Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:45–62, continued
إنْ أرادَ بِالحَقِّ ضِدَّ الباطِلِ أيْ: تُعايِنُ ما هو حَقٌّ، بِحَيْثُ يَنْكَشِفُ لَها كَما يَنْكَشِفُ المَرْئِيُّ لِلْبَصَرِ فَصَحِيحٌ، وإنْ أرادَ بِالحَقِّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى، فَإنْ لَمْ يَحْمِلْ كَلامَهُ عَلى قُوَّةِ اليَقِينِ، ومَزِيدِ الإيمانِ، ونُزُولِ الرُّوحِ في مَقامِ الإحْسانِ، وإلّا فَهو باطِلٌ، فَإنَّ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى لا يُعايِنُهُ في هَذِهِ الدّارِ بَصَرٌ ولا رُوحٌ، بَلِ المِثالُ العِلْمِيُّ: حَظُّ الرُّوحِ والقَلْبِ كَما تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ: والأرْواحُ إنَّما طُهِّرَتْ وأُكْرِمَتْ بِالبَقاءِ، لِتُعايِنَ سَنا الحَضْرَةِ، وتُشاهِدَ بَهاءَ العِزَّةِ، وتَجْذِبَ القُلُوبَ إلى فِناءِ الحَضْرَةِ.
يَعْنِي: أنَّ الأرْواحَ خُلِقَتْ لِلْبَقاءِ لا لِلْفَناءِ، هَذا هو الحَقُّ، وما خالَفَ فِيهِ إلّا شِرْذِمَةٌ مِنَ النّاسِ مِن أهْلِ الإلْحادِ القائِلِينَ: إنَّ الأرْواحَ تَفْنى بِفَناءِ الأبْدانِ، لِكَوْنِها قُوَّةً مِن قُواها، وعَرَضًا مِن أعْراضِها.
وَهَؤُلاءِ قِسْمانِ؛ أحَدُهُما: مُنْكِرٌ لِمَعادِ الأبْدانِ، والثّانِي: مَن يُقِرُّ بِمَعادِ الأبْدانِ، ويَقُولُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُعِيدُ قُوى البَدَنِ وأعْراضَهُ، ومِنها: الرُّوحُ فَتَفْنى بِفَناءِ الأبْدانِ، فَلَيْسَ عِنْدَ الطّائِفَتَيْنِ رُوحٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها، تُساكِنُ البَدَنَ وتُفارِقُهُ، وتَتَّصِلُ بِهِ وتَنْفَصِلُ عَنْهُ.
وَأمّا الحَقُّ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وأتْباعُهُمْ: فَهو أنَّ هَذِهِ الأرْواحَ باقِيَةٌ بَعْدَ مُفارَقَةِ أبْدانِها، لا تَفْنى ولا تُعْدَمُ، وأنَّها مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ في البَرْزَخِ، فَإذا كانَ يَوْمُ المَعادِ رُدَّتْ إلى أبْدانِها، فَتُنَعَّمُ مَعَها أوْ تُعَذَّبُ، ولا تُعْدَمُ ولا تَفْنى.
فَقَوْلُهُ: والأرْواحُ إذا طُهِّرَتْ وأُكْرِمَتْ بِالبَقاءِ لِتُعايِنَ سَنا الحَضْرَةِ، يُرِيدُ: الأرْواحَ الطّاهِرَةَ الزَّكِيَّةَ، وفي نُسْخَةٍ: لِتُناغِيَ سَنا الحَضْرَةِ، والأوَّلُ أظْهَرُ وألْصَقُ بِالبابِ الَّذِي تَرْجَمَهُ بِبابِ المُعايَنَةِ، والمُرادُ بِالحَضْرَةِ: الحَضْرَةُ الإلَهِيَّةُ، وبِ " السَّنا " النُّورُ الَّذِي يَلْمَعُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ [النور: ٤٣] ومُعايَنَةُ ذَلِكَ: إنَّما هو في الدّارِ الآخِرَةِ، والمُعايِنُ هاهُنا: هو نُورُ المَعْرِفَةِ والمِثالِ العِلْمِيِّ.
قَوْلُهُ: " ويُشاهِدَ بَهاءَ العِزَّةِ " البَهاءُ في اللُّغَةِ: الحُسْنُ، قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، يُقالُ مِنهُ: بَهي الرَّجُلُ بِالكَسْرِ وبَهُوَ أيْضًا. فَهو بَهِيٌّ.
والعِزَّةُ يُرادُ بِها ثَلاثَةُ مَعانٍ: عِزَّةُ القُوَّةِ، وعِزَّةُ الِامْتِناعِ، وعِزَّةُ القَهْرِ، والرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ العِزَّةُ التّامَّةُ بِالِاعْتِباراتِ الثَّلاثِ، ويُقالُ مِنَ الأوَّلِ: عَزَّ يَعَزُّ بِفَتْحِ العَيْنِ في المُسْتَقْبَلِ، ومِنَ الثّانِي: عَزَّ يَعِزُّ بِكَسْرِها ومِنَ الثّالِثِ: عَزَّ يَعُزُّ بِضَمِّها أعْطُوا أقْوى الحَرَكاتِ لِأقْوى المَعانِي، وأخَفَّها لِأخَفِّها، وأوْسَطَها لِأوْسَطِها، وهَذِهِ العِزَّةُ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ، إذِ الشَّرِكَةُ تُنْقِصُ العِزَّةَ، ومُسْتَلْزِمَةٌ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الشَّرِكَةَ تُنافِي كَمالَ العِزَّةِ، ومُسْتَلْزِمَةٌ لِنَفْيِ أضْدادِها، ومُسْتَلْزِمَةٌ لِنَفْيِ مُماثَلَةِ غَيْرِهِ لَهُ في شَيْءٍ مِنها.
فالرُّوحُ تُعايِنُ بِقُوَّةِ مَعْرِفَتِها وإيمانِها بَهاءَ العِزَّةِ وجَلالَها وعَظَمَتَها، وهَذِهِ المُعايَنَةُ هي نَتِيجَةُ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ المُطابِقَةِ لِلْحَقِّ في نَفْسِ الأمْرِ، المُتَلَقّاةِ مِن مِشْكاةِ الوَحْيِ، فَلا يَطْمَعُ فِيها واقِفٌ مَعَ أقْيِسَةِ المُتَفَلْسِفِينَ، وجَدَلِ المُتَكَلِّمِينَ، وخَيالاتِ المُتَصَوِّفِينَ.
قَوْلُهُ: وتَجْذِبَ القُلُوبَ إلى فِناءِ الحَضْرَةِ، هو بِكَسْرِ الفاءِ؛ أيْ: جانِبِ الحَضْرَةِ، يَعْنِي: أنَّ الأرْواحَ لِقُوَّةِ طَلَبِها، وشِدَّةِ شَوْقِها تَسُوقُ القُلُوبَ وتَجْذِبُها إلى هُناكَ، فَإنَّ طَلَبَ الرُّوحِ وسَيْرَها أقْوى مِن طَلَبِ القَلْبِ وسَيْرِهِ، كَما كانَتْ مُعايَنَتُها أتَمَّ مِن مُعايَنَتِهِ.
وَبِالجُمْلَةِ: فَأحْكامُ الرُّوحِ عِنْدَهم فَوْقَ أحْكامِ القَلْبِ، وأخَصُّ مِنها.
والمَقْصُودُ: أنَّ الرُّوحَ مَتى عايَنَتِ الحَقَّ جَذَبَتِ القُوى كُلَّها والقَلْبُ إلى حَضْرَتِهِ، فَيَنْقادُ مَعَها انْقِيادًا بِلا اسْتِعْصاءٍ، بِخِلافِ جَذْبِ القَلْبِ، فَإنَّ الجَوارِحَ قَدْ تَسْتَعْصِي عَلَيْهِ بَعْضَ الِاسْتِعْصاءِ، وتَأْبى شَيْئًا مِنَ الإباءِ، وأمّا جَذْبُ الرُّوحِ: فَلا اسْتِعْصاءَ مَعَهُ ولا إباءَ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
25:47Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧
And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2
No commentary for this ayah
25:48Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water
No commentary for this ayah
25:49Page 364
لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩
That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.
No commentary for this ayah
25:50Page 364
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
No commentary for this ayah
25:51Page 364
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
No commentary for this ayah
25:52Page 364
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
الجِهاد نَوْعانِ جِهاد بِاليَدِ والسنان، وهَذا المشارك فِيهِ كثير.
والثّانِي الجِهاد بِالحجَّةِ والبَيان وهَذا جِهاد الخاصَّة من اتِّباع الرُّسُل وهو جِهاد الأئمة وهو أفضل الجهادين لعظم منفعَته وشدَّة مُؤْنَته وكَثْرَة أعدائه قالَ تَعالى في سُورَة الفرْقان وهِي مَكِّيَّة ﴿وَلَو شِئْنا لبعثنا في كل قَرْيَة نذيرا فلا تطع الكافرين وجاهدهم بِهِ جهادا كَبِيرا﴾
فَهَذا جِهاد لَهُم بِالقُرْآنِ وهو أكبر الجهادين وهو جِهاد المُنافِقين أيضا، فَإن المُنافِقين لم يَكُونُوا يُقاتلُون المُسلمين بل كانوا معهم في الظّاهِر ورُبما كانُوا يُقاتلُون عدوهم مَعَهم ومَعَ هَذا فقد قالَ تَعالى ﴿يا أيها النَّبِي جاهد الكفّار والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِم﴾
وَمَعْلُوم أن جِهاد المُنافِقين بِالحجَّةِ والقُرْآن.
25:53Page 364
۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣
And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.
No commentary for this ayah
25:54Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤
And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].
No commentary for this ayah
25:55Page 364
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥
But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].
هَذا من ألطف خطاب القُرْآن وأشرف مَعانِيه وأن المُؤمن دائِما مَعَ الله على نَفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه وهَذا معنى كَونه من حزب الله وجنده وأوليائه فَهو مَعَ الله على عدوه الدّاخِل فِيهِ والخارِج عَنهُ يحاربهم ويعاديهم ويغضبهم لَهُ سُبْحانَهُ كَما يكون خَواص الملك مَعَه على حَرْب أعدائه والبعيدون مِنهُ فارغون من ذَلِك غير مهتمين بِهِ والكافِر مَعَ شَيْطانه ونَفسه وهواه على ربه وعبارات السّلف على هَذِه تَدور.
ذكر بن أبي حاتِم عَن عَطاء بن دِينار عَن سعيد بن جُبَير قالَ "عونا للشَّيْطان على ربه بالعداوة والشرك"
وَقالَ لَيْث عَن مُجاهِد قالَ "يظاهر الشَّيْطان على مَعْصِيّة الله يُعينهُ عَلَيْها".
وَقالَ زيد بن أسلم (ظهيرا) أي مواليا.
والمعْنى أنه يوالي عدوه على مَعْصِيَته والشرك بِهِ فَيكون مَعَ عدوه معينا لَهُ على مساخط ربه.
فالمعية الخاصَّة التي لِلْمُؤمنِ مَعَ ربه وإلهه قد صارَت لهَذا الكافِر والفاجر مَعَ الشَّيْطان ومَعَ نَفسه وهواه وقربانه، ولِهَذا صدّر الآيَة بقوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ما لا يَنْفَعهم ولا يضرهم﴾
وَهَذِه العِبادَة هي المُوالاة والمحبة والرِّضا بمعبوديهم المتضمنة لمعيتهم الخاصَّة فظاهروا أعداء الله على معاداته ومخالفته ومساخطه بِخِلاف وليه سُبْحانَهُ فَإنَّهُ مَعَه على نَفسه وشيطانه وهواه وهَذا المَعْنى من كنوز القُرْآن لمن فهمه وعقله وبِاللَّهِ التَّوْفِيق.
25:56Page 365
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦
And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
No commentary for this ayah
25:57Page 365
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧
Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."
No commentary for this ayah
25:58Page 365
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨
And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -
[فصل: الفرق بين التوكل والعجز]
والفرق بين التوكل والعجز: أن التوكل عمل القلب وعبوديته اعتمادا على اللّه وثقة به والتجاء إليه وتفويضا إليه ورضا بما يقضيه له لعلمه بكفايته سبحانه وحسن اختياره لعبده إذا فوض إليه مع قيامه بالأسباب المأمور بها واجتهاده في تحصيلها فقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أعظم المتوكلين وكان يلبس لامته ودرعه بل ظاهر يوم أحد بين درعين واختفى في النار ثلاثا فكان متوكلا في السبب لا على السبب.
وأما العجز فهو تعطيل الأمرين أو أحدهما فإما أن يعطل السبب عجزا منه ويزعم أن ذلك توكل ولعمر اللّه أنه لعجز وتفريط وإما أن يقوم بالسبب ناظرا إليه معتمدا عليه غافلا عن المسبب معرضا عنه وإن خطر بباله لم يثبت معه ذلك الخاطر ولم يعلق قلبه به تعلقا تاما بحيث يكون قلبه مع اللّه وبدنه مع السبب فهذا توكله عجز وعجزه توكل.
وهذا الوضع انقسم فيه الناس طرفين ووسطا (فأحد الطرفين) عطل الأسباب محافظة على التوكل.
والثاني: عطل التوكل محافظة على السبب (والوسط) عليم أن حقيقة التوكل لا يتم إلا بالقيام بالسبب فتوكل على اللّه في نفس السبب، وأما من عطل السبب وزعم أنه متوكل فهو مغرور ومخدوع متمن كمن عطل النكاح والتسري وتوكل في حصول الولد، وعطل الحرث والبذور وتوكل في حصول الزرع، وعطل الأكل والشرب وتوكل في حصول الشبع والري، فالمتوكل نظير الرجاء. والعجز نظير المنى فحقيقة التوكل أن يتخذ العبد ربه وكيلا له قد فرض إليه كما يفرض الموكل إلى وكيله العالم بكفايته ونهضته ونصحه وأمانته وخبرته وحسن اختياره والرب سبحانه قد أمر عبده بالاحتيال وتوكل له أن يستخرج له من حليته ما يصلحه فأمره أن يحرث ويبذر ويسعى ويطلب رزقه في ضمان ذلك كما قدره سبحانه ودبره واقتضته حكمته وأمره أن لا يعلق قلبه بغيره بل يجعل رجاءه له وخوفه منه وثقته به وتوكله عليه وأخبره سبحانه الملي بالوكالة الوفي بالكفاية فالعاجز من رمى هذا كله وراء ظهره وقعد كسلان طالبا للراحة مؤثرا للبدعة يقول الرزق ويطلب صاحبه كما يطلبه أجله وسيأتيني ما قدر لي على ضعفي ولن أنال ما لم يقدر لي مع قوتي، ولو أني هربت من رزقي كما أهرب من الموت للحقني فيقال له نعم هذا كله حق وقد علمت أن الرزق مقدر فما يدريك كيف قدر لك، بسعيك أم بسعي غيرك.
وإذا كان بسعيك فبأي سبب ومن أي وجه، وإذا اختفى عليك هذا كله فمن أين علمت أن بقدر لك إتيانه عفوا بلا سعي ولا كد فكم من شيء سعيت فيه فقدر لغيرك وكم من شيء سعى فيه غيرك فقدر لك رزقا! فإذا رأيت هذا عيانا فكيف علمت أن رزقك كله بسعي غيرك؟
وأيضا فهذا الذي أوردته عليك النفس يجب عليك طرده في جميع الأسباب مع مسبباتها حتى في أسباب دخول الجنة والنجاة من النار فهل تعطلها اعتمادا على التوكل أم تقوم بها مع التوكل؟ بل لن تخلو الأرض من متوكل صير نفسه للّه وملأ قلبه من الثقة به ورجاءه وحسن الظن به فضاق قلبه مع ذلك عن مباشرة بعض الأسباب فسكن قلبه إلى اللّه واطمأن إليه ووثق به.
وكان هذا من أقوى حصول أسباب رزقه فلم يعطل السبب وإنما رغب عن سبب إلى سبب أقوى منه فكان توكله أوثق الأسباب عنده، فكان اشتغال قلبه باللّه وسكونه إليه وتضرعه إليه أحب إليه من اشتغاله بسببه يمنعه من ذلك أو من كماله فلم يتسع قلبه للأمرين فأعرض عن أحدهما إلى الآخر ولا ريب أن هذا أكمل حالا ممن امتلأ قلبه بالسبب واشتغل به عن ربه وأكمل منهما من جمع الأمرين وهي حال الرسل والصحابة، فقد كان زكريا نجارا.
وقد أمر اللّه نوحا أن يصنع السفينة ولم يكن في الصحابة من يعطل السبب اعتمادا على التوكل بل كانوا أقوم الناس بالأمرين ألا ترى أنهم بذلوا جهدهم في محاربة أعداء الدين وألسنتهم وقالوا في ذلك بحقيقة التوكل وعمروا أموالهم وأصلحوها وأعدوا لأهليهم كفايتهم من القوت اقتداء بسيد المتوكلين صلوات اللّه وسلامه عليه وآله.
25:59Page 365
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩
He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].
No commentary for this ayah
25:60Page 365
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠
And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.
No commentary for this ayah
25:61Page 365
تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١
Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.
No commentary for this ayah
25:62Page 365
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢
And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.
ذكر تَعالى خلق اللَّيْل والنَّهار وأنهما خلفة.
أي يخلف أحدهما الآخر لا يجْتَمع مَعَه، ولَو اجْتمع مَعَه لفاتت المصلحَة بتعاقبهما واختلافهما.
وَهَذا هو المُراد باخْتلاف اللَّيْل والنَّهار كَون كل واحِد مِنهُما يخلف الآخر لا يجامعه ولا يحاذيه، بل يغشى أحدهما صاحبه فيطلبه حثيثا حَتّى يُزِيلهُ عَن سُلْطانه، ثمَّ يَجِيء الآخر عَقِيبه فيطلبه حثيثا حَتّى يهزمه ويزيله عَن سُلْطانه فهما دائِما يتطالبان ولا يدْرك أحدهما صاحبه.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحسن، وقتادة: (عِوَضًا وخَلَفًا يَقُومُ أحَدُهُما مَقامَ صاحِبِهِ، فَمَن فاتَهُ عَمَلٌ في أحَدِهِما، قَضاهُ في الآخَرِ)
قالَ قتادة (فَأدُّوا لِلَّهِ مِن أعْمالِكم خَيْرًا في هَذا اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَإنَّهُما مَطِيَّتانِ يُقْحِمانِ النّاسَ إلى آجالِهِمْ، ويُقَرِّبانِ كُلَّ بَعِيدٍ، ويُبْلِيانِ كُلَّ جَدِيدٍ، ويَجِيئانِ بِكُلِّ مَوْعُودٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ).
وَقالَ شقيق: جاءَ رَجُلٌ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: فاتَتْنِي الصَّلاةُ اللَّيْلَةَ، فَقالَ: (أدْرِكْ ما فاتَكَ مِن لَيْلَتِكَ في نَهارِكَ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences