Ibn al-QayyimAl‑Baqarah · 2:38

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:38

2:38Page 7

قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨

We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

اعلم أن الله سُبْحانَهُ لما أهبط آدم أبا البشر من الجنَّة لما لَهُ في ذَلِك من الحكم الَّتِي تعجز العُقُول عَن مَعْرفَتها والألسن عَن صفتها فَكانَ إهباطه مِنها عين كَماله ليعود إليها على أحسن أحواله، فَأرادَ سُبْحانَهُ أن يذيقه وولده من نصب الدُّنْيا وغمومها وهمومها وأوصا بها ما يعظم بِهِ عِنْدهم مِقْدار دُخُولهمْ إليها في الدّار الآخرة فَإن الضِّدّ يظْهر حسنه الضِّدّ ولَو تربوا في دار النَّعيم لم يعرفوا قدرها.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أراد أمرهم ونهيهم وابتلاءهم واختبارهم ولَيْسَت الجنَّة دار تَكْلِيف فأهبطهم إلى الأرض وعرضهم بذلك لأفضل الثَّواب الَّذِي لم يكن لينال بِدُونِ الأمر والنَّهْي.

وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أن يتَّخذ مِنهُم أنبياء ورسلا وأولياء وشهداء يُحِبهم ويُحِبُّونَهُ فخلى بَينهم وبَين أعدائه وامتحنهم بهم فَلَمّا آثروه وبذلوا نُفُوسهم وأموالهم في مرضاته ومحابه نالوا من محبته ورضوانه والقرب مِنهُ ما لم يكن لينال بِدُونِ ذَلِك أصلا فدرجة الرسالَة والنبوة والشَّهادَة والحب فِيهِ والبغض فِيهِ وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه عِنْده من أفضل الدَّرَجات ولم يكن ينال هَذا إلا على الوَجْه الَّذِي قدره وقضاه من إهباطه إلى الأرض وجعل معيشته ومعيشة أولاده فِيها.

وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الأسماء الحسنى فَمن أسمائه الغفور الرَّحِيم العَفو الحَلِيم الخافِض الرافع المعز المذل المحيي المميت الوارِث الصبور ولا بُد من ظُهُور آثار هَذِه الأسماء فاقتضت حكمته سُبْحانَهُ أن ينزل آدم وذريته دارا يظْهر عَلَيْهِم فِيها أثر أسمائه النى فَيغْفر فِيها لمن يَشاء ويرْحَم من يَشاء ويخفض من يَشاء ويرْفَع من يَشاء ويعز من يَشاء ويذل من يَشاء وينتقم مِمَّن يَشاء ويُعْطي ويمْنَع ويبسط إلى غير ذَلِك من ظُهُور أثر أسمائه وصِفاته.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الملك الحق المُبين والملك هو الَّذِي يَأْمر وينْهى ويثيب ويعاقب ويهين ويكرم ويعز ويذل فاقْتضى ملكه سُبْحانَهُ أن أنْزِلْ آدم وذريته دارا تجرى عَلَيْهِم فِيها أحكام الملك ثمَّ ينقلهم إلى دار يتم عَلَيْهِم فِيها ذَلِك.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أنزلهم إلى دار يكون إيمانهم فِيها بِالغَيْبِ والإيمان بِالغَيْبِ هو الإيمان النافع.

وَأما الإيمان بِالشَّهادَةِ فَكل أحد يُؤمن يَوْم القِيامَة يَوْم لا ينفع نفسا إلّا إيمانها في الدُّنْيا فَلَو خلقُوا في دار النَّعيم لم ينالوا دَرَجَة الإيمان بِالغَيْبِ واللذة والكرامة الحاصِلَة بذلك لا تحصل بِدُونِهِ بل كانَ الحاصِل لَهُم في دار النَّعيم لَذَّة وكرامة غير هَذِه.

وَأيْضًا فَإن الله سُبْحانَهُ خلق آدم من قَبْضَة قبضها من جَمِيع الأرض والأرض فِيها الطّيب والخبيث والسهل والحزن والكريم واللئيم فَعلم سُبْحانَهُ أن في ظَهره من لا يصلح لمساكنته في داره فأنزله إلى دار استخرج فِيها الطّيب والخبيث من صلبه ثمَّ ميزهم سُبْحانَهُ بدارين، فَجعل الطيبين أهل جواره ومساكنته في داره وجعل الخَبيث أهل دار الشَّقاء دار الخبثاء قالَ الله تَعالى ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ (٣٧)﴾

فَلَمّا علم سُبْحانَهُ أن في ذُريَّته من لَيْسَ بِأهْل لمجاورته أنزلهم دارا استخرج مِنها أولئك وألحقهم بِالدّار الَّتِي هم لَها أهل حِكْمَة بالِغَة ومشيئة نافِذَة ذَلِك تَقْدِير العَزِيز العَلِيم ..

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لما قالَ للْمَلائكَة ﴿إنِّي جاعل في الأرْض خَليفَة قالُوا أتجْعَلُ فِيها من يفْسد فِيها ويسفك الدِّماء ونحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك﴾ أجابهم بقوله ﴿إنِّي أعلم ما لا تعلمُونَ﴾ ثمَّ أظهر سُبْحانَهُ علمه لِعِبادِهِ ولملائكته بِما جعله في الأرض من خَواص خلقه ورُسُله وأنبيائه وأوليائه ومن يتَقرَّب إليه ويبذل نَفسه في محبته ومرضاته مَعَ مجاهدة شَهْوَته وهواه فَيتْرك محبوباته تقربا إليَّ ويتْرك شهواته ابْتِغاء مرضاتي ويبذل دَمه ونَفسه في محبتي وأخصه بِعلم لا تعلمونه يسبح بحمدي آناء اللَّيْل وأطراف النَّهار ويعبدني مَعَ معارضات الهوى والشهوة والنَّفس والعدو إذْ تعبدوني انتم من غير معارض يعارضكم ولا شَهْوَة تعتريكم ولا عَدو أسلطه عَلَيْكُم بل عبادتكم لي بِمَنزِلَة النَّفس لأحدهم ..

وَأيْضًا فَإنِّي أريد أن أظهر ما خفي عَلَيْكُم من شَأْن عدوي ومحاربته لي وتكبره عَن أمْرِي وسعيه في خلاف مرضاتي وهَذا وهَذا كانا كامنين مستترين في أبي البشر وأبي الجِنّ فأنزلهم دارا أظهر فِيها ما كانَ الله سُبْحانَهُ مُنْفَردا بِعِلْمِهِ لا يُعلمهُ سواهُ وظَهَرت حكمته وتمّ أمره وبدا للْمَلائكَة من علمه ما لم يَكُونُوا يعلمُونَ.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لما كانَ يحب الصابرين ويُحب المُحْسِنِينَ ويُحب الَّذين يُقاتلُون في سَبيله صفا ويُحب التوابين ويُحب المتطهرين ويُحب الشّاكِرِينَ وكانَت محبته أعلى أنواع الكرامات اقْتَضَت حكمته أن أسكن آدم وبنيه دارا يأْتونَ فِيها بِهَذِهِ الصِّفات الَّتِي ينالون بها أعلى الكرامات من محبته فَكانَ إنزالهم إلى الأرض من أعظم النعم عَلَيْهِم ﴿والله يخْتَص برحمته من يَشاء والله ذُو الفضل العَظِيم﴾.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أن يتَّخذ من آدم ذُرِّيَّة يواليهم ويودهم ويحبهم ويُحِبُّونَهُ فمحبتهم لَهُ هي غايَة كمالهم ونِهايَة شره

وَلم يُمكن تَحْقِيق هَذِه المرتبَة السّنيَّة إلا بموافقة رِضاهُ وأتْباع أمره وترك إرادات النَّفس وشهواتها الَّتِي يكرهها محبوبهم فأنزلهم دارا أمرهم فِيها ونهاهم فَقامُوا بأمْره ونَهْيه فنالوا دَرَجَة محبتهم لَهُ فأنالهم دَرَجَة حبه إيّاهُم.

وَهَذا من تَمام حكمته وكَمال رَحمته وهو البر الرَّحِيم.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لما خلق خلقه أطوارا وأصنافا وسبق في حكمه تفضيله آدم وبنيه على كثير من مخلوقاته جعل عبوديته أفضل درجاتهم أعني العُبُودِيَّة الاختيارية الَّتِي يأْتونَ بها طَوْعًا واختيارا لا كرها واضطرارا، وقد ثَبت أن الله سُبْحانَهُ أرسل جِبْرِيل إلى النَّبِي ﷺ يخيره بَين أن يكون ملكا نَبيا أوْ عبدا نَبيا فَنظر إلى جِبْرِيل كالمستشير لَهُ فأشار إليه أن تواضع، فَقالَ بل أن اكون عبدا نَبيا فَذكره سُبْحانَهُ باسم عبوديته في أشرف مقاماته في مقام الإسراء ومقام الدعْوَة ومقام التحدي فَقالَ في مقام الإسراء ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ولم يقل بِرَسُولِهِ ولا نبيه إشارَة إلى أنه قامَ هَذا المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لرَبه وقالَ في مقام الدعْوَة ﴿وَأنه لما قامَ عبد الله يَدعُوهُ كادُوا يكونُونَ عَلَيْهِ لبدا﴾ وقالَ في مقام التحدي ﴿وَإن كُنْتُم في ريب مِمّا نزلنا على عَبدنا فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ في حَدِيث الشَّفاعَة وتراجع الأنبياء فِيها وقَول المَسِيح إذْهَبُوا إلى مُحَمَّد عبد غفر الله لَهُ ما تقدم من ذَنبه وما تَأخّر فَدلَّ ذَلِك على أنه نالَ ذَلِك المقام الأعظم بِكَمال عبوديته لله وكَمال مغْفرَة الله لَهُ وإذا كانَت العُبُودِيَّة عند الله بِهَذِهِ المنزلَة اقْتَضَت حكمته أن اسكن آدم وذريته دارا ينالون فِيها هَذِه الدرجَة بِكَمال طاعتهم لله وتقربهم إليه بمحابه وترك مألوفاتهم من أجله فَكانَ ذَلِك من تَمام نعْمَته عَلَيْهِم وإحسانه إليهم.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أن يعرف عباده الَّذين أنْعم عَلَيْهِم تَمام نعْمَته عَلَيْهِم وقدرها ليكونوا أعظم محبَّة وأكْثر شكرا وأعظم التذاذا بِما أعطاهم من النَّعيم فَأراهُم سُبْحانَهُ فعله بأعدائه وما أعد لَهُم من العَذاب وأنواع الآلام وأشهدهم تخليصهم من ذَلِك وتخصيصهم بِأعْلى أنواع النَّعيم لِيَزْدادَ سرورهم وتكمل غبطتهم ويعظم فَرَحهمْ وتتم لذتهم وكانَ ذَلِك من إتْمام الأنعام عَلَيْهِم ومحبتهم ولم يكن بُد في ذَلِك من إنزالهم إلى الأرض وامتحانهم واختبارهم وتوفيق من شاءَ مِنهُم رَحْمَة مِنهُ وفضلا وخذلان من شاءَ مِنهُم حِكْمَة مِنهُ وعدلا وهو العَلِيم الحَكِيم ولا ريب أن المُؤمن إذا رأى عدوه ومحبوبه الَّذِي هو أحب الأشياء إليه في أنْواع العَذاب والآلام وهو يتقلب في أنواع النَّعيم واللذة ازْدادَ بذلك سُرُورًا وعظمت لذته وكملت نعْمَته.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما خلق الخلق لعبادته وهِي الغايَة مِنهُم قالَ تَعالى ﴿وَما خلقت الجِنّ والإنس إلا ليعبدون﴾ ومَعْلُوم أن كَمال العُبُودِيَّة المَطْلُوب من الخلق لا يحصل في دار النَّعيم والبقاء إنَّما يحصل في دار المحنة والابتلاء.

وَأما دار البَقاء فدار لَذَّة ونعيم لا دار ابتلاء وامتحان وتكليف.

وأيضا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَضَت حكمته خلق آدم وذريته من تركيب مُسْتَلْزم لداعي الشَّهْوَة والفتنة وداعي العقل والعلم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خلق فِيهِ العقل والشهوة ونصبهما داعيين بمقتضياتهما ليتم مُراده ويظْهر لِعِبادِهِ عزته في حكمته وجبروته ورَحمته وبره ولطفه في سُلْطانه وملكه فاقتضت حكمته ورَحمته أن أذاق أباهم وبيل مُخالفَته وعرفه ما يجنى عواقب إجابَة الشَّهْوَة والهوى ليَكُون أعظم حذرا فِيها وأشد هروبا وهَذا كَحال رجل سائِر على طَرِيق قد كمنت الأعداء في جنباته وخَلفه وأمامه وهو لا يشْعر فَإذا أصيب مِنها مرّة بمصيبة استعد في سيره وأخذ اهبة عدوه وأعد لَهُ ما يَدْفَعهُ ولَوْلا أنه ذاق ألم إغارة عدوه عَلَيْهِ وتبييته لَهُ لما سمحت نَفسه بالاستعداد والحذر وأخذ العدة فَمن تَمام نعْمَة الله على آدم وذريته أن أراهم ما فعل العَدو بهم فاسْتَعدوا لَهُ وأخذوا أهبته.

فَإن قيل كانَ من المُمكن أن لا يُسَلط عَلَيْهِم العَدو؟

قيل: قد تقدم أنه سُبْحانَهُ خلق آدم وذريته على بنية وتركيب مُسْتَلْزم لمخالطتهم لعدوهم وابتلائهم بِهِ ولَو شاءَ لخلقهم كالملائكة الَّذين هم عقول بِلا شهوات فَلم يكن لعدوهم طَرِيق إليهم ولَكِن لَو خلقُوا هَكَذا لكانوا خلقا آخر غير بني آدم فَإن بنى آدم قد ركبُوا على العقل والشهوة.

وَأيْضًا فَإنَّهُ لما كانَت محبَّة الله وحده هي غايَة كَمال العَبْد وسعادته الَّتِي لا كَمال لَهُ ولا سَعادَة بِدُونِها أصلا وكانَت المحبَّة الصادقة إنَّما تتَحَقَّق بغيثار المحبوب على غَيره من محبوبات النُّفُوس واحْتِمال أعظم المشاق في طاعَته ومرضاته فَبِهَذا تتَحَقَّق المحبَّة ويعلم ثُبُوتها في القلب اقْتَضَت حكمته سُبْحانَهُ إخراجهم إلى هَذِه الدّار المحفوفة بالشهوات ومحاب النُّفُوس الَّتِي بإيثار الحق عَلَيْها والإعراض عَنْها يتَحَقَّق حبهم لَهُ وإيثارهم إيّاه على غَيره، ولذَلِك يتَحَمَّل المشاق الشَّدِيدَة وركوب الأخطار واحْتِمال المَلامَة والصَّبْر على دواعي الغي والضلال ومجاهدتها يقوى سُلْطان المحبَّة وتثبت شجرتها في القلب وتطعم ثَمَرَتها على الجَوارِح فَإن المحبَّة الثّابِتَة اللّازِمَة على كَثْرَة المَوانِع والعوارض والصوارف هي المحبَّة الحَقِيقِيَّة النافعة.

وأما المحبَّة المَشْرُوطَة بالعافية والنَّعِيم واللذة وحُصُول مُراد المُحب من محبوبه فَلَيْسَتْ محبَّة صادِقَة ولا ثبات لَها عند المعارضات والموانع فَإن المُعَلق على الشَّرْط عدم عند عَدمه ومن ودك لأمر ولي عند انقضائه وفرق بَين من يعبد الله على السَّرّاء والرخاء والعافية فَقَط وبَين من يعبده على السَّرّاء والضَّرّاء والشدة والرخاء والعافية والبَلاء.

وَأيْضًا فَإن الله سُبْحانَهُ لَهُ الحَمد المُطلق الكامِل الَّذِي لا نِهايَة بعده وكانَ ظُهُور الأسباب الَّتِي يحمد عَلَيْها من مُقْتَضى كَونه مَحْمُودًا وهِي من لَوازِم حَمده تَعالى وهِي نَوْعانِ فضل وعدل إذْ هو سُبْحانَهُ المَحْمُود على هَذا وعَلى هَذا فَلا بُد من ظُهُور أسباب العدْل واقتضائها لمسمياتها ليترتب عَلَيْها كَمال الحَمد الَّذِي هو أهله فَكَما أنه سُبْحانَهُ مَحْمُود على إحسانه وبره وفضله وثوابه فَهو مَحْمُود على عدله وانتقامه وعقابه إذْ يصدر ذَلِك كُله عَن عزته وحكمته ولِهَذا نبه سُبْحانَهُ على هَذا كثيرا كَما في سُورَة الشُّعَراء حَيْثُ يذكر في آخر كل قصَّة من قصَص الرُّسُل وأممهم ﴿إن في ذَلِك لآية وما كانَ أكثرهم مُؤمنين وإن رَبك لَهو العَزِيز الرَّحِيم﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أن ذَلِك صادر عَن عزته المتضمنة كَمال قدرته وحكمته المتضمنة كَمال علمه ووَضعه الأشياء مواضعها اللائقة بها ما وضع نعْمَته ونجاته لرسله ولاتباعهم ونقمته وإهلاكه لأعدائهم إلا في محلها اللّائِق بها لكَمال عزته وحكمته ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ عقيب إخْباره عَن قَضائِهِ بَين أهل السَّعادَة والشقاوة ومصير كل مِنهُم إلى دِيارهمْ الَّتِي لا يَلِيق بهم غَيرها ولا تقتضى حكمته سواها وقضى بَينهم بِالحَقِّ وقيل الحَمد لله رب العالمين.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَضَت حكمته وحمده أن فاوت بَين عباده أعظم تفاوت وابينه ليشكره مِنهُم من ظَهرت عَلَيْهِ نعْمَته وفضله ويعرف أنه قد حبى بالأنعام وخص دون غَيره بالإكرام ولَو تساووا جَمِيعهم في النِّعْمَة والعافية لم يعرف صاحب النِّعْمَة قدرها ولم يبْذل شكرها إذْ لا يرى أحدا إلّا في مثل حاله ومن أقوى أسباب الشُّكْر وأعْظَمها استخرجا لَهُ من العَبْد أن يرى غَيره في ضد حاله الَّذِي هو عَلَيْها من لاكمال والفلاح وفي الاثر المَشْهُور أن الله سُبْحانَهُ لما أرى آدم ذُريَّته وتفاوت مَراتِبهمْ قالَ يا رب هلا سويت بَين عِبادك قالَ إنِّي أحب أن اشكر فاقتضت محبته سُبْحانَهُ لأن يشْكر خلق الأسباب الَّتِي يكن شكر الشّاكِرِينَ عِنْدها أعظم وأكمل وهَذا هو عين الحِكْمَة الصادرة عَن صفة الحَمد.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَيْء أحب إليه من العَبْد من تذلله بَين يَدَيْهِ وخضوعه وافتقاره وإنكساره وتضرعه إليه ومَعْلُوم أن هَذا المَطْلُوب من العَبْد إنَّما يتم بأسبابه الَّتِي تتَوَقَّف عَلَيْها وحُصُول هَذِه الأسباب في دار النَّعيم المُطلق والعافية الكامِلَة يمْتَنع إذْ هو مُسْتَلْزم للْجمع بَين الضدين.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الخلق والأمر والأمر هو شَرعه وأمره ودينه الَّذِي بعث بِهِ رسله وأنْزلْ بِهِ كتبه ولَيْسَت الجنَّة دار تَكْلِيف تجرى عَلَيْهِم فِيها أحْكام التَّكْلِيف ولوازمها وإنَّما هي دار نعيم ولَذَّة واقتضت حكمته سُبْحانَهُ اسْتِخْراج آدم وذريته إلى دار تجرى عَلَيْهِم فِيها أحكام دينه وأمره ليظْهر فيهم مُقْتَضى الأمر ولوازمه فَإن الله سُبْحانَهُ كَما أن أفعاله وخلقه من لَوازِم كَمال أسمائه الحسنى وصِفاته العلى فَكَذَلِك أمره وشرعه وما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الثَّواب والعِقاب وقد ارشد سُبْحانَهُ إلى هَذا المَعْنى في غير مَوضِع من كِتابه فَقالَ تَعالى ﴿أيحسب الإنسان أن يتْرك سدى﴾ أي مهملا معطلا لا يُؤمر ولا ينْهى ولا يُثاب ولا يُعاقب وهَذا يدل على أن هَذا مناف لكَمال حكمته وأن ربوبيته وعزته وحكمته تأبى ذَلِك ولِهَذا أخرج الكَلام مخرج الإنكار على من زعم ذَلِك وهو يدل على أن حسنه مُسْتَقر في الفطر والعقول وقبح تَركه سدا معطلا أيضا مُسْتَقر في الفطر فَكيف ينْسب إلى الرب ما قبحه مُسْتَقر في فطركم وعقولكم وقالَ تَعالى ﴿أفحسبتم أنما خَلَقْناكم عَبَثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إلَه إلا هو رب العَرْش الكَرِيم﴾ نزه نَفسه سُبْحانَهُ عَن هَذا الحسبان الباطِل المضاد لموجب أسمائه وصِفاته وأنه لا يَلِيق بجلاله نسبته إليه ونظائر هَذا في القُرْآن كَثِيرَة.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يحب من عباده أمورا يتَوَقَّف حُصُولها مِنهُم على حُصُول الأسباب المُقْتَضِيَة لَها ولا تحصل إلا في دار الِابْتِلاء والامتحان فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يحب الصابرين ويُحب الشّاكِرِينَ ويُحب الَّذين يُقاتلُون في سَبيله صفا ويُحب التوابين ويُحب المتطهرين ولا ريب أن حُصُول هَذِه المحبوبات بِدُونِ أسبابها مُمْتَنع كامتناع حُصُول المَلْزُوم بِدُونِ لازمه والله سُبْحانَهُ أفرح بتوبة عَبده حِين يَتُوب إليه من الفاقد لراحلته الَّتِي عَلَيْها طَعامه وشَرابه في أرْض دوية مهلكة إذا وجدها كَما ثَبت في الصَّحِيح عَن النَّبِي أنه قالَ لله أشد فَرحا بتوبة عَبده المُؤمن من رجل من فيارض دوية مهلكة مَعَه راحِلَته عَلَيْها طَعامه وشَرابه فَنامَ فاسْتَيْقَظَ وقد ذهبت فطلبها حَتّى أدْركهُ العَطش ثمَّ قالَ ارْجع إلى المَكان الَّذِي كنت فِيهِ فأنام حَتّى أمُوت فَوضع رَأسه على ساعده ليَمُوت فاسْتَيْقَظَ وعِنْده راحِلَته عَلَيْها زاده وطَعامه وشَرابه فالله أشد فَرحا بتوبة العَبْد المُؤمن من هَذا براحلته وسَيَأْتِي إن شاءَ الله الكَلام على هَذا الحَدِيث وذكر سر هَذا الفَرح بتوبة العَبْد.

والمَقْصُود أن هَذا الفَرح المَذْكُور إنَّما يكون بعد التَّوْبَة من الذَّنب فالتوبة والذنب لا زمان لهَذا الفَرح ولا يُوجد المَلْزُوم بِدُونِ لازمه وإذا كانَ هَذا الفَرح المَذْكُور إنَّما يحصل بِالتَّوْبَةِ المستلزمة للذنب فحصوله في دار النَّعيم الَّتِي لا ذَنْب فِيها ولا مُخالفَة مُمْتَنع ولما كانَ هَذا الفَرح أحب إلى الرب سُبْحانَهُ من عَدمه اقْتَضَت محبته لَهُ خلق الأسباب المفضية إليه ليترتب عَلَيْها المُسَبّب الَّذِي هو مَحْبُوب لَهُ.

وَأيْضًا فَإن الله سُبْحانَهُ جعل الجنَّة دار جَزاء وثواب وقسم منازلها بَين أهلها على قدر أعمالهم وعَلى هَذا خلقها سُبْحانَهُ لما لَهُ في ذَلِك من الحِكْمَة الَّتِي اقتضتها اسماؤه وصِفاته فإن الجنَّة دَرَجات بَعْضها فَوق بعض وبَين الدرجتين كَما بَين السَّماء والأرض كَما في الصَّحِيح عَن النَّبِي أنه قالَ أن الجنَّة مائَة دَرَجَة بَين كل دَرَجَتَيْنِ كَما بَين السَّماء والأرض وحِكْمَة الرب سُبْحانَهُ مقتضية لعمارة هَذِه الدَّرَجات كلها وإنَّما تعمر ويَقَع التَّفاوُت فِيها بِحَسب الأعمال كَما قالَ غير واحِد من السّلف ينجون من النّار بِعَفْو الله ومغفرته ويدخلون الجنَّة بفضله ونعمته ومغفرته ويتقاسمون المنازل بأعمالهم وعَلى هَذا حمل غير واحِد ما جاءَ من إثْبات دُخُول الجنَّة بالأعمال كَقوله تَعالى: ﴿وَتلك الجنَّة الَّتِي أورثتموها بِما كُنْتُم تَعْمَلُونَ وقوله تَعالى: {ادخُلُوا الجنَّة بِما كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ قالُوا.

وَأما نفي دخولها بالأعمال كَما في قَوْله "لن يدْخل الجنَّة أحد بِعَمَلِهِ قالُوا ولا أنت يا رَسُول الله قالَ ولا أنا"

فالمُراد بِهِ نفي أصل الدُّخُول وأحسن من هَذا أن يُقال الباء المُقْتَضِيَة للدخول غير الباء الَّتِي نفى مَعها الدُّخُول فالمقتضية هي باء السَّبَبِيَّة الدّالَّة على أن الأعمال سَبَب للدخول مقتضية لَهُ كاقتضاء سائِر الأسباب لمسبباتها والباء الَّتِي نفى بها الدُّخُول هي باء المُعاوضَة والمقابلة الَّتِي في نَحْو قَوْلهم اشْتريت هَذا بِهَذا فَأخْبر النَّبِي أن دُخُول الجنَّة لَيْسَ في مُقابلَة عمل أحد وأنه لَوْلا تغمد الله سُبْحانَهُ لعَبْدِهِ برحمته لما أدخلهُ الجنَّة فَلَيْسَ عمل العَبْد وإن تناهى

مُوجبا بِمُجَرَّدِهِ لدُخُول الجنَّة ولا عوضا لَها، فَإن أعماله وإن وقعت مِنهُ على الوَجْه الَّذِي يُحِبهُ الله ويرضاه فَهي لا تقاوم نعْمَة الله الَّتِي أنْعم بها عَلَيْهِ في دار الدُّنْيا ولا تعادلها، بل لَو حاسبه لوقعت أعماله كلها في مُقابلَة اليَسِير من نعمه، وتبقى بَقِيَّة النعم مقتضية لشكرها، فَلَو عذبه في هَذِه الحالة لعذبه وهو غير ظالِم لَهُ، ولَو رَحمَه لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُ من عمله، كَما في السّنَن من حَدِيث زيد بن ثابت وحُذَيْفَة وغَيرهما مَرْفُوعا إلى النَّبِي أنه قالَ:

"إن الله لَو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالِم لَهُم، ولَو رَحِمهم لكانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من أعمالهم"

والمَقْصُود أن حكمته سُبْحانَهُ اقْتَضَت خلق الجنَّة دَرَجات بَعْضها فَوق بعض، وعمارتها بِآدَم وذريته وإنْزالهمْ فِيها بِحَسب أعمالهم، ولازم هَذا إنزالهم إلى دار العَمَل والمجاهدة.

وَأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ خلق آدم وذريته ليستخلفهم في الأرض كَما أخبر سُبْحانَهُ في كِتابه بقوله ﴿إنِّي جاعل في الأرْض خَليفَة﴾ وقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي جعلكم خلائف الأرْض﴾ وقالَ ﴿ويستخلفكم في الأرْض﴾ فَأرادَ سُبْحانَهُ أن يَنْقُلهُ وذريته من هَذا الِاسْتِخْلاف إلى توريثه جنَّة الخلد وعلم سُبْحانَهُ بسابق علمه أنه لضَعْفه وقصور نظره قد يخْتار العاجل الخسيس على الأجل النفيس فَإن النَّفس مولعة بحب العاجلة وإيثارها على الآخرة وهَذا من لَوازِم كَونه خلق من عجل وكَونه خلق عجولا فَعلم سُبْحانَهُ ما في طَبِيعَته من الضعْف والخور فاقتضت حكمته أن ادخله الجنَّة ليعرف النَّعيم الَّذِي اعد لَهُ عيانًا فَيكون إليه اشوق وعَلِيهِ احرص وله أشد طلبا فَإن محبَّة الشَّيْء وطَلَبه والشوق إليه من لَوازِم تصَوره فَمن باشر طيب شَيْء ولذته وتذوق بِهِ لم يكد يصبر عَنهُ وهَذا لأن النَّفس ذواقة تواقة فَإذا ذاقت تاقت ولِهَذا إذا ذاق العَبْد طعم حلاوة الإيمان وخالطت بشاشته قلبه رسخ فِيهِ حبه ولم يُؤثر عَلَيْهِ شَيْئا أبدا وفي الصَّحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ المَرْفُوع أن الله عز وجل يسْأل المَلائِكَة فَيَقُول ما يسألني عبادي فَيَقُولُونَ يَسْألُونَك الجنَّة فَيَقُول وهل رأوها فَيَقُولُونَ لا يا رب فَيَقُول كَيفَ لَو رأوها فَيَقُولُونَ لَو رأوها لكانوا أشد لَها طلبا فاقتضت حكمته أن أراها أباهم وأسْكَنَهُ إيّاها ثمَّ قصّ على بنيه قصَّته فصاروا كَأنَّهم مشاهدون لَها حاضرون مَعَ أبيهم فاسْتَجاب من خلق لَها وخلقت لَهُ وسارع إليها فَلم يثنه عَنْها العاجلة بل يعد نَفسه كانه فِيها ثمَّ سباه العَدو فيراها وطنه الأول فَهو دائِم الحنين إلى وطنه ولا يقر لَهُ قَرار حَتّى يرى نَفسه فِيهِ كَما قيل:

؎نقل فُؤادك حَيْثُ شِئْت من الهوى ∗∗∗ ما الحبّ إلّا للحبيب الأول

؎كم منزل في الأرض يألفه الفَتى ∗∗∗ وحنينه أبدا لأول منزل

ولي من أبيات تلم بِهَذا المَعْنى:

؎وحيَّ على جنّات عدن فَإنَّها ∗∗∗ منازلك الأولى وفيها المخيم

؎ولكننا سبي العَدو فَهَل ترى ∗∗∗ نعود إلى اوطاننا ونسلم

فَسِرُّ هَذِه الوُجُوه أنه سُبْحانَهُ وتَعالى سبق في حكمه وحكمته أن الغايات المَطْلُوبَة لا تنال إلا بأسبابها الَّتِي جعلها الله أسبابا مفضية إليها ومن تِلْكَ الغايات أعلى أنواع النَّعيم وأفضلها وأجلها فَلا تنال إلا بأسباب نصبها مفضية إليها وإذا كانَت الغايات الَّتِي هي دون ذَلِك لا تنال لا بأسبابها مَعَ ضعفها وإنقطاعها كتحصيل المَأْكُول والمشروب والملبوس والولد والمال والجاه في الدُّنْيا فَكيف يتَوَهَّم حُصُول أعلى الغايات وأشرف المقامات بِلا سَبَب يفضى إليه ولم يكن تَحْصِيل تِلْكَ الأسباب إلا في دار المجاهدة والحرث فَكانَ إسكان آدم وذريته هَذِه الدّار الَّتِي ينالون فِيها الأسباب الموصلة إلى أعلى المقامات من إتْمام أنعامه عَلَيْهِم وسرها أيضا أنه سُبْحانَهُ جعل الرسالَة والنبوة والخلة والتكليم والولايَة والعبودية من أشرف مقامات خلقه ونهايات كمالهم فأنزلهم دارا اخرج مِنهُم الأنبياء وبعث فِيها الرُّسُل واتخذ مِنهُم من اتخذ خَلِيلًا وكلم مُوسى تكليما واتخذ مِنهُم أولياء وشهداء وعبيدا وخاصة يُحِبهم ويُحِبُّونَهُ وكانَ إنزالهم إلى الأرض من تَمام الأنعام والإحسان.

وَأيْضًا أنه أظهر لخلقه من آثار أسمائه وجريان أحكامها عَلَيْهِم ما اقتضته حكمته ورَحمته وعلمه وسرها أيضا أنه تعرف إلى خلقه بأفعاله وأسمائه وصِفاته وما أحدثه في أوليائه وأعدائه من كرامته وأنعامه على الأولياء واهانته واشقائه للأعداء ومن إجابته دعواتهم وقضائه حوائجهم وتفريج كرباتهم وكشف بلائهم وتصريفهم تَحت أقداره كَيفَ يَشاء وتقليبهم في أنْواع الخَيْر والشَّر فَكانَ في ذَلِك أعظم دَلِيل لَهُم على أنه رَبهم ومليكهم وأنه الله الَّذِي لا إلَه إلا هو وأنه العَلِيم الحَكِيم السَّمِيع البَصِير وأنه الإله الحق وكل ما سواهُ باطِل فتظاهرت أدلة ربوبيته وتوحيده في الأرض وتنوعت وقامَت من كل جانب فَعرفهُ الموفقون من عباده وأقروا بتوحيده إيمانًا وإذعانا وجحده المخذولون على خليقته وأشركوا بِهِ ظلما وكفرانا، فَهَلَك من هلك عَن بَيِّنَة وحيي من حى بَيِّنَة والله سميع عليم.

وَمن تَأمل آياته المشهودة والمسموعة في الأرض ورَأى آثارها علم تَمام حكمته في إسكان آدم وذريته في هَذِه الدّار إلى أجل مَعْلُوم فالله سُبْحانَهُ إنَّما خلق الجنَّة لآدَم وذريته وجعل المَلائِكَة فِيها خدما لَهُم ولَكِن اقْتَضَت حكمته أن خلق لَهُم دارا يتزودون مِنها إلى الدّار الَّتِي خلقت لَهُم وأنَّهم لا ينالونها إلا بالزاد كَما قالَ تَعالى في هَذِه الدّار ﴿وَتحمل أثقالكم إلى بلد لم تَكُونُوا بالغيه إلّا بشق الأنْفس إن ربكُم لرؤوف رَحِيم﴾ فَهَذا شَأْن الِانْتِقال في الدُّنْيا من بلد إلى بلد فَكيف الِانْتِقال من الدُّنْيا إلى دار القَرار وقالَ تَعالى ﴿وتزودوا فَإن خير الزّاد التَّقْوى﴾

فَباعَ المغبونون مَنازِلهمْ مِنها بأبخس الحَظ وأنقص الثّمن وباعَ الموفقون نُفُوسهم وأموالهم من الله وجعلوها ثمنا للجنة فربحت تِجارَتهمْ ونالوا الفَوْز العَظِيم قالَ الله تَعالى ﴿إن الله اشْترى من المُؤمنِينَ أنفسهم وأمْوالهمْ بِأن لَهُم الجنَّة﴾ فَهو سُبْحانَهُ ما أخرج آدم مِنها إلا وهو يُرِيد أن يُعِيدهُ إليها أكمل إعادة كَما قيل على لِسان القدر يا آدم لا تجزع من قولي لَك اخرج مِنها فلك خلقتها فَإنِّي أنا الغَنِيّ عَنْها وعَن كل شَيْء وأنا الجواد الكَرِيم وأنا لا أتمتع فِيها فَإنِّي أطعم ولا أطعم وأنا الغَنِيّ الحميد ولَكِن أنْزلْ إلى دار البذر فَإذا بذرت فاسْتَوى الزَّرْع على سوقه وصارَ حصيدا فَحِينَئِذٍ فتعال فاستوفه أحوج ما أنت إليه الحبَّة بِعشر أمثالها إلى سَبْعمِائة ضعف إلى أضعاف كَثِيرَة فَإنِّي أعْلَم بمصلحتك مِنك وأنا العلي الحَكِيم فَإن قيل ما ذكرتموه من هَذِه الوُجُوه وأمثالها إنَّما يتم إذا قيل إن الجنَّة الَّتِي أسكنها آدم وأهبط مِنها جنَّة الخلد الَّتِي أعدت لِلْمُتقين والمُؤمنِينَ يَوْم القِيامَة وحِينَئِذٍ يظْهر سر إهباطه وإخراجه مِنها ولَكِن قد قالَت طائِفَة مِنهُم أبو مُسلم ومُنْذِر بن سعيد البلوطي وغَيرهما أنها إنما كانَت جنَّة في الأرض في مَوضِع عال مِنها لا أنها جنَّة المأوى الَّتِي أعدها الله لِعِبادِهِ المُؤمنِينَ يَوْم القِيامَة وذكر مُنْذر بن سعيد هَذا القَوْل في تَفْسِيره عَن جماعَة فَقالَ.

وَأما قَوْله لآدم اسكن أنت وزوجك الجنَّة فَقالَت طائِفَة أسكن الله تَعالى آدم جنَّة الخلد الَّتِي يدخلها المُؤْمِنُونَ يَوْم القِيامَة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском