآخَرِ كَمَثَلِ الطَّلِّ، وهو المَطَرُ الضَّعِيفُ، فَهَذا بِحَسَبِ كَثْرَةِ الإنْفاقِ وقِلَّتِهِ، وكَمالِ الإخْلاصِ والقُوَّةِ واليَقِينِ فِيهِ وضَعْفِهِ، أفَلا تَراهُ سُبْحانَهُ نَبَّهَ العُقُولَ عَلى ما فِيها مِنِ اسْتِحْسانِ هَذا، واسْتِقْباحِ فِعْلِ الأوَّلِ؟
2:266Page 45
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦
Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.
فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ العُقُولَ عَلى ما فِيها مِن قُبْحِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تُحْبِطُ ثَوابَ الحَسَناتِ، وشَبَّهَها بِحالِ شَيْخٍ كَبِيرٍ لَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ، بِحَيْثُ يَخْشى عَلَيْهِمُ الضَّيْعَةَ وعَلى نَفْسِهِ، ولَهُ بُسْتانٌ هو مادَّةُ عَيْشِهِ وعَيْشِ ذُرِّيَّتِهِ، فِيهِ النَّخِيلُ والأعْنابُ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ، فَأرْجى وأفْقَرَ ما هو لَهُ وأسَرَّ ما كانَ بِهِ إذْ أصابَهُ نارٌ شَدِيدَةٌ فَأحْرَقَتْهُ، فَنَبَّهَ العُقُولَ عَلى أنَّ قُبْحَ المَعاصِي الَّتِي تُغْرِقُ الطّاعاتِ كَقُبْحِ هَذِهِ الحالِ، وبِهَذا فَسَّرَها عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِرَجُلٍ غَنِيٍّ عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ زَمانًا، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ، فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ، ذَكَرَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ.
أفَلا تَراهُ نَبَّهَ العُقُولَ عَلى قُبْحِ المَعْصِيَةِ بَعْدَ الطّاعَةِ، وضَرَبَ لِقُبْحِها هَذا المَثَلَ؟
(فصل)
قال الحسن: هذا مثل، قلّ والله من يعقله من الناس: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته. وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.
وفي صحيح البخاري عن عبيد بن عمير قال: قال عمر يوما لأصحاب النبي ﷺ فيم هم يرون هذه الآية نزلت: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ﴾ الآية؟
قالوا: الله أعلم. فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: قل يا ابن أخي، ولا تحقر بنفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل. قال عمر: أي عمل؟
قال ابن عباس: لعمل رجل عمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله.
فقوله تعالى: {أيَوَدُّ أحَدُكم أخرجه مخرج الاستفهام الانكاري، وهو أبلغ من النفي والنهي وألطف موقعا، كما ترى غيرك يفعل فعلا قبيحا، فتقول له: لا يفعل هذا عاقل، أيفعل هذا من يخاف الله والدار الآخرة؟
وقال تعالى: أيَوَدُّ أحَدُكم بلفظ الواحد لتضمنه معنى الإنكار العام، كما تقول أيفعل هذا أحد فيه خير؟ وهو أبلغ في الإنكار من أن يقول: أيودون.
وقوله: ﴿أيَوَدُّ﴾ أبلغ في الإنكار مما لو قيل: أيريد، لأن محبة هذا الحال المذكورة وتمنيها أقبح وأنكر من مجرد إرادتها.
وقوله تعالى: ﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ خص هذين النوعين من الثمار بالذكر لأنهما أشرف أنواع الثمار، وأكثرها نفعا فإن منهما القوت والغذاء. والدواء والشراب والفاكهة. والحلو والحامض، ويؤكلان رطبا، ويابسا، ومنافعهما كثيرة جدا.
وقد اختلف في الأنفع والأفضل منهما.
فرجحت طائفة النخيل، ورجحت طائفة العنب، وذكرت كل طائفة حججا لقولها، فذكرناها في غير هذا الموضع.
وفصل الخطاب: أن هذا يختلف باختلاف البلاد. فإن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة بأن سلطان أحدهما لا يحل حيث يحل سلطان الآخر.
فالأرض التي يكون فيها سلطان النخيل لا يكون فيها العنب بها طائلا ولا كثيرا. لأنه إنما يخرج في الأرض الرخوة اللينة المعتدلة غير السخية، فينمو فيها ويكثر، وأما النخيل فنموه وكثرته في الأرض الحارة السبخة، وهي لا تناسب العنب. فالنخل في أرضه وموضعه أنفع وأفضل من العنب فيها.
والعنب في أرضه ومعدنه أفضل من النخل فيها. والله أعلم.
والمقصود: أن هذين النوعين هما أفضل أنواع الثمار وأكرمها.
فالجنة المشتملة عليهما أفضل الجنان، ومع هذا فالأنهار تجري تحت هذه الجنة.
وذلك أكمل لها وأعظم في قدرها، ومع ذلك فلم يعدم شيئا من أنواع الثمار المشتهاة، بل فيها من كل الثمرات، ولكن معظمها ومقصودها النخيل والأعناب. فلا تنافي بين كونها من نخيل وأعناب، وفِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢) كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾.
وقد قيل: إن الثمار في آية الكهف وفي آية البقرة المراد بها المنافع والأموال والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها. لقوله في البقرة:
لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ثم قال تعالى: ﴿فَأصابَها﴾ أي الجنة ﴿إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ وفي الكهف: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾ وما ذلك إلا ثمار الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿وَأصابَهُ الكِبَرُ﴾ هذا إشارة إلى شدة حاجته إلى جنته، وتعلق قلبه بها من وجوه.
أحدها: أنه قد كبر سنه عن الكسب والتجارة ونحوها.
الثاني: أن ابن آدم عند كبر سنه يشتد حرصه.
الثالث: أن له ذرية، فهو حريص على بقاء جنته لحاجته وحاجة ذريته.
الرابع: أنهم ضعفاء، فهم كلّ عليه، لا ينفعونه بقوتهم وتصرفهم الخامس: أن نفقتهم عليه، لضعفهم وعجزهم.
وهذا نهاية ما يكون من تعلق القلب بهذه الجنة، لخطرها في نفسها، وشدة حاجته وذريته إليها. فإذا تصورت هذا الحال وهذه الحاجة، فكيف تكون مصيبة هذا الرجل إذا أصاب جنته إعصار، وهو الريح التي تستدير في الأرض ثم ترتفع في طبقات الجو كالعمود وفيها نار، مرت بتلك الجنة فأحرقتها، وصيرتها رمادا، فصدق والله الحسن - هذا مثل قل من يعقله من الناس - ولهذا نبه الله سبحانه وتعالى على عظم هذا المثل، وحدا القلوب إلى التفكر فيه لشدة حاجتها إليه فقال تعالى: ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾.
فلو فكر العاقل في هذا المثل وجعله قبلة قلبه لكفاه وشفاه فكذلك العبد إذا عمل بطاعة الله ثم أتبعها بما يبطلها ويحرقها من معاصي الله كانت كالإعصار ذي النار المحرق للجنة التي غرسها بطاعته وعمله الصالح.
فلو تصور العامل بمعصية الله بعد طاعته هذا المعنى حق تصوره وتأمله كما ينبغي لما سولت له نفسه والله إحراق أعماله الصالحة وإضاعتها، ولكن لا بد أن يغيب عنه علمه عند المعصية. ولهذا استحق اسم الجهل. فكل من عصى الله فهو جاهل.
فإن قيل: الواو في قوله تعالى: {وَأصابَهُ الكِبَرُ واو الحال أم واو العطف؟ وإذا كانت للعطف فعلام عطفت ما بعدها؟
قلت: فيه وجهان.
أحدهما: أنها واو الحال، اختاره الزمخشري، والمعنى: أيود أحدكم أن تكون له جنة شأنها كذا وكذا في حال كبره وضعف ذريته.
والثاني: أن تكون للعطف على المعنى. فإن فعل التمني وهو قوله:
أيَوَدُّ أحَدُكم لطلب الماضي كثيرا. فكان المعنى: أيود لو كانت له جنة من نخيل وأعناب وأصابه الكبر فجرى عليها ما ذكر.
وتأمل كيف ضرب سبحانه المثل للمنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن الإيمان: بالصفوان الذي عليه التراب، فإنه لم ينبت شيئا أصلا، بل ذهب بذره ضائعا لعدم إيمانه وإخلاصه. ثم ضرب المثل لمن عمل بطاعة الله مخلصا بنيته لله، ثم عرض له ما أبطل ثوابه: بالجنة التي هي من أحسن الجنان وأطيبها وأزهرها. ثم سلط عليها الأعصار الناري فأحرقها. فإن هذا نبت له شيء وأثمر له عمله، ثم أحرقه، والأول لم يحصل له شيء يدركه الحريق.
فتبارك من جعل كلامه حياة للقلوب وشفاء للصدور وهدى ورحمة للمؤمنين.
2:267Page 45
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧
O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.
أضاف سبحانه الكسب إليهم، وإن كان هو الخالق لأفعالهم، لأنه فعلهم القائم بهم، وأسند الإخراج إليه لأنه ليس فعلا لهم، ولا هو مقدورا لهم، فأضاف مقدورهم إليهم وأضاف مفعوله الذي لا قدرة عليه إليه. ففي ضمنه الرد على من سوى بين النوعين وسلب قدرة العبد وفعله وتأثيره عنه بالكلية. وخص سبحانه هذين النوعين وهما الخارج من الأرض والحاصل بكسب التجارة دون غيرهما من المواشي: إما بحسب الواقع فإنهما كانا أغلب أموال القوم إذ ذاك.
فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارة وكسب، والأنصار كانوا أصحاب حرث وزرع. فخص هذين النوعين بالذكر لحاجتهم إلى بيان حكمهما وعموم وجودهما، وإما لأنهما أصول الأموال وما عداهما فعنهما يكون ومنهما ينشأ فإن الكسب يدخل فيه التجارات كلها على اختلاف أصنافها وأنواعها من الملابس والمطاعم والرقيق والحيوانات والآلات والأمتعة وسائر ما تتعلق به التجارة، والخارج من الأرض يتناول حبها وثمارها وركازها ومعدنها، وهذان هما أصول الأموال وأغلبها على أهل الأرض، فكان ذكرهما أهم.
ثم قال: ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ فنهى سبحانه عن قصد إخراج الرديء، كما هو عادة أكثر النفوس: تمسك الجيد لها وتخرج الرديء للفقير.
ونهيه سبحانه عن قصد ذلك وتيممه فيه ما يشبه العذر لمن فعل ذلك لا عن قصد وتيمم، بل عن اتفاق إذ كان هو الحاضر إذ ذاك، أو كان ماله من جنسه. فإن هذا لم يتيمم الخبيث بل تيمم إخراج بعض ما من الله به عليه.
وموقع قوله: ﴿مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ موقع الحال أي لا تقصدوه منفقين منه.
ثم قال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾
أي لو كنتم أنتم المستحقون له وبذل لكم لم تأخذوه في حقوقكم إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه، من قولهم: أغمض فلان عن بعض حقه.
ويقال للبائع: اغمض، أي لا تستقص. كأنك لا تبصر.
وحقيقته: من إغماض الجفن، فكأن الرائي لكراهته له لا يملأ عينه منه بل يغمض من بصره ويغمض عنه بعض نظره بغضا، ومنه قول الشاعر:
؎لم يفتنا بالوتر قوم وللضي ∗∗∗ م رجال يرضون بالإغماض
وفيه معنيان:
أحدهما: كيف تبذلون لله وتهدون له ما لا ترضون ببذله لكم ولا يرضى أحدكم من صاحبه أن يهديه له؟ والله أحق من يختار له خيار الأشياء وأنفسها.
والثاني: كيف تجعلون له ما تكرهون لأنفسكم، وهو سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا؟
ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
فغناه وحمده يأبيان قبوله الرديء، فإن قابل الرديء الخبيث إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف فإنه لا يقبله.
﴿واعْلَمُواْ أنّ اللهَ غَنِيّ حَمِيدٌ﴾
يقول سبحانه: إنى غنى عما تنفقون أن ينالني منه شيء، حميد مستحق المحامد كلها، فإنفاقكم لا يسد منه حاجة ولا يوجب له حمدًا، بل هو الغنى بنفسه الحميد بنفسه وأسمائه
وصفاته وإنفاقكم إنما نفعه لكم وعائدته عليكم. ومن المتعين على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب وجلالته ولطف موقعه، وجذبه للقلوب والأرواح ومخالطته لها أن يعالج قلبه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التى حالت بينه وبين حظه من ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التى يناله بها، من صدق الرغبة واللجإ إلى الله أن يحيى قلبه ويزكيه ويجعل فيه الإيمان والحكمة، فالقلب الميت لا يذوق طعم الإيمان ولا يجد حلاوته ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة ومن أراد مطالعة أُصول النعم فليسم سرح الذكر في رياض القرآن، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه وتعرف بها إلى عباده من أول القرآن إلى آخره حين خلق أهل النار وابتلاهم بإبليس وحزبه وتسليط أعدائهم عليهم وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربتها، أعداء الله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره، وتفصيل ذلك لا تفى به أقلام الدنيا وأوراقها ولا قوى العباد، وإنما هو التنبيه والإشارة.
ومن استقرأ الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناءً تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فالله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست في الضمائر ولا لاحت لمتوسم ولا سنحت في فكر.
ففي دعاء أعرف الخلق بربه تعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده:
"أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أوْ أنْزَلْتَهُ فِى كِتابِكَ أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ أوْ اسْتأْثَرْتَ بِهِ فِى عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أن تَجْعَلَ القُرْآن رَبِيع قَلْبِي ونُورَ صَدْرِي وجَلاءَ حُزْنِي وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي".
وفى الصحيح عنه ﷺ في حديث الشفاعة لما يسجد بين يدى ربه قال: "فَيَفْتَحُ قَلبِى مَن مَحامِدهِ بِشَيْءٍ لا أُحْسِنُهُ الآن"، وكان يقول في سجوده: أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك "أعُوذُ بِكَ مِنكَ، لا أُحْصِى ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْت عَلى نَفْسِكِ "، فلا يحصى أحد من خلقه ثناءً عليه البتة، وله أسماءٌ وأوصاف وحمد وثناءٌ لا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر.
2:268Page 45
ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨
Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
هذه الآية تتضمن الحض على الإنفاق والحث عليه بأبلغ الألفاظ وأحسن المعاني. فإنها اشتملت على بيان الداعي إلى البخل، والداعي إلى البذل والإنفاق وبيان ما يدعو إليه داعي البخل، وما يدعو إليه داعي الإنفاق، وبيان ما يدعو به داعي الأمرين.
فأخبر سبحانه أن الذي يدعوهم إلى البخل والشح هو الشيطان وأخبر أن دعوته هي بما يعدهم به ويخوفهم من الفقر إن أنفقوا أموالهم. وهذا هو الداعي الغالب على الخلق.
فإن أحدهم يهم بالصدقة والبذل فيجد في قلبه داعيا يقول له: متى أخرجت هذا دعتك الحاجة إليه، وافتقرت إليه بعد إخراجه، وإمساكه خير لك، حتى لا تبقى مثل الفقير، فغناك خير لك من غناه. فإذا صور له هذه الصورة أمره بالفحشاء وهي البخل الذي هو من أقبح الفواحش. وهذا إجماع من المفسرين: أن الفحشاء، هنا البخل. فهذا وعده وهذا أمره. وهو الكاذب في وعده، الغار الفاجر في أمره. فالمستجيب لدعوته مغرور مخدوع مغبون. فإنه يدلي من يدعوه بغروره. ثم يورده شر الموارد، كما قيل:
؎دلاهم بغرور، ثم أوردهم ∗∗∗ إن الخبيث لمن والاه غرار
هذا وإن وعده له الفقر ليس شفقة عليه، ولا نصيحة له، كما ينصح الرجل أخاه ولا محبة في بقائه غنيا، بل لا شيء إليه من فقره وحاجته. وإنما وعده له بالفقر وأمره إياه بالبخل ليسيء ظنه بربه، ويترك ما يحبه من الإنفاق لوجهه، فستوجب منه الحرمان.
وأما الله سبحانه إنه يعد عبده مغفرة منه لذنوبه، وفضلا بأن يخلف عليه أكثر مما أنفق وأضعافه أما في الدنيا أو في الدنيا والآخرة.
فهذا وعد، الله وذاك وعد الشيطان. فلينظر البخيل والمنفق أيّ الوعدين هو أوثق؟ وإلى أيهما يطمئن قلبه وتسكن نفسه؟
والله يوفق من يشاء، ويخذل من يشاء. وهو الواسع العليم.
وتأمل كيف ختم هذه الآية بهذين الاسمين ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
فإنه واسع العطاء عليم بمن يستحق فضله ومن يستحق عدله، فيعطي هذا بفضله، ويمنع هذا بعدله. وهو بكل شيء عليم.
فتأمل هذه الآيات ولا تستطل بسط الكلام فيها فإن لها شأنا لا يعقله إلا من عقل عن الله خطابه وفهم مراده
﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾.
وتأمل ختم هذه السورة، التي هي سنام القرآن بأحكام الأموال وأقسام الأغنياء وأحوالهم.
وكيف قسمهم إلى ثلاثة أقسام: محسن، وهم المتصدقون. فذكر جزاءهم ومضاعفته، ومالهم في قرض أموالهم للمليء الوفي سبحانه، ثم حذرهم مما يبطل ثواب صدقاتهم ويحرقها بعد استوائها وكمالها من المن والأذى، وحذرهم مما يمنع ترتب أثرها عليها ابتداء من الرياء. ثم أمرهم أن يتقربوا إليه بأطيبها، ولا يتيمموا أردأها وخبيثها. ثم حذرهم من الاستجابة لداعي البخل والفحش، وأخبر أن استجابتهم لدعوته سبحانه وثقتهم بوعده أولي بهم.
وأخبر أن هذا من حكمته التي يؤتيها من يشاء من عباده، وأن من أوتيها فقد أوتى خيرا كثيرا: أوتي ما هو خير وأفضل من الدنيا كلها، لأنه سبحانه وصف الدنيا بالقلة، فقال تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾
وقال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ فدل على أن ما يؤتيه الله عبده من حكمته خير له من الدنيا وما عليها، ولا يعقل هذا كل أحد، بل لا يعقله إلا من له لب وعقل زكي. فقال تعالى: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُوا الألْبابِ﴾.
ثم أخبر أن كل ما أنفقوه من نفقة أو تقربوا به إليه من نذر فإنه يعلمه، فلا يضيع لديه، بل يعلم ما كان منه لوجهه فيتولى هو سبحانه مجازاته من واسع فضله ويكل جزاء من عمل لغيره إلى من عمل له فإنه ظالم لنفسه وما له من نصير.
ثم أخبر سبحانه عن أحوال المتصدقين لوجهه في صدقاتهم، وأنه يثيبهم عليها، إن أبدوها أو كتموها بعد أن تكون خالصة، لوجهه فقال: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ أي فنعم شيء هي، وهذا مدح لها موصوفة بكونها ظاهرة بادية، فلا يتوهم مبديها بطلان أثره وثوابه، فيمنعه ذلك من إخراجها، وينتظر بها الإخفاء، فتفوت أو تعترضه الموانع ويحال بينه وبين قلبه، أو بينه وبين إخراجها. فلا يؤخر صدقته العلانية بعد حضور وقتها إلى وقت السر، وهذه كانت حال الصحابة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences