Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:121–143, continued
وَقَدْ فُسِّرَ هَذا الظَّنُّ الَّذِي لا يَلِيقُ بِاللَّهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، وأنَّ أمْرَهُ سَيَضْمَحِلُّ، وأنّهُ يُسْلِمُهُ لِلْقَتْلِ، وقَدْ فُسِّرَ بِظَنِّهِمْ أنَّ ما أصابَهم لَمْ يَكُنْ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ، ولا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ، فَفُسِّرَ بِإنْكارِ الحِكْمَةِ، وإنْكارِ القَدَرِ، وإنْكارِ أنْ يُتِمَّ أمْرَ رَسُولِهِ، ويُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وهَذا هو ظَنُّ السَّوْءِ الَّذِي ظَنَّهُ المُنافِقُونَ والمُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في (سُورَةِ الفَتْحِ) حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦]، وإنَّما كانَ هَذا ظَنَّ السَّوْءِ، وظَنَّ الجاهِلِيَّةِ المَنسُوبَ إلى أهْلِ الجَهْلِ، وظَنَّ غَيْرِ الحَقِّ لِأنّهُ ظَنُّ غَيْرِ ما يَلِيقُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا وذاتِهِ المُبَرَّأةِ مِن كُلِّ عَيْبٍ وسُوءٍ، بِخِلافِ ما يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وحَمْدِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ والإلَهِيَّهِ، وما يَلِيقُ بِوَعْدِهِ الصّادِقِ الَّذِي لا يُخْلِفُهُ وبِكَلِمَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ لِرُسُلِهِ أنَّهُ يَنْصُرُهم ولا يَخْذُلُهُمْ، ولِجُنْدِهِ بِأنَّهم هُمُ الغالِبُونَ، فَمَن ظَنَّ بِأنَّهُ لا يَنْصُرُ رَسُولَهُ، ولا يُتِمُّ أمْرَهُ، ولا يُؤَيِّدُهُ ويُؤَيِّدُ حِزْبَهُ، ويُعْلِيهِمْ ويُظْفِرُهم بِأعْدائِهِ، ويُظْهِرُهم عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ لا يَنْصُرُ دِينَهُ وكِتابَهُ، وأنّهُ يُدِيلُ الشِّرْكَ عَلى التَّوْحِيدِ، والباطِلَ عَلى الحَقِّ إدالَةً مُسْتَقِرَّةً يَضْمَحِلُّ مَعَها التَّوْحِيدُ والحَقُّ اضْمِحْلالًا لا يَقُومُ بَعْدَهُ أبَدًا، فَقَدْ ظَنَّ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، ونَسَبَهُ إلى خِلافِ ما يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ وصِفاتِهِ ونُعُوتِهِ، فَإنَّ حَمْدَهُ وعِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ وإلَهِيَّتَهُ تَأْبى ذَلِكَ، وتَأْبى أنْ يُذَلَّ حِزْبُهُ وجُنْدُهُ، وأنْ تَكُونَ النُّصْرَةُ المُسْتَقِرَّةُ والظَّفَرُ الدّائِمُ لِأعْدائِهِ المُشْرِكِينَ بِهِ العادِلِينَ بِهِ، فَمَن ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ فَما عَرَفَهُ ولا عَرَفَ أسَماءَهُ ولا عَرَفَ صِفاتَهُ وكَمالَهُ، وكَذَلِكَ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ فَما عَرَفَهُ ولا عَرَفَ رُبُوبِيَّتَهُ ومُلْكَهُ وعَظَمَتَهُ، وكَذَلِكَ مَن أنْكَرَ أنْ يَكُونَ قَدَّرَ ما قَدَّرَهُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وغايَةٍ مَحْمُودَةٍ يَسْتَحِقُّ الحَمْدَ عَلَيْها، وأنَّ ذَلِكَ إنّما صَدَرَ عَنْ مَشِيئَةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ حِكْمَةٍ وغايَةٍ مَطْلُوبَةٍ هِي أحَبُّ إلَيْهِ مِن فَوْتِها، وأنَّ تِلْكَ الأسْبابَ المَكْرُوهَةَ المُفْضِيَةَ إلَيْها لا يَخْرُجُ تَقْدِيرُها عَنِ الحِكْمَةِ لِإفْضائِها إلى ما يُحِبُّ، وإنْ كانَتْ مَكْرُوهَةً لَهُ فَما قَدَّرَها سُدًى، ولا أنْشَأها عَبَثًا، ولا خَلَقَها باطِلًا، ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] وأكْثَرُ النّاسِ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ السَّوْءِ فِيما يَخْتَصُّ بِهِمْ وفِيما يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ، ولا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ إلّا مَن عَرَفَ اللَّهَ وعَرَفَ أسْماءَهُ وصِفاتِهِ، وعَرَفَ مُوجِبَ حَمْدِهِ وحِكْمَتِهِ، فَمَن قَنَطَ مِن رَحْمَتِهِ وأيِسَ مِن رَوْحِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَمَن جَوَّزَ عَلَيْهِ أنْ يُعَذِّبَ أوْلِياءَهُ مَعَ إحْسانِهِمْ وإخْلاصِهِمْ ويُسَوِّي بَيْنَهم وبَيْنَ أعْدائِهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَمَن ظَنَّ بِهِ أنْ يَتْرُكَ خَلْقَهُ سُدًى مُعَطَّلِينَ عَنِ الأمْرِ والنَّهْي، ولا يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ، ولا يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ، بَلْ يَتْرُكُهم هَمَلًا كالأنْعامِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَمَن ظَنَّ أنَّهُ لَنْ يَجْمَعَ عَبِيدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِلثَّوابِ والعِقابِ في دارٍ يُجازِي المُحْسِنَ فِيها بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ويُبَيِّنَ لِخَلْقِهِ حَقِيقَةَ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، ويُظْهِرَ لِلْعالَمِينَ كُلِّهِمْ صِدْقَهُ وصِدْقَ رُسُلِهِ، وأنَّ أعْداءَهُ كانُوا هُمُ الكاذِبِينَ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَمَن ظَنَّ أنَّهُ يُضَيِّعُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ الصّالِحَ الَّذِي عَمِلَهُ خالِصًا لِوَجْهِهِ الكَرِيمِ عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ، ويُبْطِلُهُ عَلَيْهِ بِلا سَبَبٍ مِنَ العَبْدِ، أوْ أنَّهُ يُعاقِبُهُ بِما لا صُنْعَ فِيهِ ولا اخْتِيارَ لَهُ ولا قُدْرَةَ ولا إرادَةَ في حُصُولِهِ، بَلْ يُعاقِبُهُ عَلى فِعْلِهِ هو سُبْحانَهُ بِهِ، أوْ ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ أنْ يُؤَيِّدَ أعْداءَهُ الكاذِبِينَ عَلَيْهِ بِالمُعْجِزاتِ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِها أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ، ويُجْرِيَها عَلى أيْدِيهِمْ يُضِلُّونَ بِها عِبادَهُ، وأنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى تَعْذِيبُ مَن أفْنى عُمْرَهُ في طاعَتِهِ فَيُخَلِّدُهُ في الجَحِيمِ أسْفَلَ السّافِلِينَ، ويُنَعِّمُ مَنِ اسْتَنْفَدَ عُمُرَهُ في عَداوَتِهِ وعَداوَةِ رُسُلِهِ ودِينِهِ، فَيَرْفَعُهُ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، وكِلا الأمْرَيْنِ عِنْدَهُ في الحُسْنِ سَواءٌ، ولا يُعْرَفُ امْتِناعُ أحَدِهِما ووُقُوعُ الآخَرِ إلّا بِخَبَرٍ صادِقٍ، وإلّا فالعَقْلُ لا يَقْضِي بِقُبْحِ أحَدِهِما وحُسْنِ الآخَرِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَبِالجُمْلَةِ فَمَن ظَنَّ بِهِ خِلافَ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ووَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ، أوْ عَطَّلَ حَقائِقَ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، ووَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَمَن ظَنَّ أنَّ لَهُ ولَدًا أوْ شَرِيكًا، أوْ أنَّ أحَدًا يَشْفَعُ عِنْدَهُ بِدُونِ إذْنِهِ، أوْ أنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ وسائِطَ يَرْفَعُونَ حَوائِجَهم إلَيْهِ، أوْ أنَّهُ نَصَبَ لِعِبادِهِ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ يَتَقَرَّبُونَ بِهِمْ إلَيْهِ ويَتَوَسَّلُونَ بِهِمْ إلَيْهِ ويَجْعَلُونَهم وسائِطَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ فَيَدْعُونَهم ويُحِبُّونَهم كَحُبِّهِ ويَخافُونَهم ويَرْجُونَهم فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أقْبَحَ الظَّنِّ وأسْوَأهُ.
وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يَنالُ ما عِنْدَهُ بِمَعْصِيَتِهِ ومُخالَفَتِهِ كَما يَنالُهُ بِطاعَتِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ خِلافَ حِكْمَتِهِ وخِلافَ مُوجِبِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وهو مِن ظَنِّ السَّوْءِ.
وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ إذا تَرَكَ لِأجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعَوِّضْهُ خَيْرًا مِنهُ أوْ مَن فَعَلَ لِأجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِ أفْضَلَ مِنهُ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يَغْضَبُ عَلى عَبْدِهِ ويُعاقِبُهُ ويَحْرِمُهُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ولا سَبَبٍ مِنَ العَبْدِ إلّا بِمُجَرَّدِ المَشِيئَةِ ومَحْضِ الإرادَةِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ.
وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ إذا صَدَقَهُ في الرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ، وتَضَرَّعَ إلَيْهِ وسَألَهُ، واسْتَعانَ بِهِ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُخَيِّبُهُ ولا يُعْطِيهِ ما سَألَهُ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وظَنَّ بِهِ خِلافَ ما هو أهْلُهُ.
وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يُثِيبُهُ إذا عَصاهُ بِما يُثِيبُهُ بِهِ إذا أطاعَهُ، وسَألَهُ ذَلِكَ في دُعائِهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ خِلافَ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ وحَمْدُهُ وخِلافَ ما هو أهْلُهُ وما لا يَفْعَلُهُ.
وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ إذا أغْضَبَهُ وأسْخَطَهُ، وأوْضَعَ في مَعاصِيهِ ثُمَّ اتَّخَذَ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ودَعا مِن دُونِهِ مَلَكًا أوْ بَشَرًا حَيًّا أوْ مَيِّتًا يَرْجُو بِذَلِكَ أنْ يَنْفَعَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ويُخَلِّصَهُ مِن عَذابِهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ ظَنَّ السَّوْءِ، وذَلِكَ زِيادَةٌ في بُعْدِهِ مِنَ اللَّهِ وفي عَذابِهِ.
وَمَن ظَنَّ بِهِ أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أعْداءَهُ تَسْلِيطًا مُسْتَقِرًّا دائِمًا في حَياتِهِ وفي مَماتِهِ، وابْتَلاهُ بِهِمْ لا يُفارِقُونَهُ، فَلَمّا ماتَ اسْتَبَدُّوا بِالأمْرِ دُونَ وصِيَّةٍ وظَلَمُوا أهْلَ بَيْتِهِ، وسَلَبُوهم حَقَّهم وأذَلُّوهُمْ، وكانَتِ العِزَّةُ والغَلَبَةُ والقَهْرُ لِأعْدائِهِ وأعْدائِهِمْ دائِمًا مِن غَيْرِ جُرْمٍ ولا ذَنْبٍ لِأوْلِيائِهِ وأهْلِ الحَقِّ، وهو يَرى قَهْرَهم لَهم وغَصْبَهم إيّاهم حَقَّهم وتَبْدِيلَهم دِينَ نَبِيِّهِمْ وهو يَقْدِرُ عَلى نُصْرَةِ أوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ وجُنْدِهِ، ولا يَنْصُرُهم ولا يُدِيلُهُمْ، بَلْ يُدِيلُ أعْداءَهم عَلَيْهِمْ أبَدًا، أوْ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ بَلْ حَصَلَ هَذا بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ ولا مَشِيئَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ المُبَدِّلِينَ لِدِينِهِ مُضاجِعِيهِ في حُفْرَتِهِ تُسَلِّمُ أُمَّتُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ كُلَّ وقْتٍ كَما تَظُنُّهُ الرّافِضَةُ، فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أقْبَحَ الظَّنِّ وأسْوَأهُ، سَواءٌ قالُوا: إنّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَنْصُرَهم ويَجْعَلَ لَهُمُ الدَّوْلَةَ والظَّفَرَ، أوْ أنَّهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلى ذَلِكَ فَهم قادِحُونَ في قُدْرَتِهِ أوْ في حِكْمَتِهِ وحَمْدِهِ، وذَلِكَ مِن ظَنِّ السَّوْءِ بِهِ، ولا رَيْبَ أنَّ الرَّبَّ الَّذِي فَعَلَ هَذا بَغِيضٌ إلى مَن ظَنَّ بِهِ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْمُودٍ عِنْدَهُمْ، وكانَ الواجِبُ أنْ يَفْعَلَ خِلافَ ذَلِكَ لَكِنْ رَفَوْا هَذا الظَّنَّ الفاسِدَ بِخَرْقٍ أعْظَمَ مِنهُ، واسْتَجارُوا مِنَ الرَّمْضاءِ بِالنّارِ، فَقالُوا: لَمْ يَكُنْ هَذا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، ولا لَهُ قُدْرَةٌ عَلى دَفْعِهِ ونَصْرِ أوْلِيائِهِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أفْعالِ عِبادِهِ، ولا هي داخِلَةٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَظَنُّوا بِهِ ظَنَّ إخْوانِهِمُ المَجُوسِ والثَّنَوِيَّةِ بِرَبِّهِمْ، وكُلِّ مُبْطِلٍ وكافِرٍ ومُبْتَدِعٍ مَقْهُورٍ مُسْتَذَلٍّ، فَهو يَظُنُّ بِرَبِّهِ هَذا الظَّنَّ وأنَّهُ أوْلى بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ والعُلُوِّ مِن خُصُومِهِ، فَأكْثَرُ الخَلْقِ بَلْ كُلُّهم إلّا مَن شاءَ اللَّهُ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ السَّوْءِ، فَإنَّ غالِبَ بَنِي آدَمَ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مَبْخُوسُ الحَقِّ ناقِصُ الحَظِّ، وأنّهُ يَسْتَحِقُّ فَوْقَ ما أعْطاهُ اللَّهُ ولِسانُ حالِهِ يَقُولُ: ظَلَمَنِي رَبِّي ومَنَعَنِي ما أسْتَحِقُّهُ، ونَفْسُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وهو بِلِسانِهِ يُنْكِرُهُ، ولا يَتَجاسَرُ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ، ومَن فَتَّشَ نَفْسَهُ وتَغَلْغَلَ في مَعْرِفَةِ دَفائِنِها وطَواياها رَأى ذَلِكَ فِيها كامِنًا كُمُونَ النّارِ في الزِّنادِ، فاقْدَحْ زِنادَ مَن شِئْتَ يُنْبِئْكَ شَرارُهُ عَمّا في زِنادِهِ، ولَوْ فَتَّشْتَ مَن فَتَّشْتَهُ لَرَأيْتَ عِنْدَهُ تَعَتُّبًا عَلى القَدَرِ ومَلامَةً لَهُ واقْتِراحًا عَلَيْهِ خِلافَ ما جَرى بِهِ، وأنّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ كَذا وكَذا، فَمُسْتَقِلٌّ ومُسْتَكْثِرٌ، وفَتِّشْ نَفْسَكَ هَلْ أنْتَ سالِمٌ مِن ذَلِكَ.
؎فَإنْ تَنْجُ مِنها تَنْجُ مِن ذِي عظيمَةٍ ∗∗∗ وإلّا فَإنِّي لا إخالُكُ ناجِيًا
فَلْيَعْتَنِ اللَّبِيبُ النّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذا المَوْضِعِ، ولْيَتُبْ إلى اللَّهِ تَعالى، ولِيَسْتَغْفِرْهُ كُلَّ وقْتٍ مِن ظَنِّهِ بِرَبِّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، ولْيَظُنَّ السَّوءَ بِنَفْسِهِ الَّتِي هِي مَأْوى كُلَّ سُوءٍ، ومَنبَعُ كُلَّ شَرٍّ المُرَكَّبَةِ عَلى الجَهْلِ والظُّلْمِ، فَهي أوْلى بِظَنِّ السَّوءِ مِن أحْكَمِ الحاكِمِينَ وأعْدَلِ العادِلِينَ وأرْحَمِ الرّاحِمِينَ، الغَنِيِّ الحَمِيدِ الَّذِي لَهُ الغِنى التّامُّ والحَمْدُ التّامُّ والحِكْمَةُ التّامُّةُ، المُنَزَّهُ عَنْ كُلِّ سَوْءٍ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأسْمائِهِ، فَذاتُهُ لَها الكَمالُ المُطْلَقُ مِن كُلِّ وجْهٍ، وصِفاتُهُ كَذَلِكَ، وأفْعالُهُ كَذَلِكَ، كُلُّها حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ ورَحْمَةٌ وعَدْلٌ، وأسْماؤُهُ كُلُّها حُسْنى.
؎فَلا تَظُنَّنَّ بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوْءٍ ∗∗∗ فَإنَّ اللَّهَ أوْلى بِالجَمِيلِ
وَلا تَظُنَّنَّ بِنَفْسِكَ قَطُّ خَيْرًا
؎وَكَيْفَ بِظالِمٍ جانٍ جَهُولِ ∗∗∗ وقُلْ يا نَفْسُ مَأْوى كُلِّ سُوءٍ
؎أيُرْجى الخَيْرُ مِن مَيْتٍ بَخِيلِ ∗∗∗ وظُنَّ بِنَفْسِكَ السُّوأى تَجِدْها
؎كَذاكَ وخَيْرُها كالمُسْتَحِيلِ ∗∗∗ وما بِكَ مِن تُقًى فِيها وخَيْرٍ
؎فَتِلْكَ مَواهِبُ الرَّبِّ الجَلِيلِ ∗∗∗ ولَيْسَ بِها ولا مِنها ولَكِنْ
مِنَ الرَّحْمَنِ فاشْكُرْ لِلدَّلِيلِ
والمَقْصُودِ ما ساقَنا إلى هَذا الكَلامِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ الكَلامِ الَّذِي صَدَرَ عَنْ ظَنِّهِمُ الباطِلِ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾، وقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾، فَلَيْسَ مَقْصُودُهم بِالكَلِمَةِ الأُولى والثّانِيَةِ إثْباتَ القَدَرِ ورَدَّ الأمْرِ كُلِّهِ إلى اللَّهِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مَقْصُودَهم بِالكَلِمَةِ الأُولى لَما ذُمُّوا عَلَيْهِ، ولَما حَسُنَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾
وَلا كانَ مَصْدَرُ هَذا الكَلامِ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ، ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنّ ظَنَّهُمُ الباطِلَ هاهُنا: هو التَّكْذِيبُ بِالقَدَرِ وظَنُّهم أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ إلَيْهِمْ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ تَبَعًا لَهم يَسْمَعُونَ مِنهم لَما أصابَهُمُ القَتْلُ، ولَكانَ النَّصْرُ والظَّفَرُ لَهم فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذا الظَّنِّ الباطِلِ الَّذِي هو ظَنُّ الجاهِلِيَّةِ، وهو الظَّنُّ المَنسُوبُ إلى أهْلِ الجَهْلِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ بَعْدَ نَفاذِ القَضاءِ والقَدَرِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن نَفاذِهِ أنَّهم كانُوا قادِرِينَ عَلى دَفْعِهِ، وأنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ إلَيْهِمْ لَما نَفَذَ القَضاءُ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ فَلا يَكُونُ إلّا ما سَبَقَ بِهِ قَضاؤُهُ وقَدَرُهُ، وجَرى بِهِ عِلْمُهُ وكِتابُهُ السّابِقُ، وما شاءَ اللَّهُ كانَ، ولا بُدَّ، شاءَ النّاسُ أمْ أبَوْا، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، شاءَهُ النّاسُ أمْ لَمْ يَشاءُوهُ، وما جَرى عَلَيْكم مِنَ الهَزِيمَةِ والقَتْلِ فَبِأمْرِهِ الكَوْنِيِّ الَّذِي لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، سَواءٌ كانَ لَكم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ، وأنَّكم لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم وقَدْ كُتِبَ القَتْلُ عَلى بَعْضِكم لَخَرَجَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ مِن بُيُوتِهِمْ إلى مَضاجِعِهِمْ ولا بُدَّ، سَواءٌ كانَ لَهم مِنَ الأمْرِ
شَيْءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، وهَذا مِن أظْهَرِ الأشْياءِ إبْطالًا لِقَوْلِ القَدَرِيَّةِ النُّفاةِ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ أنْ يَقَعَ ما لا يَشاؤُهُ اللَّهُ، وأنْ يَشاءَ ما لا يَقَعُ.
3:122Page 66
إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢
When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.
No commentary for this ayah
3:123Page 66
وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣
And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.
يجوز أن يكون قوله ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ تعليلا لقضائه لهم بالنصر ولأمره لهم بالتقوى ولهما معا وهو الظاهر.
فالشكر غاية الخلق والأمر.
(فائدة)
- ومنها في البدريين أنهم أفضل في الجملة من غيرهم ولا تفضل آحادهم على غيرهم لأنه قد يكون في غيرهم من هو أفضل من آحادهم كما قال النبي ﷺ:
"خيركم القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"
فخاير بين القرون في الجملة لأنه قد يكون في التفضيل من غيره أفضل منه، ولهذا يعلم أن أحمد أفضل من يزيد، ويزيد في عصر التابعين لما جرى من يزيد بما عاد في القدح في عدالته.
3:124Page 66
إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤
[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?
No commentary for this ayah
3:125Page 66
بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥
Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."
No commentary for this ayah
3:126Page 66
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦
And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -
No commentary for this ayah
3:127Page 66
لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧
That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.
No commentary for this ayah
3:128Page 66
لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨
Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.
No commentary for this ayah
3:129Page 66
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allāh is Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
3:130Page 66
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠
O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.
الرِّبا نَوْعانِ: جَلِيٌّ وخَفِيٌّ، فالجَلِيُّ حُرِّمَ لِما فِيهِ مِن الضَّرَرِ العَظِيمِ، والخَفِيُّ حُرِّمَ؛ لِأنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلى الجَلِيِّ؛ فَتَحْرِيمُ الأوَّلِ قَصْدًا، وتَحْرِيمُ الثّانِي وسِيلَةً: فَأمّا الجَلِيُّ فَرِبا النَّسِيئَةِ، وهو الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، مِثْلُ أنْ يُؤَخِّرَ دَيْنَهُ ويَزِيدَهُ في المالِ، وكُلَّما أخَّرَهُ زادَ في المالِ، حَتّى تَصِيرَ المِائَةُ عِنْدَهُ آلافًا مُؤَلَّفَةً؛ وفي الغالِبِ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا مُعْدَمٌ مُحْتاجٌ؛ فَإذا رَأى أنَّ المُسْتَحِقَّ يُؤَخِّرُ مُطالَبَتَهُ ويَصْبِرُ عَلَيْهِ بِزِيادَةٍ يَبْذُلُها لَهُ تَكَلَّفَ بَذْلَها لِيَفْتَدِيَ مِن أسْرِ المُطالَبَةِ والحَبْسِ، ويُدافِعَ مِن وقْتٍ إلى وقْتٍ، فَيَشْتَدُّ ضَرَرُهُ، وتَعْظُمُ مُصِيبَتُهُ، ويَعْلُوهُ الدَّيْنُ حَتّى يَسْتَغْرِقَ جَمِيعَ مَوْجُودِهِ، فَيَرْبُو المالُ عَلى المُحْتاجِ مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ لَهُ، ويَزِيدُ مالُ المُرابِي مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَحْصُلُ مِنهُ لِأخِيهِ، فَيَأْكُلُ مالَ أخِيهِ بِالباطِلِ، ويَحْصُلُ أخُوهُ عَلى غايَةِ الضَّرَرِ، فَمِن رَحْمَةِ أرْحَمِ الرّاحِمِينَ وحِكْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى خَلْقِهِ أنْ حَرَّمَ الرِّبا، ولَعَنَ آكِلَهُ ومُؤَكِّلَهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَيْهِ، وآذَنَ مَن لَمْ يَدَعْهُ بِحَرْبِهِ وحَرْبِ رَسُولِهِ، ولَمْ يَجِئْ مِثْلُ هَذا الوَعِيدِ في كَبِيرَةٍ غَيْرَهُ، ولِهَذا كانَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ الرِّبا الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ فَقالَ: هو أنْ يَكُونَ لَهُ دَيْنٌ فَيَقُولُ لَهُ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي؟ فَإنْ لَمْ يَقْضِهِ زادَهُ في المالِ وزادَهُ هَذا في الأجَلِ؛ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الرِّبا ضِدَّ الصَّدَقَةِ، فالمُرابِي ضِدُّ المُتَصَدِّقِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] وقالَ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ (١٣٠) واتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١)﴾
ثُمَّ ذَكَرَ الجَنَّةَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وهَؤُلاءِ ضِدُّ المُرابِينَ، فَنَهى سُبْحانَهُ عَنْ الرِّبا الَّذِي هو ظُلْمٌ لِلنّاسِ، وأمَرَ بِالصَّدَقَةِ الَّتِي هي إحْسانٌ إلَيْهِمْ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ» ومِثْلُ هَذا يُرادُ بِهِ حَصْرُ الكَمالِ وأنَّ الرِّبا الكامِلَ إنّما هو في النَّسِيئَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] وكَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إنّما العالِمُ الَّذِي يَخْشى اللَّهَ ".
وَأمّا رِبا الفَضْلِ فَتَحْرِيمُهُ مِن بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ؛ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم الرِّمّا» والرِّمّا هو الرِّبا، فَمَنَعَهم مِن رِبا الفَضْلِ لِما يَخافُهُ عَلَيْهِمْ مِن رِبا النَّسِيئَةِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا باعُوا دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، ولا يُفْعَلُ هَذا إلّا لِلتَّفاوُتِ الَّذِي بَيْنَ النَّوْعَيْنِ - إمّا في الجَوْدَةِ، وإمّا في السِّكَّةِ، وإمّا في الثِّقَلِ والخِفَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ - تَدَرَّجُوا بِالرِّبْحِ المُعَجَّلِ فِيها إلى الرِّبْحِ المُؤَخَّرِ، وهو عَيْنُ رِبا النَّسِيئَةِ، وهَذِهِ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ جِدًّا؛ فَمِن حِكْمَةِ الشّارِعِ أنْ سَدَّ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الذَّرِيعَةَ، ومَنَعَهم مِن بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ نَقْدًا ونَسِيئَةً؛ فَهَذِهِ حِكْمَةٌ مَعْقُولَةٌ مُطابِقَةٌ لِلْعُقُولِ، وهي تَسُدُّ عَلَيْهِمْ بابَ المَفْسَدَةِ.
3:131Page 66
وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١
And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.
No commentary for this ayah
3:132Page 66
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢
And obey Allāh and the Messenger that you may obtain mercy.
No commentary for this ayah
3:133Page 67
۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣
And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous
No commentary for this ayah
3:134Page 67
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤
Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;
No commentary for this ayah
3:135Page 67
وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥
And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.
No commentary for this ayah
3:136Page 67
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦
Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.
No commentary for this ayah
3:137Page 67
قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧
Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.
أيْ: قَدْ كانَ مِن قَبْلِكم أُمَمٌ أمْثالُكم فانْظُرُوا إلى عَواقِبِهِمْ السَّيِّئَةِ، واعْلَمُوا أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ ما كانَ مِن تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وهم الأصْلُ وأنْتُمْ الفَرْعُ، والعِلَّةُ الجامِعَةُ التَّكْذِيبُ، والحُكْمُ الهَلاكُ.
3:138Page 67
هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨
This [Qur’ān] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allāh.
No commentary for this ayah
3:139Page 67
وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩
So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.
العزة والعلو إنما هما لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال، قال تعالى: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان، وقال تعالى: ﴿وَللهِ العِزَّةُ ولِرَسُوِلهِ ولِلْمُؤْمِنِين﴾ [المنافقون: ٨].
فله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه، فإذا فاته حظ من العلو والعزة، ففى مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علما وعملا ظاهرا وباطنا.
وكذلك الدفع عن العبد هو بحسب إيمانه، قال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨].
فإذا ضعف الدفع عنه فهو من نقص إيمانه.
وكذلك الكفاية والحَسْب هى بقدر الإيمان، قال تعالى: ﴿يأيُّها النَّبى حَسْبُكَ اللهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤].
أى الله حسبك وحسب أتباعك، أي كافيك وكافيهم، فكفايته لهم بحسب اتباعهم لرسوله، وانقيادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإيمان عاد بنقصان ذلك كله.
ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص.
وكذلك ولاية الله تعالى لعبده هى بحسب إيمانه قال تعالى: ﴿واللهُ ولِى المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] وقال الله تعالى: ﴿اللهُ ولِى الّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وكذلك معيته الخاصة هى لأهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].
فإذا نقص الإيمان وضعف، كان حظ العبد من ولاية الله له ومعيته الخاصة بقدر حظه من الإيمان.
وكذلك النصر والتأييد الكامل. إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والّذِينَ آمَنُوا فِى الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] وقال ﴿فَأيَّدْنا الّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤].
فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه.
وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الحجة.
والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى.
فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفى، مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهرا وباطنا.
وقد قال تعالى للمؤمنين: ﴿وَلاَ تَهِنُوا ولا تحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] وقال تعالى ﴿فَلاَ تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمٌ الأعْلَوْنَ واللهُ مَعَكمْ ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].
فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هى جند من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، فيبطلها عليهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره.
3:140Page 67
إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠
If a wound should touch you - there has already touched the [opposing] people a wound similar to it. And these days [of varying conditions] We alternate among the people so that Allāh may make evident those who believe and [may] take to Himself from among you martyrs - and Allāh does not like the wrongdoers -
No commentary for this ayah
3:141Page 68
وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١
And that Allāh may purify the believers [through trials] and destroy the disbelievers.
No commentary for this ayah
3:142Page 68
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٢
Or do you think that you will enter Paradise while Allāh has not yet made evident those of you who fight in His cause and made evident those who are steadfast?
No commentary for this ayah
3:143Page 68
وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ١٤٣
And you had certainly wished for death [i.e., martyrdom] before you encountered it, and you have [now] seen it [before you] while you were looking on.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences