Ibn al-QayyimAli 'Imran · 3:144–154

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:144–154

3:144Page 68

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤

Muḥammad is not but a messenger. [Other] messengers have passed on before him. So if he was to die or be killed, would you turn back on your heels [to unbelief]? And he who turns back on his heels will never harm Allāh at all; but Allāh will reward the grateful.

«وَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ: يا فُلانُ أشَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟

فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَقَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَنَزَلَ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾» الآيَةَ.

«وانْتَهى أنس بن النضر إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ في رِجالٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَدْ ألْقَوْا بِأيْدِيهِمْ، فَقالَ: ما يُجْلِسُكُمْ؟، فَقالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: فَما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ؟ فَقُومُوا فَمُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ القَوْمَ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ».

«وَلَمّا مَصَّ مالك أبو أبي سعيد الخدري جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى أنْقاهُ قالَ لَهُ: " مُجَّهُ "، قالَ: واللَّهِ لا أمُجُّهُ أبَدًا ثُمَّ أدْبَرَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هَذا».

«وَقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أطْلُبُ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقالَ لِي: إنْ رَأيْتَهُ فَأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قالَ: فَجَعَلْتُ أطُوفُ بَيْنَ القَتْلى فَأتَيْتُهُ، وهو بِآخِرِ رَمَقٍ، وفِيهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً، ما بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَقُلْتُ: يا سعد، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويَقُولُ لَكَ: أخْبِرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقالَ: وعَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّلامُ، قُلْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ، وقُلْ لِقَوْمِيَ الأنْصارِ: لا عُذْرَ لَكم عِنْدَ اللَّهِ إنْ خُلِصَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيكم عَيْنٌ تَطْرِفُ، وفاضَتْ نَفْسُهُ مِن وقْتِهِ».

وَقالَ «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ حَرامٍ: رَأيْتُ في النَّوْمِ قَبْلَ أُحُدٍ، مبشر بن عبد المنذر، يَقُولُ لِي: أنْتَ قادِمٌ عَلَيْنا في أيّامٍ، فَقُلْتُ: وأيْنَ أنْتَ؟ فَقالَ: في الجَنَّةِ نَسْرَحُ فِيها كَيْفَ نَشاءُ. قُلْتُ لَهُ: ألَمْ تُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قالَ: بَلى ثُمَّ أُحْيِيتُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: هَذِهِ الشَّهادَةُ يا أبا جابر».

(فائدة)

دَخَلَ أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - عَلى أم أيمن (بركة الحبشية) بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ وهي تَبْكِي، فَقالا: يا أم أيمن ما يُبْكِيكِ فَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ؟

قالَتْ: إنِّي لَأعْلَمُ أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ، وإنَّما أبْكِي لِانْقِطاعِ خَبَرِ السَّماءِ، فَهَيَّجَتْهُما عَلى البُكاءِ فَبَكَيا.

[فَصْلٌ]

قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أيُّها النّاسُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ إلَهَكُمُ الَّذِي تَعْبُدُونَ فَإنَّ إلَهَكم قَدْ ماتَ وإنْ كانَ إلَهَكُمُ اللَّهُ الَّذِي في السَّماءِ فَإنَّ إلَهَكم لَمْ يَمُتْ ثُمَّ تَلا: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ حَتّى خَتَمَ الآيَةَ.

وَقالَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوانَ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَخَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَيْهِ (فَأكَبَّ عَلَيْهِ) وقَبَّلَ جَبْهَتَهُ وقالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، وقالَ: مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ في السَّماءِ (حَيٌّ) لا يَمُوتُ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إلى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهم فَحانَتِ الصَّلاةُ فَجاءَ المُؤَذِّنُ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرَ الحَدِيثَ وفِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أشارَ إلى أبِي بَكْرٍ أنِ امْكُثْ مَكانَكَ فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما أمَرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ اسْتَأْخَرَ. . . فَذَكَرَهُ».

3:145Page 68

وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٥

And it is not [possible] for one to die except by permission of Allāh at a decree determined. And whoever desires the reward of this world - We will give him thereof; and whoever desires the reward of the Hereafter - We will give him thereof. And We will reward the grateful.

No commentary for this ayah

3:146Page 68

وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦

And how many a prophet [fought in battle and] with him fought many religious scholars. But they never lost assurance due to what afflicted them in the cause of Allāh, nor did they weaken or submit. And Allāh loves the steadfast.

No commentary for this ayah

3:147Page 68

وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤٧

And their words were not but that they said, "Our Lord, forgive us our sins and the excess [committed] in our affairs and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

فإن قلت: فقد قال تعالى: ﴿وَما كانَ قَوْلَهم إلاّ أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ وفي سورة الصف ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ فما الحكمة في سقوطها هنا وما الفرق؟

قلت: هذا إخبار عن المؤمنين الذين سبق لهم الإنقاذ من ذنوب الكفر بإيمانهم ثم وعدوا على الجهاد بغفران ما اكتسبوا في الإسلام من الذنوب وهي غير محبطة كإحباط الكفر المهلك للكافر فلم يتضمن الغفران معنى الاستنقاذ إذ ليس ثم إحاطة من الذنب بالمذنب وإنما يتضمن معنى الإذهاب والإبطال للذنوب لأن الحسنات يذهبن السيئات بخلاف الآيتين المتقدمتين فإنهما خطاب للمشركين وأمر لهم بما ينقذهم ويخلصهم مما أحاط بهم من الذنوب وهو الكفر ففي ضمن ذلك الإعلام والإشارة بأنهم واقعون في مهلكة قد أحاطت بهم وأن لا ينقذهم منها إلا المغفرة المتضمنة للإنقاذ الذي هو أخص من الإبطال والإذهاب، وأما المؤمنون فقد أنقذوا.

وأما قوله تعالى: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ فهي في موضع (مِن) التي للتبعيض لأن الآية في سياق ثواب الصدقة فإنه قال ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ والصدقة لا تذهب جميع الذنوب ومن هذا النحو قوله ﷺ: "فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير "

رواه مسلم والترمذي وللبخاري نحوه.

فأدخل (عن) في الكلام إيذانا بمعنى الخروج عن اليمين لما ذكر الفاعل وهو الخارج فكأنه قال فليخرج بالكفارة عن يمينه

ولما لم يذكر الفاعل المكفر في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ ولم يذكر (مِن) وأضاف الكفارة إلى الأيمان وذلك من إضافة المصدر إلى المفعول وإن كانت الأيمان لا تكفر وإنما يكفر الحنث والإثم ولكن الكفارة حل لعقد اليمين فمن هنالك أضيفت إلى اليمين كما يضاف الحل إلى العقد إذ اليمين عقد والكفارة حل له والله أعلم.

3:148Page 68

فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤٨

So Allāh gave them the reward of this world and the good reward of the Hereafter. And Allāh loves the doers of good.

No commentary for this ayah

3:149Page 69

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

No commentary for this ayah

3:150Page 69

بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠

But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.

(فصل)

ألْقى الله سُبْحانَهُ العَداوَة بَين الشَّيْطان وبَين الملك والعداوة بَين العقل وبَين الهوى والعداوة بَين النَّفس الأمارة وبَين القلب وابتلى العَبْد بذلك وجمع لَهُ بَين هَؤُلاءِ وأمد كل حزب بِجُنُود وأعْوان فَلا تزال الحَرْب سجالا ودولا بَين الفَرِيقَيْنِ إلى أن يستولي أحدهما على الآخر ويكون الآخر مقهورا مَعَه فَإذا كانَت النّوبَة للقلب والعقل والملك فهنالك السرُور والنَّعِيم واللذة والبهجة والفرح وقرة العين وطيب الحَياة وانشراح الصَّدْر والفوز بالغنائم وإذا كانَت النّوبَة للنَّفس والهوى والشيطان فهنالك الغموم والهموم والأحْزان وأنواع المكاره وضيق الصَّدْر وحبس الملك فَما ظَنك بِملك استولى عَلَيْهِ عدوه فأنزله عَن سَرِير ملكه وأسره وحبسه وحال بَينه وبَين خزائنه وذخائره وخدمه وصيّرها لَهُ ومَعَ هَذا فَلا يَتَحَرَّك الملك لطلب ثَأْره ولا يستغيث بِمن يغيثه ولا يستنجد بِمن ينجده وفَوق هَذا الملك ملِك قاهر لا يقهر وغالب لا يغلب وعزيز لا يذل فَأرْسل إلَيْهِ إن استنصرتني نصرتك وإن استغثت بِي أغثتك وإن التجأت إلَيّ أخذت بثأرك وإن هربت إلَيّ وأويت إلَيّ سلطتك على عَدوك وجَعَلته تَحت أسرك فَإن قالَ هَذا الملك المأسور قد شدّ عدوي وثاقي وأحكم رباطي واستوثق مني بالقيود ومَنَعَنِي من النهوض إلَيْك والفرار إلَيْك والمسير إلى بابك فَإن أرْسلت جندا من عنْدك يحل وثاقي ويفك قيودي ويخرجني من حَبسه أمكنني أن أوافي بابك وإلّا لم يمكنني مُفارقَة محبسي ولا كسر قيودي فَإن قالَ ذَلِك احتجاجا على ذَلِك السُّلْطان ودفعا لرسالته ورضا بِما هو فِيهِ عند عدوّه خلاه السُّلْطان الأعْظَم وحاله وولاه ما تولى وإن قالَ ذَلِك افتقارا إلَيْهِ وإظهارا لعَجزه وذله وأنه أضْعَف وأعجز أن يسير إلَيْهِ بِنَفسِهِ ويخرج من حبس عدوه ويتخلص مِنهُ بحوله وقوته وأن من تَمام نعْمَته ذَلِك عَلَيْهِ كَما أرسل إلَيْهِ هَذِه الرسالَة أن يمده من جنده ومماليكه بِمن يُعينهُ على الخَلاص ويكسر باب محبسه ويفك قيوده فَإن فعل بِهِ ذَلِك فقد أتم إنعامه عَلَيْهِ وإن تخلى عَنهُ فَلم يَظْلمه ولا مَنعه حَقًا هو له وأن حَمده وحكمته اقْتضى مَنعه وتخليته في محبسه ولا سِيما إذا علم أن الحَبْس حَبسه وأن هَذا العَدو الَّذِي حَبسه مَمْلُوك من مماليكه وعبد من عبيده ناصيته بِيَدِهِ لا يتَصَرَّف إلّا بِإذْنِهِ ومشيئته فَهو غير ملتفت إلَيْهِ ولا خائِف مِنهُ ولا مُعْتَقد أن لَهُ شَيْئا من الأمر ولا بِيَدِهِ نفع ولا ضرّ بل هو ناطر إلى مالِكه ومتولي أمره ومن ناصيته بِيَدِهِ قد أفرده بالخوف والرجاء والتضرّع إلَيْهِ والالتجاء والرَّغْبَة والرهبة فهناك تَأتيه جيوش النَّصْر والظفر.

3:151Page 69

سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

No commentary for this ayah

3:152Page 69

وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢

And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «ما نُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَوْطِنٍ نَصْرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقالَ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُنْكِرُ كِتابُ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَسُّ: القَتْلُ، ولَقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِأصْحابِهِ أوَّلُ النَّهارِ حَتّى قُتِلَ مِن أصْحابِ المُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أوْ تِسْعَةٌ». وذَكَرَ الحَدِيثَ.

وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ في غَزاةِ بَدْرٍ وأُحُدٍ، والنُّعاسُ في الحَرْبِ وعِنْدَ الخَوْفِ دَلِيلٌ عَلى الأمْنِ، وهو مِنَ اللَّهِ، وفي الصَّلاةِ ومَجالِسِ الذِّكْرِ والعِلْمِ مِنَ الشَّيْطانِ.

وَقاتَلَتِ المَلائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفي " الصَّحِيحَيْنِ ": عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ومَعَهُ رَجُلانِ يُقاتِلانِ عَنْهُ، عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ كَأشَدِّ القِتالِ، ما رَأيْتُهُما قَبْلُ ولا بَعْدُ».

وَفِي " صَحِيحِ مسلم ": «أنَّهُ ﷺ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأنْصارِ، ورَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، فَلَمّا رَهِقُوهُ، قالَ: " مَن يَرُدُّهم عَنّا ولَهُ الجَنَّةُ، أوْ هو رَفِيقِي في الجَنَّةِ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقاتَلَ حَتى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ، فَقالَ: مَن يَرُدُّهم عَنّا ولَهُ الجَنَّةُ، أوْ هو رَفِيقِي في الجَنَّةِ " فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقاتَلَ حَتى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ما أنْصَفْنا أصْحابَنا» وهَذا يُرْوى عَلى وجْهَيْنِ: بِسُكُونِ الفاءِ ونَصْبِ " أصْحابَنا " عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وفَتْحِ الفاءِ ورَفْعِ " أصْحابُنا " عَلى الفاعِلِيَّةِ.

وَوَجْهُ النَّصْبِ: أنَّ الأنْصارَ لَمّا خَرَجُوا لِلْقِتالِ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ حَتّى قُتِلُوا، ولَمْ يَخْرُجِ القُرَشِيّانِ، قالَ ذَلِكَ، أيْ: ما أنْصَفَتْ قُرَيْشٌ الأنْصارَ.

وَوَجْهُ الرَّفْعِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأصْحابِ الَّذِينَ فَرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى أُفْرِدَ في النَّفَرِ القَلِيلِ، فَقُتِلُوا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، فَلَمْ يُنْصِفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ومَن ثَبَتَ مَعَهُ.

وَفِي " صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ " عَنْ عائشة، قالَتْ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: «لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْصَرَفَ النّاسُ كُلُّهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكُنْتُ أوَّلَ مَن فاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَرَأيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلًا يُقاتِلُ عَنْهُ ويَحْمِيهِ، قُلْتُ: كُنْ طلحة فِداكَ أبِي وأُمِّي، كُنْ طلحة فِداكَ أبِي وأُمِّي. فَلَمْ أنْشَبْ، أنْ أدْرَكَنِي أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، وإذا هو يَشْتَدُّ كَأنَّهُ طَيْرٌ حَتّى لَحِقَنِي، فَدَفَعْنا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَإذا طلحة بَيْنَ يَدَيْهِ صَرِيعًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " دُونَكم أخاكم فَقَدْ أوْجَبَ "، وقَدْ رُمِيَ النَّبِيُّ ﷺ في جَبِينِهِ، ورُوِيَ في وجْنَتِهِ، حَتى غابَتْ حَلْقَةٌ مِن حَلَقِ المِغْفَرِ في وجْنَتِهِ، فَذَهَبْتُ لِأنْزِعَها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ أبو عبيدة: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ يا أبا بكر إلّا تَرَكْتَنِي؟ قالَ: فَأخَذَ أبو عبيدة السَّهْمَ بِفِيهِ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ كَراهَةَ أنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَلَّ السَّهْمَ بِفِيهِ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أبي عبيدة، قالَ أبو بكر: ثُمَّ ذَهَبْتُ لِآخُذَ الآخَرَ، فَقالَ أبو عبيدة: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ يا أبا بكر إلّا تَرَكْتَنِي؟ قالَ فَأخَذَهُ، فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ حَتى اسْتَلَّهُ، فَنَدَرَتْ ثَنِيَّةُ أبي عبيدة الأُخْرى، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " دُونَكم أخاكم فَقَدْ أوْجَبَ "، قالَ: فَأقْبَلْنا عَلى طلحة نُعالِجُهُ، وقَدْ أصابَتْهُ بِضْعَةَ عَشَرَ ضَرْبَةً».

وَفِي " مَغازِي الأُمَوِيِّ ": أنَّ المُشْرِكِينَ صَعِدُوا عَلى الجَبَلِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لسعد " اجْنُبْهم " يَقُولُ: ارْدُدْهم. فَقالَ: كَيْفَ أجْنُبُهم وحْدِي؟ فَقالَ: ذَلِكَ ثَلاثًا، فَأخَذَ سعد سَهْمًا مِن كِنانَتِهِ، فَرَمى بِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، قالَ: ثُمَّ أخَذْتُ سَهْمِي أعْرِفُهُ، فَرَمَيْتُ بِهِ آخَرَ فَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ أخَذْتُهُ أعْرِفُهُ، فَرَمَيْتُ بِهِ آخَرَ فَقَتَلْتُهُ، فَهَبَطُوا مِن مَكانِهِمْ، فَقُلْتُ: هَذا سَهْمٌ مُبارَكٌ، فَجَعَلْتُهُ في كِنانَتِي، فَكانَ عِنْدَ سعد حَتّى ماتَ، ثُمَّ كانَ عِنْدَ بَنِيهِ.

وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبي حازم، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: «واللَّهِ إنِّي لَأعْرِفُ مَن كانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَن كانَ يَسْكُبُ الماءَ، وبِما دُووِيَ، كانَتْ فاطمة ابْنَتُهُ تَغْسِلُهُ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ يَسْكُبُ الماءَ بِالمِجَنِّ، فَلَمّا رَأتْ فاطمة أنَّ الماءَ لا يَزِيدُ الدَّمَ إلّا كَثْرَةً، أخَذَتْ قِطْعَةً مِن حَصِيرٍ، فَأحْرَقَتْها، فَألْصَقَتْها فاسْتَمْسَكَ الدَّمُ».

وَفِي " الصَّحِيحِ ": «أنَّهُ كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وشُجَّ في رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ، ويَقُولُ: " كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وجْهَ نَبِيِّهِمْ، وكَسَرُوا رَباعِيَتَهُ، وهو يَدْعُوهم "، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أوْ يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]» [آل عمران: ١٢٨].

وَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ لَمْ يَنْهَزِمْ أنس بن النضر، وقالَ: (اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُسْلِمِينَ - وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، فَقالَ: أيْنَ يا أبا عمر؟ فَقالَ أنس: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ يا سعد، إنِّي أجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، ثُمَّ مَضى، فَقاتَلَ القَوْمَ حَتّى قُتِلَ، فَما عُرِفَ حَتّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنانِهِ وبِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ ما بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ).

وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ أوَّلَ النَّهارِ كَما تَقَدَّمَ، فَصَرَخَ فِيهِمْ إبْلِيسُ! أيْ عِبادَ اللَّهِ، أخْزاكُمُ اللَّهُ، فارْجِعُوا مِنَ الهَزِيمَةِ، فاجْتَلِدُوا.

«وَنَظَرَ حذيفة إلى أبِيهِ، والمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، وهم يَظُنُّونَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: أيْ عِبادَ اللَّهِ! أبِي، فَلَمْ يَفْهَمُوا قَوْلَهُ حَتّى قَتَلُوهُ، فَقالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، فَأرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدِيَهُ، فَقالَ قَدْ تَصَدَّقْتُ بِدِيَتِهِ عَلى المُسْلِمِينَ، فَزادَ ذَلِكَ حذيفة خَيْرًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ».

«وَقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أطْلُبُ سَعْدَ بْنَ الرَّبِيعِ، فَقالَ لِي: إنْ رَأيْتَهُ فَأقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ، وقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قالَ: فَجَعَلْتُ أطُوفُ بَيْنَ القَتْلى فَأتَيْتُهُ، وهو بِآخِرِ رَمَقٍ، وفِيهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً، ما بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَقُلْتُ: يا سعد، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويَقُولُ لَكَ: أخْبِرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ؟ فَقالَ: وعَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّلامُ، قُلْ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ، وقُلْ لِقَوْمِيَ الأنْصارِ: لا عُذْرَ لَكم عِنْدَ اللَّهِ إنْ خُلِصَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفِيكم عَيْنٌ تَطْرِفُ، وفاضَتْ نَفْسُهُ مِن وقْتِهِ».

«وَمَرَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ: يا فُلانُ أشَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ، فَقَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَنَزَلَ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]» الآيَةَ [آل عمران: ١٤٢].

وَقالَ «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنِ حَرامٍ: رَأيْتُ في النَّوْمِ قَبْلَ أُحُدٍ، مبشر بن عبد المنذر، يَقُولُ لِي: أنْتَ قادِمٌ عَلَيْنا في أيّامٍ، فَقُلْتُ: وأيْنَ أنْتَ؟ فَقالَ: في الجَنَّةِ نَسْرَحُ فِيها كَيْفَ نَشاءُ. قُلْتُ لَهُ: ألَمْ تُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قالَ: بَلى ثُمَّ أُحْيِيتُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: هَذِهِ الشَّهادَةُ يا أبا جابر».

«وَقالَ خيثمة أبو سعد، وكانَ ابْنُهُ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في يَوْمِ بَدْرٍ: (لَقَدْ أخْطَأتْنِي وقْعَةُ بَدْرٍ، وكُنْتُ واللَّهِ عَلَيْها حَرِيصًا، حَتّى ساهَمْتُ ابْنِي في الخُرُوجِ، فَخَرَجَ سَهْمُهُ، فَرُزِقَ الشَّهادَةَ، وقَدْ رَأيْتُ البارِحَةَ ابْنِي في النَّوْمِ في أحْسَنِ صُورَةٍ يَسْرَحُ في ثِمارِ الجَنَّةِ وأنْهارِها، ويَقُولُ: الحَقْ بِنا تُرافِقْنا في الجَنَّةِ، فَقَدْ وجَدْتُ ما وعَدَنِي رَبِّي حَقّا، وقَدْ واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ أصْبَحْتُ مُشْتاقًا إلى مُرافَقَتِهِ في الجَنَّةِ، وقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، ورَقَّ عَظْمِي، وأحْبَبْتُ لِقاءَ رَبِّي، فادْعُ اللَّهَ يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ يَرْزُقَنِي الشَّهادَةَ، ومُرافَقَةَ سعد في الجَنَّةِ، فَدَعا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا».

وَقالَ عبد الله بن جحش في ذَلِكَ اليَوْمِ: (اللَّهُمَّ إنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أنْ ألْقى العَدُوَّ غَدًا فَيَقْتُلُونِي، ثُمَّ يَبْقُرُوا بَطْنِي، ويَجْدَعُوا أنْفِي، وأُذُنِي، ثُمَّ تَسْألُنِي: فِيمَ ذَلِكَ فَأقُولُ فِيكَ).

«وَكانَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ أعْرَجَ شَدِيدَ العَرَجِ، وكانَ لَهُ أرْبَعَةُ بَنِينَ شَبابٌ، يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا غَزا، فَلَمّا تَوَجَّهَ إلى أُحُدٍ، أرادَ أنْ يَتَوَجَّهَ مَعَهُ، فَقالَ لَهُ بَنُوهُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ رُخْصَةً، فَلَوْ قَعَدْتَ ونَحْنُ نَكْفِيكَ، وقَدْ وضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الجِهادَ. فَأتى عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّ بَنِيَّ هَؤُلاءِ يَمْنَعُونِي أنْ أخْرُجَ مَعَكَ، وواللَّهِ إنِّي لَأرْجُو أنْ أُسْتَشْهَدَ فَأطَأ بِعَرْجَتِي هَذِهِ في الجَنَّةِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أمّا أنْتَ فَقَدْ وضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الجِهادَ وقالَ لِبَنِيهِ: " وما عَلَيْكم أنْ تَدَعُوهُ، لَعَلَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْ يَرْزُقَهُ الشَّهادَةَ)، فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا».

(وانْتَهى أنس بن النضر إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ في رِجالٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَدْ ألْقَوْا بِأيْدِيهِمْ، فَقالَ: ما يُجْلِسُكُمْ؟، فَقالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: فَما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ؟ فَقُومُوا فَمُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ القَوْمَ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ).

«وَأقْبَلَ أبي بن خلف عَدُوُّ اللَّهِ، وهو مُقَنَّعٌ في الحَدِيدِ، يَقُولُ: لا نَجَوْتُ إنْ نَجا مُحَمَّدٌ، وكانَ حَلَفَ بِمَكَّةَ أنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَقُتِلَ مصعب، وأبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْقُوَةَ أبي بن خلف مِن فُرْجَةٍ بَيْنَ سابِغَةِ الدِّرْعِ والبَيْضَةِ، فَطَعَنَهُ بِحَرْبَتِهِ، فَوَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ، فاحْتَمَلَهُ أصْحابُهُ، وهو يَخُورُ خُوارَ الثَّوْرِ، فَقالُوا: ما أجْزَعَكَ؟ إنَّما هو خَدْشٌ، فَذَكَرَ لَهم قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: (بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى)، فَماتَ بِرابِغٍ».

قالَ ابْنُ عُمَرَ: (إنِّي لَأسِيرُ بِبَطْنِ رابِغٍ بَعْدَ هَوِيٍّ مِنَ اللَّيْلِ، إذا نارٌ تَأجَّجُ لِي فَيَمَّمْتُها، وإذا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنها في سِلْسِلَةٍ يَجْتَذِبُها يَصِيحُ العَطَشَ، وإذا رَجُلٌ يَقُولُ: لا تَسْقِهِ هَذا قَتِيلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هَذا أبي بن خلف).

وَقالَ نافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ يَقُولُ: شَهِدْتُ أُحُدًا، فَنَظَرْتُ إلى النَّبْلِ يَأْتِي مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَطَها، كُلُّ ذَلِكَ يُصْرَفُ عَنْهُ، ولَقَدْ رَأيْتُ عبد الله بن شهاب الزهري، يَقُولُ يَوْمَئِذٍ: دُلُّونِي عَلى مُحَمَّدٍ، لا نَجَوْتُ إنْ نَجا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جَنْبِهِ ما مَعَهُ أحَدٌ، ثُمَّ جاوَزَهُ، فَعاتَبَهُ في ذَلِكَ صفوان، فَقالَ: واللَّهِ ما رَأيْتُهُ، أحْلِفُ بِاللَّهِ، إنَّهُ مِنّا مَمْنُوعٌ، فَخَرَجْنا أرْبَعَةً، فَتَعاهَدْنا، وتَعاقَدْنا عَلى قَتْلِهِ، فَلَمْ نَخْلُصْ إلى ذَلِكَ.

«وَلَمّا مَصَّ مالك أبو أبي سعيد الخدري جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى أنْقاهُ قالَ لَهُ: " مُجَّهُ "، قالَ: واللَّهِ لا أمُجُّهُ أبَدًا ثُمَّ أدْبَرَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " مَن أرادَ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هَذا».

(موعظة)

إذا تكلم من يريد الدنيا بكلامه فإنه كلما حفر في قليب قلبه وأمعن في الاستنباط انهار عليه تراب الطمع فطمه.

إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص عنك فاعلم أنه لطف بك، لأن المنعم لم يقبضه بخلا أن يتمزق ولكن رفقا بالساعي أن يتعثر.

3:153Page 69

۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.

No commentary for this ayah

3:154Page 70

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском