Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:57–98
23:57–61Page 345
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧
Indeed, they who are apprehensive from fear of their Lord
وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨
And they who believe in the signs of their Lord
وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩
And they who do not associate anything with their Lord
وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠
And they who give what they give while their hearts are fearful1 because they will be returning to their Lord -
أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١
It is those who hasten to good deeds, and they outstrip [others] therein.
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
فَقالَ: هم الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ ويَخافُونَ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُمْ».
وَفِي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾
أهْوَ الَّذِي يَزْنِي، ويَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَسْرِقُ؟ قالَ: لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» قالَ الحَسَنُ: عَمِلُوا واللَّهِ بِالطّاعاتِ، واجْتَهَدُوا فِيها، وخافُوا أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إحْسانًا وخَشْيَةً، والمُنافِقَ جَمَعَ إساءَةً وأمْنًا.
[فَصْلٌ الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ]
الخَوْفُ يُثْمِرُ الوَرَعَ والِاسْتِعانَةَ وقِصَرَ الأمَلِ. وقُوَّةُ الإيمانِ بِاللِّقاءِ تُثْمِرُ الزُّهْدَ. والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ والخَوْفَ والرَّجاءَ. والقَناعَةُ تُثْمِرُ الرِّضاءَ. والذِّكْرُ يُثْمِرُ حَياةَ القَلْبِ.
والإيمانُ بِالقَدْرِ يُثْمِرُ التَّوَكُّلَ. ودَوامُ تَأمُّلِ الأسْماءِ والصِّفاتِ يُثْمِرُ المَعْرِفَةَ. والوَرَعُ يُثْمِرُ الزُّهْدَ أيْضًا. والتَّوْبَةُ تُثْمِرُ المَحَبَّةَ أيْضًا، ودَوامُ الذِّكْرِ يُثْمِرُها. والرِّضا يُثْمِرُ الشُّكْرَ. والعَزِيمَةُ والصَّبْرُ يُثْمِرانِ جَمِيعَ الأحْوالِ والمَقاماتِ.
والإخْلاصُ والصِّدْقُ كُلٌّ مِنهُما يُثْمِرُ الآخَرَ ويَقْتَضِيهِ.
والمَعْرِفَةُ تُثْمِرُ الخُلُقَ. والفِكْرُ يُثْمِرُ العَزِيمَةَ.
والمُراقَبَةُ تُثْمِرُ عِمارَةَ الوَقْتِ، وحِفْظَ الأيّامِ والحَياءَ، والخَشْيَةَ والإنابَةَ.
وَإماتَةُ النَّفْسِ وإذْلالُها وكَسْرُها يُوجِبُ حَياةَ القَلْبِ وعِزَّهُ وجَبْرَهُ.
وَمَعْرِفَةُ النَّفْسِ ومَقْتُها يُوجِبُ الحَياءَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واسْتِكْثارَ ما مِنهُ، واسْتِقْلالَ ما مِنكَ مِنَ الطّاعاتِ.
وَمَحْوَ أثَرِ الدَّعْوى مِنَ القَلْبِ واللِّسانِ وصِحَّةُ البَصِيرَةِ تُثْمِرُ اليَقِينَ.
وَحَسَنُ التَّأمُّلِ لِما تَرى وتَسْمَعُ مِنَ الآياتِ المَشْهُودَةِ والمَتْلُوَّةِ يُثْمِرُ صِحَّةَ البَصِيرَةِ.
وَمِلاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: أمْرانِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَنْقُلَ قَلْبَكَ مِن وطَنِ الدُّنْيا فَتُسْكِنَهُ في وطَنِ الآخِرَةِ، ثُمَّ تُقْبِلَ بِهِ كُلِّهِ عَلى مَعانِي القُرْآنِ واسْتِجْلائِها وتَدَبُّرِها، وفَهْمِ ما يُرادُ مِنهُ وما نَزَلْ لِأجْلِهِ، وأخْذِ نَصِيبِكَ وحَظِّكَ مِن كُلِّ آيَةٍ مِن آياتِهِ، وتُنْزِلَها عَلى داءِ قَلْبِكَ.
فَهَذِهِ طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ قَرِيبَةٌ سَهْلَةٌ. مُوَصِّلَةٌ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى. آمِنَةٌ لا يَلْحَقُ سالِكَها خَوْفٌ ولا عَطَبٌ، ولا جَوْعٌ ولا عَطَشٌ، ولا فِيها آفَةٌ مِن آفاتِ سائِرِ الطَّرِيقِ ألْبَتَّةَ. وعَلَيْها مِنَ اللَّهِ حارِسٌ وحافِظٌ يَكْلَأُ السّالِكِينَ فِيها ويَحْمِيهِمْ، ويَدْفَعُ عَنْهم. ولا يَعْرِفُ قَدْرَ هَذِهِ الطَّرِيقِ إلّا مِن عَرَفَ طُرُقَ النّاسِ وغَوائِلَها وآفاتِها وقُطّاعَها. واللَّهُ المُسْتَعانُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الإخْلاصِ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ]
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: الخَجَلُ مِنَ العَمَلِ مَعَ بَذْلِ المَجْهُودِ، وتَوْفِيرِ الجُهْدِ بِالِاحْتِماءِ مِنَ الشُّهُودِ، ورُؤْيَةِ العَمَلِ في نُورِ التَّوْفِيقِ مِن عَيْنِ الجُودِ.
هَذِهِ ثَلاثَةُ أُمُورِ " خَجَلُهُ " مِن عَمَلِهِ، وهو شِدَّةُ حَيائِهِ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ العَمَلَ صالِحًا لَهُ، مَعَ بَذْلِ مَجْهُودِهِ فِيهِ. قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويُصَلِّي، ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ».
وَقالَ بَعْضُهُمْ: إنِّي لَأُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَأقُومُ عَنْهُما بِمَنزِلَةِ السّارِقِ أوِ الزّانِي، الَّذِي يَراهُ النّاسُ، حَياءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
فالمُؤْمِنُ: جَمَعَ إحْسانًا في مَخافَةٍ وسُوءَ ظَنٍّ بِنَفْسِهِ. والمَغْرُورُ: حَسَنُ الظَّنِّ بِنَفْسِهِ مَعَ إساءَتِهِ.
الثّانِي: تَوْفِيرُ الجُهْدِ بِاحْتِمائِهِ مِنَ الشُّهُودِ، أيْ يَأْتِي بِجُهْدِ الطّاقَةِ في تَصْحِيحِ العَمَلِ، مُحْتَمِيًا عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ وبِكَ.
الثّالِثُ: أنْ تَحْتَمِيَ بِنُورِ التَّوْفِيقِ الَّذِي يُنَوِّرُ اللَّهُ بِهِ بَصِيرَةَ العَبْدِ. فَتَرى في ضَوْءِ ذَلِكَ النُّورِ أنَّ عَمَلَكَ مِن عَيْنِ جُودِهِ لا بِكَ، ولا مِنكَ.
فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ عَلى خَمْسَةِ أشْياءَ: عَمَلٌ، واجْتِهادٌ فِيهِ، وخَجَلٌ، وحَياءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِيانَةٌ عَنْ شُهُودِهِ مِنكَ، ورُؤْيَتُهُ مِن عَيْنِ جُودِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ومِنهُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مِن دَرَجاتِ الخُلُقِ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ]
قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ. وتَحْسِينُهُ مِنكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنكَ يُوجِبُ عُذْرًا، وأنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنَ الحَقِّ يُوجِبُ شُكْرًا، وأنْ لا تَرى لَهُ مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قاعِدَتَيْنِ.
إحْداهُما: أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ ناقِصٌ. وكُلُّ ما يَأْتِي مِنَ النّاقِصِ ناقِصٌ. فَهو يُوجِبُ اعْتِذارَهُ مِنهُ لا مَحالَةَ. فَعَلى العَبْدِ أنْ يَتَعَذَّرَ إلى رَبِّهِ مِن كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. أمّا الشَّرُّ: فَظاهِرٌ. وأمّا الخَيْرُ: فَيَعْتَذِرُ مِن نُقْصانِهِ. ولا يَراهُ صالِحًا لِرَبِّهِ.
فَهُوَ - مَعَ إحْسانِهِ - مُعْتَذِرٌ في إحْسانِهِ. ولِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِالوَجَلِ مِنهُ مَعَ إحْسانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويَتَصَدَّقُ. ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» فَإذا خافَ فَهو بِالِاعْتِذارِ أوْلى.
والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ أمْرانِ:
أحَدُهُما: شُهُودُ تَقْصِيرِهِ ونُقْصانِهِ.
والثّانِي: صِدْقُ مَحَبَّتِهِ.
فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَتَقَرَّبُ إلى مَحْبُوبِهِ بِغايَةِ إمْكانِهِ.
وَهُوَ مُعْتَذِرٌ إلَيْهِ، مُسْتَحْيٍ مِنهُ: أنْ يُواجِهَهُ بِما واجَهَهُ بِهِ.
وَهُوَ يَرى أنَّ قَدْرَهُ فَوْقَهُ وأجَلُّ مِنهُ. وهَذا مُشاهَدٌ في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِينَ.
القاعِدَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِعْظامُ كُلِّ ما يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ إلَيْكَ، والِاعْتِرافُ بِأنَّهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْكَ، وأنَّكَ عاجِزٌ عَنْ شُكْرِهِ. ولا يَتَبَيَّنُ هَذا إلّا في المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ. فَإنَّ المُحِبَّ يَسْتَكْثِرُ مِن مَحْبُوبِهِ كُلَّ ما يَنالُهُ.
فَإذا ذَكَرَهُ بِشَيْءٍ وأعْطاهُ إيّاهُ: كانَ سُرُورُهُ بِذِكْرِهِ لَهُ، وتَأْهِيلِهِ لِعَطائِهِ: أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن سُرُورِهِ بِذَلِكَ العَطاءِ بَلْ يَغِيبُ بِسُرُورِهِ بِذِكْرِهِ لَهُ عَنْ سُرُورِهِ بِالعَطِيَّةِ. وإنْ كانَ المُحِبُّ يَسُرُّهُ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ لَهُ، وإنْ نالَهُ بِمَساءَةٍ.
كَما قالَ القائِلُ:
؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتَنِي بِمُساءَةٍ ∗∗∗ لَقَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكا
فَكَيْفَ إذا نالَهُ مَحْبُوبُهُ بِمَسَرَّةٍ - وإنْ دَقَّتْ - فَإنَّهُ لا يَراها إلّا جَلِيلَةً خَطِيرَةً. فَكَيْفَ هَذا مَعَ الرَّبِّ تَعالى الَّذِي لا يَأْتِي أبَدًا إلّا بِالخَيْرِ؟ ويَسْتَحِيلُ خِلافُ ذَلِكَ في حَقِّهِ. كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ كَمالِهِ.
وَقَدْ أفْصَحَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِرَبِّهِ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ: «والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ»
أيْ لا يُضافُ إلَيْكَ. ولا يُنْسَبُ إلَيْكَ. ولا يَصْدُرُ مِنكَ. فَإنَّ أسْماءَهُ كُلَّها حُسْنى، وصِفاتِهِ كُلَّها كَمالٌ، وأفْعالَهُ كُلَّها فَضْلٌ وعَدْلٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ. فَبِأيِّ وجْهٍ يُنْسَبُ الشَّرُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَكُلُّ ما يَأْتِي مِنهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ. ولَهُ فِيهِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ.
قَوْلُهُ: وأنْ لا يَرى مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.
يَعْنِي: أنَّ مُعامَلَتَكَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى الِاعْتِذارِ مِن كُلِّ ما مِنكَ، والشُّكْرِ عَلى ما مِنهُ - عَقْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لازِمٌ لَكَ أبَدًا، لا تَرى مِنَ الوَفاءِ بِهِ بُدًّا.
فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عارِضٍ، وحالٍ يُحَوَّلُ. بَلْ عَقْدٌ لازِمٌ عَلَيْكَ الوَفاءُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
[فَصْلٌ: الرَّجاءُ والأمانِيُّ]
وَمِمّا يَنْبَغِي أنَّ مَن رَجا شَيْئًا اسْتَلْزَمَ رَجاؤُهُ ثَلاثَةَ أُمُورٍ:
أحَدُها: مَحَبَّةُ ما يَرْجُوهُ.
الثّانِي: خَوْفُهُ مِن فَواتِهِ.
الثّالِثُ: سَعْيُهُ في تَحْصِيلِهِ بِحَسْبِ الإمْكانِ.
وَأمّا رَجاءٌ لا يُقارِنُهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَهو مِن بابِ الأمانِيِّ، والرَّجاءُ شَيْءٌ والأمانِيُّ شَيْءٌ آخَرُ، فَكُلُّ راجٍ خائِفٌ، والسّائِرُ عَلى الطَّرِيقِ إذا خافَ أسْرَعَ السَّيْرَ مَخافَةَ الفَواتِ.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن خافَ أدْلَجَ، ومَن أدْلَجَ بَلَغَ المَنزِلَ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غالِيَةٌ، ألا إنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ».
وَهُوَ سُبْحانَهُ كَما جَعَلَ الرَّجاءَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَكَذَلِكَ جَعَلَ الخَوْفَ لِأهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَعُلِمَ أنَّ الرَّجاءَ والخَوْفَ النّافِعَ ما اقْتَرَنَ بِهِ العَمَلُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ - والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ - والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ - والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ - أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧-٦١].
وَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: أهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَزْنُونَ، ويَسْرِقُونَ، فَقالَ: «لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويَتَصَدَّقُونَ، ويَخافُونَ أنْ لا يُتَقَبَّلَ مِنهُمْ، أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ». وقَدْ رُوِيَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا.
واللَّهُ سُبْحانَهُ وصَفَ أهْلَ السَّعادَةِ بِالإحْسانِ مَعَ الخَوْفِ، ووَصَفَ الأشْقِياءَ بِالإساءَةِ مَعَ الأمْنِ.
خَوْفُ الصَّحابَةِ مِنَ اللَّهِ.
مَن تَأمَّلَ أحْوالَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وجَدَهم في غايَةِ العَمَلِ مَعَ غايَةِ الخَوْفِ، ونَحْنُ جَمِيعًا بَيْنَ التَّقْصِيرِ، بَلِ التَّفْرِيطِ والأمْنِ، فَهَذا الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: ودِدْتُ أنِّي شَعْرَةٌ في جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، ذَكَرَهُ أحْمَدُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ كانَ يَمْسِكُ بِلِسانِهِ ويَقُولُ: هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، وكانَ يَبْكِي كَثِيرًا، ويَقُولُ: ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكُوا.
وَكانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ كَأنَّهُ عُودٌ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَأتى بِطائِرٍ فَقَلَبَهُ ثُمَّ قالَ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا قُطِعَتْ شَجَرَةٌ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَلَمّا احْتَضَرَ، قالَ لِعائِشَةَ: يا بُنَيَّةُ، إنِّي أصَبْتُ مِن مالِ المُسْلِمِينَ هَذِهِ العَباءَةَ وهَذِهِ الحِلابَ وهَذا العَبْدَ، فَأسْرِعِي بِهِ إلى ابْنِ الخَطّابِ، وقالَ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي كُنْتُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ تُؤْكَلُ وتُعْضَدُ.
وَقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنِي أنَّ أبا بَكْرٍ قالَ: لَيْتَنِي خُضْرَةٌ تَأْكُلُنِي الدَّوابُّ.
وَهَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ قَرَأ سُورَةَ الطُّورِ إلى أنْ بَلَغَ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧٧] فَبَكى واشْتَدَّ بُكاؤُهُ حَتّى مَرِضَ وعادُوهُ.
وَقالَ لِابْنِهِ وهو في المَوْتِ: ويْحَكَ ضَعْ خَدِّي عَلى الأرْضِ عَساهُ أنْ يَرْحَمَنِي، ثُمَّ قالَ: ويْلُ أُمِّي، إنْ لَمْ يَغْفِرْ لِي (ثَلاثًا)، ثُمَّ قُضِيَ.
وَكانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ في وِرْدِهِ بِاللَّيْلِ فَتُخِيفُهُ، فَيَبْقى في البَيْتِ أيّامًا يُعادُ، يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا، وكانَ في وجْهِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - خَطّانِ أسْوَدانِ مِنَ البُكاءِ.
وَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، مَصَّرَ اللَّهُ بِكَ الأمْصارَ، وفَتَحَ بِكَ الفُتُوحَ، وفَعَلَ، فَقالَ: ودِدْتُ أنِّي أنْجُو لا أجْرَ ولا وِزْرَ.
وَهَذا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا وقَفَ عَلى القَبْرِ يَبْكِي حَتّى تُبَلَّ لِحْيَتُهُ، وقالَ: لَوْ أنَّنِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لا أدْرِي إلى أيَّتِهِما يُؤْمَرُ بِي، لاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ رَمادًا قَبْلَ أنْ أعْلَمَ إلى أيَّتِهِما أصِيرُ.
وَهَذا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبُكاؤُهُ وخَوْفُهُ، وكانَ يَشْتَدُّ خَوْفُهُ مِنِ اثْنَتَيْنِ: طُولِ الأمَلِ، واتِّباعِ الهَوى، قالَ: فَأمّا طُولُ الأمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وأمّا اتِّباعُ الهَوى فَيَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، ألا وإنَّ الدُّنْيا قَدْ ولَّتْ مُدَبِّرَةً، والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ بَنُونُ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ، ولا تَكُونُوا مِن أبْناءِ الدُّنْيا، فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابٌ، وغَدًا حِسابٌ ولا عَمَلٌ.
وَهَذا أبُو الدَّرْداءِ كانَ يَقُولُ: إنَّ أشَدَّ ما أخافُ عَلى نَفْسِي يَوْمَ القِيامَةِ أنْ يُقالَ لِي: يا أبا الدَّرْداءِ، قَدْ عَلِمْتَ، فَكَيْفَ عَمِلْتَ فِيما عَلِمْتَ؟ وكانَ يَقُولُ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أنْتُمْ لاقُونَ بَعْدَ المَوْتِ لَما أكَلْتُمْ طَعامًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا شَرِبْتُمْ شَرابًا عَلى شَهْوَةٍ، ولا دَخَلْتُمْ بَيْتًا تَسْتَظِلُّونَ فِيهِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَضْرِبُونَ صُدُورَكُمْ، وتَبْكُونَ عَلى أنْفُسِكُمْ، ولَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ.
وَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ أسْفَلُ عَيْنَيْهِ مِثْلُ الشِّراكِ البالِي مِنَ الدُّمُوعِ.
وَكانَ أبُو ذَرٍّ يَقُولُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ، ووَدِدْتُ أنِّي لَمْ أُخْلَقْ وعُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ: ما عِنْدَنا عَنْزٌ نَحْلِبُها وحُمُرٌ نَنْقُلُ عَلَيْها، ومُحَرَّرٌ يَخْدِمُنا، وفَضْلُ عَباءَةٍ، وإنِّي أخافُ الحِسابَ فِيها.
وَقَرَأ تَمِيمٌ الدّارِيُّ لَيْلَةً سُورَةَ الجاثِيَةِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] جَعَلَ يُرَدِّدُها ويَبْكِي حَتّى أصْبَحَ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ عامِرُ بْنُ الجَرّاحِ: ودِدْتُ أنِّي كَبْشٌ فَذَبَحَنِي أهْلِي، وأكَلُوا لَحْمِي وحَسُوا مَرَقِي. وهَذا بابٌ يَطُولُ تَتَبُّعُهُ.
قالَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ: بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ أنْ يُحْبَطَ عَمَلُهُ وهو لا يَشْعُرُ.
وَقالَ إبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ: ما عَرَضْتُ قَوْلِي عَلى عَمَلِي إلّا خَشِيتُ أنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقالَ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: أدْرَكْتُ ثَلاثِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهم يَخافُ النِّفاقَ عَلى نَفْسِهِ، ما مِنهم أحَدٌ يَقُولُ: إنَّهُ عَلى إيمانِ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: ما خافَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، ولا أمِنَهُ إلّا مُنافِقٌ.
وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِحُذَيْفَةَ: أنْشُدُكَ اللَّهَ هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي في المُنافِقِينَ، فَيَقُولُ: لا، ولا أُزَكِّي بَعْدَكَ أحَدًا.
فَسَمِعْتُ شَيْخَنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: لَيْسَ مُرادُهُ لا أُبْرِئُ غَيْرَكَ مِنَ النِّفاقِ، بَلِ المُرادُ لا أفْتَحُ عَلى نَفْسِي هَذا البابَ، فَكُلُّ مَن سَألَنِي هَلْ سَمّانِي لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُزَكِّيهِ.
قُلْتُ: وقَرِيبٌ مِن هَذا «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِي سَألَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ: سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ».
وَلَمْ يُرِدْ أنَّ عُكاشَةَ وحْدَهُ أحَقُّ بِذَلِكَ مِمَّنْ عَداهُ مِنَ الصَّحابَةِ، ولَكِنْ لَوْ دَعا لَقامَ آخَرُ وآخَرُ وانْفَتَحَ البابُ، ورُبَّما قامَ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ أنْ يَكُونَ مِنهُمْ، فَكانَ الإمْساكُ أوْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.
23:62Page 346
وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢
And We charge no soul except [with that within] its capacity, and with Us is a record which speaks with truth; and they will not be wronged.
No commentary for this ayah
23:63Page 346
بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣
But their hearts are covered with confusion over this, and they have [evil] deeds besides that [i.e., disbelief] which they are doing,
No commentary for this ayah
23:64Page 346
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤
Until when We seize their affluent ones with punishment,1 at once they are crying [to Allāh] for help.
No commentary for this ayah
23:65Page 346
لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥
Do not cry out today. Indeed, by Us you will not be helped.
No commentary for this ayah
23:66Page 346
قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦
My verses had already been recited to you, but you were turning back on your heels
No commentary for this ayah
23:67Page 346
مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧
In arrogance regarding it,1 conversing by night, speaking evil.
No commentary for this ayah
23:68Page 346
أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨
Then have they not reflected over the word [i.e., the Qur’ān], or has there come to them that which had not come to their forefathers?
No commentary for this ayah
23:69Page 346
أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٦٩
Or did they not know their Messenger, so they are toward him disacknowledging?
No commentary for this ayah
23:70Page 346
أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠
Or do they say, "In him is madness"? Rather, he brought them the truth, but most of them, to the truth, are averse.
No commentary for this ayah
23:71Page 346
وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ ٧١
But if the Truth [i.e., Allāh] had followed their inclinations, the heavens and the earth and whoever is in them would have been ruined. Rather, We have brought them their message,1 but they, from their message, are turning away.
No commentary for this ayah
23:72Page 346
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ٧٢
Or do you, [O Muḥammad], ask them for payment? But the reward of your Lord is best, and He is the best of providers.
No commentary for this ayah
23:73Page 346
وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٣
And indeed, you invite them to a straight path.
No commentary for this ayah
23:74Page 346
وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ ٧٤
But indeed, those who do not believe in the Hereafter are deviating from the path.
No commentary for this ayah
23:75Page 347
۞ وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥
And even if We gave them mercy and removed what was upon them of affliction, they would persist in their transgression, wandering blindly.
No commentary for this ayah
23:76Page 347
وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦
And We had gripped them with suffering [as a warning], but they did not yield to their Lord, nor did they humbly supplicate, [and will continue thus]
وقد ذم سبحانه من لم يتضرع إليه ولم يستكن له وقت البلاء كما قال تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون﴾
والعبد أضعف من أن يتجلد على ربه والرب تعالى لم يرد من عبده أن يتجلد عليه بل أراد منه أن يستكين له ويتضرع إليه وهو تعالى يمقت من يشكوه إلى خلقه ويحب من يشكو ما به إليه وقيل لبعضهم كيف تشتكي إليه ما ليس يخفي عليه فقال ربي يرضي ذل العبد إليه.
والمقصود أنه سبحانه أمر رسوله أن يصبر صبر أولي العزم الذين صبروا لحكمه اختيارا وهذا أكمل الصبر ولهذا دارت قصة الشفاعة يوم القيامة على هؤلاء حتى ردوها إلى أفضلهم وخيرهم وأصبرهم لحكم الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فإن قيل: أي أنواع الصبر الثلاثة أكمل الصبر على المأمور أم الصبر عن المحظور أم الصبر على المقدور؟
قيل: الصبر المتعلق بالتكليف وهو الأمر والنهي أفضل من الصبر على مجرد القدر فإن هذا الصبر يأتي به البر الفاجر والمؤمن والكافر فلا بد لكل أحد من الصبر على القدر اختيارا أو اضطرارا.
وأما الصبر على الأوامر والنواهي فصبر أتباع الرسل وأعظمهم اتباعا أصبرهم في ذلك وكل صبر في محله وموضعه أفضل فالصبر عن الحرام في محله أفضل وعلى الطاعة في محلها أفضل.
23:77Page 347
حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧
Until when We have opened before them a door of severe punishment, immediately they will be therein in despair.
No commentary for this ayah
23:78Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٧٨
And it is He who produced for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
No commentary for this ayah
23:79Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٩
And it is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered.
No commentary for this ayah
23:80Page 347
وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٨٠
And it is He who gives life and causes death, and His is the alternation of the night and the day. Then will you not reason?
No commentary for this ayah
23:81Page 347
بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٨١
Rather,1 they say like what the former peoples said.
No commentary for this ayah
23:82Page 347
قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٨٢
They said, "When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
No commentary for this ayah
23:83Page 347
لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨٣
We have been promised this, we and our forefathers, before; this is not but legends of the former peoples."
No commentary for this ayah
23:84Page 347
قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٤
Say, [O Muḥammad], "To whom belongs the earth and whoever is in it, if you should know?"
No commentary for this ayah
23:85Page 347
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٨٥
They will say, "To Allāh." Say, "Then will you not remember?"
No commentary for this ayah
23:86Page 347
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ ٨٦
Say, "Who is Lord of the seven heavens and Lord of the Great Throne?"
No commentary for this ayah
23:87Page 347
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧
They will say, "[They belong] to Allāh." Say, "Then will you not fear Him?"
No commentary for this ayah
23:88Page 347
قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٨٨
Say, "In whose hand is the realm of all things - and He protects while none can protect against Him - if you should know?"
No commentary for this ayah
23:89Page 347
سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ٨٩
They will say, "[All belongs] to Allāh." Say, "Then how are you deluded?"
No commentary for this ayah
23:90Page 348
بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٩٠
Rather, We have brought them the truth, and indeed they are liars.
No commentary for this ayah
23:91Page 348
مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١
Allāh has not taken any son, nor has there ever been with Him any deity. [If there had been], then each deity would have taken what it created, and some of them would have [sought to] overcome others. Exalted is Allāh above what they describe [concerning Him].
تأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين. فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقا فاعلا، يوصل إلى عابديه النفع، ويدفع عنهم الضر فلو كان معه سبحانه إله لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضي شركة الإله الآخر معه، بل إن قدر على قهره والتفرد بالإلهية دونه فعل، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه، وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بمماليكهم، إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر، والعلو عليه. فلا بد من أحد أمور ثلاثة: وإما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه. وإما أن يعلو بعضهم على بعض. وإما أن يكونوا كلهم تحت قهر إله واحد، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع من حكمهم ولا يمتنعون من حكمه. فيكون وحده هو الإله الحق، وهم العبيد المبوبون المقهورون.
وانتظام أمر العالم العلوي والسفلي وارتباط بعضه ببعض، وجريانه على نظام محكم لا يختلف، ولا يفسد. من أدل دليل على أن مدبره واحد، لا إله غيره كما دل دليل التمانع على أن خالقه واحد، لا رب غيره.
فذلك تمانع في الفعل والإيجاد، وهذا تمانع في الغاية والألوهية.
فكما يستحيل أن يكون للعالم ربان خالقان متكافئان كذلك يستحيل أن يكون له إلهان معبودان.
23:92Page 348
عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٩٢
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, so high is He above what they associate [with Him].
No commentary for this ayah
23:93Page 348
قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ٩٣
Say, [O Muḥammad], "My Lord, if You should show me that which they are promised,
No commentary for this ayah
23:94Page 348
رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٩٤
My Lord, then do not place me among the wrongdoing people."
No commentary for this ayah
23:95Page 348
وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ ٩٥
And indeed, We are Able to show you what We have promised them.
No commentary for this ayah
23:96Page 348
ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ٩٦
Repel, by [means of] what is best, [their] evil. We are most knowing of what they describe.
No commentary for this ayah
23:97–98Page 348
وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ ٩٧
And say, "My Lord, I seek refuge in You from the incitements of the devils,
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ ٩٨
And I seek refuge in You, my Lord, lest they be present with me."
والهمزات: جمع همزة كتمرات وتمرة.
وأصل الهمز الدفع، قال أبو عبيد عن الكسائي: همزته، ولَمَزْتُهُ، ولهزته، ونهزته- إذا دفعته، والتحقيق: أنه دفع بنَخْز، وغمز يشبه الطعن، فهو دفع خاص، فهمزات الشياطين: دفعهم الوساوس والإغواء إلى القلب، قال ابن عباس والحسن: "همزات الشياطين: نزغاتهم ووساوسهم" وفسرت همزاتهم بنفخهم ونفثهم، وهذا قول مجاهد، وفسرت بخنقهم وهو المؤتة التي تشبه الجنون.
وظاهر الحديث أن الهمز نوع غير النفخ والنفث، وقد يقال- وهو الأظهر- إن همزات الشياطين إذا أفردت دخل فيها جميع إصاباتهم لابن آدم، وإذا قرنت بالنفخ والنفث كانت نوعا خاصا، كنظائر ذلك.
ثم قال: ﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾.
قال ابن زيد: في أموري.
وقال الكلبي: عند تلاوة القرآن.
وقال عكرمة: عند النزع والسياق، فأمره أن يستعيذ من نوعي شر إصابتهم له بالهمز وقربهم ودنوهم منه.
فتضمنت الاستعاذة أن لا يمسوه ولا يقربوه، وذكر ذلك سبحانه عقيب قوله: ﴿ادْفَعْ بِالتِي هي أحْسَنُ السَّيَئةَ نَحْنُ أعْلَمُ بما يصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
فأمره أن يحترز من شر شياطين الإنس بدفع إساءتهم إليه بالتي هي أحسن، وأن يدفع شر شياطين الجن بالاستعاذة منهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences