Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:54–64
27:54Page 381
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٥٤
And [mention] Lot, when he said to his people, "Do you commit immorality1 while you are seeing?2
No commentary for this ayah
27:55Page 381
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ٥٥
Do you indeed approach men with desire instead of women? Rather, you are a people behaving ignorantly."
No commentary for this ayah
27:56Page 382
۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٥٦
But the answer of his people was not except that they said, "Expel the family of Lot from your city. Indeed, they are people who keep themselves pure."
No commentary for this ayah
27:57Page 382
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَٰهَا مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٥٧
So We saved him and his family, except for his wife; We destined her to be of those who remained behind.
No commentary for this ayah
27:58Page 382
وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٥٨
And We rained upon them a rain [of stones], and evil was the rain of those who were warned.
No commentary for this ayah
27:59Page 382
قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ ٥٩
Say, [O Muḥammad], "Praise be to Allāh, and peace upon His servants whom He has chosen. Is Allāh better or what they associate with Him?"
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي مالِكٍ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعالى ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾ [فاطر: ٣٢]
وَحَقِيقَةُ الِاصْطِفاءِ: افْتِعالٌ مِن التَّصْفِيَةِ، فَيَكُونُ قَدْ صَفّاهم مِن الأكْدارِ، والخَطَأُ مِن الأكْدارِ، فَيَكُونُونَ مُصَفَّيْنِ مِنهُ، ولا يُنْتَقَضُ هَذا بِما إذا اخْتَلَفُوا لِأنَّ الحَقَّ لَمْ يَعْدُهُمْ، فَلا يَكُونُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ كَدَرًا؛ لِأنَّ مُخالَفَتَهُ الكَدَرَ، وبَيانَهُ يُزِيلُ كَوْنَهُ كَدَرًا بِخِلافِ ما إذا قالَ بَعْضُهم قَوْلًا ولا يُخالِفُ فِيهِ فَلَوْ كانَ قَوْلًا باطِلًا، ولَمْ يَرُدَّهُ رادٌّ لَكانَ حَقِيقَةَ الكَدَرِ، وهَذا لِأنَّ خِلافَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِمَنزِلَةِ مُتابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أُمُورِهِ، فَإنَّها لا تُخْرِجُهُ عَنْ حَقِيقَةِ الِاصْطِفاءِ.
(مسألة)
قوله تعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ هل السلام من الله تعالى فيكون المأمور به الحمد والوقف التام عليه أو هو داخل في القول والأمر بهما جميعا؟
فالجواب عنه أن الكلام يحتمل الأمرين ويشهد لكل منهما ضرب من الترجيح فيرجح كونه داخلا في جملة القول بأمور منها اتصاله به وعطفه عليه من غير فاصل وهذا يقتضي أن يكون فعل القول واقعا على كل واحد منهما هذا هو الأصل ما لم يمنع منه مانع ولهذا إذا قلت الحمد لله وسبحان الله فإن التسبيح هنا داخل في المقول ومنها أنه إذا كان معطوفا على المقول كان عطف خبر على خبر وهو الأصل ولو كان منقطعا عنه كان عطفا على جملة الطلب وليس بالحسن عطف الخبر على الطلب
ومنها أن قوله: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ ظاهر في أن المسلم هو القائل الحمد لله ولهذا أتى بالضمير بلفظ الغيبة ولم يقل سلام على عبادي ويشهد لكون السلام من الله تعالى أمور أحدها: مطابقته لنظائره في القرآن من سلامه تعالى بنفسه على عباده الذين اصطفى كقوله سلام على نوح في العالمين سلام على إبراهيم سلام على موسى وهارون سلام على آل ياسين.
ومنها أن عباده الذين اصطفى هم المرسلون والله سبحانه يقرن بين تسبيحه لنفسه وسلامه عليهم وبين حمده لنفسه وسلامه عليهم أما الأول فقال تعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ﴾
وقد ذكر تنزيهه لنفسه عما لا يليق بجلاله ثم سلامه على رسله وفي اقتران السلام عليهم بتسبيحه لنفسه سر عظيم من أسرار القرآن يتضمن الرد على كل مبطل ومبتدع فإنه نزه نفسه تنزيها مطلقا كما نزه نفسه عما يقول خلقه فيه ثم سلم على المرسلين وهذا يقتضي سلامتهم من كل ما يقول المكذبون لهم المخالفون لهم وإذا سلموا من كل ما رماهم به أعداؤهم لزم سلامة كل ما جاءوا به من الكذب والفساد وأعظم ما جاءوا به التوحيد ومعرفة الله ووصفه بما يليق بجلاله مما وصف به نفسه على ألسنتهم وإذا سلم ذلك من الكذب والمحال والفساد فهو الحق المحض وما خالفه هو الباطل والكذب المحال وهذا المعنى بعينه في قوله: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾
فإنه يتضمن حمده بما له من نعوت الكمال وأوصاف الجلال والأفعال الحميدة والأسماء الحسنى وسلامة رسله من كل عيب ونقص وكذب وذلك يتضمن سلامة ما جاءوا به من كل باطل فتأمل هذا السر في اقتران السلام على رسله بحمده وتسبيحه فهذا يشهد لكون السلام هنا من الله تعالى كما هو في آخر الصافات وأما عطف الخبر على الطلب فما أكثره فمنه قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ﴾ وقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ وقوله: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ ونظائره كثيرة جدا.
وفصل الخطاب: في ذلك أن يقال الآية تتضمن الأمرين جميعا وتنتظمهما انتظاما واحدا فإن الرسول هو المبلغ عن الله كلامه وليس فيه إلا البلاغ والكلام كلام الرب تبارك وتعالى فهو الذي حمد نفسه وسلم على عباده وأمر رسوله بتبليغ ذلك فإذا قال الرسول الحمد لله وسلام على عباده الذي اصطفى كان قد حمد الله وسلم على عباده بما حمد به نفسه وسلم به هو على عباده فهو سلام من الله ابتداء ومن المبلغ بلاغا ومن العباد اقتداء وطاعة فنحن نقول كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فهو توحيد منه لنفسه وأمر للمخاطب بتوحيده فإذا قال العبد ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ كان قد وحد الله بما وحد به نفسه وأتى بلفظة قل تحقيقا لهذا المعنى وأنه مبلغ محض قائل لما أمر بقوله والله أعلم.
وهذا بخلاف قوله: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فإن هذا أمر محض بإنشاء الاستعاذة لا تبليغ لقوله: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ﴾ فإن الله لا يستعيذ من أحد وذلك عليه محال بخلاف قوله: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فإنه خبر عن توحيده وهو سبحانه يخبر عن نفسه بأنه الواحد الأحد فتأمل هذه النكتة البديعة. والله المستعان.
وقال في (طريق الهجرتين)
قوله تعالى: ﴿قُلِ الحَمْدُ للهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾
وكلمة "السلام" هنا تحتمل أن تكون داخلة في حيز القول، فتكون معطوفة على الجملة الخبرية وهي "الحمد لله"، ويكون الأمر بالقول متناولًا للجملتين معًا، وعلى هذا فيكون الوقف على الجملة الأخيرة ويكون محلها النصب محكية بالقول، ويحتمل أن تكون جملة مستأنفة مستقلة معطوفة على جملة الطلب، وعلى هذا فلا محل لها من الإعراب.
وهذا التقدير أرجح، وعليه يكون السلام من الله عليهم، وهو المطابق لما تقدم من سلامه سبحانه وتعالى على رسله عليهم السلام.
وعلى التقدير الأول يكون أمرَ بالسلام عليهم، ولكن يقال على هذا: كيف يعطف الخبر على الطلب مع تنافر ما بينهما؟ فلا يحسن أن يقال: قم وذهب زيد، ولا: اخرج وقعد وعمرو، أو يجاب على هذا بأن جملة الطلب قد حكيت بجملة خبرية، ومع هذا لا يمتنع العطف فيه بالخبر على الجملة الطلبية لعدم تنافر الكلام فيه وتباينه.
وهذا نظير قوله تعالى: ﴿قُلْ انْظرُوا ماذا في السَّمَواتِ والأرْضِ، وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]، فقوله تعالى: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ) ليس معطوفًا على القول وهو (انظروا) بل معطوف على الجملة الكبرى، على أن عطف الخبر على الطلب كثير كقوله تعالى: {قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ ورَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٢]
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨] والمقصود أنه على هذا القول يكون الله سبحانه وتعالى قد سلم على المصطفين من عباده، والرسل أفضلهم، وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه أخلصهم: ﴿بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ وإنَّهم عِنْدَنا لِمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾ [ص: ٤٦-٤٧]
ويكفي في فضلهم وشرفهم أن الله سبحانه وتعالى اختصهم بوحيه، وجعلهم أمناءَ على رسالته وواسطة بينه وبين عباده، وخصهم بأنواع كراماته: فمنهم من اتخذه خليلًا، ومنهم من كلمه تكليمًا، ومنهم من رفعه مكانًا عليًا على سائرهم درجات، ولم يجعل لعباده وصولًا إليه إلا من طريقهم، ولا دخول إلى جنته إلا خلفهم، ولم يكرم أحدًا منهم بكرامة إلا على أيديهم، فهم أقرب الخلق إليه وسيلة، وأرفعهم عنده درجة، وأحبهم إليه وأكرمهم عليه.
وبالجملة فخير الدنيا والآخرة إنما ناله العباد على أيديهم، وبهم عرف الله، وبهم عبد وأُطيع، وبهم حصلت محابه الله تعالى في الأرض.
27:60Page 382
أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ ٦٠
[More precisely], is He [not best] who created the heavens and the earth and sent down for you rain from the sky, causing to grow thereby gardens of joyful beauty which you could not [otherwise] have grown the trees thereof? Is there a deity with Allāh?1 [No], but they are a people who ascribe equals [to Him].
[فَصْلٌ]
قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّمْلِ ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ - أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾
إلى آخِرِ الآياتِ.
يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ مَن فَعَلَ لَهم هَذا وحْدَهُ فَهو الإلَهُ لَهم وحْدَهُ، فَإنْ كانَ مَعَهُ رَبٌّ فَعَلَ هَذا فَيَنْبَغِي أنْ تَعْبُدُوهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَبٌّ فَعَلَ هَذا فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ؟
وَلِهَذا كانَ الصَّحِيحُ مِنَ القَوْلَيْنِ في تَقْدِيرِ الآيَةِ أإلَهٌ مَعَ اللَّهِ فَعَلَ هَذا؟ حَتّى يَتِمَّ الدَّلِيلُ، فَلا بُدَّ مِنَ الجَوابِ بِلا، فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلَهٌ فَعَلَ كَفِعْلِهِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ آلِهَةً أُخْرى سِواهُ؟ فَعُلِمَ أنَّ إلَهِيَّةَ ما سِواهُ باطِلَةٌ، كَما أنَّ رُبُوبِيَّةَ ما سِواهُ باطِلَةٌ بِإقْرارِهِمْ وشَهادَتِكم.
وَمَن قالَ: المَعْنى هَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهٌ آخَرُ؟ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى " فَعَلَ هَذا " فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِوَجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: مَعَ اللَّهِ آلِهَةٌ أُخْرى، ولا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّهُ لا يَتِمُّ الدَّلِيلُ، ولا يَحْصُلُ إفْحامُهم وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ إلّا بِهَذا التَّقْدِيرِ أيْ فَإذا كُنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهو عاجِزٌ؟ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] وقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وبِهِ تَتِمُّ الحُجَّةُ كَما تَبَيَّنَ.
والمَقْصُودُ أنَّ العَبْدَ يَحْصُلُ لَهُ هَذا في المَشْهَدِ مِن مُطالَعَةِ الجِناياتِ والذُّنُوبِ، وجَرَيانِها عَلَيْهِ وعَلى الخَلِيقَةِ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، وأنَّهُ لا عاصِمَ مِن غَضَبِهِ وأسْبابِ سَخَطِهِ إلّا هُوَ، ولا سَبِيلَ إلى طاعَتِهِ إلّا بِمَعُونَتِهِ، ولا وُصُولَ إلى مَرْضاتِهِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ، فَمَوارِدُ الأُمُورِ كُلُّها مِنهُ، ومَصادِرُها إلَيْهِ، وأزِمَّةُ التَّوْفِيقِ جَمِيعُها بِيَدَيْهِ فَلا مُسْتَعانَ لِلْعِبادِ إلّا بِهِ، ولا مُتَّكَلَ إلّا عَلَيْهِ، كَما قالَ شُعَيْبٌ خَطِيبُ الأنْبِياءِ ﴿وَما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
((الجزء الثاني عشر))
27:61Page 382
أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٦١
Is He [not best] who made the earth a stable ground and placed within it rivers and made for it firmly set mountains and placed between the two seas a barrier? Is there a deity with Allāh? [No], but most of them do not know.
No commentary for this ayah
27:62Page 382
أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٦٢
Is He [not best] who responds to the desperate one when he calls upon Him and removes evil and makes you inheritors of the earth?1 Is there a deity with Allāh? Little do you remember.
[فَصْلٌ: الدُّعاءُ مِن أنْفَعِ الأدْوِيَةِ]
والدُّعاءُ مِن أنْفَعِ الأدْوِيَةِ، وهو عَدُوُّ البَلاءِ، يَدْفَعُهُ، ويُعالِجُهُ، ويَمْنَعُ نُزُولَهُ، ويَرْفَعُهُ، أوْ يُخَفِّفُهُ إذا نَزَلَ، وهو سِلاحُ المُؤْمِنِ.
كَما رَوى الحاكِمُ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الدُّعاءُ سِلاحُ المُؤْمِنِ، وعِمادُ الدِّينِ، ونُورُ السَّماواتِ والأرْضِ».
لِلدُّعاءِ مَعَ البَلاءِ مَقاماتٌ.
وَلَهُ مَعَ البَلاءِ ثَلاثُ مَقاماتٍ:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ أقْوى مِنَ البَلاءِ فَيَدْفَعُهُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ أضْعَفَ مِنَ البَلاءِ فَيَقْوى عَلَيْهِ البَلاءُ، فَيُصابُ بِهِ العَبْدُ، ولَكِنْ قَدْ يُخَفِّفُهُ، وإنْ كانَ ضَعِيفًا.
الثّالِثُ: أنْ يَتَقاوَما ويَمْنَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ.
وَقَدْ رَوى الحاكِمُ في صَحِيحِهِ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُغْنِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ، والدُّعاءُ يَنْفَعُ مِمّا نَزَلَ ومِمّا لَمْ يَنْزِلْ، وإنَّ البَلاءَ لَيَنْزِلُ فَيَلْقاهُ الدُّعاءُ فَيَعْتَلِجانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ».
وَفِيهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الدُّعاءُ يَنْفَعُ مِمّا نَزَلَ ومِمّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكم عِبادَ اللَّهِ بِالدُّعاءِ».
وَفِيهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لا يَرُدُّ القَدَرَ إلّا الدُّعاءُ، ولا يَزِيدُ في العُمُرِ إلّا البِرُّ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ».
[فَصْلٌ: الإلْحاحُ في الدُّعاءِ]
وَمِن أنْفَعِ الأدْوِيَةِ: الإلْحاحُ في الدُّعاءِ.
وَقَدْ رَوى ابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن لَمْ يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ».
وَفِي صَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَعْجِزُوا في الدُّعاءِ فَإنَّهُ لا يَهْلِكُ مَعَ الدُّعاءِ أحَدٌ».
وَذَكَرَ الأوْزاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعاءِ».
وَفِي كِتابِ الزُّهْدِ لِلْإمامِ أحْمَدَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ مُوَرِّقٌ: ما وجَدْتُ لِلْمُؤْمِنِ مَثَلًا إلّا رَجُلٌ في البَحْرِ عَلى خَشَبَةٍ، فَهو يَدْعُو: يا رَبِّ يا رَبِّ لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُنْجِيَهُ.
[فَصْلٌ: مِن آفاتِ الدُّعاءِ]
وَمِنَ الآفاتِ الَّتِي تَمْنَعُ تَرَتُّبَ أثَرِ الدُّعاءِ عَلَيْهِ: أنْ يَسْتَعْجِلَ العَبْدُ، ويَسْتَبْطِئَ الإجابَةَ، فَيَسْتَحْسِرُ ويَدَعُ الدُّعاءَ، وهو بِمَنزِلَةِ مَن بَذَرَ بَذْرًا أوْ غَرَسَ غَرْسًا، فَجَعَلَ يَتَعاهَدُهُ ويَسْقِيهِ، فَلَمّا اسْتَبْطَأ كَمالَهُ وإدْراكَهُ تَرَكَهُ وأهْمَلَهُ.
وَفِي البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ: «لا يَزالُ يُسْتَجابُ لِلْعَبْدِ، ما لَمْ يَدْعُ بِإثْمٍ أوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ما لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما الِاسْتِعْجالُ؟ قالَ يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أرَ يُسْتَجابُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ ويَدَعُ الدُّعاءَ».
وَفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَزالُ العَبْدُ بِخَيْرٍ ما لَمْ يَسْتَعْجِلْ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْتَعْجِلُ؟ قالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي».
[فَصْلٌ: أوْقاتُ الإجابَةِ]
وَإذا جَمَعَ مَعَ الدُّعاءِ حُضُورَ القَلْبِ وجَمْعِيَّتَهُ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى المَطْلُوبِ، وصادَفَ وقْتًا مِن أوْقاتِ الإجابَةِ السِّتَّةِ، وهِيَ:
الثُّلُثُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، وعِنْدَ الأذانِ، وبَيْنَ الأذانِ والإقامَةِ، وأدْبارُ الصَّلَواتِ المَكْتُوباتِ، وعِنْدَ صُعُودِ الإمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلى المِنبَرِ حَتّى تُقْضى الصَّلاةُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، وآخِرُ ساعَةٍ بَعْدَ العَصْرِ.
وَصادَفَ خُشُوعًا في القَلْبِ، وانْكِسارًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وذُلًّا لَهُ، وتَضَرُّعًا، ورِقَّةً.
واسْتَقْبَلَ الدّاعِي القِبْلَةَ.
وَكانَ عَلى طَهارَةٍ.
وَرَفَعَ يَدَيْهِ إلى اللَّهِ.
وَبَدَأ بِحَمْدِ اللَّهِ والثَّناءِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ ثَنّى بِالصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ ﷺ.
ثُمَّ قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ حاجَتِهِ التَّوْبَةَ والِاسْتِغْفارَ.
ثُمَّ دَخَلَ عَلى اللَّهِ، وألَحَّ عَلَيْهِ في المَسْألَةِ، وتَمَلَّقَهُ ودَعاهُ رَغْبَةً ورَهْبَةً.
وَتَوَسَّلَ إلَيْهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وتَوْحِيدِهِ.
وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ دُعائِهِ صَدَقَةً، فَإنَّ هَذا الدُّعاءَ لا يَكادُ يُرَدُّ أبَدًا، ولا سِيَّما إنْ صادَفَ الأدْعِيَةَ الَّتِي أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّها مَظَنَّةُ الإجابَةِ، أوْ أنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِلِاسْمِ الأعْظَمِ.
أدْعِيَةٌ مَأْثُورَةٌ
فَمِنها ما في السُّنَنِ (وَفِي) صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنِّي أشْهَدُ أنَّكَ أنْتَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ، فَقالَ: لَقَدْ سَألَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إذا سُئِلَ بِهِ أعْطى، وإذا دُعِيَ بِهِ أجابَ وفي لَفْظٍ: لَقَدْ سَألْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ».
وَفِي السُّنَنِ وصَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ أيْضًا مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنَّهُ كانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جالِسًا ورَجُلٌ يُصَلِّي، ثُمَّ دَعا فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِأنَّ لَكَ الحَمْدَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ المَنّانُ بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ، يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، يا حَيُّ يا قَيُّومُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ دَعا اللَّهَ بِاسْمِهِ العَظِيمِ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعْطى».
أخْرَجَ الحَدِيثَيْنِ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ، مِن حَدِيثِ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].
وَفاتِحَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿الم - اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾،» قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ وصَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ ورَبِيعَةَ بْنِ عامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ألِظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ» - يَعْنِي: تَعَلَّقُوا بِها والزَمُوا وداوِمُوا عَلَيْها.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا أهَمَّهُ الأمْرُ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ، وإذا اجْتَهَدَ في الدُّعاءِ، قالَ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ».
وَفِيهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ قالَ: يا حَيُّ يا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ».
وَفِي صَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في ثَلاثِ سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ: البَقَرَةِ، وآلِ عِمْرانَ، وطَهَ، قالَ القاسِمُ: فالتَمَسْتُها فَإذا هي آيَةُ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ)﴾».
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ وصَحِيحِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ، إذْ دَعا وهو في بَطْنِ الحُوتِ " ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] إنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِها مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا اسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ أيْضًا مِن حَدِيثِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ألا أُخْبِرُكم بِشَيْءٍ إذا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنكم أمْرٌ مُهِمٌّ، فَدَعا بِهِ يُفَرِّجُ اللَّهُ عَنْهُ؟ دُعاءُ ذِي النُّونِ».
وَفِي صَحِيحِهِ أيْضًا عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَقُولُ: «هَلْ أدُلُّكم عَلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ؟ دُعاءِ يُونُسَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ كانَ لِيُونُسَ خاصَّةً؟ فَقالَ ألا تَسْمَعُ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ونَجَّيْناهُ مِنَ الغَمِّ وكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨] فَأيُّما مُسْلِمٍ دَعا بِها في مَرَضِهِ أرْبَعِينَ مَرَّةً فَماتَ في مَرَضِهِ ذَلِكَ أُعْطِيَ أجْرَ شَهِيدٍ، وإنْ بَرِئَ بَرِئَ مَغْفُورًا لَهُ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، ورَبُّ الأرْضِ، ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ.
» وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَزَلَ بِي كَرْبٌ أنْ أقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، سُبْحانَ اللَّهِ وتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ».
وَفِي مَسْنَدِهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أصابَ أحَدًا قَطُّ هَمٌّ ولا حُزْنٌ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ اللَّهُمَّ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجِلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي؛ إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وحُزْنَهُ، وأبْدَلَهُ مَكانَهُ فَرَحًا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا نَتَعَلَّمُها؟ قالَ: بَلى يَنْبَغِي لِمَن سَمِعَها أنْ يَتَعَلَّمَها».
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما كَرَبَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ، إلّا اسْتَغاثَ بِالتَّسْبِيحِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ المُجابِينَ، وفي الدُّعاءِ عَنِ الحَسَنِ، قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الأنْصارِ يُكَنّى أبا مُعَلَّقٍ وكانَ تاجِرًا يَتَّجِرُ بِمالٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ، يَضْرِبُ بِهِ في الآفاقِ، وكانَ ناسِكًا ورِعًا، فَخَرَجَ مَرَّةً فَلَقِيَهُ لِصٌّ مُقَنَّعٌ في السِّلاحِ، فَقالَ لَهُ: ضَعْ ما مَعَكَ فَإنِّي قاتِلُكَ، قالَ: فَما تُرِيدُهُ مِن دَمِي؟ شَأْنُكَ بِالمالِ، قالَ: أمّا المالُ فَلِي، ولَسْتُ أُرِيدُ إلّا دَمَكَ، قالَ: أما إذا أبَيْتَ فَذَرْنِي أُصَلِّي أرْبَعَ رَكَعاتٍ، قالَ صَلِّ ما بَدا لَكَ، فَتَوَضَّأ ثُمَّ صَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، فَكانَ مِن دُعائِهِ في آخِرِ سُجُودِهِ أنْ قالَ: يا ودُودُ يا ودُودُ، يا ذا العَرْشِ المَجِيدِ، يا فَعّالًا لِما تُرِيدُ، أسْألُكَ بِعِزِّكَ الَّذِي لا يُرامُ، وبِمُلْكِكَ الَّذِي لا يُضامُ، وبِنُورِكَ الَّذِي مَلَأ أرْكانَ عَرْشِكَ أنْ تَكْفِيَنِي شَرَّ هَذا اللِّصِّ، يا مُغِيثُ أغِثْنِي، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَإذا هو بِفارِسٍ قَدْ أقْبَلَ بِيَدِهِ حَرْبَةٌ قَدْ وضَعَها بَيْنَ أُذُنَيْ فَرَسِهِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ اللِّصُّ أقْبَلَ نَحْوَهُ، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ إلَيْهِ، فَقالَ: قُمْ، فَقالَ: مَن أنْتَ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي؟ فَقَدْ أغاثَنِي اللَّهُ بِكَ اليَوْمَ، فَقالَ: أنا مَلَكٌ مِن أهْلِ السَّماءِ الرّابِعَةِ، دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الأوَّلِ فَسَمِعْتُ لِأبْوابِ السَّماءِ قَعْقَعَةً، ثُمَّ دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الثّانِي، فَسَمِعْتُ لِأهْلِ السَّماءِ ضَجَّةً، ثُمَّ دَعَوْتَ بِدُعائِكَ الثّالِثِ، فَقِيلَ لِي: دُعاءُ مَكْرُوبٍ فَسَألْتُ اللَّهَ أنْ يُوَلِّيَنِي قَتْلَهُ، قالَ الحَسَنُ: فَمَن تَوَضَّأ وصَلّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ودَعا بِهَذا الدُّعاءِ، اسْتُجِيبَ لَهُ، مَكْرُوبًا كانَ أوْ غَيْرَ مَكْرُوبٍ.
[فَصْلٌ: ظُرُوفُ الدُّعاءِ]
وَكَثِيرًا ما تَجِدُ أدْعِيَةً دَعا بِها قَوْمٌ فاسْتُجِيبَ لَهُمْ، فَيَكُونُ قَدِ اقْتَرَنَ بِالدُّعاءِ ضَرُورَةُ صاحِبِهِ وإقْبالُهُ عَلى اللَّهِ، أوْ حَسَنَةٌ تَقَدَّمَتْ مِنهُ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إجابَةَ دَعْوَتِهِ شُكْرًا لِحَسَنَتِهِ، أوْ صادَفَ وقْتَ إجابَةٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ، فَأُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، فَيَظُنُّ الظّانُّ أنَّ السِّرَّ في لَفْظِ ذَلِكَ الدُّعاءِ فَيَأْخُذُهُ مُجَرَّدًا عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ الَّتِي قارَنَتْهُ مِن ذَلِكَ الدّاعِي، وهَذا كَما إذا اسْتَعْمَلَ رَجُلٌ دَواءً نافِعًا في الوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي اسْتِعْمالُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي، فانْتَفَعَ بِهِ، فَظَنَّ غَيْرُهُ أنَّ اسْتِعْمالَ هَذا الدَّواءِ بِمُجَرَّدِهِ كافٍ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، كانَ غالِطًا، وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ.
وَمِن هَذا قَدْ يَتَّفِقُ دُعاؤُهُ بِاضْطِرارٍ عِنْدَ قَبْرٍ فَيُجابُ، فَيَظُنُّ الجاهِلُ أنَّ السِّرَّ لِلْقَبْرِ، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ السِّرَّ لِلِاضْطِرارِ وصِدْقِ اللُّجْأِ إلى اللَّهِ، فَإذا حَصَلَ ذَلِكَ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ، كانَ أفْضَلَ وأحَبَّ إلى اللَّهِ.
27:63Page 382
أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٣
Is He [not best] who guides you through the darknesses of the land and sea and who sends the winds as good tidings before His mercy? Is there a deity with Allāh? High is Allāh above whatever they associate with Him.
No commentary for this ayah
27:64Page 383
أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦٤
Is He [not best] who begins creation and then repeats it and who provides for you from the heaven and earth? Is there a deity with Allāh? Say, "Produce your proof, if you should be truthful."
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences