Ibn al-QayyimAl‑Baqarah · 2:275–281

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:275–281

2:275Page 47

ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥

Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ اتِّحادِ الجِنْسِ واخْتِلافِهِ في تَحْرِيمِ الرِّبا]

وَأمّا قَوْلُهُ: " وحَرَّمَ بَيْعَ مُدَّ حِنْطَةٍ بِمُدٍّ وحَفْنَةٍ، وجَوَّزَ بَيْعَهُ بِقَفِيزِ شَعِيرٍ " فَهَذا مِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لا يَهْتَدِي إلَيْها إلّا أُولُو العُقُولِ الوافِرَةِ، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى حِكْمَةِ ذَلِكَ إشارَةً بِحَسَبِ عُقُولِنا الضَّعِيفَةِ وعِباراتِنا القاصِرَةِ، وشَرْعُ الرَّبِّ تَعالى وحِكْمَتُهُ فَوْقَ عُقُولِنا وعِباراتِنا، فَنَقُولُ:

الرِّبا نَوْعانِ: جَلِيٌّ وخَفِيٌّ، فالجَلِيُّ حُرِّمَ لِما فِيهِ مِن الضَّرَرِ العَظِيمِ، والخَفِيُّ حُرِّمَ؛ لِأنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلى الجَلِيِّ؛ فَتَحْرِيمُ الأوَّلِ قَصْدًا، وتَحْرِيمُ الثّانِي وسِيلَةً: فَأمّا الجَلِيُّ فَرِبا النَّسِيئَةِ، وهو الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، مِثْلُ أنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ ويَزِيدَهُ في المالِ، وكُلَّما أخَّرَهُ زادَ في المالِ، حَتّى تَصِيرَ المِائَةُ عِنْدَهُ آلافًا مُؤَلَّفَةً؛ وفي الغالِبِ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا مُعْدَمٌ مُحْتاجٌ؛ فَإذا رَأى أنَّ المُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطالَبَتَهُ ويَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيادَةٍ يَبْذُلُها لَهُ تَكَلَّفَ بَذْلَها لِيَفْتَدِيَ مِن أسْرِ المُطالَبَةِ والحَبْسِ، ويُدافِعَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ، وتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، ويَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ، فَيَرْبُو المالُ عَلى المُحْتاجِ مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ، ويَزِيدُ مالُ المُرابِي مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ مِنهُ لِأخِيهِ، فَيَأْكُلُ مالَ أخِيهِ بِالباطِلِ، ويَحْصُلُ أخُوهُ عَلى غايَةِ الضَّرَرِ، فَمِن رَحْمَةِ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وحِكْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى خَلْقِهِ أنْ حَرَّمَ الرِّبا، ولَعَنَ آكِلَهُ ومُؤَكِّلَهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَيْهِ، وآذَنَ مَن لَمْ يَدَعْهُ بِحَرْبِهِ وحَرْبِ رَسُولِهِ، ولَمْ يَجِئْ مِثْلُ هَذا الوَعِيدِ في كَبِيرَةٍ غَيْرَهُ، ولِهَذا كانَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ الرِّبا الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ فَقالَ: هو أنْ يَكُونَ لَهُ دَيْنٌ فَيَقُولُ لَهُ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي؟ فَإنْ لَمْ يَقْضِهِ زادَهُ في المالِ وزادَهُ هَذا في الأجَلِ؛ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرِّبا ضِدَّ الصَّدَقَةِ، فالمُرابِي ضِدُّ المُتَصَدِّقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقالَ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] وقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠] ﴿واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]

ثُمَّ ذَكَرَ الجَنَّةَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وهَؤُلاءِ ضِدُّ المُرابِينَ، فَنَهى سُبْحانَهُ عَنْ الرِّبا الَّذِي هو ظُلْمٌ لِلنّاسِ، وأمَرَ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي هي إحْسانٌ إلَيْهِمْ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ» ومِثْلُ هَذا يُرادُ بِهِ حَصْرُ الكَمالِ وأنَّ الرِّبا الكامِلَ إنّما هو في النَّسِيئَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] وكَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إنّما العالِمُ الَّذِي يَخْشى اللَّهَ ".

[فَصْلٌ: رِبا الفَضْلِ]

وَأمّا رِبا الفَضْلِ فَتَحْرِيمُهُ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ؛ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم الرِّمّا» والرِّمّا هو الرِّبا، فَمَنَعَهم مِن رِبا الفَضْلِ لِما يَخافُهُ عَلَيْهِمْ مِن رِبا النَّسِيئَةِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا باعُوا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ولا يُفْعَلُ هَذا إلّا لِلتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَ النَّوْعَيْنِ - إمّا في الجَوْدَةِ، وإمّا في السِّكَّةِ، وإمّا في الثِّقَلِ والخِفَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ - تَدَرَّجُوا بِالرِّبْحِ المُعَجَّلِ فِيها إلى الرِّبْحِ المُؤَخَّرِ، وهو عَيْنُ رِبا النَّسِيئَةِ، وهَذِهِ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ جِدًّا؛ فَمِن حِكْمَةِ الشّارِعِ أنْ سَدَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الذَّرِيعَةَ، ومَنَعَهم مِن بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدًا ونَسِيئَةً؛ فَهَذِهِ حِكْمَةٌ مَعْقُولَةٌ مُطابِقَةٌ لِلْعُقُولِ، وهي تَسُدُّ عَلَيْهِمْ بابَ المَفْسَدَةِ.

فَإذا تَبَيَّنَ هَذا فَنَقُولُ: الشّارِعُ نَصَّ عَلى تَحْرِيمِ رِبا الفَضْلِ في سِتَّةِ أعْيانٍ، وهي الذَّهَبُ، والفِضَّةُ، والبُرُّ، والشَّعِيرُ، والتَّمْرُ، والمِلْحُ، فاتَّفَقَ النّاسُ عَلى تَحْرِيمِ التَّفاضُلِ فِيها مَعَ اتِّحادِ الجِنْسِ، وتَنازَعُوا فِيما عَداها؛ فَطائِفَةٌ قَصَرَتْ التَّحْرِيمَ عَلَيْها، وأقْدَمُ مَن يُرْوى هَذا عَنْهُ قَتادَةُ، وهو مَذْهَبُ أهْلِ الظّاهِرِ، واخْتِيارُ ابْنِ عَقِيلٍ في آخِرِ مُصَنَّفاتِهِ مَعَ قَوْلِهِ بِالقِياسِ، قالَ: لِأنَّ عِلَلَ القِياسِيَّيْنِ في مَسْألَةِ الرِّبا عِلَلٌ ضَعِيفَةٌ، وإذا لَمْ تَظْهَرْ في عِلَّةٍ امْتَنَعَ القِياسُ.

وَطائِفَةٌ حَرَّمَتْهُ في كُلِّ مَكِيلٍ ومَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ، وهَذا مَذْهَبُ عَمّارٍ وأحْمَدَ في ظاهِرِ مَذْهَبِهِ وأبِي حَنِيفَةَ، وطائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالطَّعامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَكِيلًا ولا مَوْزُونًا، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ ورِوايَةٌ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ، وطائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالطَّعامِ إذا كانَ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ ورِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ وقَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ، وطائِفَةٌ خَصَّتْهُ بِالقُوتِ وما يُصْلِحُهُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وهو أرْجَحُ هَذِهِ الأقْوالِ كَما سَتَراهُ.

وَأمّا الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: العِلَّةُ فِيهِما كَوْنُهُما مَوْزُونَيْنِ، وهَذا مَذْهَبُ أحْمَدَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ ومَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، وطائِفَةٌ قالَتْ: العِلَّةُ فِيهِما الثَّمَنِيَّةُ، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ وأحْمَدَ في الرِّوايَةِ الأُخْرى، وهَذا هو الصَّحِيحُ بَلْ الصَّوابُ، فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى جَوازِ إسْلامِهِما في المَوْزُوناتِ مِن النُّحاسِ والحَدِيدِ وغَيْرِهِما؛ فَلَوْ كانَ النُّحاسُ والحَدِيدُ رِبَوِيَّيْنِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُما إلى أجَلٍ بِدَراهِمَ نَقْدًا؛ فَإنَّ ما يَجْرِي فِيهِ الرَّدُّ إذا اخْتَلَفَ جِنْسُهُ جازَ التَّفاضُلُ فِيهِ دُونَ النِّساءِ، والعِلَّةُ إذا انْتَقَضَتْ مِن غَيْرِ فَرْقٍ مُؤَثِّرٍ دَلَّ عَلى بُطْلانِها.

وَأيْضًا فالتَّعْلِيلُ بِالوَزْنِ لَيْسَ فِيهِ مُناسَبَةٌ، فَهو طَرْدٌ مَحْضٌ، بِخِلافِ التَّعْلِيلِ بِالثَّمَنِيَّةِ، فَإنَّ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ أثْمانُ المَبِيعاتِ، والثَّمَنُ هو المِعْيارُ الَّذِي بِهِ يُعْرَفُ تَقْوِيمُ الأمْوالِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ مَحْدُودًا مَضْبُوطًا لا يَرْتَفِعُ ولا يَنْخَفِضُ؛ إذْ لَوْ كانَ الثَّمَنُ يَرْتَفِعُ ويَنْخَفِضُ كالسِّلَعِ لَمْ يَكُنْ لَنا ثَمَنٌ نَعْتَبِرُ بِهِ المَبِيعاتِ، بَلْ الجَمِيعُ سِلَعٌ، وحاجَةُ النّاسِ إلى ثَمَنٍ يَعْتَبِرُونَ بِهِ المَبِيعاتِ حاجَةٌ ضَرُورِيَّةٌ عامَّةٌ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا بِسِعْرٍ تُعْرَفُ بِهِ القِيمَةُ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِثَمَنٍ تُقَوَّمُ بِهِ الأشْياءُ، ويَسْتَمِرُّ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ، ولا يَقُومُ هو بِغَيْرِهِ؛ إذْ يَصِيرُ سِلْعَةً يَرْتَفِعُ ويَنْخَفِضُ، فَتَفْسُدُ مُعامَلاتُ النّاسِ، ويَقَعُ الخُلْفُ، ويَشْتَدُّ الضَّرَرُ، كَما رَأيْت مِن فَسادِ مُعامَلاتِهِمْ والضَّرَرُ اللّاحِقُ بِهِمْ حِينَ اتُّخِذَتْ الفُلُوسُ سِلْعَةً تُعَدُّ لِلرِّبْحِ فَعَمَّ الضَّرَرُ وحَصَلَ الظُّلْمُ، ولَوْ جَعَلْت ثَمَنًا واحِدًا لا يَزْدادُ ولا يَنْقُصُ بَلْ تَقُومُ بِهِ الأشْياءُ ولا تَقُومُ هي بِغَيْرِها لِصُلْحِ أمْرِ النّاسِ، فَلَوْ أُبِيحَ رِبا الفَضْلِ في الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ - مِثْلُ أنْ يُعْطِيَ صِحاحًا ويَأْخُذَ مُكَسَّرَةً أوْ خِفافًا ويَأْخُذَ ثِقالًا أكْثَرَ مِنها - لَصارَتْ مَتْجَرًا، أوْ جَرَّ ذَلِكَ إلى رِبا النَّسِيئَةِ فِيها ولا بُدَّ؛ فالأثْمانُ لا تُقْصَدُ لِأعْيانِها، بَلْ يُقْصَدُ التَّوَصُّلُ بِها إلى السِّلَعِ، فَإذا صارَتْ في أنْفُسِها سِلَعًا تُقْصَدُ لِأعْيانِها فَسَدَ أمْرُ النّاسِ، وهَذا مَعْنًى مَعْقُولٌ يَخْتَصُّ بِالنُّقُودِ لا يَتَعَدّى إلى سائِرِ المَوْزُوناتِ.

[فَصْلٌ: حِكْمَةُ تَحْرِيمِ رِبا النَّساءِ في المَطْعُومِ]

وَأمّا الأصْنافُ الأرْبَعَةُ المَطْعُومَةُ فَحاجَةُ النّاسِ إلَيْها أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى غَيْرِها؛ لِأنَّها أقْواتُ العالَمِ، وما يُصْلِحُها؛ فَمِن رِعايَةِ

مَصالِحِ العِبادِ أنْ مُنِعُوا مِن بَيْعِ بَعْضِها بِبَعْضٍ إلى أجَلٍ، سَواءٌ اتَّحَدَ الجِنْسُ أوْ اخْتَلَفَ، ومُنِعُوا مِن بَيْعِ بَعْضِها بِبَعْضٍ حالًّا مُتَفاضِلًا وإنْ اخْتَلَفَتْ صِفاتُها؛ وجُوِّزَ لَهم التَّفاضُلُ فِيها مَعَ اخْتِلافِ أجْناسِها.

وَسِرُّ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَوْ جُوِّزَ بَيْعُ بَعْضِها بِبَعْضٍ نَساءً لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أحَدٌ إلّا إذا رَبِحَ، وحِينَئِذٍ تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِبَيْعِها حالَّةً لِطَمَعِهِ في الرِّبْحِ، فَيَعِزُّ الطَّعامُ عَلى المُحْتاجِ، ويَشْتَدُّ ضَرَرُهُ، وعامَّةُ أهْلِ الأرْضِ لَيْسَ عِنْدَهم دَراهِمُ ولا دَنانِيرُ، لا سِيَّما أهْلُ العَمُودِ والبَوادِي، وإنَّما يَتَناقَلُونَ الطَّعامَ بِالطَّعامِ؛ فَكانَ مِن رَحْمَةِ الشّارِعِ بِهِمْ وحِكْمَتِهِ أنْ مَنَعَهم مِن رِبا النَّساءِ فِيها كَما مَنَعَهم مِن رِبا النَّساءِ في الأثْمانِ؛ إذْ لَوْ جَوَّزَ لَهم النَّساءَ فِيها لَدَخَلَها: " إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ " فَيَصِيرُ الصّاعُ الواحِدُ لَوْ أخَذَ قُفْزانًا كَثِيرَةً، فَفُطِمُوا عَنْ النَّساءِ، ثُمَّ فَطَمُوا عَنْ بَيْعِها مُتَفاضِلًا يَدًا بِيَدٍ، إذْ تَجُرُّهم حَلاوَةُ الرِّبْحِ وظُفْرُ الكَسْبِ إلى التِّجارَةِ فِيها نَساءً وهو عَيْنُ المَفْسَدَةِ، وهَذا بِخِلافِ الجِنْسَيْنِ المُتَبايِنَيْنِ؛ فَإنَّ حَقائِقَهُما وصِفاتِهِما ومَقاصِدَهُما مُخْتَلِفَةٌ؛ فَفي إلْزامِهِمْ المُساواةَ في بَيْعِها إضْرارٌ بِهِمْ، ولا يَفْعَلُونَهُ، وفي تَجْوِيزِ النَّساءِ بَيْنَها ذَرِيعَةٌ إلى: " إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ " فَكانَ مِن تَمامِ رِعايَةِ مَصالِحِهِمْ أنْ قَصَرَهم عَلى بَيْعِها يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شاءُوا، فَحَصَلَتْ لَهم مَصْلَحَةُ المُبادَلَةِ، وانْدَفَعَتْ عَنْهم مَفْسَدَةُ: " إمّا أنْ تَقْضِيَ وإمّا أنْ تُرْبِيَ ". وهَذا بِخِلافِ ما إذا بِيعَتْ بِالدَّراهِمِ أوْ غَيْرِها مِن المَوْزُوناتِ نَساءً فَإنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذَلِكَ، فَلَوْ مَنَعُوا مِنهُ لَأضَرَّ بِهِمْ، ولامْتَنَعَ السَّلَمُ الَّذِي هو مِن مَصالِحِهِمْ فِيما هم مُحْتاجُونَ إلَيْهِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِمْ، والشَّرِيعَةُ لا تَأْتِي بِهَذا، ولَيْسَ بِهِمْ حاجَةً في بَيْعِ هَذِهِ الأصْنافِ بَعْضُها بِبَعْضٍ نَساءً وهو ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ إلى مَفْسَدَةِ الرِّبا، فَأُبِيحَ لَهم في جَمِيعِ ذَلِكَ ما تَدْعُو إلَيْهِ حاجَتُهم ولَيْسَ بِذَرِيعَةٍ إلى مَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، ومُنِعُوا مِمّا لا تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ ويُتَذَرَّعُ بِهِ غالِبًا إلى مَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ.

يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ مَن عِنْدَهُ صِنْفٌ مِن هَذِهِ الأصْنافِ وهو مُحْتاجٌ إلى الصِّنْفِ الآخَرِ فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى بَيْعِهِ بِالدَّراهِمِ لِيَشْتَرِيَ الصِّنْفَ الآخَرَ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «بِعْ الجَمْعَ بِالدَّراهِمِ ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّراهِمِ جَنِيبًا» أوْ تَبِيعَهُ بِذَلِكَ الصِّنْفِ نَفْسِهِ بِما يُساوِي، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ يَحْتاجُ إلى بَيْعِهِ حالًّا، بِخِلافِ ما إذا مُكِّنَ مِن النَّساءِ، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَبِيعُهُ بِفَضْلٍ، ويَحْتاجُ أنْ يَشْتَرِيَ الصِّنْفَ الآخَرَ بِفَضْلٍ؛ لِأنَّ صاحِبَ ذَلِكَ الصِّنْفِ يُرْبِي عَلَيْهِ كَما أرْبى هو عَلى غَيْرِهِ، فَيَنْشَأُ مِن النَّساءِ تَضَرُّرٌ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والنَّساءُ هاهُنا في صِنْفَيْنِ، وفي النَّوْعِ الأوَّلِ في صِنْفٍ واحِدٍ، وكِلاهُما مَنشَأُ الضَّرَرِ والفَسادِ.

وَإذا تَأمَّلْت ما حُرِّمَ فِيهِ النَّساءُ رَأيْته إمّا صِنْفًا واحِدًا أوْ صِنْفَيْنِ مَقْصُودُهُما واحِدٌ أوْ مُتَقارِبٌ، كالدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، والبُرِّ والشَّعِيرِ، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، فَإذا تَباعَدَتْ المَقاصِدُ لَمْ يَحْرُمْ النَّساءُ كالبُرِّ والثِّيابِ والحَدِيدِ والزَّيْتِ.

يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ مُكِّنَ مِن بَيْعِ مُدِّ حِنْطَةٍ بِمَدَّيْنِ كانَ ذَلِكَ تِجارَةً حاضِرَةً، فَتَطْلُبُ النُّفُوسُ التِّجارَةَ المُؤَخَّرَةَ لِلَذَّةِ الكَسْبِ وحَلاوَتِهِ؛ فَمُنِعُوا مِن ذَلِكَ حَتّى مُنِعُوا مِن التَّفَرُّقِ قَبْلَ القَبْضِ إتْمامًا لِهَذِهِ الحِكْمَةِ، ورِعايَةً لِهَذِهِ المَصْلَحَةِ؛ فَإنَّ المُتَعاقِدَيْنِ قَدْ يَتَعاقَدانِ عَلى الحُلُولِ، والعادَةُ جارِيَةٌ بِصَبْرِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، وكَما يَفْعَلُ أرْبابُ الحِيَلِ: يُطْلِقُونَ العَقْدَ وقَدْ تَواطَئُوا عَلى أمْرٍ آخَرَ، كَما يُطْلِقُونَ عَقْدَ النِّكاحِ وقَدْ اتَّفَقُوا عَلى التَّحْلِيلِ، ويُطْلِقُونَ بَيْعَ السِّلْعَةِ إلى أجَلٍ وقَدْ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يُعِيدُها إلَيْهِ بِدُونِ ذَلِكَ الثَّمَنِ؛ فَلَوْ جُوِّزَ لَهم التَّفَرُّقُ قَبْلَ القَبْضِ لَأطْلَقُوا البَيْعَ حالًّا وأخَّرُوا الطَّلَبَ لِأجْلِ الرِّبْحِ، فَيَقَعُوا في نَفْسِ المَحْذُورِ.

وَسِرُّ المَسْألَةِ أنَّهم مُنِعُوا مِن التِّجارَةِ في الأثْمانِ بِجِنْسِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الأثْمانِ، ومُنِعُوا مِن التِّجارَةِ في الأقْواتِ بِجِنْسِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَ الأقْواتِ، وهَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ مَوْجُودٌ في بَيْعِ التِّبْرِ والعَيْنِ؛ لِأنَّ التِّبْرَ لَيْسَ فِيهِ صَنْعَةٌ يُقْصَدُ لِأجْلِها؛ فَهو بِمَنزِلَةِ الدَّراهِمِ الَّتِي قَصَدَ الشّارِعُ ألّا يُفاضِلَ بَيْنَها، ولِهَذا قالَ: " تِبْرُها وعَيْنُها سَواءٌ " فَظَهَرَتْ حِكْمَةُ تَحْرِيمِ رِبا النَّساءِ في الجِنْسِ والجِنْسَيْنِ، ورِبا الفَضْلِ في الجِنْسِ الواحِدِ، وأنَّ تَحْرِيمَ هَذا تَحْرِيمُ المَقاصِدِ وتَحْرِيمَ الآخَرِ تَحْرِيمُ الوَسائِلِ وسَدُّ الذَّرائِعِ، ولِهَذا لَمْ يُبَحْ شَيْءٌ مِن رِبا النَّسِيئَةِ.

2:276Page 47

يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦

Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.

عاقب الله من احتال على أكل أموال الناس بالربا بأن يمحق ماله. كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا ويُرْبى الصَّدَقاتِ﴾.

فلا بد أن يمحق مال المرابي ولو بلغ ما بلغ.

وأصل هذا: أن الله سبحانه جعل عقوبات أصحاب الجرائم بضد ما قصدوا له بتلك الجرائم، فجعل عقوبة الكاذب إهدار كلامه ورده عليه.

وجعل عقوبة الغال من الغنيمة لما قصد تكثير ماله بالغلول: حرمانه سهمه، وإحراق متاعه.

وجعل عقوبة من اصطاد في الحرم أو الإحرام: تحريم أكل ما صاده، وتغريمه نظيره.

وجعل عقوبة من تكبر عن قبول الحق والانقياد له: أن ألزمه من الذل والصغار بحسب ما تكبر عنه من الحق.

وجعل عقوبة من استكبر عن عبوديته وطاعته: أن صيره عبدا لأهل عبوديته وطاعته.

وجعل عقوبة من أخاف السبيل وقطع الطريق: أن تقطع أطرافه، وتقطع عليه الطرق كلها بالنفى من الأرض، فلا يسير فيها إلا خائفًا.

وجعل عقوبة من التذ بدنه كله وروحه بالوطء الحرام: إيلام بدنه وروحه بالجلد والرجم فيصل الألم إلى حيث وصلت اللذة.

وشرع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عقوبة من اطلع في بيت غيره: أن تقلع عينه بعود ونحوه، إفسادًا للعضو الذي خانه، وأولجه بيته بغير إذنه، واطلع به على حرمته.

وعاقب كل خائن بأنه يضل كيده ويبطله ولا يهديه المقصوده وإن نال بعضه، فالذي ناله سبب لزيادة عقوبته وخيبته: ﴿وَأنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢].

وعاقب من حرص على الولاية، والإمارة والقضاء، بأن شرع منعه وحرمانه ما حرص عليه كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: " إنّا لا نُوَلّى عَمَلَنا هذا مَن سَألهُ".

ولهذا عاقب أبا البشر آدم عليه السلام: بأن أخرجه من الجنة لما عصاه بالأكل من الشجرة ليخلد فيها، فكانت عقوبته إخراجه منها، ضد ما أمله.

وعاقب من اتخذ معه إلها آخر، ينتصر به، ويتعزز به: بأن جعله عليه ضدا يذل به، ويخذل به. كما قال تعالى: ﴿واتّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزا كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدا﴾ [مريم: ٨١-٨٢] وقال تعالى ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلّهم يُنْصَرُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مْحُضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤-٧٥]

وقال تعالى ﴿لا تَجْعَل مَعَ اللهِ إلها آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوما مَخْذُولا﴾ [الإسراء: ٢٢].

ضد ما أمله المشرك من اتخاذ الإله من النصر والمدح.

وعاقب الناس إذا بخسوا الكيل والميزان بجور السلطان عليهم، يأخذ من أموالهم أضعاف ما يبخس به بعضهم بعضا.

وعاقبهم إذا منعوا الزكاة والصدقة ترفيها لأموالهم بحبس الغيث عنهم، فيمحق بذلك أموالهم، ويستوى غنيهم وفقيرهم في الحاجة.

وعاقبهم إذا أعرضوا عن كتابه وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وطلبوا الهدى من غيره: بأن يضلهم، ويسد عليهم أبواب الهدى كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في حديث على رضي الله عنه الذي رواه الترمذى وغيره، وذكر القرآن:

"مَن تَرَكَهُ مِن جَبّارٍ قَصَمَهُ اللهُ، ومَنِ ابْتَغى الُهْدى في غَيْرِهِ أضَلَّهُ اللهُ".

فإن المعرض عن القرآن إما أن يعرض عنه كبرا، فجزاؤه أن يقصمه الله، أو طلبا للهدى من غيره فجزاؤه أن يضله الله.

وهذا باب واسع جدا عظيم النفع. لمن تدبره يجده متضمنا لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته، بأن يعكس عليه مقصوده شرعًا وقدرًا، دنيا وآخره. وقد اطردت سنته الكونية سبحانه في عباده، بأن من مكر بالباطل مكر به، ومن احتال احتيل عليه، ومن خادع غيره خدع.

قال الله تعالى: ﴿إنّ المُنافِقينَ يُخادِعُونَ اللهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]

وقال تعالى ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِه﴾ [فاطر: ٤٣].

فلا تجد ماكرًا إلا وهو ممكور به، ولا مخادعا إلا وهو مخدوع، ولا محتالا إلا وهو محتال عليه.

(فائدة)

إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَسَّمَ خَلْقَهُ إلى غَنِيٍّ وفَقِيرٍ، ولا تَتِمُّ مَصالِحُهم إلّا بِسَدِّ خَلَّةِ الفَقِيرِ، فَأوْجَبَ سُبْحانَهُ في فُضُولِ أمْوالِ الأغْنِياءِ ما يَسُدُّ بِهِ خَلَّةَ الفُقَراءِ، وحَرَّمَ الرِّبا الَّذِي يَضُرُّ بِالمُحْتاجِ، فَكانَ أمْرُهُ بِالصَّدَقَةِ ونَهْيُهُ عَنْ الرِّبا أخَوَيْنِ شَقِيقَيْنِ؛ ولِهَذا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] وذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أحْكامَ النّاسِ في الأمْوالِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وهي ثَلاثَةٌ: عَدْلٌ، وظُلْمٌ، وفَضْلٌ؛ فالعَدْلُ البَيْعُ، والظُّلْمُ الرِّبا، والفَضْلُ الصَّدَقَةُ؛ فَمَدَحَ المُتَصَدِّقِينَ وذَكَرَ ثَوابَهُمْ، وذَمَّ المُرابِينَ وذَكَرَ عِقابَهُمْ، وأباحَ البَيْعَ والتَّدايُنَ إلى أجْلٍ مُسَمًّى.

2:277Page 47

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧

Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

No commentary for this ayah

2:278Page 47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨

O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.

فصدر الآية بالأمر بتقواه المضادة للربا، وأمر بترك ما بقي من الربا بعد نزول الآية، وعفا لهم عما قبضوه به قبل التحريم، ولولا ذلك لردوا ما قبضوه به قبل التحريم، وعلق هذا الامتثال على وجود الإيمان منهم.

والمعلق على شرط منتف عند انتفائه.

ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده. وهي محاربة المرابي لله ورسوله.

2:279Page 47

فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩

And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.

ففي ضمن هذا الوعيد: أن المرابي محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه. ولم يجيء هذا الوعيد في كبيرة سوى الربا، وقطع الطريق، والسعي في الأرض بالفساد، لأن كل واحد منهما مفسد في الأرض قاطع الطريق على الناس: هذا بقهره لهم وتسلطه عليهم. وهذا بامتناعه من تفريح كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها.

فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله. وأذن هؤلاء إن لم يتركوا الربا بحربه وحرب رسوله.

ثم قال: ﴿وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُؤُسُ أمْوالِكُمْ﴾ يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه، وقد عاقدتم عليه، فإنما لكم رؤوس أموالكم لا تزدادون عليها فتظلمون الآخذ. ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها. فإن كان هذا القابض معسرا فالواجب إنظاره إلى ميسرة. وإن تصدقتم عليه وأبرأتموه فهو أفضل لكم وخير لكم. فإن أبت نفوسكم وشحّت بالعدل الواجب أو الفضل المندوب فذكروها يوما ترجعون فيه إلى الله وتلقون ربكم، فيوفيكم جزاء أعمالكم أحوج ما أنتم إليه.

فذكر سبحانه المحسن وهو المتصدق ثم عقبه بالظالم وهو المرابي.

2:280Page 47

وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠

And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.

No commentary for this ayah

2:281Page 47

وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١

And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском