Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:35
2:35Page 6
وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥
And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."
(فصل)
وَأما الأزْواج فَجمع زوج وقد يُقال زَوْجَة والأول أفْصح وبها جاءَ القُرْآن
قالَ تَعالى ﴿يا آدم اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]
وَقالَ تَعالى في حق زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلام ﴿وَأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَه﴾ [الأنبياء: ٩٠]
وَمن الثّانِي قَول ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما في عائِشَة رَضِي الله عَنْها إنَّها زَوْجَة نَبِيكُم في الدُّنْيا والآخِرَة
وَقالَ الفرزدق
؎(وَإن الَّذِي يَبْغِي ليفسد زَوْجَتي ∗∗∗ كساع إلى أسد الشرى يستبيلها)
وَقد يجمع على زَوْجات وهَذا إنَّما هو جمع زَوْجَة وإلّا فَجمع زوج أزواج
قالَ تَعالى ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦]
وَقالَ تَعالى ﴿أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٧٠]
وَقد وقع في القُرْآن الإخْبار عَن أهل الإيمان بِلَفْظ الزَّوْج مُفردا وجمعًا كَما تقدم
وَقالَ تَعالى ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]
وَقالَ تَعالى ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِك﴾ [الأحزاب: ٥٩]
والإخبار عَن أهل الشّرك بِلَفْظ المَرْأة قالَ تَعالى ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ إلى قَوْله ﴿وامْرَأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾.
وَقالَ تَعالى ﴿ضَرَبَ الله مثلا للَّذين كفرُوا امْرَأة نوح وامْرَأة لوط﴾ [التَّحْرِيم ١٠ فَلَمّا كانَتا مشركتين أوقع عَلَيْهِما اسْم المَرْأة وقالَ في فِرْعَوْن ﴿وَضرب الله مثلا للَّذين آمنُوا امْرَأة فِرْعَوْن﴾ [التحريم: ١١]
لما كانَ هو المُشرك وهِي مُؤمنَة لم يسمها زوجا لَهُ
وَقالَ في حق آدم ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾
وَقالَ للنَّبِي ﷺ ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزواجك﴾ [الأحزاب: ٥٠]
وَقالَ في حق المُؤمنِينَ ﴿وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]
فَقالَت طائِفَة مِنهُم السُّهيْلي وغَيره إنَّما لم يقل في حق هَؤُلاءِ الأزْواج لِأنَّهُنَّ لسن بِأزْواج لرجالهم في الآخِرَة ولِأن التَّزْوِيج حلية شَرْعِيَّة وهو من أمر الدّين فَجرد الكافِرَة مِنهُ كَما جرد مِنها امْرَأة نوح وامْرَأة لوط
ثمَّ أورد السُّهيْلي على نَفسه قَول زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلام ﴿وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٥]
وَقَوله تَعالى عَن إبْراهِيم ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّة﴾ [الذاريات: ٢٩]
وَأجاب بِأن ذكر المَرْأة أليق في هَذِه المَواضِع لِأنَّهُ في سِياق ذكر الحمل والولادة فَذكر المَرْأة أولى بِهِ لِأن الصّفة الَّتِي هي الأُنُوثَة هي المُقْتَضِيَة للْحَمْل والوضع لا من حَيْثُ كانَت زوجا.
قلت ولَو قيل إن السِّرّ في ذكر المُؤمنِينَ ونِسائِهِمْ بِلَفْظ الأزْواج أن هَذا اللَّفْظ مشْعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران كَما هو المَفْهُوم من لَفظه فَإن الزَّوْجَيْنِ هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان أو المتساويان ومِنه قَوْله تَعالى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]
قالَ عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنهُ أزواجهم أشباههم ونظراؤهم
وَقالَهُ الإمام أحْمد أيْضا
وَمِنه قَوْله تَعالى ﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أي قرن بَين كل شكل وشكله في النَّعيم والعَذاب
قالَ عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنهُ في هَذِه الآيَة الصّالح مَعَ الصّالح في الجنَّة والفاجر مَعَ الفاجِر في النّار
وَقالَهُ الحسن وقَتادَة والأكْثَرُونَ.
وَقيل زوجت أنفس المُؤمنِينَ بالحور العين وأنفس الكافرين بالشياطين وهو راجع إلى القَوْل الأول
قالَ تَعالى ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ثمَّ فَسرها ﴿من الضَّأْن اثْنَيْنِ ومن المعز اثْنَيْنِ﴾، ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣-١٤٤] فَجعل الزَّوْجَيْنِ هما الفردان من نوع واحِد
وَمِنه قَوْلهم زوجا خف وزوجا حمام ونَحْوه
وَلا ريب أن الله سُبْحانَهُ وتَعالى قطع المشابهة والمشاكلة بَين الكافِر والمُؤمن
قالَ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وقالَ تَعالى في حق مؤمني أهل الكتاب وكافرهم ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهل الكتاب﴾ [آل عمران: ١١٣] وقطع المُقارنَة سُبْحانَهُ بَينهما في أحْكام الدُّنْيا فَلا يتوارثان ولا يتناكحان ولا يتَوَلّى أحدهما صاحبه فَكَما انْقَطَعت الوصلة بَينهما في المَعْنى انْقَطَعت في الِاسْم فأضاف فِيها المَرْأة بِلَفْظ الأُنُوثَة المُجَرّد دون لفظ المشاكلة والمشابهة
وَتَأمل هَذا المَعْنى تَجدهُ أشد مُطابقَة لألفاظ القُرْآن ومعانيه ولِهَذا وقع على المسلمَة امْرَأة الكافِر وعَلى الكافِرَة امْرَأة المُؤمن لفظ المَرْأة دون الزَّوْجَة تَحْقِيقا لهَذا المَعْنى والله أعلم.
وَهَذا أولى من قَول من قالَ إنَّما سمى صاحِبَة أبي لَهب امْرَأته ولم يقل لَها زَوجته لِأن أنكحة الكفّار لا يثبت لَها حكم الصِّحَّة بِخِلاف أنكحة أهل الإسْلام فَإن هَذا باطِل بِإطْلاقِهِ اسْم المَرْأة على امْرَأة نوح وامْرَأة لوط مَعَ صِحَة ذَلِك النِّكاح
وَتَأمل في هَذا المَعْنى في آيَة المَوارِيث وتعليقه سُبْحانَهُ التَّوارُث بِلَفْظ الزَّوْجَة دون المَرْأة كَما في قَوْله تَعالى ﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزواجكم﴾ [النساء: ١٢] إيذانًا بِأن هَذا التَّوارُث إنَّما وقع بِالزَّوْجِيَّةِ المُقْتَضِيَة للتشاكل والتناسب والمُؤمن والكافِر لا تشاكل بَينهما ولا تناسب فَلا يَقع بَينهما التَّوارُث.
وأسرار مُفْرَدات القُرْآن ومركباته فَوق عقول العالمين.
(موعظة)
لا تحتقر معصية فكم أحرقت شررة. أما عرفت سر: ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
لو قنع آدم لاكتفى ولكن المحنة كانت في الشرة. الخلوة شرك لصيد المؤانسة. أخفى الصيادين شخصا وأقلهم حركة أكثرهم التقاط للصيد. ما صاد هرنوا أي صوت.
أبدا نفوس العاشقين ... إلى ربوعكم تحن
وكذا القلوب بذكركم ... بعد المخافة تطمئن
وقال غيره:
؎طلولي إذا يشكو إليها متيم ∗∗∗ شكا غير ذي نطق إلى غير ذي فهم
وقال غيره:
؎وأنما عمر الفتى سوق له ∗∗∗ يصدر عنه غانمأ أو خاسرا
قال غيره:
؎تراع إذا الجنائز قابلتنا ∗∗∗ ونلهو حين تخفي ذاهبات
؎كروعة ثلة لظهور ذئب ∗∗∗ فلما غاب عادت راتعات
خذ نفسك بالعزائم لا ترخص. حائط الباطن خراب فعلام إذا تجصص.
العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة.
الجهل والبطالة توأمان أمهما إيثار الكسل.
أيها المعلم تثبت على المبتدى وقدر في السر فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق. ويا أيها الطالب تواضع في الطلب فإن التراب بيننا هو تحت الأخمص صار طهورا للوجه. تجلى عليك عروس المعرفة ولكن علي غير كفؤ. وإنما يحل النظر إذا كان العقد جائزا. فغض الطرف إنك من نمير. ليس العالم شخصا واحدا العالم عالم تصانيف. العالم أولاده المخلدون دون أولاده. من خلق للعلم شف جوهره من الصغر. طول الشهر مفض إلى طيب المرقد والهوان في ظل الهوينا كامن. وجلالة الأخطار في ركوب الأخطار. مياه المعاني مخزونة في قلب العالم يفتح منها للسقي سيحا بعد سيح ويدخر أصفاها لأهل الصفا فإذا تكاثرت عليه نادى للسبيل فيبقي علمه سيح ولهذا يتضاعف
عليه زكاة الشكر. كل وقت تسافر بضائع فكره من مدينة قلبه إلى قلوب الطالبين فينادي عليها دلال لسانه وهو يعرضها في مواسم النصح على تجار الطلب والإرادة من يشتري حكمه وعلما بتخيير الثمن.
فيا من يرى علو تلك المرتبة لا تنس الدرج. كم خاض بحرا ملحا حتى وقع بالعذب وكم تاه في مهمه قفر حتى سمى بالدليل وكم أنض مراكب الجسم وفض شهوات الحس وواصل السرى ليلا ونهارا وأوقد نار الصبر في دياجي الهوى فإن وثقتم بأمانته فهذا تخبير السرى. الدنيا تفوق سهامها نحو بنيها وتقول خذوا حذركم فلهذا دم قتلاها هدر. غاب الهدهد عن سليمان ساعة فتوعده فيا من أطال الغيبة عن ربه هل أمنت غضبه تخلف الثلاثة عن الرسول في غزوة واحدة فجرى لهم ما سمعت فكيف بمن عمره في التخلف عنه. إذا سكر الغراب بشراب الحرص تنقل بالجيف فإذا صحا من خماره ندم على الطلل خالف موسى الخضر في طريق الصحبة ثلاث مرات فحل عقدة الوصال بيد هذا فراق بيني وبينك أفما تخاف يا من لم يف لربه قط أن تقول في بعض زلاتك هذا فراق بيني وبينك.
(الباب الثاني: في اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم عليه الصلاة والسلام وأهبط منها هل هي جنة الخلد أو جنة أخرى غيرها في موضع عال من الأرض)؟
قال منذر بن سعيد في تفسير قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ فقالت طائفة أسكن الله آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة.
وقال آخرون هي جنة غيرها جعلها الله له وأسكنه إياها ليست جنة الخلد.
قال وهذا قول تكثر الدلائل الشاهدة له والموجبة للقول به.
وقال أبو الحسن الماوردي في تفسيره: "واختلف الناس في الجنة التي أسكناها على قولين:
أحدهما أنها جنة الخلد.
الثاني: أنها جنة أعدها الله تعالى لهما وجعلها ابتلاء وليست هي جنة الخلد التي جعلها دار جزاء".
ومن قال بهذا اختلفوا فيه قولين:
أحدهما: أنها في السماء لأنه أهبطهما منها وهذا قول الحسن
الثاني: أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار وهذا قول ابن بحر وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام والله أعلم بصواب ذلك هذا كلامه.
وقال ابن الخطيب في تفسيره المشهور واختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية هل كانت في الأرض أو في السماء وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب وجنة الخلد أو جنة أخرى فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني: "هذه الجنة في الأرض" وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ واحتجا عليه بوجوه.
القول الثاني وهو قول الجبائي أن تلك الجنة التي كانت في السماء السابعة.
والقول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا أن هذه الجنة هي دار الثواب وقال أبو القاسم الراغب في تفسيره واختلف في الجنة التي أسكنها آدم فقال بعض المتكلمين كان بستانا جعله الله تعالى له امتحانا ولم يكن جنة المآوى وذكر بعض الاستدلال على القولين.
وممن ذكر الخلاف أيضا أبو عيسى الرماني في تفسيره واختار أنها جنة الخلد ثم قال والمذهب الذي اخترناه قول الحسن وعمرو وواصل وأكثر أصحابنا وهو قول أبي علي وشيخنا أبي بكر وعليه أهل التفسير واختار ابن الخطيب التوقف في المسألة وجعله قولا رابعا فقال:
والقول الرابع: أن لكل ممكن والأدلة متعارضة فوجب التوقف وترك القطع قال منذر بن سعيد والقول بإنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد قول أبي حنيفة وأصحابه قال: وقد رأيت أقواما نهضوا لمخالفتنا في جنة آدم عليه السلام بتصويب مذهبهم من غير حجة إلا الدعاوى والأماني ما أتوا بحجة من كتاب ولا سنة ولا أثر عن صاحب ولا تابع ولا تابع التابع ولا موصولا ولا شاذا مشهورا.
وقد أوجدناهم أن فقيه العراق ومن قال بقوله قالوا إن جنة آدم ليست جنة الخلد وهذه الدواوين مشحونة من علومهم ليسوا عند أحد من الشاذين بل بين رؤساء المخالفين وإنما قلت هذا ليعلم أني لا أنصر مذهب أبي حنيفة وإنما أنصر ما قام لي عليه الدليل من القرآن والسنة هذا ابن زيد المالكي يقول في تفسيره سألت ابن نافع عن الجنة أمخلوقة هي فقال السكوت عن الكلام في هذا أفضل وهذا ابن عيينة يقول في قوله عز وجل: ﴿إنَّ لَكَ ألاَّ تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾
قال يعني في الأرض وابن نافع وإمام وابن عيينة إمام وهو لا يأتوننا بمثلهما ولا من يضاد قوله قولهما.
وهذا ابن قتيبة ذكر في كتاب المعارف بعد ذكره خلق الله لآدم وزوجه
قال: ثم تركهما وقال أثمروا وأكثروا وأملؤا الأرض وتسلطوا على أنوان البحور وطير السماء والأنعام وعشب الأرض وشجرها وثمرها فأخبر أن في الأرض خلقه وفيها أمره ثم قال ونصب الفردوس فانقسم على أربعة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات ثم ذكر الحية فقال وكانت أعظم دواب البر فقالت للمرأة أنكما تموتان إن أكلتما من هذه الشجرة.
ثم قال بعد كلام ثم أخرجه من مشرق جنة عدن إلى الأرض التي منها أخذ ثم قال قال وهب وكان مهبطه حين أهبط من جنة عدن في شرقي أرض الهند قال واحتمل قأبيل أخاه حتى أتى به واديا من أودية اليمن في شرقي عدن فكمن فيه وقال غيره فيما نقل أبو صالح عن ابن عباس في قوله أهبطوا هو كما يقال هبط فلان أرض كذا وكذا.
قال منذر بن سعيد فهذا وهب بن منبه يحكي أن آدم عليه السلام خلق في الأرض وفيها سكن وفيها نصب له الفردوس وإنه كان بعدن وإن أربعة أنهار أنقسمت من ذلك النهر الذي كان يسمى فردوس آدم وتلك الأنهار بقيت في الأرض لاختلاف بين المسلمين في ذلك فاعتبروا يا أولي الألباب وأخبر أن الحية التي كلمت آدم كانت من أعظم دواب البر ولم يقل من أعظم دواب السماء فهم يقولون إن الجنة لم تكن في الأرض وإنما كانت فوق السماء السابعة.
ثم قال وأخرجه من مشرق جنة عدن وليس في جنة المآوى مشرق ولا مغرب لأنه لا شمس فيها.
ثم قال وأخرجه إلى الأرض التي أخذ منها يعني أخرجه من الفردوس الذي نصب له في عدن في شرقي أرض الهند وهذه الأخبار التي حكى ابن قتيبة إنما تنبئ عن أرض اليمن وعن عدن وهي من أرض اليمن وأخبر أن الله نصب الفردوس لآدم عليه السلام بعدن ثم أكد ذلك بأن قال: التي أربعة الأنهار التي ذكرناها منقسمة عن النهر الذي كان يسمى فردوس آدم.
قال منذر وقال ابن قتيبة عن ابن منبه عن أبي هريرة قال واشتهى آدم عند موته قطفا من الجنة التي كان فيها بزعمهم على ظهر السماء السابعة وهو في الأرض فخرج أولاده يطلبون ذلك له حتى بلغتهم الملائكة موته فأولاد آدم كانوا مجانين عندكم إن كان ما نقله ابن قتيبة حقا يطلبون لأبيهم ثمر جنة الخلد في الأرض.
قال ونحن لم نقل غير ما قال هؤلاء ولو كانت جنة الخلد، الخلد فيها ونحن استدللنا من القرآن وغيرنا قطع وادعى بما ليس له عليه برهان.
فهذا ذكر بعض أقوال من حكى الخلاف في هذه المسألة ونحن نسوق حجج الفريقين إن شاء الله تعالى ونبين لهم ما لهم وما عليهم.
الباب الثالث: في سياق حجج من اختار أنها جنة الخلد التي يدخلها الناس يوم القيامة
قالوا قولنا هذا هو الذي فطر الله عليه الناس صغيرهم وكبيرهم لم يخطر بقلوبهم سواه وأكثرهم لا يعلم في ذلك نزاعا.
قالوا وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة وأبي مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله ﷺ: " يجمع الله تعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم عليه السلام فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم". وذكر الحديث.
قالوا وهذا يدل على أن الجنة التي أخرج منها هي بعينها التي يطلب منه أن يستفتحها.
وفي الصحيحين حديث احتجاج آدم وموسى وقول موسى أخرجتنا ونفسك من الجنة ولو كانت في الأرض فهم قد خرجوا من بساتين فلم يخرجوا من الجنة وكذلك قول آدم للمؤمنين يوم القيامة وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم وخطيئته لم تخرجهم من جنات الدنيا.
قالوا وقد قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ فهذا يدل على أن هبوطهم كان من الجنة إلى الأرض من وجهين أحدهما من لفظة اهبطوا فإنه نزول من علو إلى سفل والثاني ولكم في الأرض مستقر عقب قوله اهبطوا فدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض ثم أكد هذا بقوله في سورة الأعراف ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ ولو كانت الجنة في الأرض لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده.
قالوا وقد وصف سبحانه جنة آدم بصفات لا تكون إلا في جنة الخلد فقال: ﴿إنَّ لَكَ ألاَّ تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ وهذا لا يكون في الدنيا أصلا فإن الرجل ولو كان أطيب منازلها لا بد أن يعرض له شيء من ذلك وقابل سبحانه بين الجوع والظمأ والعري والضحى فإن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر والظمأ حر الباطن والضحى حر الظاهر فنفى عن سكانها ذل الظاهر والباطن وحر الظاهر والباطن وذلك أحسن من المقابلة بين الجوع والعطش والعري والضحى وهذا شأن ساكن جنة الخلد.
قالوا وأيضا فلو كانت تلك الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب إبليس في قوله: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾
فإن آدم كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية وأن ملكها يبلى.
قالوا وأيضا هذه القصة في سورة البقرة ظاهرة جدا في أن الجنة التي أخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ (٣٤) وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥) فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾ فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنة فلهذا أتى فيه بضمير الجمع وقد قيل إن الخطاب لهما وللحية وهذا ضعيف جدا إذ لا ذكر للحية في شيء من قصة آدم ولا في السياق ما يدل عليها وقيل الخطاب لآدم وحواء وأتى فيه بضمير الجمع كقوله وكنا لحكمهم شاهدين وهما داود وسليمان وقيل لآدم وحواء وذريتهما.
وهذه الأقوال ضعيفة غير الأول لأنها قول لا دليل عليه بين ما يدل اللفظ على خلافه فثبت أن إبليس داخل في هذا الخطاب وأنه من المهبطين فإذا تقرر هذا فقد ذكر سبحانه الإهباط ثانيا بقوله: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدىً فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
والظاهر أن هذا الإهباط الثاني في غير الأول وهو إهباط من السماء إلى الأرض والأول إهباط من الجنة وحينئذ فتكون الجنة التي إهبط منها أولا فوق السماء جنة الخلد وقد ظن الزمخشري أن قوله اهبطوا منها جميعا خطاب لآدم وحواء خاصة وعبر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما قال والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ قال ويدل على ذلك قوله: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.
ومعنى قوله بعضكم لبعض عدو ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم بعضا وهذا الذي اختاره أضعف الأقوال في الآية فإن العداوة التي ذكرها الله تعالى إنما هي بين آدم وإبليس وذريتهما كما قال الله تعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾
وهو سبحانه قد أكد أمر العداوة بين الشيطان والإنسان وأعاد وأبدى ذكرها في القرآن لشدة الحاجة إلى التحرز من هذا العدو
وأما آدم وزوجته فإنه إنما أخبر في كتابه أنه خلقها ليسكن إليها وجعل بينهما مودة ورحمة فالمودة والرحمة بين الرجل وامرأته والعداوة بين الإنسان والشيطان.
وقد تقدم ذكر آدم وزوجه وإبليس وهو ثلاثة فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور مع منافرته لطريق الكلام دون جميعه مع أن اللفظ والمعنى يقتضيه فلم يصنع الزمخشري شيئا؟
وأما قوله تعالى في سورة طه: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾ وهذا خطاب لآدم وحواء وقد جعل بعضهم لبعض عداوا فالضمير في قوله اهبطا منها أما أن يرجع إلى آدم وزوجته أو إلى آدم وإبليس ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمتخاطبين بالإهباط وهما آدم وإبليس فالأمر ظاهر وأما على الأول فتكون الآية قد اشتملت على أمرين:
أحدهما: أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط.
والثاني: إخباره بالعداوة بين آدم وزوجته وبين إبليس ولهذا أتى الضمير الجمع في الثاني دون الأول ولا بد أن يكون إبليس داخلا في حكم هذه العداوة قطعا كما قال تعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِك﴾ وقال للذرية ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾.
وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية؟
وأما الإهباط فتارة يذكره بلفظ الجمع، وتارة بلفظ التثنية، وتارة بلفظ الإفراد كقوله في سورة الأعراف ﴿قال اهبط منها﴾
وكذلك في سورة (ص) وهذا لإبليس وحده.
وحيث ورد بصيغة الجمع فهو لآدم وزوجه وإبليس إذ مدار القصة عليهم وحيث ورد بلفظ التثنية، فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية.
وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين وأصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك.
والذي يوضح أن الضمير في قوله ﴿اهبطا منها جميعا﴾ لآدم وإبليس إن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى قال قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾
وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعا فإن المقصود إخبار الله تعالى للثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الإنس فقط.
وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم، وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله.
قالوا وأيضا فالجنة جاءت معرفة بلام التعريف في جميع المواضع كقوله: ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ﴾ ونظائره ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علما عليها بالغلبة كالمدينة والنجم والبيت والكتاب ونظائرها فحيث ورد لفظها معرفا انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين وأما أن أريد به جنة غيرها فإنها تجيء منكرة أو مقيدة بالإضافة أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها جنة في الأرض:
فالأول كقوله: جنتين من أعناب.
والثاني: كقوله ولولا إذ دخلت جنتك. والثالث كقوله: ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾.
قالوا: ومما يدل على أن جنة آدم هي جنة المآوى ما روى هوذة بن خليفة عن عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعري قال إن الله تعالى لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة وعلمه صنعة كل شيء فثماركم هذه من ثمار الجنة غير إن هذه تتغير وتلك لا تتغير قالوا.
وقد ضمن الله سبحانه وتعالى له إن تاب إليه وأناب أن يعيده إليها كما روى المنهال عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ قال يا رب ألم تخلقني بيدك قال بلى قال أي رب ألم تنفخ في من روحك قال بلى قال أي رب ألم تسكني جنتك قال بلى قال أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال أرأيت أن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال بلى قال فهو قوله تعالى فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها كان آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه إني راجعك إلى الجنة فهذا بعض ما احتج به القائلون بأنها جنة الخلد ونحن نسوق حجج الآخرين.
الباب الرابع: في سياق حجج الطائفة التي قالت ليست جنة الخلد وإنما هي جنة في الأرض.
قالوا هذا قول تكثر الدلائل الموجبة للقول به فنذكر بعضها قالوا قد أخبر الله سبحانه على لسان جميع رسله أن جنة الخلد أنما يكون الدخول إليها يوم القيامة ولم يأت زمن دخولها بعد وقد وصفها الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه بصفاتها ومحال أن يصف الله سبحانه وتعالى شيئا بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفه بها.
قالوا فوجدنا الله تعالى وصف الجنة التي أعدت للمتقين بإنها دار المقامة فمن دخلها أقام بها ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها ووصفها بإنها جنة الخلد وآدم لم يخلد فيها ووصفها بأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهى ووصفها بأنها دار سلامة مطلقة لا دار ابتلاء وامتحان وقد ابتلى آدم فيها بأعظم الابتلاء ووصفها بأنها دار لا يعصي الله فيها أبدا وقد عصى آدم ربه في جنته التي دخلها ووصفها بأنها ليست دار خوف ولا حزن وقد حصل للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل وسماها دار السلام ولم يسلم فيها الأبوان من الفتنة ودار القرار ولم يستقر فيها وقال في داخلها: ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ وقد أخرج منها الأبوان وقال: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾ وقد ند فيها آدم هاربا فارا وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه وأخبر أنه لا لغو فيها ولا تأثيم وقد سمع فيها آدم لغو إبليس وإثمه وأخبر أنه لا يسمع فيها لغو ولا كذاب وقد سمع فيها آدم عليه السلام كذب إبليس. وقد سماها الله سبحانه وتعالى مقعد صدق وقد كذب فيها إبليس وحلف على كذبه
وقد قال تعالى للملائكة ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ ولم يقل إني جاعل في جنة المأوى فقالت الملائكة: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ ومحال أن يكون هذا في جنة المأوى.
وقد أخبر الله تعالى عن إبليس إنه قال لآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى فإن كان الله سبحانه وتعالى قد أسكن آدم جنة الخلد والملك الذي لا يبلى فكيف لم يرد عليه ويقول له كيف تدلني على شيء أنا فيه وقد أعطيته ولم يكن الله سبحانه وتعالى قد أخبر آدم إذ أسكنه الجنة أنه فيها من الخالدين ولو علم أنها دار الخلد لما ركن إلى قول إبليس ولا مال إلى نصيحته ولكنه لما كان في غير دار خلود غرّه بما أطعمه فيه من الخلد.
قالوا ولو كان أدم أسكن جنة الخلد وهي دار القدس التي لا يسكنها إلا طاهر مقدس فكيف توصل إليها إبليس الرجس النجس المذموم المدحور حتى فتن فيها آدم عليه السلام ووسوس له وهذه الوسوسة إما أن تكون في قلبه وإما أن تكون في أذنه وعلى التقديرين فكيف توصل اللعين إلى دخول دار المتقين وأيضا فبعد أن قيل له اهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها أيفسح له أن يرقى إلى جنة المأوى فوق السماء السابعة بعد السخط عليه والإبعاد له والزجر والطرد بعتوه واستكباره وهل هذا يلائم قوله: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ﴾ فإن كانت مخاطبته لآدم بما خاطبه به وقاسمه عليه ليست تكبرا فما التكبر بعد هذا؟
فإن قلتم فلعل وسوسته وصلت إلى الأبوين وهو في الأرض وهما فوق السماء في عليين فهذا غير معقول لغة ولا حسا ولا عرفا وإن زعمتم أنه دخل في بطن الحية حتى أوصل إليهما الوسوسة فأبطل وأبطل إذ كيف يرتقي بعد الإهباط إلى أن يدخل الجنة ولو في بطن الحية؟
وإذا قلتم إنه دخل في قلوبهما ووسوس إليهما فالمحذور قائم وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى حكى مخاطبته لهما كلاما سمعاه شفاها فقال: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة وهذا دليل على مشاهدته لهما وللشجرة ولما كان آدم خارجا من الجنة وغير ساكن فيها قال الله تعالى له: ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ ولم يقل عن هذه الشجرة فعندما قال لهما: ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة لما أطعمهما في ملكها والخلود في مقرها أتى باسم الإشارة بلفظ الحضور تقريبا لها وإحضارا لها عندهما وربهما تعالى قال لهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ولما أراد إخراجهما منها فأتى باسم الإشارة بلفظ البعد والغيبة كأنهما لم يبق لهما من الجنة حتى ولا مشاهدة الشجرة التي نهيا عنها وأيضا فإنه سبحانه قال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ ووسوسة اللعين من أخبث الكلم فلا تصعد إلى محل القدس.
قال منذر وقد روي عن النبي ﷺ" أن آدم عليه السلام نام في جنته" وجنة الخلد لا نوم فيها بالنص وإجماع المسلمين فإن النبي ﷺ سئل أينام أهل الجنة قال: " لا النوم أخو الموت والنوم وفاة " وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب حال ودار السلام مسلمة من تقلب الأحوال والنائم ميت أو كالميت.
قلت الحديث الذي أشار إليه المعروف أنه موقوف من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد قال خلقت حواء من قصيري آدم وهو نائم.
وقال أسباط عن السدي أسكن آدم عليه السلام الجنة وكان يمشي فيها وحشا ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه فسألها ما أنت قالت امرأة قال ولم خلقت قالت لتسكن إلي.
وقال ابن إسحاق عن ابن عباس ألقى الله على آدم عليه السلام السنة ثم أخذ ضلعا من أضلاعه من شقه الأيسر ولأم مكانه لحما وآدم نائم لم يهب من نومته حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء فسواها امرأة يسكن إليها فلما كشف عنه السنة وهب من نومته رآها إلى جنبه فقال لحمي ودمي وروحي فسكن إليها.
قالوا ولا نزاع إن الله سبحانه وتعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في موضع واحد أصلا أنه نقله إلى السماء بعد ذلك ولو كان قد نقله ذلك إلى السماء لكان هذا أولى بالذكر لأنه من أعظم الآيات ومن أعظم النعم عليه فإنه كان معراجا ببدنه وروحه من الأرض إلى فوق السماوات.
قالوا وكيف ينقله سبحانه ويسكنه فوق السماء وقد أخبر ملائكته أنه جاعله في الأرض خليفة وكيف يسكنه دار الخلد التي من دخلها خلد فيها ولا يخرج منها قال تعالى: ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ قالوا ولم يكن معنًا في المسألة إلا أن الله سبحانه أهبط إبليس من السماء حين امتنع من السجود لآدم عليه السلام وهذا أمر تكوين لا يمكن وقوع خلافه ثم أدخل آدم عليه السلام الجنة بعد هذا فإن الأمر بالسجود كان عقب خلقه من غير فصل فلو كانت الجنة فوق السماوات لم يكن لإبليس سبيل إلى صعوده إليها وقد أهبط منها.
وأما تلك التقادير التي قدرتموها فتكلفات ظاهرة كقول من قال يجوز أن يصعد إليها صعودا عارضا لا مستقرا وقول من قال أدخلته الحية وقول من قال دخل في أجوافها وقول من قال يجوز أن تصل وسوسته إليها وهو في الأرض وهما فوق السماء ولا يخفى ما في ذلك من التعسف الشديد والتكلف البعيد وهذا بخلاف قولنا فإنه سبحانه لما أهبطه من ملكوت السماء حيث لم يسجد لآدم عليه السلام أشرب عداوته فلما أسكنه جنته حسده عدوه وسعى بكيده وغروره في إخراجه منها والله أعلم.
قالوا ومما يدل على أن جنة آدم لم تكن جنة الخلد التي وعد المتقون أن الله سبحانه لما خلقه أعلمه أن لعمره أجلا ينتهي إليه وأنه لم يخلقه للبقاء كما روى الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ " لما خلق الله آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذنه فقال ربه يرحمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقال السلام عليكم قالوا وعليك السلام .. الخ" ثم رجع إلى ربه فقال إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله له ويداه مقبوضتان أختر أيهما شئت فقال أخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته فقال يا رب ما هؤلاء قال هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب بين عينيه عمره فإذا فيهم رجل أضوؤهم قال يا رب من هذا قال هذا ابنك داود قد كتبت له عمرا أربعين سنة قال يا رب زده في عمره قال ذلك الذي كتبت له قال أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة قال أنت وذلك قال ثم أسكن الجنة ما شاء الله ثم أهبط منها فكان آدم عليه السلام يعد لنفسه قال فأتاه ملك الموت فقال له آدم قد عجلت قد كتبت لي ألف سنة قال بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة فجحد فجحدت ذريته ونسي فنسيت ذريته قال فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود " قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة.
قالوا فهذا صريح في أن آدم عليه السلام لم يخلق في دار البقاء التي لا يموت من دخلها وإنما خلق في دار الفناء التي جعل الله تعالى لها ولسكانها أجلا معلوما وفيها أسكن.
فإن قيل فإذا كان آدم عليه السلام قد علم أن له عمرا مقدرا وأجلا ينتهي إليه وإنه ليس من الخالدين فكيف لم يعلم كذب إبليس في قوله هل أدلك على شجرة الخلد وقوله أو تكونا من الخالدين؟
فالجواب من وجهين:
أحدهما أن الخلد لا يستلزم الدوام والبقاء بل هو المكث الطويل كما سيأتي.
الثاني أن إبليس لما حلف له وغره وأطمعه في الخلود نسي ما قدر له من عمره.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences