Ibn al-QayyimAl‑Hajj · 22:25–31

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:25–31

22:25Page 335

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٥

Indeed, those who have disbelieved and avert [people] from the way of Allāh and [from] al-Masjid al-Ḥarām, which We made for the people - equal are the resident therein and one from outside - and [also] whoever intends [a deed] therein1 of deviation [in religion] by wrongdoing - We will make him taste of a painful punishment.

قوله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ﴾ وفعل الإرادة لا يتعدى بالباء، ولكن ضمن معنى "يهم فيه بكذا"

وهو أبلغ من الإرادة.

فكان في ذكر الباء إشارة إلى استحقاق العذاب عند الإرادة، وإن لم تكن جازمة.

(فائدة)

وَمِن خَواصِّهِ أنَّهُ يُعاقَبُ فِيهِ عَلى الهَمِّ بِالسَّيِّئاتِ وإنْ لَمْ يَفْعَلْها، قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾

فَتَأمَّلْ كَيْفَ عَدّى فِعْلَ الإرادَةِ هاهُنا بِالباءِ، ولا يُقالُ: أرَدْتُ بِكَذا إلّا لِما ضُمِّنَ مَعْنى فِعْلِ " هَمَّ " فَإنَّهُ يُقالُ: هَمَمْتُ بِكَذا، فَتَوَعَّدَ مَن هَمَّ بِأنْ يَظْلِمَ فِيهِ بِأنْ يُذِيقَهُ العَذابَ الألِيمَ.

وَمِن هَذا تَضاعُفُ مَقادِيرِ السَّيِّئاتِ فِيهِ لا كَمِّيّاتِها، فَإنَّ السَّيِّئَةَ جَزاؤُها سَيِّئَةٌ، لَكِنْ سَيِّئَةٌ كَبِيرَةٌ جَزاؤُها مِثْلُها، وصَغِيرَةٌ جَزاؤُها مِثْلُها، فالسَّيِّئَةُ في حَرَمِ اللَّهِ وبَلَدِهِ وعَلى بِساطِهِ آكَدُ وأعْظَمُ مِنها في طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ، ولِهَذا لَيْسَ مَن عَصى المَلِكَ عَلى بِساطِ مُلْكِهِ كَمَن عَصاهُ في المَوْضِعِ البَعِيدِ مِن دارِهِ وبِساطِهِ، فَهَذا فَصْلُ النِّزاعِ في تَضْعِيفِ السَّيِّئاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

[فصل يُمْنَعُ قِسْمَةُ مَكَّةَ لِأنَّها دارُ نُسُكٍ]

وَأمّا مَكَّةُ، فَإنَّ فِيها شَيْئًا آخَرَ يَمْنَعُ مِن قِسْمَتِها، ولَوْ وجَبَتْ قِسْمَةُ ما عَداها مِنَ القُرى، وهي أنَّها لا تُمْلَكُ، فَإنَّها دارُ النُّسُكِ، ومُتَعَبَّدُ الخَلْقِ، وحَرَمُ الرَّبِّ تَعالى، الَّذِي جَعَلَهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ، فَهي وقْفٌ مِنَ اللَّهِ عَلى العالَمِينَ، وهم فِيها سَواءٌ «وَمِنًى مُناخُ مَن سَبَقَ» قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، والمَسْجِدُ الحَرامُ هُنا، المُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨]، فَهَذا المُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ، وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ [الإسراء: ١]، وفي الصَّحِيحِ: إنَّهُ «أُسْرِيَ بِهِ مِن بَيْتِ أم هانئ»

وَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ حُضُورَ نَفْسِ مَوْضِعِ الصَّلاةِ اتِّفاقًا، وإنَّما هو حُضُورُ الحَرَمِ والقُرْبُ مِنهُ، وسِياقُ آيَةِ الحَجِّ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَإنَّهُ قالَ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]

وَهَذا لا يَخْتَصُّ بِمَقامِ الصَّلاةِ قَطْعًا، بَلِ المُرادُ بِهِ الحَرَمُ كُلُّهُ، فالَّذِي جَعَلَهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ هو الَّذِي تَوَعَّدَ مَن صَدَّ عَنْهُ، ومَن أرادَ الإلْحادَ بِالظُّلْمِ فِيهِ، فالحَرَمُ ومَشاعِرُهُ كالصَّفا والمَرْوَةِ، والمَسْعى ومِنًى، وعَرَفَةَ، ومُزْدَلِفَةَ، لا يَخْتَصَّ بِها أحَدٌ دُونَ أحَدٍ، بَلْ هي مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النّاسِ، إذْ هي مَحَلُّ نُسُكِهِمْ ومُتَعَبَّدِهِمْ فَهي مَسْجِدٌ مِنَ اللَّهِ، وقَفَهُ ووَضَعَهُ لِخَلْقِهِ، ولِهَذا امْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُبْنى لَهُ بَيْتٌ بِمِنًى، يُظِلُّهُ مِنَ الحَرِّ، وقالَ: «مِنًى مُناخُ مَن سَبَقَ».

وَلِهَذا ذَهَبَ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ بَيْعُ أراضِي مَكَّةَ، ولا إجارَةُ بُيُوتِها، هَذا مَذْهَبُ مجاهد وعطاء في أهْلِ مَكَّةَ، ومالك في أهْلِ المَدِينَةِ، وأبي حنيفة في أهْلِ العِراقِ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، والإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وإسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ.

وَرَوى الإمامُ أحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنْ علقمة بن نضلة، قالَ: «كانَتْ رِباعُ مَكَّةَ تُدْعى السَّوائِبَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبي بكر وعمر، مَنِ احْتاجَ سَكَنَ، ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ».

وَرُوِيَ أيْضًا عَنْ عبد الله بن عمر: «مَن أكَلَ أُجُورَ بُيُوتِ مَكَّةَ، فَإنَّما يَأْكُلُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ»، رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ وفِيهِ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَحَرامٌ بَيْعُ رِباعِها وأكْلُ ثَمَنِها».

وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا معمر، عَنْ ليث، عَنْ عطاء وطاوُسٍ ومجاهد، أنَّهم قالُوا: يُكْرَهُ أنْ تُباعَ رِباعُ مَكَّةَ أوْ تُكْرى بُيُوتُها.

وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قالَ: (مَن أكَلَ مِن كِراءِ بُيُوتِ مَكَّةَ، فَإنَّما يَأْكُلُ في بَطْنِهِ نارًا).

وَقالَ أحمد: حَدَّثَنا هشيم، حَدَّثَنا حجاج عَنْ مجاهد، «عَنْ عبد الله بن عمر، قالَ نُهِيَ عَنْ إجارَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ وعَنْ بَيْعِ رِباعِها».

وَذَكَرَ عَنْ عطاء، قالَ: نُهِيَ عَنْ إجارَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ.

وَقالَ أحمد: حَدَّثَنا إسْحاقُ بْنُ يُوسُفَ، قالَ: حَدَّثَنا عبد الملك قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى أمِيرِ أهْلِ مَكَّةَ يَنْهاهم عَنْ إجارَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ، وقالَ إنَّهُ حَرامٌ.

وَحَكى أحمد عَنْ عمر أنَّهُ نَهى أنْ يَتَّخِذَ أهْلُ مَكَّةَ لِلدُّورِ أبْوابًا، لِيَنْزِلَ البادِي حَيْثُ شاءَ، وحَكى عَنْ عبد الله بن عمر، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ نَهى أنْ تُغْلَقَ أبْوابُ دُورِ مَكَّةَ، فَنَهى مَن لا بابَ لِدارِهِ أنْ يَتَّخِذَ لَها بابًا، ومَن لِدارِهِ بابٌ أنْ يُغْلِقَهُ، وهَذا في أيّامِ المَوْسِمِ.

قالَ المُجَوِّزُونَ لِلْبَيْعِ والإجارَةِ: الدَّلِيلُ عَلى جَوازِ ذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ وسُنَّةُ رَسُولِهِ، وعَمَلُ أصْحابِهِ وخُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، وقالَ ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقالَ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِّينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] فَأضافَ الدُّورَ إلَيْهِمْ وهَذِهِ إضافَةُ تَمْلِيكٍ، «وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ وقَدْ قِيلَ لَهُ: أيْنَ تَنْزِلُ غَدًا بِدارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقالَ: (وَهَلْ تَرَكَ لَنا عقيل مِن رِباعٍ)» ولَمْ يَقُلْ: إنَّهُ لا دارَ لِي، بَلْ أقَرَّهم عَلى الإضافَةِ وأخْبَرَ أنَّ عقيلا اسْتَوْلى عَلَيْها، ولَمْ يَنْزِعْها مِن يَدِهِ، وإضافَةُ دُورِهِمْ إلَيْهِمْ في الأحادِيثِ أكْثَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ كَدارِ أم هانئ، ودارِ خديجة، ودارِ أبي أحمد بن جحش وغَيْرِها، وكانُوا يَتَوارَثُونَها كَما يَتَوارَثُونَ المَنقُولَ؛ ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عقيل مِن مَنزِلٍ»

وَكانَ عقيل هو ورِثَ دُورَ أبي طالب، فَإنَّهُ كانَ كافِرًا، ولَمْ يَرِثْهُ علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِاخْتِلافِ الدِّينِ بَيْنَهُما، فاسْتَوْلى عقيل عَلى الدُّورِ.

وَلَمْ يَزالُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ وبَعْدَها، بَلْ قَبْلَ المَبْعَثِ وبَعْدَهُ، مَن ماتَ ورِثَتْهُ دارُهُ إلى الآنَ، وقَدْ باعَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ دارًا لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ فاتَّخَذَها سِجْنًا، وإذا جازَ البَيْعُ والمِيراثُ فالإجارَةُ أجْوَزُ وأجْوَزُ، فَهَذا مَوْقِفُ أقْدامِ الفَرِيقَيْنِ كَما تَرى، وحُجَجُهم في القُوَّةِ والظُّهُورِ لا تُدْفَعُ، وحُجَجُ اللَّهِ وبَيِّناتُهُ لا يُبْطِلُ بَعْضُها بَعْضًا؛ بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَجِبُ العَمَلُ بِمُوجَبِها كُلِّها، والواجِبُ اتِّباعُ الحَقِّ أيْنَ كانَ.

فالصَّوابُ القَوْلُ بِمُوجَبِ الأدِلَّةِ مِنَ الجانِبَيْنِ، وأنَّ الدُّورَ تُمْلَكُ، وتُوهَبُ، وتُوَرَّثُ وتُباعُ، ويَكُونُ نَقْلُ المِلْكِ في البِناءِ لا في الأرْضِ والعَرْصَةِ، فَلَوْ زالَ بِناؤُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَبِيعَ الأرْضَ، ولَهُ أنْ يَبْنِيَها ويُعِيدَها كَما كانَتْ، وهو أحَقُّ بِها يَسْكُنُها، ويُسْكِنُ فِيها مَن شاءَ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يُعاوِضَ عَلى مَنفَعَةِ السُّكْنى بِعَقْدِ الإجارَةِ، فَإنَّ هَذِهِ المَنفَعَةَ إنَّما يَسْتَحِقُّ أنْ يُقَدَّمَ فِيها عَلى غَيْرِهِ ويَخْتَصَّ بِها لِسَبْقِهِ وحاجَتِهِ، فَإذا اسْتَغْنى عَنْها لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يُعاوِضَ عَلَيْها، كالجُلُوسِ في الرِّحابِ والطُّرُقِ الواسِعَةِ، والإقامَةِ عَلى المَعادِنِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ والأعْيانِ المُشْتَرَكَةِ الَّتِي مَن سَبَقَ إلَيْها فَهو أحَقُّ بِها ما دامَ يَنْتَفِعُ، فَإذا اسْتَغْنى لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يُعاوِضَ، وقَدْ صَرَّحَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ البَيْعَ ونَقْلَ المِلْكِ في رِباعِها إنَّما يَقَعُ عَلى البِناءِ لا عَلى الأرْضِ، ذَكَرَهُ أصْحابُ أبي حنيفة.

22:26Page 335

وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.

(لطيفة)

قال السهيلي:

بدأ بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين وجمعهم جمع السلامة لأن جمع السلامة أدل على لفظ الفعل الذي هو علة تعلق بها حكم التطهير ولو كان مكان الطائفين الطواف لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله: للطائفين ألا ترى أنك تقول تطوفون كما تقول طائفون فاللفظان متشابهان.

فإن قيل: فهلا أتى بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين فيقول: وطهر بيتي للذين يطوفون؟

قيل: إن الحكم يعلل بالفعل لا بذوات الأشخاص ولفظ الذين ينبئ عن الشخص والذات ولفظ الطواف يخفي معنى الفعل ولا يبينه فكان لفظ الطائفين أولى بهذا الموطن ثم يليه في الترتيب القائمين لأنه في معنى العاكفين وهو في معنى قوله: ﴿إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾

أي مثابرا ملازما وهو كالطائفين في تعلق حكم التطهر به ثم يليه بالرتبة لفظ الراكع لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصون بما قرب منه كالطائفين والعاكفين ولذلك لم يتعلق حكم التطهير بهذا الفعل الذي هو الركوع، وأنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده فلذلك لم يجئ بلفظ جمع السلامة لأنه لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل كما احتيج فيما قبله ثم وصف الركع بالسجود ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله، لأن الركع هم السجود والشيء لا يعطف بالواو على نفسه.

ولفائدة أخرى وهو أن السجود أغلب ما يجيء عبارة عن المصدر، والمراد به هاهنا الجمع فلو عطف بالواو لتوهم أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت.

وفائدة ثالثة أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة، فلو عطفت هاهنا بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حباله.

فإن قيل فلم قال السجود على وزن فعول ولم يقل السجد كالركع وفي آية أخرى: ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ ولم جمع ساجد على السجود ولم يجمع راكع على ركوع؟

فالجواب: أن السجود في الأصل مصدر كالخشوع والخضوع، وهو يتناول السجود الظاهر والباطن، ولو قال: السجد في جمع ساجد لم يتناول إلا المعنى الظاهر وكذلك الركع ألا تراه يقول تراهم ركعا سجدا وهذه رؤية العين، وهي لا تتعلق إلا بالظاهر والمقصود هنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت، والبيت لا يتوجه إليه إلا بالعمل الظاهر.

وأما الخشوع والخضوع الذي يتناوله لفظ الركوع دون لفظ الركع فليس مشروطا بالتوجه إلى البيت.

وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن جعل وصفا للركع ومتمما لمعناه، إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن، ومن حيث تناول لفظه أيضا السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت حسن انتظامه أيضا مع ما قبله مما هو معطوف على الطائفين الذين ذكرهم بذكر البيت.

فمن لحظ هذه المعاني بقلبه، وتدبر هذا النظم البديع بلبه ارتفع في معرفة الإعجاز عن التقليد وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد.

تم كلامه.

قلت وقد تولج رحمه الله مضائق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأتى بأشياء حسنة وبأشياء غيرها أحسن منها فأما تعليله تقديم ربيعة على مضر ففي غاية الحسن وهذا الاسمان لتلازمهما في الغالب صارا كاسم واحد فحسن فيهما ما ذكره.

(فصل: في سر تفضيل البيت الحرام)

وَقَدْ ظَهَرَ سِرُّ هَذا التَّفْضِيلِ والِاخْتِصاصِ في انْجِذابِ الأفْئِدَةِ وهَوى القُلُوبِ وانْعِطافِها ومَحَبَّتِها لِهَذا البَلَدِ الأمِينِ، فَجَذْبُهُ لِلْقُلُوبِ أعْظَمُ مِن جَذْبِ المِغْناطِيسِ لِلْحَدِيدِ، فَهو الأوْلى بِقَوْلِ القائِلِ:

؎محاسِنُهُ هَيُولى كُلِّ حُسْنٍ ∗∗∗ ومِغْناطِيسُ أفْئِدَةِ الرِّجالِ

وَلِهَذا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ مَثابَةٌ لِلنّاسِ، أيْ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ عَلى تَعاقُبِ الأعْوامِ مِن جَمِيعِ الأقْطارِ، ولا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا، بَلْ كُلَّما ازْدادُوا لَهُ زِيارَةً ازْدادُوا لَهُ اشْتِياقًا.

؎لا يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْها حِينَ يَنْظُرُها ∗∗∗ حَتّى يَعُودَ إلَيْها الطَّرْفُ مُشْتاقًا

فَلَلَّهِ كَمْ لَها مِن قَتِيلٍ وسَلِيبٍ وجَرِيحٍ، وكَمْ أُنْفِقَ في حُبِّها مِنَ الأمْوالِ والأرْواحِ، ورَضِيَ المُحِبُّ بِمُفارَقَةِ فِلَذِ الأكْبادِ، والأهْلِ والأحْبابِ والأوْطانِ، مُقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْهِ أنْواعَ المَخاوِفِ والمَتالِفِ والمَعاطِفِ والمَشاقِّ، وهو يَسْتَلِذُّ ذَلِكَ كُلَّهُ ويَسْتَطِيبُهُ ويَراهُ - لَوْ ظَهَرَ سُلْطانُ المَحَبَّةِ في قَلْبِهِ- أطْيَبَ مِن نِعَمِ المُتَحَلِّيَةِ وتَرَفِهِمْ ولَذّاتِهِمْ.

؎وَلَيْسَ مُحِبًّا مَن يَعُدُّ شَقاءَهُ ∗∗∗ عَذابًا إذا ما كانَ يَرْضى حَبِيبُهُ

وَهَذا كُلُّهُ سِرُّ إضافَتِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] فاقْتَضَتْ هَذِهِ الإضافَةُ الخاصَّةُ مِن هَذا الإجْلالِ والتَّعْظِيمِ والمَحَبَّةِ ما اقْتَضَتْهُ، كَما اقْتَضَتْ إضافَتُهُ لِعَبْدِهِ ورَسُولِهِ إلى نَفْسِهِ ما اقْتَضَتْهُ مِن ذَلِكَ، وكَذَلِكَ إضافَتُهُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ كَسَتْهم مِنَ الجَلالِ والمَحَبَّةِ والوَقارِ ما كَسَتْهُمْ، فَكُلُّ ما أضافَهُ الرَّبُّ تَعالى إلى نَفْسِهِ فَلَهُ مِنَ المَزِيَّةِ والِاخْتِصاصِ عَلى غَيْرِهِ ما أوْجَبَ لَهُ الِاصْطِفاءَ والِاجْتِباءَ، ثُمَّ يَكْسُوهُ بِهَذِهِ الإضافَةِ تَفْضِيلًا آخَرَ، وتَخْصِيصًا وجَلالَةً زائِدًا عَلى ما كانَ لَهُ قَبْلَ الإضافَةِ، ولَمْ يُوَفَّقْ لِفَهْمِ هَذا المَعْنى مَن سَوّى بَيْنَ الأعْيانِ والأفْعالِ والأزْمانِ والأماكِنِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا مَزِيَّةَ لِشَيْءٍ مِنها عَلى شَيْءٍ، وإنَّما هو مُجَرَّدُ التَّرْجِيحِ بِلا مُرَجِّحٍ.

وَهَذا القَوْلُ باطِلٌ بِأكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ وجْهًا قَدْ ذُكِرَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

(فصل: من علامة المحبة)

ومنها محبة دار المحبوب وبيته حتى محبة الموضع الذي حل به وهذا هو السر الذي لأجله علقت القلوب على محبة الكعبة البيت الحرام حتى استطاب المحبون في الوصول إليها هجر الأوطان والأحباب ولذ لهم فيها السفر الذي هو قطعة من العذاب فركبوا الأخطار وجابوا المفاوز والقفار واحتملوا في الوصول غاية المشاق ولو أمكنهم لسعوا إليها على الجفون والأحداق

؎نعم أسعى إليك على جفوني ∗∗∗ وإن بعدت لمسراك الطريق

وسر هذه المحبة هي إضافة الرب سبحانه له إلى نفسه بقوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾

قال الشاعر

؎لما انتسبت إليك صرت معظما ∗∗∗ وعلوت قدرا دون من لم ينسب

وكل ما نسب إلى المحبوب فهو محبوب ﴿وَأنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾، ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾، ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾

ومن فهم هذا فهم معنى قوله تعالى ﴿بيدك الخير﴾ وقول عبده ورسوله لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك وإذا كان من يحب مخلوقا مثله يحب داره كما قال

؎أمر على الديار ديار ليلى ∗∗∗ أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

؎وما حب الديار شغفن قلبي ∗∗∗ ولكن حب من سكن الديارا

فكيف بمن ليس كمثله شيء ومن ليس كمثل محبته محبة

22:27Page 335

وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧

And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -

ومن المقدم بالرتبة: ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِر﴾ لأن الذي يأتي راجلا يأتي من المكان القريب والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد.

على أنه قد روي عن ابن عباس أنه قال: "وددت أني حججت راجلا لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن الكريم"

فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول، والمعنيان موجودان وربما قدم الشيء لثلاثة معان وأربعة وخمسة وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة.

22:28Page 335

لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨

That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.

No commentary for this ayah

22:29Page 335

ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩

Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."

No commentary for this ayah

22:30–31Page 335

ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠

That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,

حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١

Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.

تَأمَّلْ هَذا المَثَلَ ومُطابَقَتَهُ لِحالِ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وتَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، ويَجُوزُ لَك في هَذا التَّشْبِيهِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: أنْ تَجْعَلَهُ تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا، ويَكُونُ قَدْ شَبَّهَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ وعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ بِرَجُلٍ قَدْ تَسَبَّبَ إلى هَلاكِ نَفْسِهِ هَلاكًا لا يُرْجى مَعَهُ نَجاةٌ، فَصَوَّرَ بِصُورَةِ حالِ مَن خَرَّ مِن السَّماءِ فاخْتَطَفَتْهُ الطَّيْرُ في الهُوِيِّ فَتَمَزَّقَ مِزَقًا في حَواصِلِها، أوْ عَصَفَتْ بِهِ الرِّيحُ حَتّى هَوَتْ بِهِ في بَعْضِ المَطارِحِ البَعِيدَةِ، وعَلى هَذا لا تَنْظُرُ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المُشَبَّهِ ومُقابِلِهِ مِن المُشَبَّهِ بِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ، فَيُقابِلُ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ المُمَثَّلِ بِالمُمَثَّلِ بِهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَدْ شَبَّهَ الإيمانَ والتَّوْحِيدَ في عُلُوِّهِ وسَعَتِهِ وشَرَفِهِ بِالسَّماءِ الَّتِي هي مِصْعَدَهُ ومَهْبِطَهُ، فَمِنها هَبَطَ إلى الأرْضِ، وإلَيْها يَصْعَدُ مِنها، وشَبَّهَ تارِكَ الإيمانِ والتَّوْحِيدِ بِالسّاقِطِ مِن السَّماءِ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ مِن حَيْثُ التَّضْيِيقِ الشَّدِيدِ والآلامِ المُتَراكِمَةِ والطَّيْرِ الَّذِي تَخْطَفُ أعْضاءَهُ وتُمَزِّقُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ بِالشَّياطِينِ الَّتِي يُرْسِلُها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ وتَؤُزُّهُ أزًّا وتُزْعِجُهُ وتُقْلِقُهُ إلى مَظانِّ هَلاكِهِ؛ فَكُلُّ شَيْطانٍ لَهُ مُزْعَةٌ مِن دِينِهِ وقَلْبِهِ، كَما أنَّ لِكُلِّ طَيْرٍ مُزْعَةً مِن لَحْمِهِ وأعْضائِهِ، والرِّيحُ الَّتِي تَهْوِي بِهِ في مَكان سَحِيقٍ هو هَواهُ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى إلْقاءِ نَفْسِهِ في أسْفَلِ مَكان وأبْعَدِهِ مِن السَّماءِ.

[فَصْلٌ: مَنزِلَةُ تَعْظِيمِ حُرُماتِ اللَّهِ]

وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ تَعْظِيمِ حُرُماتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ

قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]

قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: حُرُماتُ اللَّهِ هاهُنا مَغاضِبُهُ، وما نَهى عَنْهُ، وتَعْظِيمُها تَرْكُ مُلابَسَتِها. قالَ اللَّيْثُ: حُرُماتُ اللَّهِ: ما لا يَحِلُّ انْتِهاكُها. وقالَ قَوْمٌ: الحُرُماتُ: هي الأمْرُ والنَّهْيُ. وقالَ الزَّجّاجُ: الحُرْمَةُ ما وجَبَ القِيامُ بِهِ، وحَرُمَ التَّفْرِيطُ فِيهِ. وقالَ قَوْمٌ: الحُرُماتُ هاهُنا المَناسِكُ، ومَشاعِرُ الحَجِّ زَمانًا ومَكانًا.

والصَّوابُ: أنَّ الحُرُماتِ تَعُمُّ هَذا كُلَّهُ. وهي جَمْعُ حُرْمَةٍ وهي ما يَجِبُ احْتِرامُهُ، وحِفْظُهُ مِنَ الحُقُوقِ، والأشْخاصِ، والأزْمِنَةِ، والأماكِنِ، فَتَعْظِيمُها تَوْفِيَتُها حَقَّها، وحِفْظُها مِنَ الإضاعَةِ.

قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":

الحُرْمَةُ: هي التَّحَرُّجُ عَنِ المُخالَفاتِ والمُجاسَراتِ.

التَّحَرُّجُ: الخُرُوجُ مِن حَرَجِ المُخالَفَةِ. وبِناءُ " تَفَعَّلَ " يَكُونُ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ. كَتَمَنّى إذا دَخَلَ في الأُمْنِيَّةِ، وتَوَلَّجَ في الأمْرِ دَخَلَ فِيهِ، ونَحْوِهِ. ولِلْخُرُوجِ مِنهُ، كَتَخَرَّجَ وتَحَوَّبَ وتَأثَّمَ، إذا أرادَ الخُرُوجَ مِنَ الحَرَجِ. والحُوبُ هو الإثْمُ.

أرادَ أنَّ الحُرْمَةَ هي الخُرُوجُ مِن حَرَجِ المُخالَفَةِ، وجَسارَةِ الإقْدامِ عَلَيْها. ولَمّا كانَ المُخالِفُ قِسْمَيْنِ جاسِرًا وهائِبًا. قالَ: عَنِ المُخالَفاتِ والمُجاسَراتِ.

[فَصْلٌ: شاهِدُ الزُّورِ]

وَقَوْلُهُ: " إلّا مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهادَةُ زُورٍ " يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرَّةَ الواحِدَةَ مِن شَهادَةِ الزُّورِ تَسْتَقِلُّ بِرَدِّ الشَّهادَةِ، وقَدْ قَرَنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ بَيْنَ الإشْراكِ وقَوْلِ الزُّورِ، وقالَ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أيْضًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، ثُمَّ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، ثُمَّ قالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، ألا وقَوْلُ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا: لَيْتَهُ سَكَتَ» وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «أكْبَرُ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَوْلُ الزُّورِ».

وَلا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ شَهادَةَ الزُّورِ مِن الكَبائِرِ، واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الكَذِبِ في غَيْرِ الشَّهادَةِ: هَلْ هو مِن الصَّغائِرِ أوْ مِن الكَبائِرِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ هُما رِوايَتانِ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ حَكاهُما أبُو الحُسَيْنِ في تَمامِهِ، واحْتَجَّ مَن جَعَلَهُ مِن الكَبائِرِ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَهُ في كِتابِهِ مِن صِفاتِ شَرِّ البَرِّيَّةِ، وهم الكُفّارُ والمُنافِقُونَ، فَلَمْ يَصِفْ بِهِ إلّا كافِرًا أوْ مُنافِقًا، وجَعَلَهُ عَلَمَ أهْلِ النّارِ وشِعارَهم وجَعَلَ الصِّدْقَ عَلَمَ أهْلِ الجَنَّةِ وشِعارَهم.

وَفِي الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكم بِالصِّدْقِ؛ فَإنَّهُ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرِّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيَصْدُقَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإيّاكم والكَذِبَ؛ فَإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لِيَكْذِبَ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» وفي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خانَ».

وَقالَ مَعْمَرٌ عَنْ أيُّوبَ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: «ما كانَ خُلُقٌ أبْغَضُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الكَذِبِ، ولَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَهُ الكَذْبَةَ فَما تَزالُ في نَفْسِهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ أحْدَثَ مِنها تَوْبَةً».

وَقالَ مَرْوانُ الطّاطَرِيُّ: ثنا مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ ثنا أيُّوبُ عَنْ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما كانَ شَيْءٌ أبْغَضَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن الكَذِبِ، وما جَرَّبَ عَلى أحَدٍ كَذِبًا فَرَجَعَ إلَيْهِ ما كانَ حَتّى يَعْرِفَ مِنهُ تَوْبَةً» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ مِن طَرِيق ابْنِ وهْبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ مُوسى بْنِ أبِي شَيْبَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أبْطَلَ شَهادَةَ رَجُلٍ في كَذْبَةٍ كَذَبَها» وهو مُرْسَلٌ، وقَدْ احْتَجَّ بِهِ أحْمَدُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ.

وَقالَ قَيْسُ بْنُ أبِي حازِمٍ: سَمِعْت أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: " إيّاكم والكَذِبَ، فَإنَّ الكَذِبَ مُجانِبُ الإيمانَ " يُرْوى مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا؛ ورَوى شُعْبَةُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ

أبِيهِ قالَ: " المُسْلِمُ يُطْبَعُ عَلى كُلِّ طَبِيعَةٍ غَيْرَ الخِيانَةِ والكَذِبِ "، ويُرْوى مَرْفُوعًا أيْضًا.

وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ خُرَيْمِ بْنِ فاتِكٍ الأسَدِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الصُّبْحِ، فَلَمّا انْصَرَفَ قامَ قائِمًا قالَ: عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ ثَلاثَ مِرارٍ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣١]».

وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «بَيْنَ يَدَيْ السّاعَةِ تَسْلِيمُ الخاصَّةِ وفُشُوُّ التِّجارَةِ حَتّى تُعِينَ المَرْأةُ زَوْجَها عَلى التِّجارَةِ، وقَطْعُ الأرْحامِ، وشَهادَةُ الزُّورِ، وكِتْمانُ شَهادَةِ الحَقِّ».

وَقالَ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ: ثنا أبُو حَنِيفَةَ قالَ: «كُنّا عِنْدَ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فادَّعى أحَدُهُما عَلى الآخَرِ مالًا، فَجَحَدَهُ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَسَألَهُ البَيِّنَةَ، فَجاءَ رَجُلٌ فَشَهِدَ عَلَيْهِ، فَقالَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ: لا واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما شَهِدَ عَلَيَّ بِحَقٍّ، وما عَلِمْتُهُ إلّا رَجُلًا صالِحًا، غَيْرَ هَذِهِ الزَّلَّةِ فَإنَّهُ فَعَلَ هَذا لِحِقْدٍ كانَ في قَلْبِهِ عَلَيَّ، وكانَ مُحارِبٌ مُتَّكِئًا فاسْتَوى جالِسًا ثُمَّ قالَ: يا ذا الرَّجُلِ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى النّاسِ يَوْمٌ تَشِيبُ فِيهِ الوَلَدانِ، وتَضَعُ الحَوامِلُ ما في بُطُونِها، وتَضْرِبُ الطَّيْرُ بِأذْنابِها وتَضَعُ ما في بُطُونِها مِن شِدَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا ذَنْبَ عَلَيْها وإنَّ شاهِدَ الزُّورِ لا يُقارُّ قَدَماهُ عَلى الأرْضِ حَتّى يُقْذَفَ بِهِ في النّارِ فَإنْ كُنْت شَهِدْت بِحَقٍّ فاتَّقِ اللَّهَ وأقِمْ عَلى شَهادَتِك، وإنْ كُنْت شَهِدْت بِباطِلٍ فاتَّقِ اللَّهَ وغَطَّ رَأْسَك واخْرُجْ مِن ذَلِكَ البابِ».

وَقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: «كُنْت في مَجْلِسِ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ وهو في قَضائِهِ، حَتّى تَقَدَّمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فادَّعى أحَدُهُما عَلى الآخَرِ حَقًّا، فَأنْكَرَهُ، فَقالَ: ألَك بَيِّنَةٌ؟ فَقالَ: نَعَمْ، ادْعُ فُلانًا، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، واللَّهِ إنْ شَهِدَ عَلَيَّ لَيَشْهَدَنَّ بِزُورٍ، ولَئِنْ سَألْتَنِي عَنْهُ لَأُزَكِّيَنَّهُ؛ فَلَمّا جاءَ الشّاهِدُ قالَ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنّ الطَّيْرَ لِتَضْرِبَ بِمَناقِيرِها، وتَقْذِفَ ما في حَواصِلِها، وتُحَرِّكَ أذْنابَها مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ شاهِدَ الزُّورِ لا تُقارُّ قَدَماهُ عَلى الأرْضِ حَتّى يُقْذَفَ بِهِ في النّارِ

ثُمَّ قالَ لِلرَّجُلِ: بِمَ تَشْهَدُ؟

قالَ: كُنْت أُشْهِدْت عَلى شَهادَةٍ وقَدْ نَسِيتُها، أرْجِعُ فَأتَذَكَّرُها، فانْصَرَفَ ولَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ»، ورَواهُ أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ فَقالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكّارَ ثنا زافِرٌ عَنْ أبِي عَلِيٍّ قالَ: «كُنْت عِنْدَ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، فاخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، فَشَهِدَ عَلى أحَدِهِما شاهِدٌ، فَقالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ شَهِدَ عَلَيَّ بِزُورٍ، ولَئِنْ سُئِلَتْ عَنْهُ لَيُزَكَّيَنَّ، وكانَ مُحارِبٌ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ ثُمَّ قالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَزُولُ قَدَما شاهِدِ الزُّورِ مِن مَكانِهِما حَتّى يُوجِبَ اللَّهُ لَهُ النّارَ» ولِلْحَدِيثِ طُرُقٌ إلى مُحارِبٍ.

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في رَدِّ شَهادَةِ الكَذّابِ]

وَأقْوى الأسْبابِ في رَدِّ الشَّهادَةِ والفُتْيا والرِّوايَةِ الكَذِبُ؛ لِأنَّهُ فَسادٌ في نَفْسِ آلَةِ الشَّهادَةِ والفُتْيا والرِّوايَةِ، فَهو بِمَثابَةِ شَهادَةِ الأعْمى عَلى رُؤْيَةِ الهِلالِ، وشَهادَةِ الأصَمِّ الَّذِي لا يَسْمَعُ عَلى إقْرارِ المُقِرِّ؛ فَإنَّ اللِّسانَ الكَذُوبَ بِمَنزِلَةِ العُضْوِ الَّذِي قَدْ تَعَطَّلَ نَفْعُهُ، بَلْ هو شَرٌّ مِنهُ، فَشَرُّ ما في المَرْءِ لِسانٌ كَذُوبٌ؛ ولِهَذا يَجْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ شِعارَ الكاذِبِ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ وشِعارَ الكاذِبِ عَلى رَسُولِهِ سَوادَ وُجُوهِهِمْ، والكَذِبُ لَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ في سَوادِ الوَجْهِ، ويَكْسُوهُ بُرْقُعًا مِن المَقْتِ يَراهُ كُلُّ صادِقٍ؛ فَسِيَّما الكاذِبُ في وجْهِهِ يُنادى عَلَيْهِ لِمَن لَهُ عَيْنانِ، والصّادِقُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مَهابَةً وجَلالَةً، فَمَن رَآهُ هابَهُ وأحَبَّهُ، والكاذِبُ يَرْزُقُهُ إهانَةً ومَقْتًا، فَمَن رَآهُ مَقَتَهُ واحْتَقَرَهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском