Ibn al-QayyimAl‑Furqan · 25:63–67

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:63–67, continued

فَمَعْناهُ: أنَّ مَن أساءَ إلَيْكَ. ثُمَّ جاءَ يَعْتَذِرُ مِن إساءَتِهِ، فَإنَّ التَّواضُعَ يُوجِبُ عَلَيْكَ قَبُولَ مَعْذِرَتِهِ، حَقًّا كانَتْ أوْ باطِلًا. وتَكِلُ سَرِيرَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى. كَما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْهُ في الغَزْوِ. فَلَمّا قَدِمَ جاءُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ. فَقَبِلَ أعْذارَهم. ووَكَلَ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ تَعالى.

وَعَلامَةُ الكَرَمِ والتَّواضُعِ: أنَّكَ إذا رَأيْتَ الخَلَلَ في عُذْرِهِ لا تُوقِفُهُ عَلَيْهِ ولا تُحاجُّهُ. وقُلْ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما تَقُولُ. ولَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكانَ، والمَقْدُورُ لا مَدْفَعَ لَهُ. ونَحْوُ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ أنْ تَتَّضِعَ لِلْحَقِّ]

قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: أنْ تَتَّضِعَ لِلْحَقِّ. فَتَنْزِلَ عَنْ رَأْيِكَ وعَوائِدِكَ في الخِدْمَةِ

وَرُؤْيَةِ حَقِّكَ في الصُّحْبَةِ. وعَنْ رَسْمِكَ في المُشاهَدَةِ.

بِقَوْلِ التَّواضُعِ بِأنْ تَخْدِمَ الحَقَّ سُبْحانَهُ. وتَعْبُدَهُ بِما أمَرَكَ بِهِ، عَلى مُقْتَضى أمْرِهِ. لا عَلى ما تَراهُ مِن رَأْيِكَ. ولا يَكُونَ الباعِثُ لَكَ داعِيَ العادَةِ. كَما هو باعِثُ مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ، غَيْرَ أنَّهُ اعْتادَ أمْرًا فَجَرى عَلَيْهِ. ولَوِ اعْتادَ ضِدَّهُ لَكانَ كَذَلِكَ.

وَحاصِلُهُ: أنَّهُ لا يَكُونُ باعِثُهُ عَلى العُبُودِيَّةِ مُجَرَّدَ رَأْيٍ، ومُوافَقَةَ هَوًى ومَحَبَّةٍ وعادَةٍ. بَلِ الباعِثُ مُجَرَّدُ الأمْرِ. والرَّأْيُ والمَحَبَّةُ والهَوى والعَوائِدُ: مُنَفِّذَةٌ تابِعَةٌ. لا أنَّها مُطاعَةٌ باعِثَةٌ. وهَذِهِ نُكْتَةٌ لا يَتَنَبَّهُ لَها إلّا أهْلُ البَصائِرِ.

وَأمّا نُزُولُهُ عَنْ رُؤْيَةِ حَقِّهِ في الصُّحْبَةِ.

فَمَعْناهُ: أنْ لا يَرى لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلى اللَّهِ لِأجْلِ عَمَلِهِ. فَإنَّ صُحْبَتَهُ مَعَ اللَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ والفَقْرِ المَحْضِ، والذُّلِّ والِانْكِسارِ. فَمَتى رَأى لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ حَقًّا فَسَدَتِ الصُّحْبَةُ. وصارَتْ مَعْلُولَةً وخِيفَ مِنها المَقْتُ. ولا يُنافِي هَذا ما أحَقَّهُ سُبْحانَهُ عَلى نَفْسِهِ مِن إثابَةِ عابِدِيهِ وإكْرامِهِمْ. فَإنَّ ذَلِكَ حَقٌّ أحَقَّهُ عَلى نَفْسِهِ بِمَحْضِ كَرَمِهِ وبِرِّهِ وجُودِهِ وإحْسانِهِ. لا بِاسْتِحْقاقِ العَبِيدِ، وأنَّهم أوْجَبُوهُ عَلَيْهِ بِأعْمالِهِمْ.

فَعَلَيْكَ بِالفُرْقانِ في هَذا المَوْضِعِ الَّذِي هو مُفْتَرَقُ الطُّرُقِ. والنّاسُ فِيهِ ثَلاثُ فِرَقٍ.

فِرْقَةٌ رَأتْ أنَّ العَبْدَ أقَلُّ وأعْجَزُ مِن أنْ يُوجِبَ عَلى رَبِّهِ حَقًّا. فَقالَتْ: لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ. وأنْكَرَتْ وُجُوبَ ما أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ.

وَفِرْقَةٌ رَأتْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْجَبَ عَلى نَفْسِهِ أُمُورًا لِعَبْدِهِ. فَظَنَّتْ أنَّ العَبْدَ أوْجَبَها عَلَيْهِ بِأعْمالِهِ، وأنَّ أعْمالَهُ كانَتْ سَبَبًا لِهَذا الإيجابِ. والفِرْقَتانِ غالِطَتانِ.

والفِرْقَةُ الثّالِثَةُ: أهْلُ الهُدى والصَّوابِ، قالَتْ: لا يَسْتَوْجِبُ العَبْدُ عَلى اللَّهِ بِسَعْيِهِ نَجاةً ولا فَلاحًا. ولا يُدْخِلُ أحَدًا عَمَلُهُ الجَنَّةَ أبَدًا، ولا يُنْجِيهِ مِنَ النّارِ. واللَّهُ تَعالى - بِفَضْلِهِ وكَرَمِهِ، ومَحْضِ جُودِهِ وإحْسانِهِ - أكَّدَ إحْسانَهُ وجُودَهُ وبِرَّهُ بِأنْ أوْجَبَ لِعَبْدِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حَقًّا بِمُقْتَضى الوَعْدِ. فَإنَّ وعْدَ الكَرِيمِ إيجابٌ، ولَوْ بِعَسى، ولَعَلَّ.

وَلِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبٌ.

وَوَعْدُ اللَّئِيمِ خُلْفٌ. ولَوِ اقْتَرَنَ بِهِ العَهْدُ والحَلِفُ.

والمَقْصُودُ: أنَّ عَدَمَ رُؤْيَةِ العَبْدِ لِنَفْسِهِ حَقًّا عَلى اللَّهِ لا يُنافِي ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ. وجَعَلَهُ حَقًّا لِعَبْدِهِ. قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «يا مُعاذُ، أتَدْرِي ما حَقُّ اللَّهِ عَلى العِبادِ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: حَقُّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. يا مُعاذُ، أتَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ عَلى اللَّهِ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: حَقُّهم عَلَيْهِ: أنْ لا يُعَذِّبَهم بِالنّارِ».

فالرَّبُّ سُبْحانَهُ ما لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقٌّ. ولا يَضِيعُ لَدَيْهِ سَعْيٌ. كَما قِيلَ:

؎ما لِلْعِبادِ عَلَيْهِ حَقٌّ واجِبٌ ∗∗∗ كَلّا ولا سَعْيٌ لَدَيْهِ ضائِعُ

؎إنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ، أوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وهو الكَرِيمُ الواسِعُ

وَأمّا قَوْلُهُ: وتَنْزِلُ عَنْ رَسْمِكَ في المُشاهَدَةِ.

أيْ مِن جُمْلَةِ التَّواضُعِ لِلْحَقِّ: فَناؤُكَ عَنْ نَفْسِكَ. فَإنَّ رَسْمَهُ هي نَفْسُهُ. والنُّزُولُ عَنْها: فَناؤُهُ عَنْها حِينَ شُهُودِهِ الحَضْرَةَ. وهَذا النُّزُولُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ كَسْبِيٌّ بِاعْتِبارٍ، وإنْ كانَ عِنْدَ القَوْمِ غَيْرَ كَسْبِيٍّ. لِأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ التَّجَلِّي. والتَّجَلِّي نُورٌ. والنُّورُ يَقْهَرُ الظُّلْمَةَ ويُبْطِلُها. والرَّسْمُ عِنْدَ القَوْمِ ظُلْمَةٌ. فَهي تَنْفِرُ مِنَ النُّورِ بِالذّاتِ. فَصارَ النُّزُولُ عَنِ الرَّسْمِ حِينَ التَّجَلِّي ذاتِيًّا.

وَوَجْهُ كَوْنِهِ كَسْبِيًّا: أنَّهُ نَتِيجَةُ المَقاماتِ الكَسْبِيَّةِ. ونَتِيجَةُ الكَسْبِيِّ كَسْبِيٌّ. وثَمَرَتُهُ، وإنْ حَصَلَتْ ضَرُورَةً بِالذّاتِ: لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْها كَوْنُها كَسَبِيَّةً بِاعْتِبارِ السَّبَبِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

25:65Page 365

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥

And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;

No commentary for this ayah

25:66Page 365

إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦

Indeed, it is evil as a settlement and residence."

No commentary for this ayah

25:67Page 365

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧

And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate

[فصل: الفرق بين الاقتصاد والتقصير]

والفرق بين الاقتصاد والتقصير: أن الاقتصاد هو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط وله طرفان هما ضدان له تقصير ومجاوزة فالمقتصد قد أخذ بالوسط وعدل عن الطرفين قال تعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا﴾

وقال تعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾

وقال تعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾

والدين كله بين هذين الطرفين بل الإسلام قصد بين الملل والسنّة قصد بين البدع ودين اللّه بين الغالي فيه والجافي عنه وكذلك الاجتهاد هو بذل الجهد في موافقة الأمر، والغلو مجاوزته وتعديه، وما أمر اللّه بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان فإما إلى غلو ومجاوزة وإما إلى تفريط وتقصير هما آفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من مشى خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وترك أقوال الناس وآراءهم لما جاء به لا من ترك ما جاء به لأقوالهم وآرائهم وهذان المرضان الخطران قد استوليا على أكثر بني آدم ولهذا حذر السلف منهما أشد التحذير وخوفوا من بلى بأحدهما بالهلاك وقد يجتمعان في الشخص الواحد كما هو حال أكثر الخلق يكون مقصرا مفرطا في بعض دينه غاليا متجاوزا في بعضه والمهدي من هدى اللّه.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском