Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:38, continued
فَهَذا الحَدِيث لا يدل على أن الجنَّة الَّتِي طلبُوا مِنهُ أن يستفتحها لَهُم هي الَّتِي أخرج مِنها بِعَينها فَإن الجنَّة اسْم جنس فَكل بُسْتان يُسمى جنَّة كَما قالَ تَعالى ﴿إنا بلوناهم كَما بلونا أصحاب الجنَّة إذْ اقسموا ليصرمنها مصبحين﴾ وقالَ تَعالى ﴿وَقالُوا لن نؤمن لَك حَتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أوْ تكون لَك جنَّة من نخيل وعنب﴾ وقالَ تَعالى ﴿وَمثل الَّذين يُنْفقُونَ أموالهم ابْتِغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كَمثل جنَّة بِرَبْوَةٍ﴾ وقالَ تَعالى ﴿واضْرِبْ لَهُم مثلا رجلَيْنِ جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بِنَخْل﴾ إلى قَوْله ﴿وَلَوْلا إذْ دخلت جنتك قلت ما شاءَ الله لا قُوَّة إلا بِاللَّه﴾ فَإن الجنَّة اسْم جنس فهم لما طلبُوا من آدم أن يستفتح لَهُم جنَّة الخلد أخبرهم بِأنَّهُ لا يحسن مِنهُ أن يقدم على ذَلِك وقد أخرج نَفسه وذريته من الجنَّة الَّتِي أسكنه الله إياها بِذَنبِهِ وخطيئته هَذا الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث.
وَأما كَون الجنَّة الَّتِي أخرج مِنها هي بِعَينها الَّتِي طلبُوا مِنهُ أن يستفتحها لَهُم فَلا يدل الحَدِيث عَلَيْهِ بِشَيْء من وُجُوه الدلالات الثَّلاث ولَو دلّ عَلَيْهِ لوَجَبَ المصير إلى مَدْلُول الحَدِيث وامْتنع القَوْل بمخالفته وهل مدارنا إلا على فهم مُقْتَضى كَلام الصّادِق المصدوق صلوات الله وسَلامه عَلَيْهِ.
قالُوا: وأما استدلالكم بالهبوط وأنه نزُول من علو إلى سفل فَجَوابه من وجْهَيْن:
أحدهما أن الهبوط قد استنقل في النقلَة من أرْض إلى أرْض كَما يُقال هَبَط فلان بلد كَذا وكَذا وقالَ تَعالى ﴿اهبطوا مصرا فَإن لكم ما سَألْتُم﴾ وهَذا كثير في نظم العَرَب ونثرها قالَ:
؎أن تهبطين بِلاد قو ∗∗∗ م يرتعون من الطلاح
وَقد روى أبو صالح عَن ابْن عَبّاس رضى الله عَنْهُما قالَ هو كَما يُقال هَبَط فلان أرْض كَذا وكَذا.
الثّانِي أنا لا ننازعكم في أن الهبوط حَقِيقَة ما ذكرتموه ولَكِن من أيْنَ يلْزم أن تكون الجنَّة الَّتِي مِنها الهبوط فَوق السَّماوات فَإذا كانَت في أعلى الأرض أما يَصح أن يُقال هَبَط مِنها كَما يهْبط الحجر من أعلى الجَبَل إلى أسفله ونَحْوه.
وَأما قوله تَعالى: ﴿وَلكم في الأرض مستقرومتاع إلى حِين﴾ فَهَذا يدل على أن الأرض الَّتِي أهبطوا إليها لَهُم فِيها مُسْتَقر ومتاع إلى حِين ولا يدل على أنهم لم يَكُونُوا في جنَّة عالية أعلى من الأرض الَّتِي أهبطوا إليها تخالف الأرض في صفاتها وأشجارها ونَعِيمها وطيبها، فالله سُبْحانَهُ فاوت بَين بقاع الأرض أعظم تفاوت وهَذا مشهود بالحس فَمن أيْنَ لكم أن تِلْكَ لم تكن جنَّة تميزت عَن سائِر بقاع الأرض بِما لا يكون إلا فِيها، ثمَّ أهبطوا مِنها إلى الأرض الَّتِي هي مَحل التَّعَب والنّصب والابتلاء والامتحان.
وَهَذا بِعَيْنِه هو الجواب عَن استدلالكم بقوله تَعالى: ﴿إن لَك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ إلى آخر ما ذكرتموه مَعَ أن هَذا حكم مُعَلّق بِشَرْط والشّرط لم يحصل، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما قالَ ذَلِك عقيب قَوْله ﴿وَلا تقربا هَذِه الشَّجَرَة﴾ وقَوله ﴿إن لَك ألا تجوع فِيها ولا تعرى﴾ هو صِيغَة وعد مرتبطة بِما قبلها والمعْنى أن اجْتنبت الشَّجَرَة الَّتِي نهيتك عَنْها ولم تَقربها كانَ لَك هَذا الوَعْد والحكم المُعَلق بِالشّرطِ عدم عند عدم الشَّرْط فَلَمّا أكل من الشَّجَرَة زالَ اسْتِحْقاقه لهَذا الوَعْد.
قالَ وأما قَوْلكُم أنه لَو كانَت الجنَّة في الدُّنْيا لعلم آدم كذب إبليس في قَوْله ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الخلد وملك لا يبْلى﴾ إلى آخِره فدعوى لا دَلِيل عَلَيْها لأنه لا دَلِيل لكم على أن الله سُبْحانَهُ كانَ قد أعْلَم آدم حِين خلقه أن الدُّنْيا منقضية فانية وأن ملكها يبْلى ويَزُول وعَلى تَقْدِير أن يكون آدم حِينَئِذٍ قد أعلم ذَلِك فَقَوْل إبليس ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الخلد وملك لا يبْلى﴾ لا يدل على أنه أراد بالخلد ما لا يتناهى فَإن الخلد في لُغَة العَرَب هو اللّبْث الطَّوِيل كَقَوْلِهِم قيد مخلد وحبس مخلد وقد قالَ تَعالى لثمود ﴿أتبنون بِكُل ريع آيَة تعبثون وتتخذون مصانع لَعَلَّكم تخلدون﴾ وكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَملك لا يبْلى﴾ يُراد بِهِ الملك الطَّوِيل الثّابِت.
وَأيْضًا فَلا وجه للاعتذار عَن قَول إبليس مَعَ تحقق كذبه ومقاسمته آدم وحواء على الكَذِب والله سُبْحانَهُ قد أخبر أنه قاسمهما ودلاهما بغرور، وهَذا يدل على أنهما اغترا بقوله فغرهما بأن أطمعهما في خلد الأبد والملك الَّذِي لا يبْلى.
وَبِالجُمْلَةِ فالاستدلال بِهَذا على كَون الجنَّة الَّتِي سكنها آدم هي جنَّة الخلد الَّتِي وعدها المتقون غير بَين، ثمَّ نقُول لَو كانَت الجنَّة هي جنَّة الخلد الَّتِي لا يَزُول ملكها لكانَتْ جَمِيع أشجارها شجر الخلد فَلم يكن لتلك الشَّجَرَة اخْتِصاص من بَين سائِر الشّجر بِكَوْنِها شَجَرَة الخلد وكانَ آدم يسخر من إبليس إذْ قد علم أن الجنَّة دار الخلد.
فَإن قُلْتُمْ لَعَلَّ آدم لم يعلم حِينَئِذٍ ذَلِك فغره الخَبيث وخدعه بأن هَذِه الشَّجَرَة وحدها هي شَجَرَة الخلد؟
قُلْنا فاقنعوا منا بِهَذا الجَواب بِعَيْنِه عَن قَوْلكُم لَو كانَت الجنَّة في الدُّنْيا لعلم آدم كذب إبليس في ذَلِك لأن قَوْله كانَ خداعا وغرورا مَحْضا على كل تَقْدِير فانْقَلَبَ دليلكم حجَّة عَلَيْكُم وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
قالُوا: وأما قَوْلكُم أن قصَّة آدم في البَقَرَة ظاهِرَة جدا في أن جنَّة آدم كانَت فَوق السَّماء فَنحْن نطالبكم بِهَذا الظُّهُور ولا سَبِيل لكم إلى إثباته.
قَوْلكُم إنه كرر فِيهِ ذكر الهبوط مرَّتَيْنِ ولا بُد أن يُفِيد الثّانِي غير ما أفادَ الأول فَيكون الهبوط الأول من الجنَّة والثّانِي من السَّماء.
فَهَذا فِيهِ خلاف بَين أهل التَّفْسِير فَقالَت طائِفَة هَذا القَوْل الَّذِي ذكرتموه، وقالَت طائِفَة مِنهُم النقاش وغَيره أن الهبوط الثّانِي إنَّما هو من الجنَّة إلى السَّماء والهبوط الأول إلى الأرض وهو آخر الهبوطين في الوُقُوع وإن كانَ أولهما في الذّكر.
وَقالَت طائِفَة أتى بِهِ على جِهَة التَّغْلِيظ والتأكيد كَما تَقول للرجل اخرج اخرج.
وَهَذِه الأقوال ضَعِيفَة، فَأما القَوْل الأول فَيظْهر ضعفه من وُجُوه:
أحدها أنه مُجَرّد دَعْوى لا دَلِيل عَلَيْها من اللَّفْظ ولا من خبر يجب المصير إليه وما كانَ هَذا سَبيله لا يحمل القُرْآن عَلَيْهِ.
الثّانِي أن الله سُبْحانَهُ قد أهبط إبليس لما امْتنع من السُّجُود لآدم إهباطا كونيا قدريا لا سَبِيل لَهُ إلى التَّخَلُّف عَنهُ فَقالَ تَعالى ﴿اهبط مِنها فَما يكون لَك أن تتكبر فِيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾ وقالَ في مَوضِع آخر ﴿فاخرج مِنها فإنك رجيم وإن عَلَيْك اللَّعْنَة إلى يَوْم الدّين﴾ وفي مَوضِع آخر ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وسَواء كانَ الضَّمِير في قَوْله مِنها راجعا إلى السَّماء أوْ إلى الجنَّة فَهَذا صَرِيح في إهباطه وطرده ولعنه وادحاره والمدحور المبعد وعَلى هَذا فَلَو كانَت الجنَّة فَوق السَّماوات لَكانَ قد صعد إليها بعد إهباط الله لَهُ، وهَذا وإن كانَ مُمكنا فَهو في غايَة البعد عَن حِكْمَة الله ولا يَقْتَضِيهِ خَبره فَلا يَنْبَغِي أن يُصار إليه.
وَأما الوُجُوه الأربعة الَّتِي ذكرتموها من صُعُوده للوسوسة فَهي مَعَ أمر الله تَعالى بالهبوط مُطلقًا وطرده ولعنه ودحوره لا دَلِيل عَلَيْها لا من اللَّفْظ ولا من الخَبَر الَّذِي يجب المصير إليه وما هي إلا احتمالات مُجَرّدَة وتقديرات لا دَلِيل عَلَيْها.
الثّالِث أن سِياق قصَّة إهباط الله تَعالى لإبليس ظاهِرَة في أنه إهباط إلى الأرض من وُجُوه أحدها أنه سُبْحانَهُ نبه على حِكْمَة إهباطه بِما قامَ بِهِ من التكبر المُقْتَضى غايَة ذله وطرده ومعاملته بنقيض قَصده وهو إهباطه من فَوق السَّماوات إلى قَرار الأرض ولا تقتضي الحِكْمَة أن يكون فَوق السَّماء مَعَ كبره ومنافاة حاله لحال المَلائِكَة الأكرمين.
الثّانِي أنه قالَ ﴿فاخرج مِنها فَإنّك رجيم وإن عَلَيْك لَعْنَتِي إلى يَوْم الدّين﴾ وكَونه رجيما ملعونا ينفي أن يكون في السَّماء بَين المقربين المطهرين.
الثّالِث أنه قالَ ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ وملكوت السَّماوات لا يعلوه المذموم المدحور أبدا.
وَأما القَوْل الثّانِي فَهو القَوْل الأول بِعَيْنِه مَعَ زِيادَة ما لا يدل عَلَيْهِ السِّياق بِحال من تَقْدِيم ما هو مُؤخر في الواقِع وتَأْخِير ما هو مقدم فِيهِ فَيرد بِما رد بِهِ القَوْل الَّذِي قبله.
وَأما القَوْل الثّالِث وهو أنه للتَّأْكِيد فَإن أُرِيد التَّأْكِيد اللَّفْظِيّ المُجَرّد فَهَذا لا يَقع في القُرْآن، وإن أريد بِهِ أنه مُسْتَلْزم للتغليظ والتأكيد مَعَ ما يشْتَمل عَلَيْهِ من الفائِدَة فَصَحِيح.
فالصَّواب أن يُقال اعيد الإهباط مرّة ثانِيَة لأنه علق عَلَيْهِ حكما غير المُعَلق على الإهباط الأول فَإنَّهُ علق على الأول عَداوَة بَعضهم بَعْضًا فَقالَ ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو﴾ وهَذِه جملَة حالية وهِي اسمية بالضمير وحده عند الأكثرين والمعْنى اهبطوا متعادين وعلق على الهبوط الثّانِي حكمين آخَرين:
أحدهما هبوطهم جَمِيعًا، والثّانِي قَوْله ﴿فإمّا يَأْتينكم مني هدى فَمن تبع هُدايَ فَلا خوف عَلَيْهِم ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قيل اهبطوا بِهَذا الشَّرْط مأخوذا عَلَيْكُم هَذا العَهْد وهو أنه مهما جاءَكُم مني هدى فَمن اتبعهُ مِنكُم فَلا خوف عَلَيْهِ ولا حزن يلْحقهُ، فَفي الإهباط الأول إيذان بالعقوبة ومقابلتهم على الجريمة، وفي الإهباط الثّانِي روح التسلية والاستبشار بحسن عاقِبَة هَذا الهبوط لمن تبع هُدايَ ومصيره إلى الأمن والسُّرُور المضاد للخوف والحزن، فكسرهم بالإهباط الأول، وجبر من اتبع هداه بالإهباط الثّانِي على عادَته سُبْحانَهُ ولطفه بعباده وأهل طاعَته كَما كسر آدم بالإخراج من الجنَّة وجبره بالكلمات الَّتِي تلقاها مِنهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهداه.
وَمن تدبر حكمته سُبْحانَهُ ولطفه وبره بعباده وأهل طاعَته في كَسره لَهُم ثمَّ جبره بعد الانكسار كَما يكسر العَبْد بالذنب ويذله بِهِ ثمَّ يجْبرهُ بتوبته عَلَيْهِ ومغفرته لَهُ، وكما يكسرهُ بأنواع المصائب والمحن ثمَّ يجْبرهُ بالعافية والنعْمَة انْفَتح لَهُ باب عَظِيم من أبْواب مَعْرفَته ومحبته، وعلم أنه أرْحَمُ بعباده من الوالدة بِوَلَدِها، وأن ذَلِك الكسر هو نفس رَحمته بِهِ وبره ولطفه، وهو أعلم بمصلحة عَبده مِنهُ، ولَكِن العَبْد لضعف بصيرته ومعرفته بأسماء ربه وصِفاته لا يكاد يشْعر بذلك ولا ينال رضا المحبوب وقربه والابتهاج والفرح بالدنو مِنهُ والزلفى لَدَيْهِ إلا على جسر من الذلة والمسكنة وعَلى هَذا قامَ أمر المحبَّة فَلا سَبِيل إلى الوُصُول إلى المحبوب إلا بذلك كَما قيل
؎تذلل لمن تهوى لتحظى بِقُرْبِهِ ∗∗∗ فكم عزة قد نالها العَبْد بالذل
؎إذا كانَ من تهوى عَزِيز أوْ لم تكن ∗∗∗ ذليلا لَهُ فاقرأ السَّلام على الوَصْل
وَقالَ آخر:
؎اخضع وذل لمن تحب فَلَيْسَ في ∗∗∗ شرع الهوى أنف يشال ويقْعد
وَقالَ آخر:
؎وَما فرحت بالوصل نفس عزيزة ∗∗∗ وما العِزّ إلّا ذلها وانكسارها
قالُوا وإذا علم أن إبْلِيس أهبط من دار العِزّ عقب امْتِناعه وإبائه من السُّجُود لآدم ثَبت أن وسوسته لَهُ ولزوجه كانَت في غير المحل الَّذِي أهبط مِنهُ والله أعْلَم.
قالُوا: وأما قَوْلكُم إن الجنَّة إنَّما جاءَت معرفَة بِاللّامِ وهِي تَنْصَرِف إلى الجنَّة الَّتِي لا يعْهَد بَنو آدم سواها فَلا ريب أنها جاءَت كَذَلِك ولَكِن العَهْد وقع في خطاب الله تَعالى آدم لسكناها بقوله ﴿اسكن أنت وزوجك الجنَّة﴾ فَهي كانَت معهودة عند آدم ثمَّ اُخْبُرْنا سُبْحانَهُ عنها معرفا لَها بلام التَّعْرِيف فانْصَرف العرف بها إلى تِلْكَ الجنَّة المَعْهُودَة في الذِّهْن وهِي الَّتِي سكنها آدم ثمَّ أخرج مِنها فَمن أيْنَ في هَذا ما يدل على محلها وموضعها بِنَفْي أوْ إثْبات؟
وَأما مَجِيء جنَّة الخلد معرفَة بِاللّامِ فلأنها الجنَّة
الَّتِي أخبرت بها الرُّسُل لأممهم ووعدها الرَّحْمَن عباده بِالغَيْبِ فَحَيْثُ ذكرت انْصَرف الذِّهْن إليها دون غَيرها لأنها قد صارَت مَعْلُومَة في القُلُوب مُسْتَقِرَّة فِيها ولا ينْصَرف الذِّهْن إلى غَيرها ولا يتَوَجَّه الخطاب إلى سواها وقد جاءَت الجنَّة في القُرْآن معرفَة بِاللّامِ والمراد بها بُسْتان في بقْعَة من الأرض كَقوله تَعالى: ﴿إنّا بلوناهم كَما بلونا أصحاب الجنَّة إذْ أقسموا ليصرمنها مصبحين﴾ فَهَذا لا ينْصَرف الذِّهْن فِيها إلى جنَّة الخلد ولا إلى جنَّة آدم بِحال.
قالُوا: وأما قَوْلكُم إنه قد اتّفق أهل السّنة والجَماعَة على أن الجنَّة والنّار مخلوقتان وإنّهُ لم يُنازع في ذَلِك إلّا بعض أهل البدع والضلال واستدلالكم على وجود الجنَّة الآن فَحق لا ننازعكم فِيهِ وعِنْدنا من الأدلة على وجودها أضعاف ما ذكرْتُمْ ولَكِن أي تلازم بَين أن تكون جنَّة الخلد مخلوقة وبَين أن تكون هي جنَّة آدم بِعَينها فكأنكم تَزْعُمُونَ أن كل من قالَ إن جنَّة آدم هي جنَّة في الأرض فَلا بُد لَهُ أن يَقُول إن الجنَّة والنّار لم يخلقا بعد، وهَذا غلط مِنكُم منشؤه من توهمكم أن كل من قالَ بِأن الجنَّة لم تخلق بعد فَإنَّهُ يَقُول إن جنَّة آدم هي في الأرض كَذَلِك بِالعَكْسِ أن كل من قالَ إن جنَّة آدم في الأرض فَيَقُول إن الجنَّة لم تخلق، فَأما الأول فَلا ريب فِيهِ.
وَأما الثّانِي فَوَهم لا تلازم بَينهما لا في المَذْهَب ولا في الدَّلِيل، فَأنْتم نصبتم دليلكم مَعَ طائِفَة نَحن وأنتم متفقون على إنكار قَوْلهم ورده وإبطاله، ولَكِن لا يلْزم من هَذا بطلان هَذا القَوْل الثّالِث وهَذا واضح.
قالُوا: وأما قَوْلكُم أن جَمِيع ما نَفاهُ الله سُبْحانَهُ عَن الجنَّة من اللَّغْو والعَذاب وسائِر الآفات الَّتِي وجد بَعْضها من إبليس عَدو الله فَهَذا إنَّما يكون بعد القِيامَة إذا دَخلها المُؤْمِنُونَ كَما يدل عَلَيْهِ السِّياق فَجَوابه من وجْهَيْن:
أحدهما أن ظاهر الخَبَر يَقْتَضِي نَفْيه مُطلقًا لقوله تَعالى: ﴿لا لَغْو فِيها ولا تأثيم﴾ ولقوله تَعالى: ﴿لا تسمع فِيها لاغية﴾ فَهَذا نفي عام لا يجوز تَخْصِيصه إلا بمخصص بَين، والله سُبْحانَهُ قد حكم بأنها دار الخلد حكما مُطلقًا فَلا يدخلها إلا خالِد فِيها فتخصيصكم هَذِه التَّسْمِيَة بِما بعد القِيامَة خلاف الظّاهِر.
الثّانِي أن ما ذكرْتُمْ إنَّما يُصار إليه إذا قامَ الدَّلِيل السّالِم عَن المعارض المقاوم أنها جنَّة الخلد بِعَينها وحِينَئِذٍ يتَعَيَّن المصير إلى ما ذكرْتُمْ، فَأما إذا لم يقم دَلِيل سالم على ذَلِك ولم تجمع الأمة عَلَيْهِ فَلا يسوغ مُخالفَة ما دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص البَيِّنَة بِغَيْر مُوجب والله أعْلَم.
قالُوا: ومِمّا يدل على أنها لَيست جنَّة الخلد الَّتِي وعدها المتقون أن الله سُبْحانَهُ لما خلق آدم أعلمه أن لعمره أجلا يَنْتَهِي إليه وأنه لم يخلقه للبقاء ويدل على هَذا ما رَواهُ التِّرْمِذِيّ في جامعه قالَ حَدثنا مُحَمَّد بن بشار قالَ حَدثنا صَفْوان بن عِيسى حَدثنا الحارِث بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي زياب عَن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قالَ قالَ رَسُول الله ﷺ "لما خلق الله آدم ونفخ فِيهِ الرّوح عطس فَقالَ الحَمد لله يا رب فَقالَ لَهُ ربه يَرْحَمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك المَلائِكَة إلى ملاء مِنهُم جُلُوس فَقل السَّلام عَلَيْكُم قالُوا وعَلَيْك السَّلام ثمَّ رَجَعَ إلى ربه فَقالَ إن هَذِه تحيتك وتحية بنيك بَينهم، فَقالَ الله لَهُ ويداه مقبوضتان اختر أيتهما شِئْت، فَقالَ اخْتَرْت يَمِين رَبِّي كلتا يَدي رَبِّي يَمِين مباركة، ثمَّ بسطها فَإذا فِيها آدم وذريته قالَ أي رب ما هَؤُلاءِ؟ قالَ هَؤُلاءِ ذريتك، فَإذا كل إنْسان مَكْتُوب عمره بَين عَيْنَيْهِ، فَإذا رجل أضوؤهم أوْ من أضوئهم قالَ يا رب من هَذا؟ قالَ هَذا ابْنك داوُد وقد كتبت لَهُ عمرا أربعين سنة قالَ يا رب زد في عمره قالَ ذاك الَّذِي كتبت لَهُ قالَ أي رب فَإنِّي قد جعلت لَهُ من عمري سِتِّينَ سنة قالَ أنْت وذاكَ.
قالَ ثمَّ أسكن الجنَّة ما شاءَ الله ثمَّ أهبط مِنها، وكانَ آدم يعد لنَفسِهِ فَأتاهُ ملك المَوْت فَقالَ لَهُ آدم قد عجلت ألْيَسَ قد كتبت لي ألف سنة؟ قالَ بلى ولَكِنَّك جعلت لابنك داوُد سِتِّينَ سنة فَجحد فَجحدت ذُريَّته ونسي فنسيت ذُريَّته، قالَ فَمن يَوْمئِذٍ أمر بِالكتاب والشُّهُود"
هَذا حَدِيث حسن غَرِيب من هَذا الوَجْه.
وروي من غير وجه عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي قالُوا فَهَذا صَرِيح في أن آدم لم يكن مخلوقا في دار الخلد الَّتِي لا يَمُوت من دَخلها وإنَّما خلق في دار الفناء الَّتِي جعل الله لَها ولأهلها أجلا مَعْلُوما وفيها أسكن فَإن قيل فَإذا كانَ آدم قد علم أن لَهُ عمرا يَنْتَهِي إليه وأنه لَيْسَ من الخالدين فَكيف لم يكذب إبليس ويعلم بطلان قَوْله حَيْثُ قالَ لَهُ ﴿هَل أدلك على شَجَرَة الخلد وملك لا يبْلى﴾ بل جوز ذَلِك وأكل من الشَّجَرَة طَمَعا في الخلد.
فالجَواب ما تقدم من الوَجْهَيْنِ إما أن يكون المُراد بالخلد المكْث الطَّوِيل إلى أبَد الآباد أوْ يكون عدوه إبليس لما قاسمه وزوجه وغَيرهما وطمعهما بدوامهما في الجنَّة نسي ما قدر لَهُ من عمره.
قالُوا والمعول عَلَيْهِ في ذَلِك قوله تَعالى للْمَلائكَة ﴿إنِّي جاعل في الأرض خَليفَة﴾ وهَذا الخَلِيفَة هو آدم بِاتِّفاق النّاس ولما عجبت المَلائِكَة من ذَلِك وقالُوا ﴿أتجعل فِيها من يفْسد فِيها ويسفك الدِّماء ونحن نُسَبِّح بحَمْدك ونقدس لَك﴾ عرفهم سُبْحانَهُ أن هَذا الخَلِيفَة الَّذِي هو جاعله في الأرض لَيْسَ حاله كَما توهمتم من الفساد بل أُعلِّمه من علمي ما لا تعلمونه فأظهر من فَضله وشرفه بِأن علمه الأسماء كلها ثمَّ عرضهمْ على المَلائِكَة فَلم يعرفوها وقالُوا ﴿سُبْحانَكَ لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العَلِيم الحَكِيم﴾ وهَذا يدل على أن هَذا الخَلِيفَة الَّذِي سبق بِهِ إخبار الرب تَعالى لملائكته، وأظْهر تَعالى فَضله وشرفه وأعلمه بِما لم تعلمه المَلائِكَة وهو خَليفَة مجعول في الأرض لا فَوق السَّماء.
فَإن قيل قوله تَعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خَليفَة﴾ إنَّما هو بِمَعْنى سأجعله في الأرض فَهي مآله ومصيره وهَذا لا يُنافِي أن يكون في جنَّة الخلد فَوق السَّماء أولا ثمَّ يصير إلى الأرض للخلافة الَّتِي جعلها الله لَهُ، واسم الفاعِل هُنا بِمَعْنى الِاسْتِقْبال ولِهَذا انتصب عَنهُ المَفْعُول؟ فالجَواب أن الله سُبْحانَهُ أعْلَم مَلائكَته بانه يخلقه لخلافة الأرض لا لسكنى جنَّة الخلود، وخَبره الصدْق وقَوله الحق، وقد علمت المَلائِكَة أنه هو آدم فَلَو كانَ قد أسكنه دار الخلود فَوق السَّماء لم يظْهر للْمَلائكَة وُقُوع المخبر ولم يحتاجوا إلى أن يبين لَهُم فَضله وشرفه وعلمه المتضمن رد قَوْلهم ﴿أتجْعَلُ فِيها من يفْسد فِيها ويسفك الدِّماء﴾ فَإنَّهُم إنَّما سَألُوا هَذا السُّؤال في حق الخَلِيفَة المجعول في الأرض، فأما من هو في دار الخلد فَوق السَّماء فَلم تتوهم المَلائِكَة مِنهُ سفك الدِّماء والفساد في الأرض ولا كانَ إظهار فَضله وشرفه وعلمه وهو فَوق السَّماء رادا لقَولهم وجوابا لسؤالهم، بل الَّذِي يحصل بِهِ جوابهم وضد ما توهموه إظْهار تِلْكَ الفَضائِل والعلوم مِنهُ وهو في مَحل خِلافَته الَّتِي خلق لَها وتوهمت المَلائِكَة أنه لا يحصل مِنهُ هُناكَ إلا ضدها من الفساد وسَفك الدِّماء، وهَذا واضح لمن تَأمله.
وَأما اسْم الفاعِل وهو فاعل وإن كانَ بِمَعْنى الِاسْتِقْبال فَلِأن هَذا إخْبار عَمّا سيفعله الرب تَعالى في المُسْتَقْبل من جعله الخَلِيفَة في الأرض، وقد صدق وعده ووَقع ما أخبر بِهِ، وهَذا ظاهر في أنه من أول الأمر جعله خَليفَة في الأرض.
وَأما جعله في السَّماء أولا ثمَّ جعله خَليفَة في الأرض ثانِيًا وإن كانَ مِمّا لا يُنافِي الِاسْتِخْلاف المَذْكُور فَهو مما لا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ بِوَجْه بل يقتضي ظاهره خِلافه، فَلا يُصار إليه إلّا بِدَلِيل يُوجب المصير إليه وحَوله ندندن.
قالُوا: وأيْضًا فَمن المَعْلُوم الَّذِي لا يُخالف فِيهِ مُسلم أن الله سُبْحانَهُ خلق آدم من تُراب، وهو تُراب هَذِه الأرض بِلا ريب كَما روى التِّرْمِذِيّ في جامعه من حَدِيث عَوْف عَن قسامَة بن زُهَيْر عَن أبي مُوسى الأشعري رضى الله عَنهُ قالَ قالَ رَسُول الله
"إن الله تبارك وتَعالى خلق آدم من قَبْضَة قبضها من جَمِيع الأرض فجاء بَنو آدم على قدر الأرض، فجاء مِنهُم الأحمر والأبيض والأسود وبَين ذَلِك والسهل والحزن والخبيث والطّيب"
قالَ التِّرْمِذِيّ هَذا حَدِيث حسن صَحِيح، وقد رَواهُ الإمام أحْمَد في مُسْنده من طرق عدَّة.
وَقد أخبر سُبْحانَهُ أنه خلقه من تُراب، وأخْبر أنه خلقه من سلالة من طين وأخبر أنه خلقه من صلصال من حمإ مسنون والصلصال قيل فِيهِ هو الطين اليابِس الَّذِي لَهُ صلصلة ما لم يطْبخ فَإذا طبخ فَهو فخار.
وَقيل فِيهِ هو المُتَغَيّر الرّائِحَة من قَوْلهم صل إذا انتن، والحمأ الطين الأسود المُتَغَيّر.
والمسنون قيل المصبوب من سننت الماء إذا صببته.
وَقيل المنتن المسن من قَوْلهم سننت الحجر على الحجر إذا حككته، فَإذا سالَ بَينهما شَيْء فَهو سِنِين، ولا يكون إلّا منتنا.
وَهَذِه كلها أطوار التُّراب الَّذِي هو مبدؤه الأول، كَما أخبر عَن خلق الذُّرِّيَّة من نُطْفَة ثمَّ من علقَة ثمَّ من مُضْغَة.
وَهَذِه أحوال النُّطْفَة الَّتِي هي مبدأ الذُّرِّيَّة ولم يخبر سُبْحانَهُ أنه رَفعه من الأرض إلى فَوق السَّماوات لا قبل التخليق ولا بعده وإنَّما أخبر عَن إسجاد المَلائِكَة لَهُ، وعَن إدْخاله الجنَّة وما جرى لَهُ مَعَ إبْلِيس بعد خلقه فَأخْبر سُبْحانَهُ بالأمور الثَّلاثَة في نسق واحِد مرتبطا بَعْضها بِبَعْض.
قالُوا فَأيْنَ الدَّلِيل الدّال على إصعاد مادته وإصعاده بعد خلقه إلى فَوق السَّماوات هَذا مِمّا لا دَلِيل لكم عَلَيْهِ أصلا ولا هو لازم من لَوازِم ما أخبر الله بِهِ.
قالُوا ومن المَعْلُوم أن ما فَوق السَّماوات لَيْسَ بمَكان للطين الأرضي المُتَغَيّر الرّائِحَة الَّذِي قد أنتن من تغيره، وإنَّما مَحَله هَذا الأرض الَّتِي هي مَحل المتغيرات والفاسدات.
وَأما ما كانَ فَوق الأمْلاك فَلا يلْحقهُ تغير ولا نَتن ولا فساد ولا استحالة.
قالُوا وهَذا أمر لا يرتاب فِيهِ العُقَلاء.
قالُوا وقد قالَ تَعالى ﴿وَأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾
فَأخْبر سُبْحانَهُ أن هَذا العَطاء في جنَّة الخلد غير مَقْطُوع، وما أعطيه آدم فقد انْقَطع فَلم تكن تِلْكَ جنَّة الخلد.
قالُوا: وأيْضًا فَلا نزاع في أن الله تَعالى خلق آدم في الأرض كَما تقدم ولم يذكر في قصَّته أنه نَقله إلى السَّماء، ولَو كانَ تَعالى قد نَقله إلى السَّماء لَكانَ هَذا أولى بِالذكر، لأنه من أعظم أنواع النعم عَلَيْهِ، وأكبر أسباب تفضيله وتشريفه، وأبلغ في بَيان آيات قدرته وربوبيته وحكمته، وأبلغ في بَيان المَقْصُود من عاقِبَة المعْصِيَة وهو الإهباط من السَّماء الَّتِي نقل إليها كَما ذكر ذَلِك في حق إبليس فَحَيْثُ لم يَجِئ في القُرْآن ولا في السّنة حرف واحِد أنه نَقله إلى السَّماء ورَفعه إليها بعد خلقه في الأرض علم أن الجنَّة الَّتِي أدخلها لم تكن هي جنَّة الخلد الَّتِي فَوق السَّماوات.
قالُوا: وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ قد أخبر في كِتابه أنه لم يخلق عباده عَبَثا ولا سدى وأنكر على من زعم ذَلِك فَدلَّ على أن هَذا مناف لحكمته ولَو كانَتا جنَّة آدم هي جنَّة الخلد لكانوا قد خلقُوا في دار لا يؤمرون فِيها ولا ينهون.
وَهَذا باطِل بقوله ﴿أيحسب الإنسان أن يتْرك سدى﴾
قالَ الشّافِعِي وغَيره معطلا لا يُؤمر ولا ينْهى وقالَ ﴿أفحسبتم أنا خَلَقْناكم عَبَثا﴾ فَهو تَعالى لم يخلقهم عَبَثا ولا تَركهم سدى وجنة الخلد لا تَكْلِيف فِيها.
قالُوا: وأيْضًا فَإنَّهُ خلقها جَزاء للعاملين بقوله تَعالى: ﴿نعم أجْرِ العالمين﴾ وجَزاء لِلْمُتقين بقوله ﴿ولنعم دار المُتَّقِينَ﴾ ودار الثَّواب بقوله ﴿ثَوابًا من عند الله﴾ فَلم يكن ليسكنها إلّا من خلقها لَهُم من العاملين ومن المُتَّقِينَ ومن تَبِعَهم من ذرياتهم وغَيرهم من الحور والولدان.
وَبِالجُمْلَةِ فحكمته تَعالى اقْتَضَت أنها لا تنال إلا بعد الِابْتِلاء والامتحان والصَّبْر والجهاد وأنواع الطّاعات، وإذا كانَ هَذا مُقْتَضى حكمته فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يفعل إلا ما هو مطابق لَها.
قالُوا فَإذا جمع ما أخبر الله عز وجل بِهِ من أنه خلقه من الأرض وجعله خَليفَة في الأرض، وأن إبليس وسوس لَهُ في مَكانَهُ الَّذِي أسكنه فِيهِ بعد أن أهبط إبليس من السَّماء، وأنه أخبر مَلائكَته أنه جاعل في الأرض خَليفَة، وأن دار الجنَّة لا لَغْو فِيها ولا تأثيم، وأن من دَخلها لا يخرج مِنها أبدا، وأن من دَخلها ينعم لا يبؤس، وأنه لا يخاف ولا يحزن، وأن الله سُبْحانَهُ حرمها على الكافرين، وعدو الله إبليس أكفر الكافرين، فمحال أن يدخلها أصلا لا دُخُول عبور ولا دُخُول قَرار، وأنها دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان إلى غير ذَلِك مِمّا ذَكرْناهُ من مُنافاة أوصاف جنَّة الخلد للجنة الَّتِي أسكنها آدم إذا جمع ذَلِك بعضه إلى بعض ونظر فِيهِ بِعَين الإنصاف والتجرد عَن نصْرَة المقالات تبين الصَّواب من ذَلِك والله المُسْتَعان.
قالَ الآخرون بل الجنَّة الَّتِي أسكنها آدم عند سلف الأمة وأئمتها وأهل السّنة والجَماعَة هي جنَّة الخلد ومن قالَ إنها كانَت جنَّة في الأرض بِأرْض الهِنْد أو بِأرْض جدة أوْ غير ذَلِك فَهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة أوْ من إخوانهم المُتَكَلِّمين المبتدعين فَإن هَذا يَقُوله من يَقُوله من المتفسلفة والمعتزلة والكتاب يرد هَذا القَوْل وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هَذا القَوْل قالَ تَعالى ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ (٣٤) وقُلْنا ياآدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ (٣٥) فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ وقُلْنا اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ (٣٦)﴾
فقد أخبر سُبْحانَهُ أنه أمرهم بالهبوط وأن بَعضهم لبَعض عَدو ثمَّ قالَ ﴿وَلكم في الأرض مُسْتَقر ومتاع إلى حِين﴾ وهَذا بَين أنهم لم يَكُونُوا في الأرض وإنَّما أهبطوا إلى الأرض فَإنَّهُم لَو كانُوا في الأرض وانتقلوا مِنها إلى أرْض أخرى كَما انْتقل قوم مُوسى من أرْض إلى أرْض كانَ مستقرهم ومتاعهم إلى حِين في الأرض قبل الهبوط كَما هو بعده.
وَهَذا باطِل قالُوا وقد قالَ تَعالى في سُورَة الأعراف لما قالَ إبْلِيس ﴿أنا خير مِنهُ خلقتني من نار وخلقته من طين قالَ فاهبط مِنها فَما يكون لَك أن تتكبر فِيها فاخرج إنك من الصاغرين﴾
يبين اخْتِصاص الجنَّة الَّتِي في السَّماء بِهَذا الحكم بِخِلاف جنَّة الأرض فَإن إبليس كانَ غير مَمْنُوع من التكبر فِيها، والضَّمِير في قَوْله ﴿مِنها﴾ عائِد إلى مَعْلُوم وإن كانَ غير مَذْكُور في اللَّفْظ لأن العلم بِهِ أغْنى عَن ذكره.
قالُوا وهَذا بِخِلاف قَوْله ﴿اهبطوا مصرا فَإن لكم ما سَألْتُم﴾ فَإنَّهُ لم يذكر هُنا ما اهبطوا مِنهُ وإنَّما ذكر ما أهبطوا إليه بِخِلاف إهباط إبليس فَإنَّهُ ذكر مبدأ هُبُوطه وهو الجنَّة، والهبوط يكون من علو إلى سفل، وبَنُو إسرائيل كانُوا بجبال السراة المشرفة على مصر الَّذِي يهبطون إليه، ومن هَبَط من جبل إلى واد قيل لَهُ أهبط.
قالُوا: وأيْضًا فبنو إسرائيل كانُوا يَسِيرُونَ ويرحلون، والَّذِي يسير ويرحل إذا جاءَ بَلْدَة يُقال نزل فِيها لأن من عادَته أن يركب في مسيره فَإذا وصل نزل عَن دوابه، ويُقال نزل العَدو بِأرْض كَذا ونزل القفل ونَحْوه.
وَلَفظ النُّزُول كَلَفْظِ الهبوط فَلا يسْتَعْمل نزل وهَبَطَ إلا إذا كانَ من علو إلى سفل وقالَ تَعالى عقب قَوْله ﴿اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو ولكم في الأرض مُسْتَقر ومتاع إلى حِين قالَ فِيها تحيون وفيها تموتون ومِنها تخرجُونَ﴾
فَهَذا دَلِيل على أنهم لم يَكُونُوا قبل ذَلِك في مَكان فِيهِ يحيون وفِيه يموتون ومِنه يخرجُون، والقُرْآن صَرِيح في أنهم إنما صارُوا إليه بعد الإهباط.
قالُوا ولَو لم يكن في هَذِه إلا قصَّة آدم ومُوسى لكانَتْ كافِيَة فَإن مُوسى إنَّما لامَ آدم عَلَيْهِ السَّلام لما حصل لَهُ ولذريته من الخُرُوج من الجنَّة من النكد والمَشَقَّة، فَلَو كانَت بستانا في الأرض لَكانَ غَيره من بساتين الأرض يعوض عَنهُ، ومُوسى أعظم قدرا من أن يلومه على أن أخرج نَفسه وذريته من بُسْتان في الأرض.
قالُوا وكَذَلِكَ قَول آدم يَوْم القِيامَة لما يرغب إليه النّاس أن يستفتح لَهُم باب الجنَّة فَيَقُول: "وَهل أخرجكم مِنها إلا خَطِيئَة أبيكم"
فَإن ظُهُور هَذا في كَونها جنَّة الخلد وأنه اعتذر لَهُم بأنه لا يحسن مِنهُ أن يستفتحها وقد أخرج مِنها بخطيئته من أظهر الأدلة.
قالَ الأولون أما قَوْلكُم إن من قالَ إنها جنَّة في الأرض فَهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة أوْ من إخوانهم فقد أوجدناكم من قالَ بِهَذا ولَيْسَ من أحد من هَؤُلاءِ ومشاركة أهل الباطِل للمحق في المسألة لا يدل على بُطْلانها ولا تكون إضافتها لَهُم مُوجبَة لبطلانها ما لم يخْتَص بها فَإن أردتم أنه لم يقل بذلك إلّا هَؤُلاءِ فَلَيْسَ كَذَلِك، وإن أردتم أن هَؤُلاءِ من جملَة القائمين بِهَذا لم يفدكم شَيْئا.
قالُوا: وأما قَوْلكُم وسلف الأمة وأئمتها متفقون على بطلان هَذا القَوْل فَنحْن نطالبكم بِنَقْل صَحِيح عَن واحِد من الصَّحابَة ومن بعدهمْ من أئمة السّلف فضلا عَن اتِّفاقهم.
قالُوا: ولا يُوجد عَن صاحب ولا تابع ولا تابع تابع خبر يَصح مَوْصُولا ولا شاذا ولا مَشْهُورا أن النَّبِي ﷺ قالَ إن الله تَعالى أسكن آدم جنَّة الخلد الَّتِي هي دار المُتَّقِينَ يَوْم المعاد.
قالُوا وهَذا القاضِي مُنْذر بن سعيد قد حكى عَن غير واحِد من السّلف أنها لَيست جنَّة الخلد فَقالَ ونحن نوجدكم أن أبا حنيفَة فَقِيه العراق ومن قالَ بقوله قد قالُوا إن جنَّة آدم الَّتِي خلقها الله لَيست جنَّة الخلد، ولَيْسوا عند أحد من العالمين من الشاذين بل من رُؤَساء المُخالفين، وهَذِه الدَّواوِين مشحونة من علومهم.
وَقد ذكرنا قَول ابْن عُيَيْنَة وقد ذكر ابْن مزين في تَفْسِيره قالَ سَألت ابْن نافِع عَن الجنَّة أمخلوقة؟
فَقالَ السُّكُوت عَن هَذا أفضل.
قالُوا: فَلَو كانَ عند ابْن نافِع أن الجنة الَّتِي أسكنها آدم هي جنَّة الخلد لم يشك أنها مخلوقة ولم يتَوَقَّف في ذَلِك.
وَقالَ ابْن قُتَيْبَة في كِتابه غَرِيب القُرْآن في قوله تَعالى: ﴿وَقُلْنا اهبطوا مِنها﴾ قالَ ابْن عَبّاس رضى الله عَنْهُما في رِوايَة أبي صالح هو كَما يُقال هَبَط فلان أرْض كَذا وكَذا ولم يذكر في كِتابه غَيره فَأيْنَ إجماع سلف الأمة وأئمتها؟
قالُوا وأما احتجاجكم بقوله تَعالى: ﴿وَلكم في الأرض مُسْتَقر﴾ عقيب قَوْله ﴿اهبطوا﴾ فَهَذا لا يدل على أنهم كانُوا في جنَّة الخلد فإن أحد الأقوال في المسألة أنها كانَت جنَّة في السَّماء غير جنَّة الخلد كَما حَكاهُ الماوَرْدِيّ في تفسره وقد تقدم.
وَأيْضًا فَإن قَوْله ﴿وَلكم في الأرض مُسْتَقر﴾ يدل على أن لَهُم مُسْتَقرًّا إلى حِين في الأرض المنقطعة عَن الجنَّة ولا بُد فَإن الجنَّة أيضا لَها أرْض قالَ تَعالى عَن أهل الجنَّة ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ (٧٤)﴾
فَدلَّ على أن قَوْله ﴿وَلكم في الأرض مُسْتَقر﴾ المُراد بِهِ الأرض الخالية من تِلْكَ الجنَّة لا كل ما يُسمى أرضا وكانَ مستقرهم الأول في أرْض الجنَّة ثمَّ صار في أرْض الِابْتِلاء والامتحان ثمَّ يصير مُسْتَقر المُؤمنِينَ يَوْم الجَزاء أرْض الجنَّة أيضا، فَلا تدل الآية على أن جنَّة آدم هي جنَّة الخلد.
قالُوا وهَذا هو الجَواب بِعَيْنِه عَن استدلالكم بقوله تَعالى: ﴿قالَ فِيها تحيون وفيها تموتون ومِنها تخرجُونَ﴾ فإن المُراد بِهِ الأرض الَّتِي اهبطوا إليها وجعلت مسكنا لَهُم بدل الجنَّة، وهَذا تَفْسِير المستقر المَذْكُور في البَقَرَة مَعَ تضمنه ذكر الإخراج مِنها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences