Ibn al-QayyimAli 'Imran · 3:177–192

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:177–192

3:177Page 73

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.

No commentary for this ayah

3:178Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

No commentary for this ayah

3:179Page 73

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩

Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

هَذِه الآيَة من كنوز القُرْآن نبه فِيها على حكمته تَعالى المُقْتَضِيَة تَمْيِيز الخَبيث من الطّيب، وأن ذَلِك التَّمْيِيز لا يَقع إلّا برسله فاجتبى مِنهُم من شاءَ وأرسله إلى عباده، فيتميز برسالتهم الخَبيث من الطّيب، والولي من العَدو، ومن يصلح لمجاورته وقربه وكرامته مِمَّن لا يصلح إلّا للوقود، وفي هَذا تَنْبِيه على الحِكْمَة في إرْسال الرُّسُل وأنه لا بُد مِنهُ وأن الله تَعالى لا يَلِيق بِهِ الإخْلال بِهِ وأن من جحد رِسالَة رسله فَما قدره حق قدره ولا عرفه حق مَعْرفَته ونسبه إلى ما لا يَلِيق بِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿وَما قدرُوا الله حق قدره إذْ قالُوا ما أنزل الله على بشر من شَيْء﴾

فَتَأمل هَذا الموضع حق التَّأمُّل وأعطه حَظه من الفِكر فَلَو لم يكن في هَذا الكتاب سواهُ لَكانَ من أجل ما يُسْتَفاد.

والله الهادِي إلى سَبِيل الرشاد.

3:180Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠

And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

No commentary for this ayah

3:181Page 74

لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١

Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

No commentary for this ayah

3:182Page 74

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢

That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

No commentary for this ayah

3:183Page 74

ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣

[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

No commentary for this ayah

3:184Page 74

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤

Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1

No commentary for this ayah

3:185Page 74

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

(فصل الدُّنْيا كامرأة بغي لا تثبت مَعَ زوج إنَّما تخْطب الأزْواج ليستحسنوا عَلَيْها فَلا ترْضى بالدياثة)

؎ميزت بَين جمالها وفعالها ∗∗∗ فَإذا الملاحة بالقباحة لا تفي

؎حَلَفت لنا أن لا تخون عُهُودنا ∗∗∗ فَكَأنَّها حَلَفت لنا أن لا تفي

السّير في طلبَها سير في أرض مسبعَة والسباحة فِيها سباحة في غَدِير التمساح المفروح بِهِ مِنها هو عين المحزون عَلَيْهِ آلامها مُتَوَلّدَة من لذاتها وأحزانها من أفراحها

؎مآرب كانَت في الشَّباب لأهْلها ∗∗∗ عَذاب فَصارَت في المشيب عذابا

طائِر الطَّبْع يرى الحبَّة وعين العقل ترى الشّرك غير أن عين الهوى عميا

؎وَعين الرِّضا عَن كل عيب كليلة ∗∗∗ كَما أن عين السخط تبدي المساويا

تزخرفت الشَّهَوات لأعين الطباع فغض عَنْها ﴿الَّذين يُؤمنُونَ بِالغَيْبِ﴾ ووَقع تابعوها في بيداء الحسرات وب ﴿أؤلئك عَلى هُدىً مِن رَبهم وأؤلئك هم المفلحون﴾ وهَؤُلاء يُقال لَهُم ﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكُم مجرمون﴾

لما عرف الموفقون قدر الحَياة الدُّنْيا وقلة المقام فِيها أماتوا فيها الهوى طلبا لحياة الأبَد لما استيقظوا من نوم الغَفْلَة استرجعوا بالجد ما أنهبه العَدو مِنهُم في زمن البطالة فَلَمّا طالَتْ عَلَيْهِم الطَّرِيق تلمحوا المَقْصد فَقرب عَلَيْهِم البعيد وكلما أمرت لَهُم الحَياة حلى لَهُم تذكر ﴿هَذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُم توعدون﴾

؎وَركب سروا اللَّيْل ملق رواقه ∗∗∗ على كل مغْبرّ المطالع قائِم

؎حدوا عَزمات ضاعَت الأرْض بَينها ∗∗∗ فَصارَ سراهم في طُلُوع العزائم

؎تريهم نُجُوم اللَّيْل ما يتبعونه ∗∗∗ على عاتق الشعري وهام النعائم

؎إذا اطردت في معرك الجد قصفوا ∗∗∗ رماح العطايا في صُدُور المكارم

3:186Page 74

۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.

(فصل)

وأما الصبر عن المعاصي فأمره ظاهر وأعظم ما يعين عليه قطع المألوفات ومفارقة الأعوان عليها في المجالسة والمحادثة وقطع العوائد فإن العادة طبيعة خاصة فإذا انضافت الشهوة إلى العادة تظاهر جندان من جند الشيطان فلا يقوى باعث الدين على قهرهما.

(فصل)

القسم الثاني ما لا يدخل تحت الاختيار وليس للعبد حيلة في دفعه كالمصائب التي لا صنع للعبد فيها كموت من يعز عليه وسرقة ماله ومرضه ونحو ذلك وهذا نوعان:

أحدهما ما لا صنع للعبد الآدمى فيه

والثاني ما أصابه من جهة آدمي مثله كالسب والضرب وغيرهما

فالنوع الأول للعبد فيه أربع مقامات أحدها مقام العجز وهو مقام الجزع والشكوى والسخط وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلا ودينا ومروءة وهو أعظم المصيبتين.

المقام الثاني: مقام الصبر إما لله وإما للمروءة الإنسانية.

المقام الثالث: مقام الرضا وهو أعلى من مقام الصبر وفي وجوبه نزاع والسير متفق على وجوبه

المقام الرابع مقام الشكر وهو أعلى من مقام الرضا فإنه يشهد البلية نعمة فيشكر المبتلي عليها

وأما النوع الثاني وهو ما أصابه من قبل الناس فله فيه هذه المقامات ويضاف إليها أربعة أخر أحدها مقام العفو والصفح والثاني مقام سلامة القلب من إرادة التشفي والانتقام وفراغه من ألم مطالعة الجناية كل وقت وضيقه بها الثالث مقام شهود القدر وإنه وأن كان ظالما بإيصال هذا الأذى إليك فالذي قدره عليك وأجراه على يد هذا الظالم ليس بظالم وأذى الناس مثل الحر والبرد لا حيلة في دفعه فالمنسخط من أذى الحر والبرد غير حازم والكل جار بالقدر وأن اختلفت طرقه وأسبابه

المقام الرابع مقام الإحسان إلى المسيء ومقابلة إساءته بإحسانك وفي هذا المقام من الفوائد والمصالح ما لا يعلمه إلا الله فإن فات العبد هذا المقام العالى فلا يرضى لنفسه بأخس المقامات وأسفلها

فصل القسم الثالث ما يكون وروده باختياره فإذا تمكن لم يكن له اختيار ولا حيلة في دفعه وهذا كالعشق أوله اختيار وآخره اضطرار وكالتعرض لأسباب الأمراض والآلام التي لا حيلة في دفعها بعد مباشرة أسبابها كما لا حيلة في دفع السكر بعد تناول المسكر فهذا كان فرضه الصبر عنه في أوله فلما فاته بقي فرضه الصبر عليه في آخره وأن لا يطيع داعي هواه ونفسه وللشيطان ها هنا دسيسة عجيبة وهي أن يخيل إليه أن ينل بعض ما منع قد يتعين عليه أو يباح له على سبيل التداوى وغايته أن يكون كالتداوى بالخمر والنجاسة وقد أجازه كثير من الفقهاء وهذا من أعظم الجهل فإن هذا التداوى لا يزيل الداء بل يزيده ويقويه وكم ممن تداوى بذلك فكان هلاك دينه ودنياه في هذا الدواء بل الدواء النافع لهذا الداء الصبر والتقوى كما قال تعالى ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقال ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ فالصبر والتقوى دواء كل داء من أدواء الدين ولا يستغني أحدهما عن صاحبه.

فإن قيل فهل يثاب على الصبر في هذا القسم إذا كان عاصيا مفرطا يتعاطى أسبابه وهل يكون معاقبا على ما تولد منه وهو غير اختيارى له؟

قيل نعم إذا صبر لله تعالى وندم على ما تعاطاه من السبب المحظور أثيب على صبره لأنه جهاد منه لنفسه وهو عمل صالح والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

وأما عقوبته على ما تولد منه فإنه يستحق العقوبة على السبب وما تولد منه كما يعاقب السكران على ما جناه في حال سكره فإذا كان السبب محظورا لم يكن السكران معذورا فإن الله سبحانه يعاقب على الأسباب المحرمة وعلى ما تولد منها كما يثيب على الأسباب المأمور بها وعلى ما يتولد منها ولذا كان من دعا إلى بدعة وضلالة فعليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه لأن اتباعهم له تولد عن فعله ولذلك كان على ابن آدم القاتل لأخيه كفل من ذنب كل قاتل إلى يوم القيامة وقد قال تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾ وقال تعالى ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم﴾.

3:187Page 75

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧

And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

No commentary for this ayah

3:188Page 75

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

No commentary for this ayah

3:189Page 75

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.

No commentary for this ayah

3:190Page 75

إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -

(فائِدَة الرب تَعالى يَدْعُو عباده في القُرْآن إلى مَعْرفَته من طَرِيقين)

أحدهما النّظر في مفعولاته، والثّانِي التفكر في آياته وتدبّرها فَتلك آياته المشهودة وهَذِه آياته المسموعة المعقولة فالنوع الأوّل كَقَوْلِه ﴿إنَّ في خلق السَّماوات والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ إلى آخرها

وَقَوله ﴿إنَّ في خلق السَّماوات والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألْباب﴾

وَهُوَ كثير في القُرْآن والثّانِي كَقَوْلِه ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآن﴾ وقَوله ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْل﴾ وقَوله ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياته﴾ وهو كثير أيْضا.

فأمّا المفعولات فَإنَّها دالّة على الأفْعال والأفْعال دالّة على الصِّفات فَإن المَفْعُول يدل على فاعل فعله وذَلِكَ يسْتَلْزم وجوده وقدرته ومشيئته وعلمه لِاسْتِحالَة صُدُور الفِعْل الِاخْتِيارِيّ من مَعْدُوم أو مَوْجُود لا قدرَة لَهُ ولا حَياة ولا علم ولا إرادَة ثمَّ ما في المفعولات من التخصيصات المتنوعة دالّ على إرادَة الفاعِل وأن فعله لَيْسَ بالطبع بِحَيْثُ يكون واحِدًا غير متكرر وما فِيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تَعالى وما فِيها من النَّفْع والإحْسان والخَيْر دال على رَحمته وما فِيها من البَطْش والانتقام والعقوبة دال على غَضَبه وما فِيها من الإكْرام والتقريب والعناية دال على محبّته وما فِيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته وما فِيها من ابْتِداء الشَّيْء في غايَة النَّقْص والضعف ثمَّ سوقه إلى تَمامه ونهايته دال على وُقُوع المعاد وما فِيها من أحْوال النَّبات والحَيَوان وتصرف المِياه دَلِيل على إمْكان المعاد وما فِيها من ظُهُور آثار الرَّحْمَة والنعْمَة على خلقه دَلِيل على صحّة النبوّات وما فِيها من الكمالات الَّتِي لَو عدمتها كانَت ناقِصَة دَلِيل على أن معطي تِلْكَ الكمالات أحَق بها فمفعولاته من أدل شَيْء على صِفاته وصدق ما أخْبرت بِهِ رسله عَنهُ فالمصنوعات شاهدة تصدق الآيات المسموعات منبّهة على الِاسْتِدْلال بِالآياتِ المصنوعات قالَ تَعالى ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ أي أن القُرْآن حق فَأخْبر أنّه لا بُد من أن يُرِيهم من آياته المشهودة ما يبيّن لَهُم أن آياته المتلوّة حق ثمَّ أخبر بكفاية شَهادَته على صِحَة خَبره بِما أقامَ من الدَّلائِل والبراهين على صدق رَسُوله فآياته شاهدة بصدقه وهو شاهد بِصدق رَسُوله بآياته وهو الشّاهِد والمشهود لَهُ وهو الدَّلِيل والمدلول عَلَيْهِ فَهو الدَّلِيل بِنَفسِهِ على نَفسه كَما قالَ بعض العارفين: كَيفَ أطلب الدَلِيل على من هو دَلِيل على كل شَيْء فَأي دَلِيل طلبته عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ أظهر مِنهُ ولِهَذا قالَ الرُّسُل لقومهم ﴿أفِي اللَّهِ شَكّ﴾ فَهو أعرف من كل مَعْرُوف وأبين من كل دَلِيل فالأشياء عُرفت بِهِ في الحَقِيقَة وإن كانَ عُرف بها في النّظر والِاسْتِدْلال بأفعاله وأحْكامه عَلَيْهِ.

3:191Page 75

ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١

Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

(قاعِدَة جليلة)

أصل الخَيْر والشَّر من قبل التفكّر فَإن الفِكر مبدأ الإرادَة والطلب في الزّهْد والتّرْك والحب والبغض وأنفع الفِكر الفِكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها فَهَذِهِ أرْبَعَة أفكار هي أجلّ الأفكار ويليها أرْبَعَة فكّر في مصالح الدُّنْيا وطرق تَحْصِيلها وفكّر في مفاسد الدُّنْيا وطرق الِاحْتِراز مِنها فعلى هَذِه الأقْسام الثَّمانِية دارت أفكار العُقَلاء ورَأس القسم الأول الفِكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونَهْيه وطرق العلم بِهِ وبأسمائه وصِفاته من كِتابه وسنة نبيه وما ولاهما وهَذا الفِكر يُثمر لصاحبه المحبَّة والمعرفة فَإذا فكر في الآخِرَة وشرفها ودوامها وفي الدُّنْيا وخستها وفنائها أثمر لَهُ ذَلِك الرَّغْبَة في الآخِرَة والزهد في الدُّنْيا وكلما فكّر في قصر الأمل وضيق الوَقْت أورثه ذَلِك الجدّ والِاجْتِهاد وبذل الوسع في اغتنام الوَقْت وهَذِه الأفكار تعلي همّته وتحييها بعد مَوتها وسفولها وتجعله في واد والنّاس في واد وبإزاء هَذِه الأفكار الأفكار الرَّديئَة الَّتِي تجول في قُلُوب أكثر هَذا الخلق كالفكر فِيما لم يُكَلف الفِكر فِيهِ ولا أعْطى الإحاطَة بِهِ من فضول العلم الَّذِي لا ينفع كالفكر في كَيْفيَّة ذات الرب وصِفاته مِمّا لا سَبِيل للعقول إلى إدْراكه ومِنها الفِكر في الصناعات الدقيقة الَّتِي لا تَنْفَع بل تضر كالفكر في الشطرنج والموسيقى وأنواع الأشكال والتصاوير ومِنها الفِكر في العُلُوم الَّتِي لَو كانَت صَحِيحَة لم يُعْط الفِكر فِيها النَّفس كمالا ولا شرفا كالفكر في دقائق المنطق والعلم الرياضي والطبيعي وأكْثر عُلُوم الفلاسفة الَّتِي لَو بلغ الإنْسان غايتها لم يكمل بذلك ولم يزك نَفسه ومِنها الفِكر في الشَّهَوات واللَّذّات وطرق تَحْصِيلها وهَذا وإن كانَ لنَفس فِيهِ لَذَّة لَكِن لا عاقِبَة لَهُ ومضرّته في عاقِبَة الدُّنْيا قبل الآخِرَة أضْعاف مسرّته ومِنها الفِكر فِيما لم يكن لَو كانَ كَيفَ كانَ يكون كالفكر فِيما إذا صار ملكا أو وجد كنزا أو ملك ضَيْعَة ماذا يصنع وكَيف يتصرّف ويَأْخُذ ويُعْطِي وينتقم ونَحْو ذَلِك من أفكار السّفل ومِنها الفِكر في جزيئات أحْوال النّاس وما جراياتهم ومداخلهم ومخارجهم وتوابع ذَلِك من فكر النُّفُوس المبطلة الفارغة من الله ورَسُوله والدّار الآخِرَة ومِنها الفِكر في دقائق الحِيَل والمَكْر الَّتِي يتَوَصَّل بها إلى أغراضه وهواه مُباحَة كانَت أو مُحرمَة ومِنها الفِكر في أنْواع الشّعْر وصروفه وأفانينه في المَدْح والهجاء والغزل والمراثي ونَحْوها فَإنَّهُ يشغل الإنْسان عَن الفِكر فِيما فِيهِ سعادته وحياته الدائمة ومِنها الفِكر في المقدرات الذهنية الَّتِي لا وجود لَها في الخارِج ولا بِالنّاسِ حاجَة إلَيْها ألْبَتَّةَ وذَلِكَ مَوْجُود في كل علم حَتّى في علم الفِقْه والأُصُول والطب فَكل هَذِه الأفكار مضرّتها أرجح من مَنفَعَتها ويكتفي في مضرّتها شغلها عَن الفِكر فِيما هو أولى بِهِ وأعود عَلَيْهِ بالنفع عاجلا وآجلا.

(فصل)

عَن بعض السّلف أنه قالَ تفكر ساعَة خير من عبادَة سِتِّينَ سنة

وسأل رجل أم الدَّرْداء بعد مَوته عَن عِبادَته فَقالَت كانَ نَهاره أجمعه في بادية التفكر.

وَقالَ الحسن تفكر ساعَة خير من قيام لَيْلَة.

وَقالَ الفضل التفكر مرْآة تريك حَسَناتك وسيئاتك.

وَقيل لإبراهيم إنَّك تطيل الفكرة؟ فَقالَ الفكرة مخ العقل.

وَكانَ سُفْيان كثيرا ما يتَمَثَّل:

؎إذا المَرْء كانَت لَهُ فكرة ∗∗∗ فَفي كل شَيْء لَهُ عِبْرَة

وَقالَ الحسن في قوله تَعالى: ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون في الأرض بِغَيْر الحق﴾

قالَ أمنعهم التفكر فِيها.

وَقالَ بعض العارفين لَو طالعت قُلُوب المُتَّقِينَ بفكرها إلى ما قدر في حجب الغَيْب من خير الآخرة لم يَصْف لَهُم في الدُّنْيا عَيْش ولم تقر لَهُم فِيها عين.

وَقالَ الحسن طول الوحدَة أتم للفكرة وطول الفكرة دَلِيل على طَرِيق الجنَّة.

وَقالَ وهب ما طالَتْ فكرة احْدُ قطّ إلا علم وما علم امْرُؤ قطّ إلا عمل

وَقالَ عمر بن عبد العزيز الفكرة في نعم الله من أفضل العِبادَة

وَقالَ عبد الله بن المُبارك لبَعض أصحابه وقد رَآهُ مفكرا ايْنَ بلغت قالَ الصِّراط

وَقالَ بشر لَو فكر النّاس في عَظمَة الله ما عصوه.

وَقالَ ابْن عَبّاس رَكْعَتانِ مقتصدتان في تفكر خير من قيام لَيْلَة بِلا قلب

وَقالَ أبو سُلَيْمان الفِكر في الدُّنْيا حجاب عَن الآخرة وعقوبة لأهل الولايَة والفكرة في الآخرة تورث الحِكْمَة وتجلي القُلُوب

وَقالَ ابْن عَبّاس التفكر في الخَيْر يَدْعُو إلى العَمَل بِهِ

وَقالَ الحسن أن أهل العلم لم يزالُوا يعودون بِالذكر على الفِكر والفكر على الذّكر ويناطقون القُلُوب حَتّى نطقت بالحكمة.

وَمن كَلام الشّافِعِي اسْتَعِينُوا على الكَلام بِالصَّمْتِ وعَلى الاستنباط بالفكرة وهَذا لأن الفكرة عمل القلب والعِبادَة عمل الجوارج والقلب أشرف من الجَوارِح فَكانَ عمله أشرف من عمل الجَوارِح، وأيضا فالتفكر يُوقع صاحبه من الإيمان على ما لا يوقعه عَلَيْهِ العَمَل المُجَرّد فإن التفكر يُوجب لَهُ من انكشاف حقائق الأمور وظهورها لَهُ وتميز مراتبها في الخَيْر والشَّر ومَعْرِفَة مفضولها من فاضلها وأقبحها من قبيحها ومَعْرِفَة أسبابها الموصلة إليها وما يُقاوم تِلْكَ الأسباب ويدْفَع مُوجبها، والتمييز بَين ما يَنْبَغِي السَّعْي في تحصيله وبَين ما يَنْبَغِي السَّعْي في دفع أسبابه والفرق بَين الوَهم والخيال المانِع لأكثر النُّفُوس من انتهاز الفرص بعد إمكانها وبَين السَّبَب المانِع حَقِيقَة فيشتغل بِهِ دون الأول فَما قطع العَبْد عَن كَماله وفلاحه وسعادته العاجلة والآجلة قاطع أعظم من الوَهم الغالِب على النَّفس والخيال الَّذِي هو مركبها بل بحرها الَّذِي لا تنفك سابحة فِيهِ، وإنَّما يقطع هَذا العارِض بفكرة صَحِيحَة وعزم صادِق يُمَيّز بِهِ بَين الوَهم والحقيقة، وكَذَلِكَ إذا فكر في عواقب الأمور وتجاوز فكره مباديها وضعها مواضعها وعلم مراتبها فَإذا ورد عَلَيْهِ وارِد الذَّنب والشهوة فَتَجاوز فكره لذته وفَرح النَّفس بِهِ إلى سوء عاقبته وما يَتَرَتَّب عَلَيْهِ من الألم والحزن الَّذِي لا يُقاوم تِلْكَ اللَّذَّة والفرحة ومن فكر في ذَلِك فَإنَّهُ لا يكاد يقدم عَلَيْهِ وكَذَلِكَ إذا ورد على قلبه وارِد الرّاحَة والدعة والكسل والتقاعد عَن مشقة الطّاعات وتعبها حَتّى عبر بفكره إلى ما يترب عَلَيْها من اللَّذّات والخيرات والأفراح الَّتِي تغمر تِلْكَ الآلام الَّتِي في مباديها بِالنِّسْبَةِ إلى كَمال عواقبها وكلما غاص فكره في ذَلِك اشْتَدَّ طلبه لَها وسَهل عَلَيْهِ معاناتها اسْتَقْبلها بنشاط وقُوَّة وعزيمة وكَذَلِكَ إذا فكر في مُنْتَهى ما يستعبده من المال والجاه والصور ونظر إلى غايَة ذَلِك بِعَين فكره اسْتَحى من عقله ونَفسه أن يكون عبدا لذَلِك كَما قيل:

؎لَو فكر العاشق في مُنْتَهى ∗∗∗ حسن الَّذِي يسبيه لم يسبه

وَكَذَلِكَ إذا فكر في آخر الأطعمة المفتخرة الَّتِي تفانت عَلَيْها نفوس اشباه الأنعام وما يصير أمرها إليه عند خُرُوجها ارْتَفَعت همته عَن صرفها إلى الاعتناء بها وجعلها معبود قلبه الَّذِي إليه يتَوَجَّه وله يرضى ويغضب ويسْعى ويكدح ويوالي ويعادي كَما جاءَ في المسند عَن النَّبِي أنه قالَ

"إن الله جعل طَعام ابْن آدم مثل الدُّنْيا وإن قزحه ملحه فَإنَّهُ يعلم إلى ما يصير "

أوْ كَما قالَ.

فَإذا وقع فكره على عاقِبَة ذَلِك وآخر أمره وكانَت نَفسه حرَّة أبيه ربابها أن يَجْعَلها عبدا لما آخِره أنتن شَيْء وأخبثه وأفحشه.

فصل إذا عرف هَذا فالفكر هو إحضار معرفتين في القلب ليستثمر مِنهُما معرفَة ثالِثَة، ومِثال ذَلِك إذا أحضر في قلبه العاجلة وعيشها ونعيمها وما يقْتَرن بِهِ من الآفات وانقطاعه وزواله ثمَّ أحضر في قلبه الآخرة ونَعِيمها ولذته ودوامه وفضله على نعيم الدُّنْيا وجزم بِهَذَيْنِ العلمين أثمر لَهُ ذَلِك علما ثالِثا وهو أن الآخرة ونَعِيمها الفاضِل الدّائِم أولى عند كل عاقل بإيثاره من العاجلة المنقطعة المنغصة، ثمَّ لَهُ في معرفَة الآخرة حالتان إحداهما أن يكون قد سمع ذَلِك من غَيره من غير أن يُباشر قلبه برد اليَقِين بِهِ ولم يفض قلبه إلى مكافحة حَقِيقَة الآخرة، وهَذا حال أكثر النّاس فيتجاذبه داعيان أحدهما داعِي العاجلة وإيثارها وهو أقوى الداعيين عِنْده، لأنه مشاهد لَهُ محسوس وداعي الآخرة وهو أضعف الداعيين عِنْده لأنه داع عَن سَماع لم يُباشر قلبه اليَقِين بِهِ ولا كافحه حَقِيقَته العلمية فَإذا ترك العاجلة للآخرة تريه نَفسه بأنه قد ترك مَعْلُوما لمظنون أو متحققا لموهوم فلسان الحال يُنادي عَلَيْهِ لا أدع ذرة منقودة لدرة موعودة وهَذِه الآفة هي الَّتِي منعت النُّفُوس من الاستعداد للآخرة وأن يسْعى لَها سعيها وهِي من ضعف العلم بها وتيقنها، وإلّا فَمَعَ الجَزْم التّام الَّذِي لا يخالج القلب فِيهِ شكّ لا يَقع التهاون بها وعدم الرَّغْبَة فِيها ولِهَذا لَو قدم لرجل طَعام في غايَة الطّيب واللذة وهو شَدِيد الحاجة إليه ثمَّ قيل لَهُ إنَّه مَسْمُوم فَإنَّهُ لا يقدم عَلَيْهِ لعلمه بِأن سوء ما تجني عاقِبَة تناوله تربو في المضرَّة على لَذَّة أكله فَما بال الإيمان بالآخرة لا يكون في قلبه بِهَذِهِ المنزلَة ما ذاك إلا لضعف شَجَرَة العلم والإيمان بها في القلب وعدم استقرارها فِيهِ وكَذَلِكَ إذا كانَ سائرا في طَرِيق فَقيل لَهُ إن بها قطاعا ولصوصا يقتلُون من وجدوه ويَأْخُذُونَ مَتاعه فإنه لا يسلكها إلا على أحد وجْهَيْن:

إما أن لا يصدق المخبر، وإمّا أن يَثِق من نَفسه بغلبتهم وقهرهم والانتصار عَلَيْهِم وآلاف فَمَعَ تَصْدِيقه للْخَبَر تَصْدِيقًا لا يتمارى فِيهِ وعلمه من نَفسه بضعفه وعجزه عَن مقاومتهم فَإنَّهُ لا يسلكها ولَو حصل لَهُ هَذانِ العلمان فِيما يرتكبه من إيثار الدُّنْيا وشهواتها لم يقدم على ذَلِك فَعلم أن إيثاره للعاجلة وترك استعداده للآخرة لا يكون قطّ مَعَ كَمال تَصْدِيقه وإيمانه أبدا.

الحالة الثّانِيَة أن يتَيَقَّن ويجزم جزما لا شكّ فِيهِ بِأن لَهُ دارا غير هَذِه الدّار ومعادا لَهُ خلق وأن هَذِه الدّار طَرِيق إلى ذَلِك المعاد ومنزل من منازِل السائرين إليه ويعلم مَعَ ذَلِك أنها باقِيَة ونَعِيمها وعذابها لا يَزُول ولا نِسْبَة لهَذا النَّعيم والعَذاب العاجل إليه إلّا كَما يدْخل الرجل أصبعه في اليم ثمَّ يَنْزِعها فالَّذِي تعلق بها مِنهُ هو كالدنيا بِالنِّسْبَةِ إلى الآخرة فيثمر لَهُ هَذا العلم إيثار الآخرة وطلبها والاستعداد التّام لَها وأن يسْعى لَها سعيها، وهَذا يسْعى تفكرا وتذكرا ونظرا وتأملا واعتبارا وتدبرا واستبصارا، وهَذِه معان مُتَقارِبَة تَجْتَمِع في شَيْء وتتفرق في آخر ويُسمى تفكرا لأنه اسْتِعْمال الفكرة في ذَلِك وإحضاره عِنْده ويُسمى تذكرا لأنه إحضار للْعلم الَّذِي يجب مراعاته بعد ذُهُوله وغيبته عَنهُ ومِنه قوله تَعالى: ﴿إن الَّذين اتَّقوا إذا مسهم طائف من الشَّيْطان تَذكرُوا فَإذا هم مبصرون﴾

وَيُسمى نظرا لأنه التِفات بِالقَلْبِ إلى المنظور فِيهِ ويُسمى تأملا لأنه مُراجعَة للنَّظَر كرة بعد كرة حَتّى يتجلى لَهُ وينكشف لِقَلْبِهِ ويُسمى اعْتِبارا وهو افتعال من العبور لأنه يعبر مِنهُ إلى غَيره فيعبر من ذَلِك الَّذِي قد فكر فِيهِ إلى معرفَة ثالِثَة وهِي المَقْصُود من الِاعْتِبار ولِهَذا يُسمى عِبْرَة وهِي على بِناء الحالات كالجلسة والركبَة والقتلة إيذانا بِأن هَذا العلم والمعرفة قد صار حالا لصاحبه يعبر مِنهُ إلى المَقْصُود بِهِ وقالَ الله تَعالى ﴿إن في ذَلِك لعبرة لمن يخْشى﴾ وقالَ ﴿إن في ذَلِك لعبرة لأولي الأبصار﴾ ويُسمى تدبرا لأنه نظر في أدبار الأمور وهِي أواخرها وعواقبها، ومِنه تدبر القَوْل وقالَ تَعالى ﴿أفلم يدبروا القَوْل﴾ ﴿أفلا يتدبرون القُرْآن ولَو كانَ من عند غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلافا كثيرا﴾

وتدبر الكَلام أن ينظر في أوله وآخره ثمَّ يُعِيد نظره مره بعد مرّة ولِهَذا جاءَ على بِناء التفعل كالتجرع والتفهم والتبين وسمى استبصارا وهو استفعال من التبصر وهو تبين الأمر وانكشافه وتجليه للبصيرة وكل من التَّذَكُّر والتفكر لَهُ فائِدَة غير فائِدَة الآخر فالتذكر يُفِيد تكْرار القلب على ما علمه وعرفه ليرسخ فِيهِ ويثبت ولا ينمحي فَيذْهب أثره من القلب جملَة، والتفكر يُفِيد تَكْثِير العلم واستجلاب ما لَيْسَ حاصِلا عند القلب فالتفكر يحصله والتذكر يحفظه، ولِهَذا قالَ الحسن: ما زالَ أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر وبالتفكر على التَّذَكُّر ويناطقون القُلُوب حَتّى نطقت بالحكمة فالتفكر والتذكر بذار العلم وسقيه مطارحته ومذاكرته تلقيحه كَما قالَ بعض السّلف: ملاقاة الرِّجال تلقيح لألبابها فالمذاكرة بها لقاح العقل فالخير والسعادة في خزانَة مفتاحها التفكر فَإنَّهُ لا بُد من تفكر وعلم يكون نتيجته الفِكر وحال يحدث للقلب من ذَلِك العلم فَإن كل من عمل شَيْئا من المحبوب أوْ المَكْرُوه لا بُد أن يبْقى لِقَلْبِهِ حالَة وينصبغ بصبغة من علمه وتلك الحال توجب لَهُ إرادَة وتلك الإرادة توجب وُقُوع العَمَل

فهاهُنا خَمْسَة أمور الفِكر وثمرته العلم وثمرتهما الحالة الَّتِي تحدث للقلب وثَمَرَة ذَلِك الإرادة وثمرتها العلم فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح لِلْخَيْراتِ كلها وهَذا يكْشف لَك عَن فضل التفكر وشرفه وأنه من أفضل أعمال القلب وانفعها لَهُ حَتّى قيل تفكر ساعَة خير من عبادَة سنة فالفكر هو الَّذِي ينْقل من موت الفطنة إلى حَياة اليَقَظَة ومن المكاره إلى المحاب ومن الرَّغْبَة والحرص إلى الزّهْد والقناعة، ومن سجن الدُّنْيا إلى فضاء الآخرة، ومن ضيق الجَهْل إلى سَعَة العلم ورحبه، ومن مرض الشَّهْوَة والإخلاد إلى هَذِه الدّار إلى شِفاء الإنابة إلى الله والتجافي عَن دار الغرُور، ومن مُصِيبَة العَمى والصمم والبكم إلى نعْمَة البَصَر والسمع والفهم عَن الله والعقل عَنهُ، ومن أمراض الشُّبُهات إلى برد اليَقِين وثلج الصُّدُور.

وَبِالجُمْلَةِ فَأصل كل طاعَة إنَّما هي الفِكر وكَذَلِكَ أصل كل مَعْصِيّة إنَّما يحدث من جانب الفكرة فَإن الشَّيْطان يُصادف أرْض القلب خالِيَة فارغة فيبذر فِيها حب الأفكار الردية فيتولد مِنهُ الأرادات والعزوم فيتولد مِنها العَمَل فَإذا صادف أرْض القلب مَشْغُولَة ببذر الأفكار النافعة فِيما خلق لَهُ وفِيما أمر بِهِ وفيم هيئ لَهُ واعد لَهُ من النَّعيم المُقِيم أو العَذاب الاليم لم يجد لبذره موضعا وهَذا كَما قيل:

؎أتاني هَواها قبل أن اعرف الهوى ∗∗∗ فصادف قلبا فارغًا فتمكنا

3:192Page 75

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском