Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:162–176
3:162Page 71
أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦٢
So is one who pursues the pleasure of Allāh like one who brings upon himself the anger of Allāh and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.
No commentary for this ayah
3:163Page 71
هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣
They are [varying] degrees in the sight of Allāh, and Allāh is Seeing of whatever they do.
No commentary for this ayah
3:164Page 71
لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤
Certainly did Allāh confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom,1 although they had been before in manifest error.
No commentary for this ayah
3:165Page 71
أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٦٥
Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uḥud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves [i.e., due to your sin]." Indeed, Allāh is over all things competent.
No commentary for this ayah
3:166Page 72
وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦
And what struck you on the day the two armies met [at Uḥud] was by permission of Allāh that He might make evident the [true] believers
No commentary for this ayah
3:167Page 72
وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧
And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -
No commentary for this ayah
3:168Page 72
ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨
Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."
No commentary for this ayah
3:169–170Page 72
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩
And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠
Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
[فصل في فضل الشهيد]
قالَ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أحَدٌ في سَبِيلِ اللَّهِ - واللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ - إلّا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ».
وَفِي الترمذي عَنْهُ «لَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلى اللَّهِ مِن قَطْرَتَيْنِ أوْ أثَرَيْنِ، قَطْرَةِ دَمْعَةٍ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وقَطْرَةِ دَمٍ تُهْراقُ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأمّا الأثَرانِ، فَأثَرٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأثَرٌ في فَرِيضَةٍ مِن فَرائِضِ اللَّهِ».
وَصَحَّ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «ما مِن عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لا يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ لَهُ الدُّنْيا وما فِيها، إلّا الشَّهِيدُ لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ، فَإنَّهُ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى» وفي لَفْظٍ: «فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرّاتٍ لِما يَرى مِنَ الكَرامَةِ».
«وَقالَ لأم حارثة بنت النعمان، وقَدْ قُتِلَ ابْنُها مَعَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَسَألَتْهُ أيْنَ هُوَ؟ قالَ: إنَّهُ في الفِرْدَوْسِ الأعْلى».
وَقالَ: «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاعَةً، فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ فَقالُوا: أيُّ شَيْءٍ نَشْتَهِي، ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا؟ فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَنْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يَسْألُوا، قالُوا: يا رَبِّ نُرِيدُ أنْ تَرُدَّ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى، فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تُرِكُوا».
وَقالَ: «إنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ خِصالًا أنْ يُغْفَرَ لَهُ مِن أوَّلِ دَفْعَةٍ مِن دَمِهِ، ويُرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُحَلّى حِلْيَةَ الإيمانِ، ويُزَوَّجَ مِنَ الحُورِ العِينِ، ويُجارَ مِن عَذابِ القَبْرِ، ويَأْمَنَ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، ويُوضَعَ عَلى رَأْسِهِ تاجُ الوَقارِ، الياقُوتَةُ مِنهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها. ويُزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِنَ الحُورِ العِينِ، ويُشَفَّعَ في سَبْعِينَ إنْسانًا مِن أقارِبِهِ» ذَكَرَهُ أحمد وصَحَّحَهُ الترمذي.
وَقالَ لجابر: «ألا أُخْبِرُكَ ما قالَ اللَّهُ لِأبِيكَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: ما كَلَّمَ اللَّهُ أحَدًا إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وكَلَّمَ أباكَ كِفاحًا، فَقالَ: يا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قالَ: يا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثانِيَةً، قالَ: إنَّهُ سَبَقَ مِنِّي (أنَّهم إلَيْها لا يُرْجَعُونَ) قالَ: يا رَبِّ فَأبْلِغْ مَن ورائِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
وَقالَ: «لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ لَنا لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ، ولا يَنْكُلُوا عَنِ الحَرْبِ، فَقالَ اللَّهُ: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ هَذِهِ الآياتِ: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾».
وَفِي " المُسْنَدِ " مَرْفُوعًا: «الشُّهَداءُ عَلى بارِقِ نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ، في قُبَّةٍ خَضْراءَ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً».
وَقالَ: «لا تَجِفُّ الأرْضُ مِن دَمِ الشَّهِيدِ حَتى يَبْتَدِرَهُ زَوْجَتاهُ، كَأنَّهُما طَيْرانِ أضَلَّتا فَصِيلَيْهِما بِبَراحٍ مِنَ الأرْضِ بِيَدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها».
وَفِي " المُسْتَدْرَكِ " والنَّسائِيِّ مَرْفُوعًا: «لَأنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَكُونَ لِي أهْلُ المَدَرِ والوَبَرِ».
وَفِيهِما: «ما يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنَ القَتْلِ إلّا كَما يَجِدُ أحَدُكم مِن مَسِّ القَرْصَةِ».
وَفِي " السُّنَنِ ": «يَشْفَعُ الشَّهِيدُ في سَبْعِينَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ».
وَفِي " المُسْنَدِ ": «أفْضَلُ الشُّهَداءِ الَّذِينَ إنْ يَلْقَوْا في الصَّفِّ لا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهم حَتّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ في الغُرَفِ العُلى مِنَ الجَنَّةِ، ويَضْحَكُ إلَيْهِمْ رَبُّكَ، وإذا ضَحِكَ رَبُّكَ إلى عَبْدٍ في الدُّنْيا، فَلا حِسابَ عَلَيْهِ».
وَفِيهِ: «الشُّهَداءُ أرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ لَقِيَ العَدُوَّ، فَصَدَقَ اللَّهَ حَتّى قُتِلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ إلَيْهِ النّاسُ أعْناقَهُمْ، ورَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ حَتّى وقَعَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ، لَقِيَ العَدُوَّ فَكَأنَّما يُضْرَبُ جِلْدُهُ بِشَوْكِ الطَّلْحِ أتاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَقَتَلَهُ، هو في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ، خَلَطَ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتّى قُتِلَ، فَذاكَ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ أسْرَفَ عَلى نَفْسِهِ إسْرافًا كَثِيرًا لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ حَتّى قُتِلَ، فَذَلِكَ في الدَّرَجَةِ الرّابِعَةِ».
وَفِي " المُسْنَدِ " و" صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ ": «القَتْلى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جاهَدَ بِمالِهِ ونَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ قاتَلَهم حَتّى يُقْتَلَ، فَذاكَ الشَّهِيدُ المُمْتَحَنُ في خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، لا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إلّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ فَرِقَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا، جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ، قاتَلَ حَتّى يُقْتَلَ، فَتِلْكَ مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وخَطاياهُ، إنَّ السَّيْفَ مَحّاءُ الخَطايا، وأُدْخِلَ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ شاءَ، فَإنَّ لَها ثَمانِيَةَ أبْوابٍ، ولِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أبْوابٍ، وبَعْضُها أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، ورَجُلٌ مُنافِقٌ جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ، قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يُقْتَلَ، فَإنَّ ذَلِكَ في النّارِ، إنَّ السَّيْفَ لا يَمْحُو النِّفاقَ».
وَصَحَّ عَنْهُ: «أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ كافِرٌ وقاتِلُهُ في النّارِ أبَدًا».
وَسُئِلَ أيُّ الجِهادِ أفْضَلُ؟ فَقالَ: «مَن جاهَدَ المُشْرِكِينَ بِمالِهِ ونَفْسِهِ قِيلَ: فَأيُّ القَتْلِ أفْضَلُ؟ قالَ: مَن أُهْرِيقَ دَمُهُ، وعُقِرَ جَوادُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ».
وَفِي " سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ ": «إنَّ مِن أعْظَمِ الجِهادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عَنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ» وهو لأحمد والنَّسائِيِّ مُرْسَلًا.
وَصَحَّ عَنْهُ: «أنَّهُ لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِهِ يُقاتِلُونَ عَلى الحَقِّ لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهم حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ» وفي لَفْظٍ: «حَتّى يُقاتِلَ آخِرُهُمُ المَسِيحَ الدَّجّالَ».
فَصْلٌ
وَفِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ تُعْلَمُ حَياةُ الشُّهَداءِ، وأنَّهم عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وأنَّها أكْمَلُ مِن حَياتِهِمْ في هَذِهِ الدُّنْيا، وأتَمُّ وأطْيَبُ، وإنْ كانَتْ أجْسادُهم مُتَلاشِيَةً، ولُحُومُهم مُتَمَزِّقَةً، وأوْصالُهم مُتَفَرِّقَةً، وعِظامُهم نَخِرَةً، فَلَيْسَ العَمَلُ عَلى الطَّلَلِ إنَّما الشَّأْنُ في السّاكِنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وقالَ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤] وإذا كانَ الشُّهَداءُ إنَّما نالُوا هَذِهِ الحَياةَ بِمُتابَعَةِ الرُّسُلِ وعَلى أيْدِيهِمْ، فَما الظَّنُّ بِحَياةِ الرُّسُلِ في البَرْزَخِ؟ ولَقَدْ أحْسَنَ القائِلُ:
؎فالعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ ∗∗∗ والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي
فَلِلرُّسُلِ والشُّهَداءِ والصِّدِّيقِينَ مِن هَذِهِ الحَياةِ الَّتِي هي يَقْظَةٌ مِن نَوْمِ الدُّنْيا أكْمَلُها وأتَمُّها، وعَلى قَدْرِ حَياةِ العَبْدِ في هَذا العالَمِ يَكُونُ شَوْقُهُ إلى هَذِهِ الحَياةِ، وسَعْيُهُ وحِرْصُهُ عَلى الظَّفَرِ بِها، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
3:171Page 72
۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١
They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -
No commentary for this ayah
3:172Page 72
ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢
Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -
No commentary for this ayah
3:173Page 72
ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣
Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1
في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِلرَّجُلِ الَّذِي قَضى عَلَيْهِ، فَقالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلى العَجْزِ، ولَكِنْ عَلَيْكَ بِالكَيْسِ، فَإذا غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ»
فَهَذا قالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» بَعْدَ عَجْزِهِ عَنِ الكَيْسِ، الَّذِي لَوْ قامَ بِهِ، لَقُضِيَ لَهُ عَلى خَصْمِهِ، فَلَوْ فَعَلَ الأسْبابَ الَّتِي يَكُونُ بِها كَيِّسًا، ثُمَّ غُلِبَ فَقالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» لَكانَتِ الكَلِمَةُ قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَها، كَما أنَّ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ، لَمّا فَعَلَ الأسْبابَ المَأْمُورَ بِها، ولَمْ يَعْجِزْ بِتَرْكِها، ولا بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنها، ثُمَّ غَلَبَهُ عَدُوُّهُ، وألْقَوْهُ في النّارِ، قالَ في تِلْكَ الحالِ: «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَوَقَعَتِ الكَلِمَةُ مَوْقِعَها، واسْتَقَرَّتْ في مَظانِّها، فَأثَّرَتْ أثَرَها، وتَرَتَّبَ عَلَيْها مُقْتَضاها.
[التَّوَكُّلُ]
وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأصْحابُهُ، يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا قِيلَ لَهم بَعْدَ انْصِرافِهِمْ مِن أُحُدٍ: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ فَتَجَهَّزُوا وخَرَجُوا لِلِقاءِ عَدُوِّهِمْ، وأعْطَوْهُمُ الكَيْسَ مِن نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ قالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأثَّرَتِ الكَلِمَةُ أثَرَها، واقْتَضَتْ مُوجَبَها، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ فَجَعَلَ التَّوَكُّلَ بَعْدَ التَّقْوى الَّذِي هو قِيامُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، فَحِينَئِذٍ إنْ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ، فَهو حَسْبُهُ، وكَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١] فالتَّوَكُّلُ والحَسْبُ بِدُونِ قِيامِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها عَجْزٌ مَحْضٌ، فَإنْ كانَ مَشُوبًا بِنَوْعٍ مِنَ التَّوَكُّلِ، فَهو تَوَكُّلُ عَجْزٍ، فَلا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَجْعَلَ تَوَكُّلَهُ عَجْزًا، ولا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكُّلًا، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكُّلَهُ مِن جُمْلَةِ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها الَّتِي لا يَتِمُّ المَقْصُودُ إلّا بِها كُلِّها.
وَمِن هاهُنا غَلِطَ طائِفَتانِ مِنَ النّاسِ: إحْداهُما: زَعَمَتْ أنَّ التَّوَكُّلَ وحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ كافٍ في حُصُولِ المُرادِ، فَعُطِّلَتْ لَهُ الأسْبابُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَةُ اللَّهِ المُوصِلَةُ إلى مُسَبِّباتِها، فَوَقَعُوا في نَوْعِ تَفْرِيطٍ وعَجْزٍ، بِحَسَبِ ما عَطَّلُوا مِنَ الأسْبابِ، وضَعُفَ تَوَكُّلُهم مِن حَيْثُ ظَنُّوا قُوَّتَهُ بِانْفِرادِهِ عَنِ الأسْبابِ، فَجَمَعُوا الهَمَّ كُلَّهُ، وصَيَّرُوهُ هَمًّا واحِدًا، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ قُوَّةٌ مِن هَذا الوَجْهِ، فَفِيهِ ضَعْفٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى، فَكُلَّما قَوِيَ جانِبُ التَّوَكُّلِ بِإفْرادِهِ أضْعَفَهُ التَّفْرِيطُ في السَّبَبِ الَّذِي هو مَحَلُّ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ التَّوَكُّلَ مَحَلُّهُ الأسْبابُ، وكَمالُهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ فِيها، وهَذا كَتَوَكُّلِ الحَرّاثِ الَّذِي شَقَّ الأرْضَ، وألْقى فِيها البِذْرَ، فَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في زَرْعِهِ وإنْباتِهِ، فَهَذا قَدْ أعْطى التَّوَكُّلَ حَقَّهُ، ولَمْ يَضْعُفْ تَوَكُّلُهُ بِتَعْطِيلِ الأرْضِ، وتَخْلِيَتِها بُورًا، وكَذَلِكَ تَوَكُّلُ المُسافِرِ في قَطْعِ المَسافَةِ مَعَ جِدِّهِ في السَّيْرِ، وتَوَكُّلُ الأكْياسِ مِنَ النَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ، والفَوْزِ بِثَوابِهِ، مَعَ اجْتِهادِهِمْ في طاعَتِهِ، فَهَذا هو التَّوَكُّلُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَ مَن قامَ بِهِ.
وَأمّا تَوَكُّلُ العَجْزِ والتَّفْرِيطِ، فَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أثَرُهُ، ولَيْسَ اللَّهُ حَسْبَ صاحِبِهِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما يَكُونُ حَسْبَ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ إذا اتَّقاهُ، وتَقْواهُ فِعْلُ الأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، لا إضاعَتُها.
والطّائِفَةُ الثّانِيَةُ: الَّتِي قامَتْ بِالأسْبابِ، ورَأتِ ارْتِباطَ المُسَبِّباتِ بِها شَرْعًا وقَدَرًا، وأعْرَضَتْ عَنْ جانِبِ التَّوَكُّلِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ وإنْ نالَتْ بِما فَعَلَتْهُ مِنَ الأسْبابِ ما نالَتْهُ، فَلَيْسَ لَها قُوَّةُ أصْحابِ التَّوَكُّلِ، ولا عَوْنُ اللَّهِ لَهم وكِفايَتُهُ إيّاهم ودِفاعُهُ عَنْهُمْ، بَلْ هي مَخْذُولَةٌ عاجِزَةٌ، بِحَسَبِ ما فاتَها مِنَ التَّوَكُّلِ.
فالقُوَّةُ كُلُّ القُوَّةِ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أقْوى النّاسِ، فَلْيَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، فالقُوَّةُ مَضْمُونَةٌ لِلْمُتَوَكِّلِ، والكِفايَةُ والحَسْبُ والدَّفْعُ عَنْهُ، وإنَّما يَنْقُصُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ بِقَدْرِ ما يَنْقُصُ مِنَ التَّقْوى والتَّوَكُّلِ، وإلّا
فَمَعَ تَحَقُّقِهِ بِهِما، لا بُدَّ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، ويَكُونُ اللَّهُ حَسْبَهُ وكافِيَهُ.
والمَقْصُودُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرْشَدَ العَبْدَ إلى ما فِيهِ غايَةُ كَمالِهِ، ونَيْلُ مَطْلُوبِهِ، أنْ يَحْرِصَ عَلى ما يَنْفَعُهُ، ويَبْذُلَ فِيهِ جَهْدَهُ، وحِينَئِذٍ يَنْفَعُهُ التَّحَسُّبُ، وقَوْلُ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» بِخِلافِ مَن عَجَزَ وفَرَّطَ، حَتّى فاتَتْهُ مَصْلَحَتُهُ، ثُمَّ قالَ «حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَإنَّ اللَّهَ يَلُومُهُ، ولا يَكُونُ في هَذا الحالِ حَسْبَهُ، فَإنَّما هو حَسْبُ مَنِ اتَّقاهُ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
3:174Page 73
فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤
So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.
No commentary for this ayah
3:175Page 73
إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥
That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الخَوْفِ]
وَمِن مَنازِلِ (﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]) مَنزِلَةُ الخَوْفِ.
وَهِيَ مِن أجَلِّ مَنازِلِ الطَّرِيقِ وأنْفَعِها لِلْقَلْبِ، وهي فَرْضٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] وقالَ تَعالى ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] وقالَ ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤] ومَدَحَ أهْلَهُ في كِتابِهِ وأثْنى عَلَيْهِمْ، فَقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] وفي المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أهْوَ الَّذِي يَزْنِي، ويَشْرَبُ الخَمْرَ، ويَسْرِقُ؟ قالَ: لا يا ابْنَةَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ ويُصَلِّي ويَتَصَدَّقُ، ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ» قالَ الحَسَنُ: عَمِلُوا واللَّهِ بِالطّاعاتِ، واجْتَهَدُوا فِيها، وخافُوا أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إحْسانًا وخَشْيَةً، والمُنافِقَ جَمَعَ إساءَةً وأمْنًا.
و(الوَجَلُ) و(الخَوْفُ) و(الخَشْيَةُ) و(الرَّهْبَةُ) ألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ غَيْرُ مُتَرادِفَةٍ.
قالَ أبُو القاسِمِ الجُنَيْدُ: الخَوْفُ تَوَقُّعُ العُقُوبَةِ عَلى مَجارِي الأنْفاسِ.
وَقِيلَ: الخَوْفُ اضْطِرابُ القَلْبِ وحَرَكَتُهُ مِن تَذَكُّرِ المَخُوفِ.
وَقِيلَ: الخَوْفُ قُوَّةُ العِلْمِ بِمَجارِي الأحْكامِ، وهَذا سَبَبُ الخَوْفِ، لا أنَّهُ نَفْسُهُ
وَقِيلَ: الخَوْفُ هَرَبُ القَلْبِ مِن حُلُولِ المَكْرُوهِ عِنْدَ اسْتِشْعارِهِ.
و(الخَشْيَةُ) أخَصُّ مِنَ الخَوْفِ، فَإنَّ الخَشْيَةَ لِلْعُلَماءِ بِاللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَهي خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِمَعْرِفَةٍ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنِّي أتْقاكم لِلَّهِ، وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً».
فالخَوْفُ حَرَكَةٌ، والخَشْيَةُ انْجِماعٌ، وانْقِباضٌ وسُكُونٌ، فَإنَّ الَّذِي يَرى العَدُوَّ والسَّيْلَ ونَحْوَ ذَلِكَ لَهُ حالَتانِ:
إحْداهُما: حَرَكَةٌ لِلْهَرَبِ مِنهُ، وهي حالَةُ الخَوْفِ.
والثّانِيَةُ: سُكُونُهُ وقَرارُهُ في مَكانٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ فِيهِ، وهي الخَشْيَةُ، ومِنهُ: انْخَشى الشَّيْءُ، والمُضاعَفُ والمُعْتَلُّ أخَوانِ، كَتَقَضِّي البازِيِّ وتَقَضَّضَ.
وَأمّا الرَّهْبَةُ فَهي الإمْعانُ في الهَرَبِ مِنَ المَكْرُوهِ، وهي ضِدُّ الرَّغْبَةِ الَّتِي هي سَفَرُ القَلْبِ في طَلَبِ المَرْغُوبِ فِيهِ.
وَبَيْنَ الرَّهَبِ والهَرَبِ تَناسُبٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، يَجْمَعُهُما الِاشْتِقاقُ الأوْسَطُ الَّذِي هو عَقْدُ تَقالِيبِ الكَلِمَةِ عَلى مَعْنًى جامِعٍ.
وَأمّا الوَجَلُ فَرَجَفانُ القَلْبِ، وانْصِداعُهُ لِذِكْرِ مَن يُخافُ سُلْطانُهُ وعُقُوبَتُهُ، أوْ لِرُؤْيَتِهِ.
وَأمّا الهَيْبَةُ فَخَوْفٌ مُقارِنٌ لِلتَّعْظِيمِ والإجْلالِ، وأكْثَرُ ما يَكُونُ مَعَ المَحَبَّةِ والمَعْرِفَةِ. والإجْلالُ: تَعْظِيمٌ مَقْرُونٌ بِالحُبِّ.
فالخَوْفُ لِعامَّةِ المُؤْمِنِينَ، والخَشْيَةُ لِلْعُلَماءِ العارِفِينَ، والهَيْبَةُ لِلْمُحِبِّينَ، والإجْلالُ لِلْمُقَرَّبِينَ، وعَلى قَدْرِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ يَكُونُ الخَوْفُ والخَشْيَةُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنِّي لَأعْلَمُكم بِاللَّهِ، وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً» وفي رِوايَةٍ " خَوْفًا " وقالَ «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ولَما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى».
فَصاحِبُ الخَوْفِ يَلْتَجِئُ إلى الهَرَبِ، والإمْساكِ، وصاحِبُ الخَشْيَةِ يَلْتَجِئُ إلى الِاعْتِصامِ بِالعِلْمِ، ومَثَلُهُما مَثَلُ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِالطِّبِّ، ومَثَلُ الطَّبِيبِ الحاذِقِ، فالأوَّلُ يَلْتَجِئُ إلى الحِمْيَةِ والهَرَبِ، والطَّبِيبُ يَلْتَجِئُ إلى مَعْرِفَتِهِ بِالأدْوِيَةِ والأدْواءِ.
قالَ أبُو حَفْصٍ: الخَوْفُ سَوْطُ اللَّهِ، يُقَوِّمُ بِهِ الشّارِدِينَ عَنْ بابِهِ، وقالَ: الخَوْفُ سِراجٌ في القَلْبِ، بِهِ يُبْصَرُ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وكُلُّ أحَدٍ إذا خِفْتَهُ هَرَبْتَ مِنهُ إلّا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّكَ إذْ خِفْتَهُ هَرَبْتَ إلَيْهِ.
فالخائِفُ هارِبٌ مِن رَبِّهِ إلى رَبِّهِ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ: ما فارَقَ الخَوْفُ قَلْبًا إلّا خَرِبَ، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ سُفْيانَ: إذا سَكَنَ الخَوْفُ القُلُوبَ أحْرَقَ مَواضِعَ الشَّهَواتِ مِنها، وطَرَدَ الدُّنْيا عَنْها، وقالَ ذُو النُّونِ: النّاسُ عَلى الطَّرِيقِ ما لَمْ يَزُلْ عَنْهُمُ الخَوْفُ، فَإذا زالَ عَنْهُمُ الخَوْفُ ضَلُّوا الطَّرِيقَ، وقالَ حاتِمٌ الأصَمُّ: لا تَغْتَرَّ بِمَكانٍ صالِحٍ، فَلا مَكانَ أصْلَحُ مِنَ الجَنَّةِ، ولَقِيَ فِيها آدَمُ ما لَقِيَ، ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ العِبادَةِ، فَإنَّ إبْلِيسَ بَعْدَ طُولِ العِبادَةِ لَقِيَ ما لَقِيَ، ولا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ العِلْمِ، فَإنَّ بَلْعامَ بْنَ باعُورا لَقِيَ ما لَقِيَ وكانَ يَعْرِفُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، ولا تَغْتَرَّ بِلِقاءِ الصّالِحِينَ ورُؤْيَتِهِمْ، فَلا شَخْصَ أصْلَحُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ولَمْ يَنْتَفِعْ بِلِقائِهِ أعْداؤُهُ والمُنافِقُونَ.
والخَوْفُ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذاتِهِ، بَلْ هو مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ قَصْدَ الوَسائِلِ، ولِهَذا يَزُولُ بِزَوالِ المَخُوفِ، فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.
والخَوْفُ يَتَعَلَّقُ بِالأفْعالِ، والمَحَبَّةُ تَتَعَلَّقُ بِالذّاتِ والصِّفاتِ، ولِهَذا تَتَضاعَفُ مَحَبَّةُ المُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ إذا دَخَلُوا دارَ النَّعِيمِ، ولا يَلْحَقُهم فِيها خَوْفٌ، ولِهَذا كانَتْ مَنزِلَةُ المَحَبَّةِ ومَقامُها أعْلى وأرْفَعَ مِن مَنزِلَةِ الخَوْفِ ومَقامِهِ.
والخَوْفُ المَحْمُودُ الصّادِقُ: ما حالَ بَيْنَ صاحِبِهِ وبَيْنَ مَحارِمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَإذا تَجاوَزَ ذَلِكَ خِيفَ مِنهُ اليَأْسُ والقُنُوطُ.
قالَ أبُو عُثْمانَ: صِدْقُ الخَوْفِ هو الوَرَعُ عَنِ الآثامِ ظاهِرًا وباطِنًا.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَقُولُ: الخَوْفُ المَحْمُودُ ما حَجَزَكَ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ.
وَقالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الخَوْفُ هو الِانْخِلاعُ مِن طُمَأْنِينَةِ الأمْنِ بِمُطالَعَةِ الخَبَرِ.
يَعْنِي الخُرُوجَ عَنْ سُكُونِ الأمْنِ بِاسْتِحْضارِ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ، الدَّرَجَةُ الأُولى: الخَوْفُ مِنَ العُقُوبَةِ، وهو الخَوْفُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ الإيمانُ، وهو خَوْفُ العامَّةِ، وهو يَتَوَلَّدُ مِن تَصْدِيقِ الوَعِيدِ، وذِكْرِ الجِنايَةِ، ومُراقَبَةِ العاقِبَةِ.
والخَوْفُ مَسْبُوقٌ بِالشُّعُورِ والعِلْمِ، فَمُحالٌ خَوْفُ الإنْسانِ مِمّا لا شُعُورَ لَهُ بِهِ.
وَلَهُ مُتَعَلَّقانِ، أحَدُهُما: نَفْسُ المَكْرُوهِ المَحْذُورِ وُقُوعُهُ، والثّانِي: السَّبَبُ والطَّرِيقُ المُفْضِي إلَيْهِ، فَعَلى قَدْرِ شُعُورِهِ بِإفْضاءِ السَّبَبِ إلى المَخُوفِ، وبِقَدْرِ المُخَوِّفِ يَكُونُ خَوْفُهُ، وما نَقَصَ مِن شُعُورِهِ بِأحَدِ هَذَيْنِ نَقَصَ مِن خَوْفِهِ بِحَسَبِهِ.
فَمَن لَمْ يَعْتَقِدْ أنَّ سَبَبَ كَذا يُفْضِي إلى مَحْذُورِ كَذا لَمْ يَخَفْ مِن ذَلِكَ السَّبَبِ، ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ يُفْضِي إلى مَكْرُوهٍ ما، ولَمْ يَعْرِفْ قَدْرَهُ لَمْ يَخَفْ مِنهُ ذَلِكَ الخَوْفَ، فَإذا عَرَفَ قَدْرَ المُخَوِّفِ، وتَيَقَّنَ إفْضاءَ السَّبَبِ إلَيْهِ حَصَلَ لَهُ الخَوْفُ.
هَذا مَعْنى تَوَلُّدِهِ مِن تَصْدِيقِ الوَعِيدِ، وذِكْرِ الجِنايَةِ، ومُراقَبَةِ العاقِبَةِ.
وَفِي مُراقَبَةِ العاقِبَةِ: زِيادَةُ اسْتِحْضارِ المُخَوِّفِ، وجَعْلُهُ نُصْبَ عَيْنِهِ، بِحَيْثُ لا يَنْساهُ، فَإنَّهُ وإنْ كانَ عالِمًا بِهِ لَكِنَّ نِسْيانَهُ وعَدَمَ مُراقَبَتِهِ يَحُولُ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ الخَوْفِ، فَلِذَلِكَ كانَ الخَوْفُ عَلامَةَ صِحَّةِ الإيمانِ، وتَرَحُّلُهُ مِنَ القَلْبِ عَلامَةُ تَرَحُّلِ الإيمانِ مِنهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَصْلٌ.
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: خَوْفُ المَكْرِ في جَرَيانِ الأنْفاسِ المُسْتَغْرِقَةِ في اليَقَظَةِ، المَشُوبَةِ بِالحَلاوَةِ.
يُرِيدُ أنَّ مَن حَصَلَتْ لَهُ اليَقَظَةُ بِلا غَفْلَةٍ، واسْتَغْرَقَتْ أنْفاسُهُ فِيها اسْتَحْلى ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا أحْلى مِنَ الحُضُورِ في اليَقَظَةِ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَخافَ المَكْرَ، وأنْ يُسْلَبَ هَذا الحُضُورَ، واليَقَظَةَ والحَلاوَةَ، فَكَمْ مِن مَغْبُوطٍ بِحالِهِ انْعَكَسَ عَلَيْهِ الحالُ، ورَجَعَ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ إلى قَبِيحِ الأعْمالِ، فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ويَضْرِبُ بِاليَمِينِ عَلى الشِّمالِ؟ بَيْنَما بَدْرُ أحْوالِهِ مُسْتَنِيرًا في لَيالِي التَّمامِ، إذْ أصابَهُ الكُسُوفُ فَدَخَلَ في الظَّلامِ، فَبُدِّلَ بِالأُنْسِ وحْشَةً، وبِالحُضُورِ غَيْبَةً، وبِالإقْبالِ إعْراضًا، وبِالتَّقْرِيبِ إبْعادًا، وبِالجَمْعِ تَفْرِقَةً، كَما قِيلَ:
؎أحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالأيّامِ إذْ حَسُنَتْ ∗∗∗ ولَمْ تَخَفْ سُوءَ ما يَأْتِي بِهِ القَدَرُ
؎وَسالَمَتْكَ اللَّيالِي فاغْتَرَرْتَ بِها ∗∗∗ وعِنْدَ صَفْوِ اللَّيالِي يَحْدُثُ الكَدَرُ
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ [دَرَجَةُ الخاصَّةِ] ولَيْسَ في مَقامِ أهْلِ الخُصُوصِ وحْشَةُ الخَوْفِ، إلّا هَيْبَةَ الجَلالِ، وهي أقْصى دَرَجَةٍ يُشارُ إلَيْها في غايَةِ الخَوْفِ.
يَعْنِي أنَّ وحْشَةَ الخَوْفِ إنَّما تَكُونُ مَعَ الِانْقِطاعِ والإساءَةِ، وأهْلُ الخُصُوصِ أهْلُ وُصُولٍ إلى اللَّهِ وقُرْبٍ مِنهُ، فَلَيْسَ خَوْفُهم خَوْفَ وحْشَةٍ، كَخَوْفِ المُسِيئِينَ المُنْقَطِعِينَ، لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مَعَهم بِصِفَةِ الإقْبالِ عَلَيْهِمْ، والمَحَبَّةِ لَهُمْ، وهَذا بِخِلافِ هَيْبَةِ الجَلالِ، فَإنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، وكُلَّما كانَ عَبْدُهُ بِهِ أعْرَفَ وإلَيْهِ أقْرَبَ، كانَتْ هَيْبَتُهُ وإجْلالُهُ في قَلْبِهِ أعْظَمَ، وهي أعْلى مِن دَرَجَةِ خَوْفِ العامَّةِ.
قالَ: وهي هَيْبَةٌ تُعارِضُ المُكاشِفَ أوْقاتَ المُناجاةِ، وتَصُونُ المُسامِرَ أحْيانَ المُسامَرَةِ، وتَفْصِمُ المُعايِنَ بِصَدْمَةِ العِزَّةِ.
يَعْنِي أنَّ أكْثَرَ ما تَكُونُ الهَيْبَةُ أوْقاتَ المُناجاةِ، وهو وقْتُ تَمَلُّقِ العَبْدِ رَبَّهُ، وتَضَرُّعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، واسْتِعْطافِهِ، والثَّناءِ عَلَيْهِ بِآلائِهِ وأسْمائِهِ وأوْصافِهِ، أوْ مُناجاتِهِ بِكَلامِهِ، هَذا هو مُرادُ القَوْمِ بِالمُناجاةِ.
وَهَذِهِ المُناجاةُ تُوجِبُ كَشْفَ الغِطاءِ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ الرَّبِّ، ورَفْعَ الحِجابِ المانِعِ مِن مُكافَحَةِ القَلْبِ لِأنْوارِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وتَجَلِّيها عَلَيْهِ، فَتُعارِضُهُ الهَيْبَةُ في خِلالِ هَذِهِ الأوْقاتِ، فَيَفِيضُ مِن عَنانِ مُناجاتِهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ وارِدِها.
وَأمّا صَوْنُ المُسامِرِ أحْيانَ المُسامَرَةِ: فالمُسامَرَةُ عِنْدَهُمْ: أخَصُّ مِنَ المُناجاةِ، وهي مُخاطَبَةُ القَلْبِ لِلرَّبِّ خِطابَ المُحِبِّ لِمَحْبُوبِهِ، فَإنْ لَمْ يُقارِنْها هَيْبَةُ جَلالِهِ، أخَذَتْ بِهِ في الِانْبِساطِ والإدْلالِ، فَتَجِيءُ الهَيْبَةُ صائِنَةً لِلْمُسامِرِ في مُسامَرَتِهِ عَنِ انْخِلاعِهِ مِن أدَبِ العُبُودِيَّةِ.
وَأمّا فَصْمُها المُعايِنَ بِصَدْمَةِ العِزَّةِ فَإنَّ الفَصْمَ هو القَطْعُ أيْ تَكادُ تَقْتُلُهُ وتَمْحَقُهُ بِصَدْمَةِ عِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِمَعانِيها الثَّلاثَةِ، وهي عِزَّةُ الِامْتِناعِ، وعِزَّةُ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وعِزَّةُ السُّلْطانِ والقَهْرِ، فَإذا صَدَمَتِ المُعايِنَ كادَتْ تَفْصِمُهُ وتَمْحَقُ أثَرَهُ، إذْ لا يَقُومُ لِعِزَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ شَيْءٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فصل)
يا مغرورا بالأماني لعن إبْلِيس وأهبط من منزل العِزّ بترك سَجْدَة واحِدَة أمر بها، وأخرج آدم من الجنَّة بلقمة تناولها وحجب القاتِل عَنْها بعد أن رَآها عيانًا بملء كف من دم وأمر بقتل الزّانِي أشنع القتلات بإيلاج قدر الأُنْمُلَة فِيما لا يحل وأمر بإيساع الظّهْر سياطا بِكَلِمَة قذف أو بقطرة سكر وأبان عضوا من أعضائك بِثَلاثَة دَراهِم فَلا تأمنه أن يحبسك في النّار بِمَعْصِيَة واحِدَة من مَعاصيه ﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾
دخلت امْرَأة النّار في هرة وإن الرجل ليَتَكَلَّم بِالكَلِمَةِ لا يلقِي لَها بالا يهوي بها في النّار أبعد ما بَين المشرق والمغْرب وإن الرجل ليعْمَل بِطاعَة الله سِتِّينَ سنة فَإذا كانَ عند المَوْت جار في الوَصِيَّة فيختم لَهُ بِسوء عمله فَيدْخل النّار العُمر بآخره والعَمَل بخاتمته من أحدث قبل السَّلام بَطل ما مضى من صلاته ومن أفطر قبل غرُوب الشَّمْس ذهب صِيامه ضائعا ومن أساءَ في آخر عمره لقي ربه في ذَلِك الوَجْه لَو قدمت لقْمَة وجدتها ولَكِن يُؤْذِيك الشره كم جاءَ الثَّواب يسْعى إلَيْك فَوقف بِالبابِ فَرده بواب سَوف ولَعَلَّ وعَسى كَيفَ الفَلاح بَين إيمان ناقص وأمل زائِد ومرض لا طَبِيب لَهُ ولا عائِد وهوى مستيقظ وعقل راقِد ساهِيا في غمرته عَمها في سكرته سابحا في لجّة جَهله مستوحشا من ربه مستأنسا بخلقه ذكر النّاس فاكهته وقوته وذكر الله حَبسه ومَوته لله مِنهُ جُزْء يسير من ظاهره وقَلبه ويقينه لغيره
؎لا كانَ من سواك فِيهِ بَقِيَّة ∗∗∗ يجد السَّبِيل بها إلَيْهِ العذل
3:176Page 73
وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦
And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences