Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:68–77, continued
وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه بغير اختياره بل بفعل الله، ولا ريب أن تأْثير الأفعال الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها في محو الذنوب أعظم من تأْثير المصائب التي تناله بغير اختياره.
25:71Page 366
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١
And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.
No commentary for this ayah
25:72Page 366
وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢
And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.
عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾
قالَ: لا يُمالِئُونَ أهْلَ الشِّرْكِ عَلى شِرْكِهِمْ ولا يُخالِطُونَهُمْ، ونَحْوُهُ عَنِ الضَّحّاكِ.
وقال محمد ابن الحنفية: "الزور هاهنا الغناء"، وقاله ليث عن مجاهد.
وقال الكلبي: لا يحضرون مجالس الباطل.
واللغو في اللغة: كل ما يلغى ويطرح، والمعنى: لا يحضرون مجالس الباطل، وإذا مروا بكل ما يلغى من قول وعمل أكرموا أنفسهم أن يقفوا عليه أو يميلوا إليه.
ويدخل في هذا: أعياد المشركين، كما فسرها به السلف، والغناء، وأنواع الباطل كلها.
قال الزجاج: "لا يجالسون أهل المعاصي، ولا يمالئونهم عليها، ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو، لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه، والاختلاط بأهله".
وقد روى أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: مَرَّ بِلَهْوٍ فأعرض عنه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم:
"إنْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَكَرِيمًا"
وقد أثنى الله سبحانه على من أعرض عن اللغو إذا سمعه فقال: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللغو أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥].
وهذه الآية، وإن كان سبب نزولها خاصًا، فمعناها عام، متناول لكل من سمع لغوًا فأعرض عنه، وقال بلسانه أو بقلبه لأصحابه: "لنا أعمالنا ولكم أعمالكم".
وتأمل كيف قال سبحانه ﴿لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾
ولم يقل: بالزور، لأن يشهدون بمعنى: يحضرون. فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، فكيف بالتكلم به، وفعله؟
والغناء من أعظم الزور.
والزور: يقال على الكلام الباطل، وعلى العمل الباطل، وعلى العين نفسها كما في حديث معاوية لما أخذ قصة من شعر يوصل به، فقال: "هذا الزور"
فالزور: القول، والفعل، والمحل.
وأصل اللفظة من الميل، ومنه الزور بالفتح، ومنه: زرت فلانا، إذا ملت إليه، وعدلت إليه، فالزور: ميل عن الحق الثابت إلى الباطل الذي لا حقيقة له قولًا وفعلًا.
(فصل)
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾
قالَ مُحَمَّدُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: هو الغِناءُ، وقالَ الحَسَنُ أوْ غَيْرُهُ: أكْرَمُوا نُفُوسَهم عَنْ سَماعِهِ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ كَما يُنْبِتُ الماءُ البَقْلَ، وهَذا كَلامُ عارِفٍ بِأثَرِ الغِناءِ وثَمَرَتِهِ، فَإنَّهُ ما اعْتادَهُ أحَدٌ إلّا نافَقَ قَلْبُهُ وهو لا يَشْعُرُ، ولَوْ عَرَفَ حَقِيقَةَ النِّفاقِ وغايَتَهُ لَأبْصَرَهُ في قَلْبِهِ، فَإنَّهُ ما اجْتَمَعَ في قَلْبِ عَبْدٍ قَطُّ مَحَبَّةُ الغِناءِ ومَحَبَّةُ القُرْآنِ إلّا طَرَدَتْ إحْداهُما الأُخْرى، وقَدْ شاهَدْنا نَحْنُ وغَيْرُنا ثِقَلَ القُرْآنِ عَلى أهْلِ الغِناءِ وسَماعِهِ، وتَبَرُّمَهم بِهِ، وصِياحَهم بِالقارِئِ إذا طَوَّلَ عَلَيْهِمْ، وعَدَمَ انْتِفاعِ قُلُوبِهِمْ بِما يَقْرَؤُهُ، فَلا تَتَحَرَّكُ ولا تَطْرَبُ، ولا تُهَيِّجُ مِنها بَواعِثَ الطَّلَبِ، فَإذا جاءَ قُرْآنُ الشَّيْطانِ فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَيْفَ تَخْشَعُ مِنهُمُ الأصْواتُ، وتَهْدَأُ الحَرَكاتُ، وتَسْكُنُ القُلُوبُ وتَطْمَئِنُ، ويَقَعُ البُكاءُ والوَجْدُ، والحَرَكَةُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ، والسَّماحَةُ بِالأثْمانِ والثِّيابِ، وطِيبُ السَّهَرِ، وتَمَنِّي طُولِ اللَّيْلِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا نِفاقًا فَهو آخِيَّةُ النِّفاقِ وأساسُهُ.
؎تُلِيَ الكِتابُ فَأطْرَقُوا لا خِيفَةً ∗∗∗ لَكِنَّهُ إطْراقُ ساهٍ لاهِي
؎وَأتى الغِناءُ فَكالَذُّبابِ تَراقَصُوا ∗∗∗ واللَّهِ ما رَقَصُوا مِن أجْلِ اللَّهِ
؎دُفٌّ ومِزْمارٌ ونَغْمَةُ شاهِدٍ ∗∗∗ فَمَتى شَهِدْتَ عِبادَةً بِمَلاهِي
؎ثَقُلَ الكِتابُ عَلَيْهِمُ لَمّا رَأوْا ∗∗∗ تَقْيِيدَهُ بِأوامِرٍ ونَواهِي
؎وَعَلَيْهِمُ خَفَّ الغِنا لَمّا رَأوْا ∗∗∗ إطْلاقَهُ في اللَّهْوِ دُونَ مَناهِي
؎يا فِرْقَةً ما ضَرَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ وجَنى عَلَيْهِ ومَلَّهُ إلّا هِي
؎سَمِعُوا لَهُ رَعْدًا وبَرْقًا إذْ حَوى ∗∗∗ زَجْرًا وتَخْوِيفًا بِفِعْلِ مَناهِي
؎وَرَأوْهُ أعْظَمَ قاطِعٍ لِلنَّفْسِ عَنْ ∗∗∗ شَهَواتِها يا ويْحَها المُتَناهِي
؎وَأتى السَّماعُ مُوافِقًا أغْراضَها ∗∗∗ فَلِأجْلِ ذاكَ غَدًا عَظِيمَ الجاهِ
؎أيْنَ المُساعِدُ لِلْهَوى مِن قاطَعٍ ∗∗∗ أسْبابَهُ عِنْدَ الجَهُولِ السّاهِي
؎إنْ لَمْ يَكُنْ خَمْرَ الجُسُومِ فَإنَّهُ ∗∗∗ خَمْرُ العُقُولِ مُماثِلٌ ومُضاهِي
؎فانْظُرْ إلى النَّشْوانِ عِنْدَ شَرابِهِ ∗∗∗ وانْظُرْ إلى النَّشْوانِ عِنْدَ تَلاهِي
؎وانْظُرْ إلى تَمْزِيقِ ذا أثْوابَهُ ∗∗∗ مِن بَعْدِ تَمْزِيقِ الفُؤادِ اللّاهِي
؎فاحْكم بِأيِّ الخَمْرَتَيْنِ أحَقُّ بِال ∗∗∗ تَّحْرِيمِ والتَّأْثِيمِ عِنْدَ اللَّهِ
وَكَيْفَ يَكُونُ السَّماعُ الَّذِي يَسْمَعُهُ العَبْدُ بِطَبْعِهِ وهَواهُ أنْفَعَ لَهُ مِنَ الَّذِي يَسْمَعُهُ بِاللَّهِ ولِلَّهِ وعَنِ اللَّهِ؟
25:73Page 366
وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣
And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.
قالَ مقاتل إذا وعظوا بِالقُرْآنِ لم يقعوا عَلَيْهِ صمًّا لم يسمعوه وعميانا لم يبصروه ولَكنهم سمعُوا وأبصروا وأيقنوا بِهِ.
وَقالَ ابْن عَبّاس لم يَكُونُوا عَلَيْها صمًّا وعميانا بل كانُوا خائِفين خاشعين.
وَقالَ الكَلْبِيّ: يخرّون عَلَيْها سمعا وبصَرا.
وَقالَ الفراء إذا تلِي عَلَيْهِم القُرْآن لم يقعدوا على حالهم الأولى كَأنَّهم لم يسمعوه فَذَلِك الخرور وسمعت العَرَب تَقول قعد يَشْتمنِي كَقَوْلِك قامَ يَشْتمنِي وأقْبل يَشْتمنِي
والمعْنى على ما ذكر لم يصيروا عِنْدها صمًّا وعميانا
وَقالَ الزّجاج المَعْنى إذا تليت عَلَيْهِم خروا سجدا وبكيا سامِعين مبصرين كَما أمروا بِهِ.
وَقالَ ابْن قُتَيْبَة أي لم يتغافلوا عَنْها كَأنَّهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها.
قلت هاهُنا أمْرانِ ذكر الخرور وتسليط النَّفْي عَلَيْهِ وهل هو خرور القلب أو خرور البدن للسُّجُود؟
وهل المعنى: لم يكن خرورهم عَن صمم وعَمه، فَلهم عَلَيْها خرورا بِالقَلْبِ خضوعا أو بِالبدنِ سجودا؟
أو لَيْسَ هُناكَ خرور وعبر بِهِ عَن القعُود.
25:74Page 366
وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤
And those who say, "Our Lord, grant us from among our wives and offspring comfort to our eyes1 and make us a leader [i.e., example] for the righteous."
وَقالَ سعيد بن مَنصُور حَدثنا حزم قالَ سَمِعت الحسن وسَألَهُ كثير ابْن زِياد عَن قَوْله تَعالى ﴿رَبنا هَب لنا من أزواجنا وذُرِّيّاتنا قُرَّة أعين﴾
فَقالَ يا أبا سعيد ما هَذِه القرة الأعْين أفِي الدُّنْيا أم في الآخِرَة؟
قالَ لا بل والله في الدُّنْيا.
قالَ وما هِيَ؟
قالَ والله أن يري الله العَبْد من زَوجته من أخِيه من حميمه طاعَة الله، لا والله ما شَيْء أحب إلى المَرْء المُسلم من أن يرى ولدا أو والدا أو حميما أو أخا مُطيعًا لله عز وجل.
قوله تعالى: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾
وَإمامٌ بِمَعْنى قُدْوَةٍ، وهو يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والجَمْعِ كالأُمَّةِ والأُسْوَةِ.
وَقَدْ قِيلَ: هو جَمْعُ آمِمٍ كَصاحِبِ وصِحابٍ وراجِلٍ ورِجالٍ وتاجِرٍ وتُجّارٍ.
وَقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَقِتالٍ وضِرابٍ، أيْ ذَوِي إمامٍ.
والصَّوابُ الوَجْهُ الأوَّلُ، فَكُلُّ مَن كانَ مِن المُتَّقِينَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَأْتَمَّ بِهِمْ، والتَّقْوى واجِبَةٌ، والِائْتِمامُ بِهِمْ واجِبٌ، ومُخالَفَتُهم فِيما أفْتَوْا بِهِ مُخالِفٌ لِلِائْتِمامِ بِهِمْ.
(فصل)
وَقد أثنى الله سُبْحانَهُ على عباده المُؤمنِينَ الَّذين يسألونه أن يجعلهم أئِمَّة يهتدى بهم فَقالَ تَعالى في صِفات عباده ﴿والَّذين يَقُولُونَ رَبنا هَب لنا من أزواجنا وذُرِّيّاتنا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إمامًا﴾
قالَ ابْن عَبّاس يهتدى بِنا في الخَيْر وقالَ أبُو صالح يقْتَدى بهدانا.
وَقالَ مَكْحُول أئِمَّة في التَّقْوى يَقْتَدِي بِنا المتقون.
وَقالَ مُجاهِد اجْعَلْنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم وأشكل هَذا التَّفْسِير على من لم يعرف قدر فهم السّلف وعمق علمهمْ وقالَ يجب أن تكون الآيَة على هَذا القَوْل من باب المقلوب على تَقْدِير واجعَل المُتَّقِينَ لنا أئِمَّة ومعاذ الله أن يكون شَيْء مقلوبا على وجهه وهَذا من تَمام فهم مُجاهِد رَحمَه الله فَإنَّهُ لا يكون الرجل إمامًا لِلْمُتقين حَتّى يأتم بالمتقين فنبه مُجاهِد على هَذا الوَجْه الَّذِي ينالون بِهِ هَذا المَطْلُوب وهو اقتداؤهم بالسلف المُتَّقِينَ من قبلهم فيجعلهم الله أئِمَّة لِلْمُتقين من بعدهمْ وهَذا من أحسن الفَهم في القُرْآن وألطفه لَيْسَ من باب القلب في شَيْء فَمن ائتم بِأهْل السّنة قبله ائتم بِهِ من بعده ومن مَعَه.
ووحد سُبْحانَهُ لفظ ﴿إمامًا﴾ ولم يقل واجعلنا لِلْمُتقين أئِمَّة فَقيل الإمام في الآيَة جمع آم نَحْو صاحب وصحاب وهَذا قَول الأخْفَش وفِيه بعد ولَيْسَ هو من اللُّغَة المَشْهُورَة المستعملة المَعْرُوفَة حَتّى يُفَسر بها كَلام الله.
وَقالَ آخَرُونَ الإمام هُنا مصدر لا اسْم يُقال أم إمامًا نَحْو صامَ صياما وقامَ قياما أي اجْعَلْنا ذَوي إمام وهَذا أضْعَف من الَّذِي قبله وقالَ الفراء إنَّما قالَ ﴿إمامًا﴾ ولم يقل أئِمَّة على نَحْو قَوْله ﴿إنّا رَسُول رب العالمين﴾ ولم يقل رَسُولا وهو من الواحِد المُراد بِهِ الجمع لقَوْل الشّاعِر
؎(يا عاذلاتي لا تردن ملامتي ∗∗∗ إن العواذل لَيْسَ لي بأمير)
أي لَيْسَ لي بأمراء
وَهَذا أحسن الأقْوال غير أنه يحْتاج إلى مزِيد بَيان وهو أن المُتَّقِينَ كلهم على طَرِيق واحِد ومعبودهم واحِد وأتْباع كتاب واحِد ونَبِي واحِد وعبيد رب واحِد فدينهم واحِد ونبيهم واحِد وكتابهم واحِد ومعبودهم واحِد فكأنهم كلهم إمام واحِد لمن بعدهمْ ليسو كالأئمة المُخْتَلِفين الَّذين قد اخْتلفت طرائقهم ومذاهبهم وعقائدهم فالائتمام إنَّما هو بماهم عَلَيْهِ وهو شَيْء واحِد وهو الإمام في الحَقِيقَة
وَقد أخبر سُبْحانَهُ أن هَذِه الإمامَة إنَّما تنال بِالصبرِ واليَقِين فَقالَ تَعالى ﴿وَجَعَلنا مِنهُم أئِمَّة يهْدُونَ بأمرنا لما صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يوقنون﴾
فبالصبر واليَقِين تنال الإمامَة في الدّين
فَقيل بِالصبرِ عَن الدُّنْيا
وَقيل بِالصبرِ على البلاء
وَقيل بِالصبرِ عَن المناهي والصَّواب أنه بِالصبرِ عَن ذَلِك كُله بِالصبرِ على أداء فَرائض الله والصَّبْر عَن مَحارمه والصَّبْر على أقداره.
وَجمع سُبْحانَهُ بَين الصَّبْر واليَقِين إذْ هما سَعادَة العَبْد وفقدهما يفقده سعادته فَإن القلب تطرقه طوارق الشَّهَوات المُخالفَة لأمر الله وطوارق الشُّبُهات المُخالفَة لخبره فبالصبر يدْفع الشَّهَوات وباليقين يدْفع الشُّبُهات فَإن الشَّهْوَة والشبهة مضادتان للدّين من كل وجه فَلا ينجو من عَذاب الله إلّا من دفع شهواته بِالصبرِ وشبهاته بِاليَقِينِ.
[فصل: الفرق بين حب الرئاسة وحب الإمارة]
والفرق بين حب الرئاسة وحب الإمارة للدعوة إلى اللّه هو الفرق بين تعظيم أمر اللّه والنصح له وتعظيم النفس والسعي في حظها فإن الناصح اللّه المعظم له والمحب له يحب أن يطاع ربه فلا يعصى وأن تكون كلمته هي العليا وأن يكون الدين كله للّه وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه فقد ناصح اللّه في عبوديته وناصح خلقه في الدعوة إلى اللّه فهو الإمامة في الدين بل يسأله ربه أن يجعله للمتقين إماما يقتدي به المتقون كما اقتدى هو بالمتقين فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى اللّه أن يكون في أعينهم جليلا وفي قلوبهم مهيبا وإليهم حبيبا وأن يكون فيهم مطاعا لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول على يده لم يضره ذلك بل يحمد عليه لأنه داع إلى اللّه يحب أن يطاع ويعبد ويوحد فهو يحب ما يكون عونا على ذلك موصلا إليه ولهذا ذكر سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه وأثنى عليهم في تنزيله وأحسن جزاءهم يوم لقائه فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم ثم قال: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾
فسألوه أن يقر أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة فإنما سألوه ما يعانون به المتقين على مرضاته وطاعته وهو دعوتهم إلى اللّه بالإمامة في الدين التي أساء بها الصبر واليقين كما قال تعالى: ﴿وجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾
وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم ويوفقهم ويمن عليهم بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة ظاهرا وباطنا التي لا تتم الإمامة إلا بها.
وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن جل جلاله ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضل رحمته ومحض وجوده ومنته.
وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف وهي المنازل العالية في الجنة لما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية بل من أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة.
وهذا بخلاف طلب الرئاسة فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم، فترتب على هذا المطلب من المفاسد ما لا يعلمه إلا اللّه من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس دون حق اللّه وتعظيم من حقره اللّه، واحتقار من أكرمه اللّه.
ولا تتم الرئاسة الدنيوية إلا بذلك، ولا تنال إلا به وبأضعافه من المفاسد، والرؤساء في عمى عن هذا.
فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه، ولا سيما إذا حشروا في صور الذر يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيرا وتصغيرا كما صغروا أمر اللّه وحقروا عباده.
25:75Page 366
أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥
Those will be awarded the Chamber1 for what they patiently endured, and they will be received therein with greetings and [words of] peace,
والغرفة: جنس كالجنة، وتأمل كيف جزاءهم على هذه الأقوال المتضمنة للخضوع والذل والاستكانة لله الغرفة والتحتية والسلام في مقابلة صبرهم على سوء خطاب الجاهلين لهم فبدلوا بذلك سلام الله وملائكته عليهم.
(فصل)
قال محمد بن على بن الحسين (الغرفة) الجنة (بما صبروا) قال على الفقر في الدنيا.
وروى أنس عن النبي: "قال اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة "
فقالت عائشة ولم يا رسول الله؟
قال إنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين خريفا، يا عائشة لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة أحبي المساكين وقربيهم فإن الله يقربك يوم القيامة"
قلت لا حجة له في واحدة من الحجتين.
أما الآية فالصبر فيها يتناول صبر الشاكر على طاعته وصبره عن مصيبته، وصبر المبتلى بالفقر وغيره على بلائه، ولو كان المراد بها الصبر على الفقر وحده لم يدل رجحانه على الشكر، فإن القرآن كما دل على جزاء الصابرين دل على جزاء الشاكرين أيضا كما قال تعالى ﴿وسنجزي الشاكرين﴾ ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾
بل قد أخبر أن رضاه في الشكر ورضاه أكبر من جزائه بالجنات وما فيها وإذا جزى الله الصابرين الغرفة بما صبروا لم يدل ذلك على أنه لا يجزي الشاكرين الغرفة بما شكروا.
وأما الحديث فلا حجة فيه لوجهين:
أحدهما أنه لا يحتج بإسناده فإنه من رواية محمد بن ثابت الكوفي عن الحارث بن النعمان والحارث هذا لم يحتج به أصحاب الصحيح بل قال فيه البخاري منكر الحديث، ولذلك لم يصحح الترمذي حديثه هذا ولا حسنه ولا سكت عنه بل حكم بغرابته.
الجواب الثاني: إن الحديث لو صح لم يدل على مطلوبهم فإن المسكنة التي يحبها الله من عبده ليست فقر المال بل مسكنة القلب وهي انكساره وذله وخشوعه وتواضعه لله، وهذه المسكنة لا تنافي الغنى، ولا يشترط لها الفقر فإن انكسار القلب لله ومسكنته لعظمته وجلاله وكبريائه وأسمائه وصفاته أفضل وأعلى من مسكنة عدم المال، كما أن صبر الواجد عن معاصي الله طوعا واختيارا وخشية من الله ومحبة له أعلى من صبر الفقير العاجز، وقد آتى الله جماعة من أنبيائه ورسله الغنى والملك ولم يخرجهم ذلك عن المسكنة لله.
25:76Page 366
خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٧٦
Abiding eternally therein. Good is the settlement and residence.
No commentary for this ayah
25:77Page 366
قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا ٧٧
Say, "What would my Lord care for you if not for your supplication?"1 For you [disbelievers] have denied, so it [i.e., your denial] is going to be adherent.2
وَأصَح الأقْوال في الآيَة أن مَعْناها ما يصنع بكم رَبِّي لَوْلا عبادتكم إيّاه فَهو سُبْحانَهُ لم يخلقكم إلّا لعبادته.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences