Ibn al-QayyimAl-'Ankabut · 29:5–44

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:5–44

29:5Page 396

مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥

Whoever should hope for the meeting with Allāh - indeed, the term [decreed by] Allāh is coming. And He is the Hearing, the Knowing.

في مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ: «أنَّهُ صَلّى صَلاةً فَأوْجَزَ فِيها، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ أما إنِّي دَعَوْتُ فِيها بِدَعْواتٍ كانَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يَدْعُو بِهِنَّ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أحْيِنِي إذا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي، وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ خَشْيَتَكَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا، وأسْألُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنى، وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ، وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ، وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، وأسْألُكَ الشَّوْقَ إلى لِقائِكَ، في غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنّا بِزِينَةِ الإيمانِ، واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِينَ».

وَفِي أثَرٍ آخَرَ: " «طالَ شَوْقُ الأبْرارِ إلى لِقائِي، وأنا إلى لِقائِهِمْ أشَدُّ شَوْقًا» ".

وَهَذا هو المَعْنى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ».

وَقالَ بَعْضُ أهْلِ البَصائِرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].

لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ شِدَّةَ شَوْقِ أوْلِيائِهِ إلى لِقائِهِ، وأنَّ قُلُوبَهم لا تَهْتَدِي دُونَ لِقائِهِ، ضَرَبَ لَهم أجَلًا ومَوْعِدًا لِلِقائِهِ، وتَسْكُنُ نُفُوسُهم بِهِ، وأطْيَبُ العَيْشِ وألَذُّهُ عَلى الإطْلاقِ عَيْشُ المُحِبِّينَ المُشْتاقِينَ المُسْتَأْنِسِينَ، فَحَياتُهم هي الحَياةُ الطَّيِّبَةُ الحَقِيقِيَّةُ، ولا حَياةَ لِلْقَلْبِ

أطْيَبَ ولا أنْعَمَ ولا أهْنَأ مِنها، وهي الحَياةُ الطَّيِّبَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧].

(فصل)

؎يا من شكى شوقه من طول فرقته ∗∗∗ اصبر لعلك تلقى من تحب غدا

؎وسر إليه بنار الشوق مجتهدا ∗∗∗ عساك تلقى على نار الغرام هدى

المحب الصادق كلما قرب من محبوبه زاد شوقا إليه

؎وأعظم ما يكون الشوق يوما ∗∗∗ إذا دنت الخيام من الخيام

كلما وقع بصر المحب على محبوبه أحدثت له رؤيته شوقا على شوقه

؎ما يرجع الطرف عنه حين يبصره ∗∗∗ حتى يعود إليه الطرف مشتاقا

المحب الصادق إذا سافر طرفه في الكون لم يجد له طريقا إلا على محبوبه

فإذا انصرف بصره عنه رجع إليه خاسئا وهو حسير

؎ويسرح طرفي في الأنام وينثني ∗∗∗ وإنسان عيني بالدموع غريق

؎فيرجع مردودا إليك وماله ∗∗∗ على أحد إلا عليك طريق

أقر شيء لعيون المحب خلوته بسره مع محبوبه

حدثني من رأى شيخنا في عنفوان أمره خرج إلى البرية بكرة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم تمثل بقول الشاعر

؎وأخرج من بين البيوت لعلني ∗∗∗ أحدث عنك القلب بالسر خاليا

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الشَّوْقِ]

وَمِن مَنازِلِ " إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ " مَنزِلَةُ الشَّوْقِ

قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥].

قِيلَ: هَذا تَعْزِيَةٌ لِلْمُشْتاقِينَ، وتَسْلِيَةٌ لَهم. أيْ أنا أعْلَمُ أنَّ مَن كانَ يَرْجُو لِقائِي فَهو مُشْتاقٌ إلَيَّ. فَقَدْ أجَّلْتُ لَهُ أجَلًا يَكُونُ عَنْ قَرِيبٍ. فَإنَّهُ آتٍ لا مَحالَةَ. وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.

وَفِيهِ لَطِيفَةٌ أُخْرى. وهي تَعْلِيلُ المُشْتاقِينَ بِرَجاءِ اللِّقاءِ.

؎لَوْلا التَّعَلُّلُ بِالرَّجاءِ لَقُطِّعَتْ ∗∗∗ نَفْسُ المُحِبِّ صَبابَةً وتَشَوُّقًا

؎وَلَقَدْ يَكادُ يَذُوبُ مِنهُ قَلْبُهُ ∗∗∗ مِمّا يُقاسِي حَسْرَةً وتَحَرُّقا

؎حَتّى إذا رَوْحُ الرَّجاءِ أصابَهُ ∗∗∗ سَكَنَ الحَرِيقُ إذا تَعَلَّلَ بِاللِّقا

وَقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في دُعائِهِ

«أسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ، والشَّوْقِ إلى لِقائِكَ».

قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ دائِمَ الشَّوْقِ إلى لِقاءِ اللَّهِ. لَمْ يَسْكُنْ شَوْقُهُ إلى لِقائِهِ قَطُّ. ولَكِنَّ الشَّوْقَ مائَةُ جُزْءٍ. تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ لَهُ. وجُزْءٌ مَقْسُومٌ عَلى الأُمَّةِ.

فَأرادَ ﷺ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الجُزْءُ مُضافًا إلى ما لَهُ مِنَ الشَّوْقِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.

[فَصْلٌ الشَّوْقُ أثَرٌ مِن آثارِ المَحَبَّةِ]

والشَّوْقُ أثَرٌ مِن آثارِ المَحَبَّةِ، وحُكْمٌ مِن أحْكامِها. فَإنَّهُ سَفَرُ القَلْبِ إلى المَحْبُوبِ في كُلِّ حالٍ.

وَقِيلَ: هو اهْتِياجُ القُلُوبِ إلى لِقاءِ المَحْبُوبِ.

وَقِيلَ: هو احْتِراقُ الأحْشاءِ. ومِنها يَتَهَيَّجُ ويَتَوَلَّدُ، ويُلْهِبُ القُلُوبَ ويُقَطِّعُ الأكْبادَ.

والمَحَبَّةُ أعْلى مِنهُ. لِأنَّ الشَّوْقَ عَنْها يَتَوَلَّدُ، وعَلى قَدْرِها يَقْوى ويَضْعُفُ.

قالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: عَلامَةُ الشَّوْقِ فِطامُ الجَوارِحِ عَنِ الشَّهَواتِ.

وَقالَ أبُو عُثْمانَ: عَلامَتُهُ حُبُّ المَوْتِ مَعَ الرّاحَةِ والعافِيَةِ، كَحالِ يُوسُفَ لَمّا أُلْقِيَ في الجُبِّ لَمْ يَقُلْ تَوَفَّنِي، ولَمّا أُدْخِلَ السِّجْنَ لَمْ يَقُلْ تَوَفَّنِي، ولَمّا تَمَّ لَهُ الأمْرُ والأمْنُ والنِّعْمَةُ، قالَ: " تَوَفَّنِي مُسْلِمًا ".

قالَ ابْنُ خَفِيفٍ: الشَّوْقُ ارْتِياحُ القُلُوبِ بِالوَجْدِ، ومَحَبَّةُ اللِّقاءِ بِالقُرْبِ.

وَقِيلَ: هو لَهَبٌ يَنْشَأُ بَيْنَ أثْناءِ الحَشا، يَسْنَحُ عَنِ الفُرْقَةِ. فَإذا وقَعَ اللِّقاءُ طُفِئَ.

قُلْتُ: هَذِهِ مَسْألَةُ نِزاعٍ بَيْنَ المُحِبِّينَ. وهِيَ: أنَّ الشَّوْقَ هَلْ يَزُولُ بِاللِّقاءِ أمْ لا؟

وَلا يَخْتَلِفُونَ أنَّ المَحَبَّةَ لا تَزُولُ بِاللِّقاءِ.

فَمِنهم مَن قالَ: يَزُولُ بِاللِّقاءِ. لِأنَّ الشَّوْقَ هو سَفَرُ القَلْبِ إلى مَحْبُوبِهِ. فَإذا قَدِمَ عَلَيْهِ، ووَصَلَ إلَيْهِ، صارَ مَكانَ الشَّوْقِ قُرَّةُ عَيْنِهِ بِهِ. وهَذِهِ القُرَّةُ تُجامِعُ المَحَبَّةَ ولا تُنافِيها.

قالَ هَؤُلاءِ: وإذا كانَ الغالِبُ عَلى القَلْبِ مُشاهَدَةَ المَحْبُوبِ، لَمْ يَطْرُقْهُ الشَّوْقُ.

وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: هَلْ تَشْتاقُ إلَيْهِ؟ فَقالَ: لا. إنَّما الشَّوْقُ إلى غائِبٍ، وهو حاضِرٌ.

وَقالَتْ طائِفَةٌ: بَلْ يَزِيدُ الشَّوْقُ بِالقُرْبِ والوُصُولِ، ولا يَزُولُ. لِأنَّهُ كانَ قَبْلَ الوُصُولِ عَلى الخَبَرِ والعِلْمِ، وبَعْدَهُ: قَدْ صارَ عَلى العِيانِ والشُّهُودِ. ولِهَذا قِيلَ:

؎وَأبْرَحُ ما يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا ∗∗∗ إذا دَنَتِ الخِيامُ مِنَ الخِيامِ.

قالَ الجُنَيْدُ: سَمِعْتُ السَّرِيَّ يَقُولُ: الشَّوْقُ أجَلُّ مَقامٍ لِلْعارِفِ إذا تَحَقَّقَ فِيهِ. وإذا تَحَقَّقَ في الشَّوْقِ لَها عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يَشْغَلُهُ عَمَّنْ يَشْتاقُ إلَيْهِ، وعَلى هَذا: فَأهْلُ الجَنَّةِ دائِمًا في شَوْقٍ إلى اللَّهِ، مَعَ قُرْبِهِمْ مِنهُ، ورُؤْيَتِهِمْ لَهُ.

قالُوا: ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ الشَّوْقَ يَكُونُ حالَ اللِّقاءِ أعْظَمَ: أنّا نَرى المُحِبَّ يَبْكِي عِنْدَ لِقاءِ مَحْبُوبِهِ. وذَلِكَ البُكاءُ إنَّما هو مِن شِدَّةِ شَوْقِهِ إلَيْهِ، ووَجْدِهِ بِهِ، ولِذَلِكَ يَجِدُ عِنْدَ لِقائِهِ نَوْعًا مِنَ الشَّوْقِ لَمْ يَجِدْهُ في حالِ غَيْبَتِهِ عَنْهُ.

[فَصْلٌ دَرَجاتُ الشَّوْقِ]

[الدَّرَجَةُ الأُولى شَوْقُ العابِدِ إلى الجَنَّةِ]

قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: شَوْقُ العابِدِ إلى الجَنَّةِ، لِيَأْمَنَ الخائِفُ ويَفْرَحَ الحَزِينُ. ويَظْفَرَ الآمِلُ.

يَعْنِي: شَوْقَ العابِدِ إلى الجَنَّةِ فِيهِ هَذِهِ الحِكَمُ الثَّلاثُ.

أحَدُها: حُصُولُ الأمْنِ الباعِثِ عَلى الأمَلِ. فَإنَّ الخَوْفَ المُجَرَّدَ عَنِ الأمْنِ مِن كُلِّ وجْهٍ لا يَنْبَعِثُ صاحِبُهُ لِعَمَلٍ ألْبَتَّةَ إنْ لَمْ يُقارِنْهُ أمَلٌ. فَإنْ تَجَرَّدَ عَنْهُ قُطِعَ وصارَ قَنُوطًا.

الثّانِي: فَرَحُ الحَزِينِ. فَإنَّ الحُزْنَ المُجَرَّدَ أيْضًا إنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الفَرَحُ قَتَلَ صاحِبَهُ. فَلَوْلا رُوحُ الفَرَحِ لَتَعَطَّلَتْ قُوى الحَزِينِ وقَعَدَ حُزْنُهُ بِهِ، ولَكِنْ إذا قَعَدَ بِهِ الحُزْنُ قامَ بِهِ رُوحُ الفَرَحِ.

الثّالِثُ: رُوحُ الظَّفَرِ. فَإنَّ الآمِلَ إنْ لَمْ يَصْحَبْهُ رُوحُ الظَّفَرِ ماتَ أمَلُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ شَوْقٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ]

قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: شَوْقٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ زَرَعَهُ الحُبُّ الَّذِي يَنْبُتُ عَلى حافّاتِ المِنَنِ فَعَلِقَ قَلْبُهُ بِصِفاتِهِ المُقَدَّسَةِ فاشْتاقَ إلى مُعايَنَةِ لِطائِفِ كَرَمِهِ وآياتِ بِرِّهِ وأعْلامِ فَضْلِهِ. وهَذا شَوْقٌ تَغْشاهُ المَبارُّ، وتُخالِجُهُ المَسارُّ، ويُقاوِمُهُ الِاصْطِبارُ.

الشَّوْقُ إلى اللَّهِ لا يُنافِي الشَّوْقَ إلى الجَنَّةِ. فَإنَّ أطْيَبَ ما في الجَنَّةِ: قُرْبُهُ تَعالى، ورُؤْيَتُهُ، وسَماعُ كَلامِهِ ورِضاهُ. نَعَمْ. الشَّوْقُ إلى مُجَرَّدِ الأكْلِ والشُّرْبِ والحُورِ العِينِ في الجَنَّةِ ناقِصٌ جِدًّا، بِالنِّسْبَةِ إلى شَوْقِ المُحِبِّينَ إلى اللَّهِ تَعالى. بَلْ لا نِسْبَةَ لَهُ إلَيْهِ ألْبَتَّةَ. وهَذا الشَّوْقُ دَرَجَتانِ.

إحْداهُما: شَوْقٌ زَرَعَهُ الحُبُّ الَّذِي سَبَبُهُ الإحْسانُ والمِنَّةُ. وهو الَّذِي قالَ فِيهِ: يَنْبُتُ عَلى حافّاتِ المِنَنِ. فَسَبَبُهُ مُطالَعَةُ مِنَّةِ اللَّهِ وإحْسانِهِ ونِعَمِهِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في مَنزِلَةِ المَحَبَّةِ وتَبَيَّنَ أنَّ مَحَبَّةَ الأسْماءِ والصِّفاتِ أكْمَلُ وأقْوى مِن مَحَبَّةِ الإحْسانِ والآلاءِ.

وَفِي قَوْلِهِ " تَنْبُتُ عَلى حافّاتِ المِنَنِ " أيْ جَوانِبِهِ: إشارَةٌ إلى عَدَمِ تَمَكُّنِها وقُوَّتِها، وأنَّها مِن نَباتِ الحافّاتِ الَّتِي هي جَوانِبُ المِنَنِ. لا مِن نَباتِ الأسْماءِ والصِّفاتِ.

وَقَوْلُهُ " فَعَلِقَ قَلْبُهُ بِصِفاتِهِ المُقَدَّسَةِ " يَعْنِي الصِّفاتِ المُخْتَصَّةَ بِالمِنَنِ والإحْسانِ. كالبَرِّ والمَنّانِ، والمُحْسِنِ، والجَوادِ، والمُعْطِي، والغَفُورِ، ونَحْوِها.

وَقَوْلُهُ " المُقَدَّسَةُ " يَعْنِي المُطَهَّرَةَ المُنَزَّهَةَ عَنْ تَأْوِيلِ المُحَرِّفِينَ وتَشْبِيهِ المُمَثِّلِينَ وتَعَطُّلِ المُعَطِّلِينَ.

وَإنَّما قُلْنا: إنَّ مُرادَهُ هَذِهِ الصِّفاتُ الخاصَّةُ لِوَجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِالصِّفاتِ العامَّةِ: إنَّما يَكُونُ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ جَعَلَ ثَمَرَةَ هَذا التَّعَلُّقِ شَوْقَ العَبْدِ إلى مُعايَنَةِ لَطائِفِ كَرَمِ الرَّبِّ ومِنَنِهِ وإحْسانِهِ وآياتِ بِرِّهِ. وهي عَلاماتُ بِرِّهِ بِالعَبْدِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ، وكَذَلِكَ (أعْلامُ فَضْلِهِ) وهو ما يُفْضِلُ عَلَيْهِ بِهِ، ويُفَضِّلُهُ بِهِ عَلى غَيْرِهِ.

قَوْلُهُ " وهَذا شَوْقٌ تَغْشاهُ المَبارُّ " يَعْنِي: أنَّهُ شَوْقٌ مَعْلُولٌ. لَيْسَ خالِصًا لِذاتِ المَحْبُوبِ. بَلْ لِما يَنالُ مِنهُ مِنَ المَبارِّ " فَقَدْ غَشِيَتْهُ " أيْ أدْرَكَتْهُ المَبارُّ.

قَوْلُهُ " وتُخالِجُهُ المَسارُّ " أيْ تَجاذَبُهُ. فَإنَّ المُخالَجَةَ هي المُجاذَبَةُ. فَإذا خالَطَ هَذا الشَّوْقَ الفَرَحُ: كانَ مَمْزُوجًا بِنَوْعٍ مِنَ الحَظِّ.

وَقَوْلُهُ " ويُقاوِمُهُ الِاصْطِبارُ " أيْ أنَّ صاحِبَهُ يَقْوى عَلى الصَّبْرِ، فَيُقاوِمُ صَبْرُهُ شَوْقَهُ ولا يَغْلِبُهُ، بِخِلافِ الشَّوْقِ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ.

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ الشَّوْقُ الخالِصُ]

قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: نارٌ أضْرَمَها صَفْوُ المَحَبَّةِ، فَنَغَّصَتِ العَيْشَ. وسَلَبَتِ السَّلْوَةُ. ولَمْ يُنَهْنِهْها مَعْزًى دُونَ اللِّقاءِ.

يُرِيدُ: أنَّ الشَّوْقَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ: شَبِيهٌ بِالنّارِ الَّتِي أضْرَمَها صَفْوُ المَحَبَّةِ. وهو خالِصُها. وشَبَّهَهُ بِالنّارِ لِالتِهابِهِ في الأحْشاءِ.

وَفِي قَوْلِهِ " صَفْوُ المَحَبَّةِ " إشارَةٌ إلى أنَّها مَحَبَّةٌ لَمْ تَكُنْ لِأجْلِ المِنَّةِ والنِّعَمِ. ولَكِنْ مَحَبَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذّاتِ والصِّفاتِ.

قَوْلُهُ " فَنَغَّصَتِ العَيْشَ " أيْ مَنَعَتْ صاحِبَها السُّكُونَ إلى لَذِيذِ العَيْشِ. و" التَّنْغِيصُ " قَرِيبٌ مِنَ التَّكْدِيرِ.

قَوْلُهُ " وسَلَبَتِ السَّلْوَةَ " أيْ نَهَبَتِ السُّلُوَّ وأخَذَتْهُ قَهْرًا.

و" السَّلْوَةُ " هي الخَلاصُ مِن كَرْبِ المَحَبَّةِ وإلْقاءُ حِمْلِها عَنِ الظَّهْرِ. والإعْراضُ عَنِ المَحْبُوبِ تَناسِيًا.

وَقَوْلُهُ " لَمْ يُنَهْنِهْها مَعْزًى دُونَ اللِّقاءِ " أيْ لَمْ يَكْفِها ويَرُدَّها قَرارٌ دُونَ لِقاءِ المَحْبُوبِ. وهَذِهِ لا يُقاوِمُها الِاصْطِبارُ. لِأنَّهُ لا يَكُفُّها دُونَ لِقاءِ مَن يُحِبُّ قَرارٌ.

29:6Page 396

وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦

And whoever strives only strives for [the benefit of] himself. Indeed, Allāh is Free from need of the worlds.

No commentary for this ayah

29:7Page 397

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧

And those who believe and do righteous deeds - We will surely remove from them their misdeeds and will surely reward them according to the best of what they used to do.

No commentary for this ayah

29:8Page 397

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨

And We have enjoined upon man goodness to parents. But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them. To Me is your return, and I will inform you about what you used to do.

No commentary for this ayah

29:9Page 397

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩

And those who believe and do righteous deeds - We will surely admit them among the righteous [into Paradise].

No commentary for this ayah

29:10Page 397

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

And of the people are some who say, "We believe in Allāh," but when one [of them] is harmed for [the cause of] Allāh, he considers the trial [i.e., harm] of the people as [if it were] the punishment of Allāh. But if victory comes from your Lord, they say, "Indeed, We were with you." Is not Allāh most knowing of what is within the breasts of the worlds [i.e., all creatures]?

No commentary for this ayah

29:11Page 397

وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١

And Allāh will surely make evident those who believe, and He will surely make evident the hypocrites.

No commentary for this ayah

29:12Page 397

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢

And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.

No commentary for this ayah

29:13Page 397

وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣

But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.

No commentary for this ayah

29:14Page 397

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤

And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.

No commentary for this ayah

29:15Page 398

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥

But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.

No commentary for this ayah

29:16Page 398

وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦

And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.

No commentary for this ayah

29:17Page 398

إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧

You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."

No commentary for this ayah

29:18Page 398

وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨

And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1

No commentary for this ayah

29:19Page 398

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩

Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.

No commentary for this ayah

29:20Page 398

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠

Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."

No commentary for this ayah

29:21Page 398

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١

He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.

No commentary for this ayah

29:22Page 398

وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢

And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.

No commentary for this ayah

29:23Page 398

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣

And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.

No commentary for this ayah

29:24Page 399

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤

And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.

No commentary for this ayah

29:25Page 399

وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥

And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."

وَقالَ خَلِيلُهُ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ ﴿إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النّارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾

وَهَذا شَأْنُ كُلِّ مُشْتَرِكِينَ في غَرَضٍ، يَتَوادُّونَ ما دامُوا مُتَساعِدِينَ عَلى حُصُولِهِ، فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ الغَرَضُ، أعْقَبَ نَدامَةً وحُزْنًا وألَمًا، وانْقَلَبَتْ تِلْكَ المَوَدَّةُ بُغْضًا ولَعْنَةً، وذَمًّا مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، لَمّا انْقَلَبَ ذَلِكَ الغَرَضُ حُزْنًا وعَذابًا، كَما يُشاهَدُ في هَذِهِ الدّارِ مِن أحْوالِ المُشْتَرِكِينَ في خِزْيِهِ، إذا أُخِذُوا وعُوقِبُوا، فَكُلُّ مُتَساعِدِينَ عَلى باطِلٍ، مُتَوادِّينَ عَلَيْهِ لا بُدَّ أنْ تَنْقَلِبَ مَوَدَّتُهُما بُغْضًا وعَداوَةً.

والضّابِطُ النّافِعُ في أمْرِ الخُلْطَةِ أنْ يُخالِطَ النّاسَ في الخَيْرِ كالجُمُعَةِ والجَماعَةِ، والأعْيادِ والحَجِّ، وتَعَلُّمِ العِلْمِ، والجِهادِ، والنَّصِيحَةِ ويَعْتَزِلَهم في الشَّرِّ، وفُضُولِ المُباحاتِ، فَإنْ دَعَتِ الحاجَةُ إلى خُلْطَتِهِمْ في الشَّرِّ، ولَمْ يُمْكِنْهُ اعْتِزالُهم فالحَذَرَ الحَذَرَ أنْ يُوافِقَهُمْ، ولْيَصْبِرْ عَلى أذاهُمْ، فَإنَّهم لا بُدَّ أنْ يُؤْذُوهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ ولا ناصِرٌ.

وَلَكِنْ أذًى يَعْقُبُهُ عِزٌّ ومَحَبَّةٌ لَهُ وتَعْظِيمٌ، وثَناءٌ عَلَيْهِ مِنهم ومِنَ المُؤْمِنِينَ ومِن رَبِّ العالَمِينَ. ومُوافَقَتُهم يَعْقُبُها ذُلٌّ وبُغْضٌ لَهُ، ومَقْتٌ، وذَمٌّ مِنهم ومِنَ المُؤْمِنِينَ، ومِن رَبِّ العالَمِينَ.

فالصَّبْرُ عَلى أذاهم خَيْرٌ وأحْسَنُ عاقِبَةً، وأحْمَدُ مَآلًا، وإنْ دَعَتِ الحاجَةُ إلى خُلْطَتِهِمْ في فُضُولِ المُباحاتِ، فَلْيَجْتَهِدْ أنْ يَقْلِبَ ذَلِكَ المَجْلِسَ طاعَةً لِلَّهِ إنْ أمْكَنَهُ، ويُشَجِّعَ نَفْسَهُ ويُقَوِّيَ قَلْبَهُ، ولا يَلْتَفِتْ إلى الوارِدِ الشَّيْطانِيِّ القاطِعِ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، بِأنَّ هَذا رِياءٌ ومَحَبَّةٌ لِإظْهارِ عِلْمِكَ وحالِكَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَلْيُحارِبْهُ، ولْيَسْتَعِنْ بِاللَّهِ، ويُؤَثِّرْ فِيهِمْ مِنَ الخَيْرِ ما أمْكَنَهُ.

فَإنْ أعْجَزَتْهُ المَقادِيرُ عَنْ ذَلِكَ، فَلْيَسُلَّ قَلْبَهُ مِن بَيْنِهِمْ كَسَلِّ الشَّعْرَةِ مِنَ العَجِينِ، ولْيَكُنْ فِيهِمْ حاضِرًا غائِبًا، قَرِيبًا بَعِيدًا، نائِمًا يَقْظانًا، يَنْظُرُ إلَيْهِمْ ولا يُبْصِرُهُمْ، ويَسْمَعُ كَلامَهم ولا يَعِيهِ، لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ قَلْبَهُ مِن بَيْنِهِمْ، ورَقى بِهِ إلى المَلَأِ الأعْلى، يَسْبَحُ حَوْلَ العَرْشِ مَعَ الأرْواحِ العُلْوِيَّةِ الزَّكِيَّةِ، وما أصْعَبَ هَذا وأشَقَّهُ عَلى النُّفُوسِ، وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَبَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَهُ أنْ يَصْدُقَ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى، ويُدِيمَ اللُّجْأ إلَيْهِ، ويُلْقِيَ نَفْسَهُ عَلى بابِهِ طَرِيحًا ذَلِيلًا، ولا يُعِينُ عَلى هَذا إلّا مَحَبَّةٌ صادِقَةٌ، والذِّكْرُ الدّائِمُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ، وتَجَنُّبُ المُفْسِداتِ الأرْبَعِ الباقِيَةِ الآتِي ذِكْرُها، ولا يَنالُ هَذا إلّا بِعُدَّةٍ صالِحَةٍ ومادَّةِ قُوَّةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَزِيمَةٍ صادِقَةٍ، وفَراغٍ مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

29:26Page 399

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦

And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."

No commentary for this ayah

29:27Page 399

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.

No commentary for this ayah

29:28Page 399

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

And [mention] Lot, when he said to his people, "Indeed, you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds.

No commentary for this ayah

29:29Page 399

أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩

Indeed, you approach men and obstruct the road1 and commit in your meetings [every] evil." And the answer of his people was not but that they said, "Bring us the punishment of Allāh, if you should be of the truthful."

«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾

قالَ: كانُوا يَخْذِفُونَ أهْلَ الطَّرِيقِ، ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، وذَلِكَ المُنْكَرُ الَّذِي كانُوا يَأْتُونَهُ»

ذَكَرَهُ أحْمَدُ.

29:30Page 399

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠

He said, "My Lord, support me against the corrupting people."

No commentary for this ayah

29:31Page 400

وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١

And when Our messengers [i.e., angels] came to Abraham with the good tidings,1 they said, "Indeed, we will destroy the people of that [i.e., Lot's] city. Indeed, its people have been wrongdoers."

No commentary for this ayah

29:32Page 400

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢

[Abraham] said, "Indeed, within it is Lot." They said, "We are more knowing of who is within it. We will surely save him and his family, except his wife. She is to be of those who remain behind."

No commentary for this ayah

29:33Page 400

وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣

And when Our messengers [i.e., angels] came to Lot, he was distressed for them and felt for them great discomfort.1 They said, "Fear not, nor grieve. Indeed, we will save you and your family, except your wife; she is to be of those who remain behind.

No commentary for this ayah

29:34Page 400

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤

Indeed, we will bring down on the people of this city punishment from the sky because they have been defiantly disobedient."

No commentary for this ayah

29:35Page 400

وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥

And We have certainly left of it a sign as clear evidence for a people who use reason.

No commentary for this ayah

29:36Page 400

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

No commentary for this ayah

29:37Page 400

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧

But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

No commentary for this ayah

29:38Page 400

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.

No commentary for this ayah

29:39Page 401

وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩

And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].

No commentary for this ayah

29:40Page 401

فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠

So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.

No commentary for this ayah

29:41Page 401

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.

فَذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهم ضُعَفاءُ، وأنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم أوْلِياءَهم أضْعَفُ مِنهُمْ، فَهم في ضَعْفِهِمْ وما قَصَدُوهُ مِن اتِّخاذِ الأوْلِياءِ كالعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، وهو أوْهَنُ البُيُوتِ وأضْعَفُها؛ وتَحْتَ هَذا المَثَلِ أنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ أضْعَفُ ما كانُوا حِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ فَلَمْ يَسْتَفِيدُوا بِمَن اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ إلّا ضَعْفًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا (٨١) كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾

وَقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ - لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤-٧٥].

وَقالَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ إهْلاكَ الأُمَمِ المُشْرِكِينَ: ﴿وَما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١].

فَهَذِهِ أرْبَعَةُ مَواضِعَ في القُرْآنِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن اتَّخَذَ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا يَتَعَزَّزُ بِهِ ويَتَكَبَّرُ بِهِ ويَسْتَنْصِرُ بِهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِهِ إلّا ضِدُّ مَقْصُودِهِ، وفي القُرْآنِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، وهَذا مِن أحْسَنِ الأمْثالِ وأدَلِّها عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ وخَسارَةِ صاحِبِهِ وحُصُولِهِ عَلى ضِدِّ مَقْصُودِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهم يَعْلَمُونَ أنَّ أوْهَنَ البُيُوتِ بَيْتُ العَنْكَبُوتِ، فَكَيْفَ نَفى عَنْهم عِلْمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؟

فالجَوابُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَنْفِ عَنْهم عِلْمَهم بِوَهَنِ بَيْتِ العَنْكَبُوتِ، وإنَّما نَفى عَنْهم عِلْمَهم بِأنَّ اتِّخاذَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ كالعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا فَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَما فَعَلُوهُ، ولَكِنْ ظَنُّوا أنَّ اتِّخاذَهم الأوْلِياءَ مِن دُونِهِ يُفِيدُهم عِزًّا، وقُدْرَةً، فَكانَ الأمْرُ بِخِلافِ ما ظَنُّوهُ.

(فائدة)

ضرب الأمثال في القرآن يستفاد منه أمور التذكير والوعظ والحث والزجر والاعتبار والتقرير وتقريب المراد للعقل وتصويره في صورة المحسوس بحيث يكون نسبته للعقل كنسبة المحسوس إلى الحس.

وقد تأتي أمثال القرآن مشتملة على بيان تفاوت الأجر على المدح والذم وعلى الثواب والعقاب وعلى تفخيم الأمر أو تحقيره وعلى تحقيق أمر وإبطال أمر والله أعلم.

(لطيفة)

وَمن عَجِيب حيل العنكبوت أنه ينسج تِلْكَ الشبكة شركا للصَّيْد ثمَّ يكمن في جوفها فَإذا نشب فِيها البرغش والذباب وثب عَلَيْهِ وامتص دَمه فَهَذا يحْكى صيد الاشراك والشباك والأول يحْكى صيد الكلاب والفهود ولا تزدرين العبْرَة بالشَّيْء الحقير من الذّرة والبعوض فَإن المَعْنى النفيس يقتبس من الشَّيْء الحقير والازدراء بذلك مِيراث من الَّذين استنكرت عُقُولهمْ ضرب الله تَعالى ﴿فِي كِتابه المثل بالذباب والعَنْكَبُوت والكَلب والحمار فَأنْزل الله تَعالى {إن الله لا يستحيي أن يضْرب مثلا ما بعوضة فَما فَوْقها﴾

فَما أغزر الحكم وأكثرها في هَذِه الحَيَوانات الَّتِي تزدريها وتحتقرها وكم من دلالَة فِيها على الخالِق ولطفه ورَحمته وحكمته فسل المُعَطل من الهمها هَذِه الحِيَل والتلطف في اقتناص صيدها الَّذِي جعل قوتها ومن جعل هَذِه الحِيَل فِيها بدل ما سلبها من القُوَّة والقُدْرَة فأغناها ما أعطاها من الحِيلَة عَمّا سلبها من القُوَّة والقُدْرَة سوى اللَّطِيف الخَبِير.

29:42Page 401

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢

Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.

No commentary for this ayah

29:43Page 401

وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣

And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.

No commentary for this ayah

29:44Page 401

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤

Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском