Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:193–200
3:193Page 75
رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣
Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.
والمعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من دخول الجنة.
وقالت طائفة معناه وآتنا ما وعدتنا على الإيمان برسلك.
وليس يسهل حذف الاسم والحرف معا إلا أن يقدر على تصديق رسلك وطاعة رسلك وحينئذ فيتكافأ التقديران ويترجح الأول بأنه قد تقدم قولهم ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا﴾ وهذا صريح في الإيمان بالرسول والمرسل ثم توسلوا إليه بإيمانهم أن يؤتيهم ما وعدهم على السنة الرسل فإنهم إنما سمعوا بوعدهم لهم بذلك من الرسل، وذلك أيضا يتضمن التصديق بهم وأنهم بلغوهم وعده فصدقوا به وسألوه أن يؤتيهم إياه وهذا هو الذي ذكره السلف والخلف في الآية.
وقيل المعنى آتنا ما وعدتنا من النصر والظفر على ألسنة الرسل. والأول أعم وأكمل.
وتأمل كيف تضمن إيمانهم به والإيمان بأمره ونهيه ورسله ووعده ووعيده وأسمائه وصفاته وأفعاله وصدق وعده والخوف من وعيده واستجابتهم لأمره فبمجموع ذلك صاروا مؤمنين بربهم تعالى، فبذلك صح لهم التوسل إلى سؤال ما وعدهم به والنجاة من عذابه.
وقد أشكل على بعض الناس سؤالهم أن ينجز لهم ما وعدهم مع أنه فاعل لذلك ولا بد.
وأجاب بأن هذا تعبد محض كقوله: ﴿رَبِّ احْكم بِالحَق﴾ وقول الملائكة: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ وخفي على هؤلاء أن الوعد معلق بشروط منها الرغبة إليه سبحانه وتعالى وسؤاله أن ينجزه لهم كما أنه معلق بالإيمان وموافاتهم به وأن لا يلحقه ما يحبطه فإذا سألوه سبحانه أن ينجز لهم ما وعدهم تضمن ذلك توفيقهم وتثبيتهم وإعانتهم على الأسباب التي ينجز لهم بها وعده كان هذا الدعاء من أهم الأدعية وأنفعها وهم أحوج إليه من كثير من الأدعية.
وأما قوله ﴿رَبِّ احْكُمْ﴾ فهذا سؤال له سبحانه وتعالى أن ينصرهم على أعدائهم فيحكم لهم عليهم بالنصر والغلبة
وكذلك سؤال الملائكة ربهم أن يغفر للتائبين هو من الأسباب التي يوجب بها لهم المغفرة فهو سبحانه نصب الأسباب التي يفعل بها ما يريده بأوليائه وأعدائه وجعلها أسبابا لإرادته كما جعلها أسبابا لوقوع مراده فمنه السبب والمسبب، وإن أشكل عليك ذلك فانظر إلى خلقه الأسباب التي توجب محبته وغضبه فهو يحب ويرضى ويغضب ويسخط عبر الأسباب التي خلقها وشاءها فالكل منه وبه، فهو مبتدأ من مشيئته وعائد إلى حكمته وحده وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد لا يلجه إلا العالمون بالله.
ونظير هذه الآية في سؤاله ما وعد به قوله تعالى ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْئُولًا﴾
يسأله إياه عباده المؤمنون ويسأله إياه ملائكته لهم فالجنة تسأل ربها أهلها وأهلها يسألونه إياها والملائكة تسألها لهم والرسل يسألونه إياها لهم ولأتباعهم، ويوم القيامة يقيمهم سبحانه بين يديه يشفعون فيها لعباده المؤمنين، وفي هذا من تمام ملكه وإظهار رحمته وإحسانه وجوده وكرمه وإعطائه ما سئل ما هو من لوازم أسمائه وصفاته واقتضائها لآثارها ومتعلقاتها فلا يجوز تعطيلها عن آثارها وأحكامها، فالرب تعالى جواد له الجود كله يحب أن يسئل ويطلب منه ويرغب إليه فخلق من يسأله وألهمه سؤاله وخلق له ما يسأله إياه فهو خالق السائل وسؤاله ومسئوله وذلك لمحبته سؤال عباده له ورغبتهم إليه وطلبهم منه وهو يغضب إذا لم يسئل:
؎الله يغضب إن تركت سؤاله ∗∗∗ وبني آدم حين يسئل يغضب
وأحب خلقه إليه أكثرهم وأفضلهم له سؤالا وهو يحب الملحين في الدعاء وكلما ألح العبد عليه في السؤال أحبه وقربه وأعطاه
وفي الحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه "
فلا إله إلا هو أي جناية جنت القواعد الفاسدة على الإيمان وحالت بين القلوب وبين معرفة ربها وأسمائه وصفات كماله ونعوت جلاله و ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾
قال أبو نعيم الفضل حدثنا يونس هو ابن أبي إسحاق حدثنا يزيد بن أبي مرثد قال قال أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ: "ما من مسلم يسأل الله الجنة ثلاثا إلا قالت الجنة اللهم أدخله الجنة، ومن استجار من النار بالله ثلاثا قالت النار اللهم أجره من النار"
رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن هناد بن السري عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن يزيد به وقال الحسن بن سفيان حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن ليث عن يونس بن حبان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "ما سأل الله عبد الجنة في يوم سبع مرات إلا قالت الجنة يا رب أن عبدك فلانا يسألني فأدخلينه".
وقال أبو يعلى الموصلي حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا جرير عن يونس عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: "ما استجار عبد من النار سبع مرات إلا قالت النار إن عبدك فلانا استجار مني فأجره،
ولا يسأل عبد الجنة سبع مرات إلا قالت الجنة يا رب إن عبدك فلانا سألني فأدخله الجنة"
وإسناده على شرط الصحيحين
وقال أبو داود في مسنده حدثنا شعبة حدثني يونس بن حبان سمع أبا علقمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "من قال أسأل الله الجنة سبعا قالت الجنة اللهم أدخله الجنة "
وقال الحسن بن سفيان حدثنا المقدمي حدثنا عمر بن علي عن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "أكثروا مسألة الله الجنة واستعيذوا به من النار فإنهما شافعتان مشفعتان، وأن العبد إذا أكثر مسألة الله الجنة قالت الجنة يا رب عبدك هذا الذي سألينك فأسكنه إياي، وتقول النار يا رب عبدك هذا الذي استعاذ بك مني فأعذه"
وقد كان جماعة من السلف لا يسألون الله الجنة ويقولون حسبنا أن يجيرنا من النار فمنهم أبو الصهباء صلة بن أشيم صلى ليلة إلى السحر ثم رفع يديه وقال اللهم أجرني من النار أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة؟
ومنهم عطاء السلمي كان لا يسأل الجنة فقال له صالح المري إن أبان حدثني عن أنس أن النبي ﷺ قال: "يقول الله عز وجل انظروا في ديوان عبدي فمن رأيتموه سألني الجنة أعطيته، ومن أستعذ بي من النار أعذته فقال عطاء كفاني أن يجيرني من النار" ذكرها أبو نعيم
وقد روى أبو داود في سننه من حديث جابر في قصة صلاة معاذ وتطويله بهم أن النبي ﷺ قال للفتي يعني الذي شكاه: "كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت قال أقرأ بفاتحة الكتاب وأسأل الله الجنة وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ فقال النبي ﷺ: "إني ومعاذا حولها ندندن"
وفي سنن أبي داود من حديث محمد بن المنكدر عن جابر عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ:
" لا يسئل بوجه الله إلا الجنة"
رواه عن أحمد بن عمرو العصفري حدثنا يعقوب بن إسحاق حدثنا سليمان بن معاذ عن محمد فذكره.
وقد تقدم في أول الكتاب حديث الليث عن معاوية عن صالح عن عبد الملك ابن أبي بشير يرفع الحديث "ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان تقول الجنة يا رب قد طابت ثماري واطردت أنهاري واشتقت إلى أوليائي فعجل إلى بأهلي" الحديث
فالجنة تطلب أهلها بالذات وتجذبهم إليه جذبا والنار كذلك وقد أمرنا رسول الله ﷺ أن لا نزال نذكرهما ولا ننساهما كما روى أبو يعلي الموصلي في مسنده حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا أيوب بن أبي شبيب الصنعاني قال: كان فيما عرضنا على رباح بن زيد حدثني عبد الله بن نمير سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول سمعت رسول الله ﷺ: "يقول لا تنسوا العظيمتين" قلنا: وما العظيمتان يا رسول الله ﷺ قال: "الجنة والنار"
وذكر أبو بكر الشافعي من حديث كليب بن حرب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم فإن الجنة لا ينام طالبها وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره، وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة".
[فَصْلٌ في الفَرْقِ بَيْنَ تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ ومَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ]
وَقَدْ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُهُما مُقْتَرِنَيْنِ، وذِكْرُ كُلًّا مِنهُما مُنْفَرِدًا عَنِ الآخَرِ، فالمُقْتَرِنانِ كَقَوْلِهِ تَعالى حاكِيًا عَنْ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] والمُنْفَرِدُ كَقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢] وقَوْلِهِ في المَغْفِرَةِ ﴿وَلَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ١٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ [آل عمران: ١٤٧] ونَظائِرِهِ.
فَهاهُنا أرْبَعَةُ أُمُورٍ: ذُنُوبٌ، وسَيِّئاتٌ، ومَغْفِرَةٌ، وتَكْفِيرٌ.
فالذُّنُوبُ: المُرادُ بِها الكَبائِرُ، والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ: الصَّغائِرُ، وهي ما تَعْمَلُ فِيهِ الكَفّارَةُ، مِنَ الخَطَأِ وما جَرى مَجْراهُ، ولِهَذا جُعِلَ لَها التَّكْفِيرُ، ومِنهُ أُخِذَتِ الكَفّارَةُ، ولِهَذا لَمْ يَكُنْ لَها سُلْطانٌ ولا عَمَلٌ في الكَبائِرِ في أصَحِّ القَوْلَيْنِ، فَلا تَعْمَلُ في قَتْلِ العَمْدِ، ولا في اليَمِينِ الغَمُوسِ في ظاهِرِ مَذْهَبِ أحْمَدَ وأبِي حَنِيفَةَ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ السَّيِّئاتِ هي الصَّغائِرُ والتَّكْفِيرِ لَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ».
وَلَفْظُ المَغْفِرَةِ أكْمَلُ مِن لَفْظِ التَّكْفِيرِ ولِهَذا كانَ مِنَ الكَبائِرِ، والتَّكْفِيرُ مَعَ الصَّغائِرِ، فَإنَّ لَفْظَ المَغْفِرَةِ يَتَضَمَّنُ الوِقايَةَ والحِفْظَ، ولَفْظَ التَّكْفِيرِ يَتَضَمَّنُ السَّتْرَ والإزالَةَ، وعِنْدَ الإفْرادِ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنهُما في الآخَرِ كَما تَقَدَّمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ [محمد: ٢] يَتَناوَلُ صَغائِرَها وكَبائِرَها، ومَحْوَها ووِقايَةَ شَرِّها، بَلِ التَّكْفِيرُ المُفْرَدُ يَتَناوَلُ أسْوَأ الأعْمالِ، كَما قالَ تَعالى ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥].
وَإذا فُهِمَ هَذا فَهْمَ السِّرِّ في الوَعْدِ عَلى المَصائِبِ والهُمُومِ والغُمُومِ والنَّصَبِ والوَصَبِ بِالتَّكْفِيرِ دُونَ المَغْفِرَةِ، كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «ما يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِن هَمٍّ ولا غَمٍّ ولا أذًى - حَتّى الشَّوْكَةُ يَشاكُها - إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِها مِن خَطاياهُ» فَإنَّ المَصائِبَ لا تَسْتَقِلُّ بِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، ولا تُغْفَرُ الذُّنُوبُ جَمِيعُها إلّا بِالتَّوْبَةِ، أوْ بِحَسَناتٍ تَتَضاءَلُ وتَتَلاشى فِيها الذُّنُوبُ، فَهي كالبَحْرِ لا يَتَغَيَّرُ بِالجِيَفِ، وإذا بَلَغَ الماءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ.
فَلِأهْلِ الذُّنُوبِ ثَلاثَةُ أنْهارٍ عِظامٍ يَتَطَهَّرُونَ بِها في الدُّنْيا، فَإنْ لَمْ تَفِ بِطُهْرِهِمْ طُهِّرُوا في نَهْرِ الجَحِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ: نَهْرُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، ونَهْرُ الحَسَناتِ المُسْتَغْرِقَةِ لِلْأوْزارِ المُحِيطَةِ بِها، ونَهْرُ المَصائِبِ العَظِيمَةِ المُكَفِّرَةِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا أدْخَلَهُ أحَدَ هَذِهِ الأنْهارِ الثَّلاثَةِ، فَوَرَدَ القِيامَةَ طَيِّبًا طاهِرًا، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى التَّطْهِيرِ الرّابِعِ.
3:194Page 75
رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤
Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."
No commentary for this ayah
3:195Page 76
فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥
And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."
No commentary for this ayah
3:196Page 76
لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦
Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.
No commentary for this ayah
3:197Page 76
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧
[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.
No commentary for this ayah
3:198Page 76
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨
But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.
No commentary for this ayah
3:199Page 76
وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩
And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.
No commentary for this ayah
3:200Page 76
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠
O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.
فأمرهم بالصبر، وهو حال الصابر في نفسه.
والمصابرة: مقاومة الخصم في ميدان الصبر، فإنها مفاعلة، تستدعي وقوفها بين اثنين، كالمشاتمة والمضاربة - فهي حال المؤمن في الصبر مع خصمه.
والمرابطة، وهي الثبات واللزوم، والإقامة على الصبر والمصابرة.
فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يصابر ولا يرابط. وقد يصبر ولا يصابر، ويرابط من غير تعبد بالتقوى.
فأخبر سبحانه أن ملاك ذلك كله: التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها.
فقال ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾.
فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان، فيزيله عن مملكته.
وَقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. إنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى. فالصَّبْرُ دُونَ المُصابَرَةِ. والمُصابَرَةُ دُونَ المُرابَطَةِ والمُرابَطَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّبْطِ وهو الشَّدُّ. وسُمِّي المُرابِطُ مُرابِطًا لِأنَّ المُرابِطِينَ يَرْبِطُونَ خُيُولَهم يَنْتَظِرُونَ الفَزَعَ.
ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ مُنْتَظِرٍ قَدْ رَبَطَ نَفْسَهُ لِطاعَةٍ يَنْتَظِرُها: مُرابِطٌ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِما يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطايا، ويَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجاتِ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ».
وَقالَ: «رِباطُ يَوْمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ: خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها».
وَقِيلَ: اصْبِرُوا بِنُفُوسِكم عَلى طاعَةِ اللَّهِ. وصابِرُوا بِقُلُوبِكم عَلى البَلْوى في اللَّهِ. ورابِطُوا بِأسْرارِكم عَلى الشَّوْقِ إلى اللَّهِ.
وَقِيلَ: اصْبِرُوا في اللَّهِ. وصابِرُوا بِاللَّهِ. ورابِطُوا مَعَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: اصْبِرُوا عَلى النَّعْماءِ. وصابِرُوا عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ. ورابِطُوا في دارِ الأعْداءِ. واتَّقَوْا إلَهَ الأرْضِ والسَّماءِ. لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ في دارِ البَقاءِ.
فالصَّبْرُ مَعَ نَفْسِكَ، والمُصابَرَةُ بَيْنَكَ وبَيْنَ عَدُوِّكَ، والمُرابَطَةُ الثَّباتُ وإعْدادُ العُدَّةِ. وكَما أنَّ الرِّباطَ لُزُومُ الثَّغْرِ لِئَلّا يَهْجُمَ مِنهُ العَدُوُّ. فَكَذَلِكَ الرِّباطُ أيْضًا لُزُومُ ثَغْرِ القَلْبِ لِئَلّا يَهْجُمَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ، فَيَمْلِكَهُ ويُخَرِّبَهُ أوْ يُشَعِّثَهُ.
وَقِيلَ: تَجَرَّعِ الصَّبْرَ، فَإنْ قَتَلَكَ قَتَلَكَ شَهِيدًا. وإنْ أحْياكَ أحْياكَ عَزِيزًا.
وَقِيلَ: الصَّبْرُ لِلَّهِ غِناءٌ. وبِاللَّهِ تَعالى بَقاءٌ. وفي اللَّهِ بَلاءٌ. ومَعَ اللَّهِ وفاءٌ. وعَنِ اللَّهِ جَفاءٌ. والصَّبْرُ عَلى الطَّلَبِ عُنْوانُ الظَّفَرِ. وفي المِحَنِ عُنْوانُ الفَرَجِ.
وَقِيلَ: حالُ العَبْدِ مَعَ اللَّهِ رِباطُهُ. وما دُونَ اللَّهِ أعْداؤُهُ.
وَفِي كِتابِ الأدَبِ لِلْبُخارِيِّ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإيمانِ؟ فَقالَ: الصَّبْرُ، والسَّماحَةُ». ذَكَرَهُ عَنْ مُوسى بْنِ إسْماعِيلَ. قالَ: حَدَّثَنا سُوَيْدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَذَكَرَهُ.
وَهَذا مِن أجْمَعِ الكَلامِ وأعْظَمِهِ بُرْهانًا، وأوْعَبِهِ لِمَقاماتِ الإيمانِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها.
فَإنَّ النَّفْسَ يُرادُ مِنها شَيْئانِ: بَذْلُ ما أُمِرَتْ بِهِ، وإعْطاؤُهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ:
السَّماحَةُ. وتَرْكُ ما نُهِيَتْ عَنْهُ، والبُعْدُ مِنهُ. فالحامِلُ عَلَيْهِ: الصَّبْرُ.
وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في كِتابِهِ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ، والصَّفْحِ الجَمِيلِ، والهَجْرِ الجَمِيلِ. فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - يَقُولُ: الصَّبْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ ولا مَعَهُ. والصَّفْحُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا عِتابَ مَعَهُ. والهَجْرُ الجَمِيلُ هو الَّذِي لا أذى مَعَهُ.
وَفِي أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ: أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ: أنْزَلْتُ بِعَبْدِي بَلائِي، فَدَعانِي. فَماطَلْتُهُ بِالإجابَةِ، فَشَكانِي. فَقُلْتُ: عَبْدِي، كَيْفَ أرْحَمُكَ مِن شَيْءٍ بِهِ أرْحَمُكَ؟
وَقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤] قالَ: أخَذُوا بِرَأْسِ الأمْرِ فَجَعَلَهم رُؤَساءَ.
وَقِيلَ: صَبْرُ العابِدِينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا، وصَبْرُ المُحِبِّينَ أحْسَنُهُ: أنْ يَكُونَ مَرْفُوضًا. كَما قِيلَ:
؎تَبَيَّنَ يَوْمَ البَيْنِ أنَّ اعْتِزامَهُ ∗∗∗ عَلى الصَّبْرِ مِن إحْدى الظُّنُونِ الكَواذِبِ
والشَّكْوى إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا تُنافِي الصَّبْرَ. فَإنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَدَ بِالصَّبْرِ الجَمِيلِ. والنَّبِيُّ إذا وعَدَ لا يُخْلِفُ. ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وكَذَلِكَ أيُّوبُ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ وجَدَهُ صابِرًا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وَإنَّما يُنافِي الصَّبْرَ شَكْوى اللَّهِ، لا الشَّكْوى إلى اللَّهِ. كَما رَأى بَعْضُهم رَجُلًا يَشْكُو إلى آخَرَ فاقَةً وضَرُورَةً. فَقالَ: يا هَذا، تَشْكُو مَن يَرْحَمُكَ إلى مَن لا يَرْحَمُكَ؟ ثُمَّ أنْشَدَ:
؎وَإذا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فاصْبِرْ لَها ∗∗∗ صَبْرَ الكَرِيمِ فَإنَّهُ بِكَ أعْلَمُ
؎وَإذا شَكَوْتَ إلى ابْنِ آدَمَ إنَّما ∗∗∗ تَشْكُو الرَّحِيمَ إلى الَّذِي لا يَرْحَمُ.
[فَصْلٌ المَعاصِي عَدُوٌّ لَدُودٌ]
وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها مَدَدٌ مِنَ الإنْسانِ يَمُدُّ بِهِ عَدُوَّهُ عَلَيْهِ، وجَيْشٌ يُقَوِّيهِ بِهِ عَلى حَرْبِهِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ابْتَلى هَذا الإنْسانَ بِعَدُوٍّ لا يُفارِقُهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ولا يَنامُ مِنهُ ولا يَغْفُلُ عَنْهُ، يَراهُ هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ، يَبْذُلُ جَهْدَهُ في مُعاداتِهِ في كُلِّ حالٍ، ولا يَدَعُ أمْرًا يَكِيدُهُ بِهِ يَقْدِرُ عَلى إيصالِهِ إلَيْهِ إلّا أوْصَلَهُ إلَيْهِ، ويَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِبَنِي جِنْسِهِ مِن شَياطِينِ الجِنِّ، وغَيْرِهِمْ مِن شَياطِينِ الإنْسِ، فَقَدْ نَصَبَ لَهُ الحَبائِلَ، وبَغى لَهُ الغَوائِلَ، ومَدَّ حَوْلَهُ الأشْراكَ، ونَصَبَ لَهُ الفِخاخَ والشِّباكَ، وقالَ لِأعْوانِهِ: دُونَكم عَدُوَّكم وعَدُوَّ أبِيكم لا يَفُوتُكم ولا يَكُونُ حَظُّهُ الجَنَّةَ وحَظُّكُمُ النّارَ، ونَصِيبُهُ الرَّحْمَةَ ونَصِيبُكُمُ اللَّعْنَةَ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ ما جَرى عَلَيَّ وعَلَيْكم مِنَ الخِزْيِ والإبْعادِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِهِ ومِن أجْلِهِ، فابْذُلُوا جَهْدَكم أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَنا في هَذِهِ البَلِيَّةِ، إذْ قَدْ فاتَنا شَرِكَةَ صالِحِيهِمْ في الجَنَّةِ. وقَدْ أعْلَمَنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مِن عَدُوِّنا وأمَرَنا أنْ نَأْخُذَ لَهُ أُهْبَتَهُ ونُعِدَّ لَهُ عُدَّتَهُ.
وَلَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ آدَمَ وبَنِيهِ قَدْ بُلُوا بِهَذا العَدُوِّ وأنَّهُ قَدْ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ أمَدَهم بِعَساكِرَ وجُنْدٍ يَلْقَوْنَهم بِها، وأمَدَّ عَدُوَّهم أيْضًا بِجُنْدٍ وعَساكِرَ يَلْقاهم بِها، وأقامَ سُوقَ الجِهادِ في هَذِهِ الدّارِ في مُدَّةِ العُمُرِ الَّتِي هي بِالإضافَةِ إلى الآخِرَةِ كَنَفَسٍ واحِدٍ مِن أنْفاسِها، واشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ، يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ، وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ وعْدٌ مُؤَكَّدٌ عَلَيْهِ في أشْرَفِ كُتُبِهِ، وهي التَّوْراةُ والإنْجِيلُ والقُرْآنُ، وأخْبَرَ أنَّهُ لا أوْفى بِعَهْدِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ، ثُمَّ أمَرَهم أنْ يَسْتَبْشِرُوا بِهَذِهِ الصَّفْقَةِ الَّتِي مَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ قَدْرَها فَلْيَنْظُرْ إلى المُشْتَرِي مَن هُوَ؟ وإلى الثَّمَنِ المَبْذُولِ في هَذِهِ السِّلْعَةِ، وإلى مَن جَرى عَلى يَدَيْهِ هَذا العَقْدُ، فَأيُّ فَوْزٍ أعْظَمُ مِن هَذا؟ وأيُّ تِجارَةٍ أرْبَحُ مِنهُ؟
ثُمَّ أكَّدَ سُبْحانَهُ مَعَهم هَذا الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ - وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠-١٣].
وَلَمْ يُسَلِّطْ سُبْحانَهُ هَذا العَدُوَّ عَلى عَبْدِهِ المُؤْمِنِ الَّذِي هو أحَبُّ المَخْلُوقاتِ إلَيْهِ، إلّا لِأنَّ الجِهادَ أحَبُّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وأهْلَهُ أرْفَعُ الخَلْقِ عِنْدَهُ دَرَجاتٍ، وأقْرَبُهم إلَيْهِ وسِيلَةً، فَعَقَدَ سُبْحانَهُ لِواءَ هَذِهِ الحَرْبِ لِخُلاصَةِ مَخْلُوقاتِهِ، وهو القَلْبُ الَّذِي مَحَلُّ مَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ، وعُبُودِيَّتِهِ والإخْلاصِ لَهُ، والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والإنابَةِ إلَيْهِ، فَوَلّاهُ أمْرَ هَذِهِ الحَرْبِ، وأيَّدَهُ بِجُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يُفارِقُونَهُ ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١].
يَعْقُبُ بَعْضُهم بَعْضًا، كُلَّما ذَهَبَ بَدَلٌ جاءَ بَدَلٌ آخَرُ يُثَبِّتُونَهُ ويَأْمُرُونَهُ بِالخَيْرِ ويَحُضُّونَهُ عَلَيْهِ، ويَعِدُونَهُ بِكَرامَةِ اللَّهِ ويُصَبِّرُونَهُ، ويَقُولُونَ: إنَّما هو صَبْرُ ساعَةٍ وقَدِ اسْتَرَحْتَ راحَةَ الأبَدِ.
ثُمَّ أمَدَّهُ سُبْحانَهُ بِجُنْدٍ آخَرَ مِن وحْيِهِ وكَلامِهِ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولَهُ ﷺ وأنْزَلَ إلَيْهِ كِتابَهُ، فازْدادَ قُوَّةً إلى قُوتِهِ، ومَدَدًا إلى مَدَدِهِ، وعُدَّةً إلى عُدَّتِهِ، وأمَدَّهُ مَعَ ذَلِكَ بِالعَقْلِ وزِيرًا لَهُ ومُدَبِّرًا، وبِالمَعْرِفَةِ مُشِيرَةً عَلَيْهِ ناصِحَةً لَهُ، وبِالإيمانِ مُثَبِّتًا لَهُ ومُؤَيِّدًا وناصِرًا، وبِاليَقِينِ كاشِفًا لَهُ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ، حَتّى كَأنَّهُ يُعايِنُ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى أوْلِياءَهُ وحِزْبَهُ عَلى جِهادِ أعْدائِهِ، فالعَقْلُ يُدَبِّرُ أمْرَ جَيْشِهِ، والمَعْرِفَةُ تَصْنَعُ لَهُ أُمُورَ الحَرْبِ وأسْبابَها ومَواضِعَها اللّائِقَةَ بِها، والإيمانُ يُثَبِّتُهُ ويُقَوِّيهِ ويُصَبِّرُهُ، واليَقِينُ يُقْدِمُ بِهِ ويَحْمِلُ بِهِ الحَمَلاتِ الصّادِقَةَ.
ثُمَّ أمَدَّ سُبْحانَهُ القائِمَ بِهَذِهِ الحَرْبِ بِالقُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، فَجَعَلَ العَيْنَ طَلِيعَتَهُ، والأُذُنَ صاحِبَ خَبَرِهِ، واللِّسانَ تُرْجُمانَهُ، واليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ أعْوانَهُ، وأقامَ مَلائِكَتَهُ وحَمَلَةَ عَرْشِهِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ويَسْألُونَ لَهُ أنْ يَقِيَهُ السَّيِّئاتِ ويُدْخِلَهُ الجَنّاتِ، وتَوَلّى سُبْحانَهُ الدَّفْعَ والدِّفاعَ عَنْهُ بِنَفْسِهِ وقالَ: هَؤُلاءِ حِزْبِي، وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وَهَؤُلاءِ جُنْدِي ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣].
وَعَلَّمَ عِبادَهُ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الحَرْبِ والجِهادِ، فَجَمَعَها لَهم في أرْبَعِ كَلِماتٍ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
وَلا يَتِمُّ أمْرُ هَذا الجِهادِ إلّا بِهَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ، فَلا يَتِمُّ الصَّبْرُ إلّا بِمُصابَرَةِ العَدُوِّ، وهو مُقاوَمَتُهُ ومُنازَلَتُهُ، فَإذا صابَرَ عَدُوَّهُ احْتاجَ إلى أمْرٍ آخَرَ وهي المُرابَطَةُ، وهي لُزُومُ ثَغْرِ القَلْبِ وحِراسَتُهُ لِئَلّا يَدْخُلَ مِنهُ العَدُوُّ، ولُزُومُ ثَغْرِ العَيْنِ والأُذُنِ واللِّسانِ والبَطْنِ واليَدِ والرِّجْلِ، فَهَذِهِ الثُّغُورُ يَدْخُلُ مِنها العَدُوُّ فَيَجُوسُ خِلالَ الدِّيارِ ويُفْسِدُ ما قَدَرَ عَلَيْهِ، فالمُرابَطَةُ لُزُومُ هَذِهِ الثُّغُورِ، ولا يُخَلِّي مَكانَها فَيُصادِفَ العَدُوُّ الثَّغْرَ خالِيًا فَيَدْخُلَ مِنهُ.
فَهَؤُلاءِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرُ الخَلْقِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، وأعْظَمُهم حِمايَةً وحِراسَةً مِنَ الشَّيْطانِ، وقَدْ أخْلَوُا المَكانَ الَّذِي أُمِرُوا بِلُزُومِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَدَخَلَ مِنهُ العَدُوُّ، فَكانَ ما كانَ.
وَجِماعُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ وعَمُودُها الَّذِي تَقُومُ بِهِ هو تَقْوى اللَّهِ تَعالى، فَلا يَنْفَعُ الصَّبْرُ ولا المُصابَرَةُ ولا المُرابَطَةُ إلّا بِالتَّقْوى، ولا تَقُومُ التَّقْوى إلّا عَلى ساقِ الصَّبْرِ.
التِقاءُ الجَيْشَيْنِ فانْظُرِ الآنَ فِيكَ إلى التِقاءِ الجَيْشَيْنِ، واصْطِدامِ العَسْكَرَيْنِ وكَيْفَ تُدالُ مَرَّةً، ويُدالُ عَلَيْكَ أُخْرى؟ أقْبَلَ مَلِكُ الكَفَرَةِ بِجُنُودِهِ وعَساكِرِهِ، فَوَجَدَ القَلْبَ في حِصْنِهِ جالِسًا عَلى كُرْسِيِّ مَمْلَكَتِهِ، أمْرُهُ نافِذٌ في أعْوانِهِ، وجُنْدُهُ قَدْ حَفُّوا بِهِ، يُقاتِلُونَ عَنْهُ ويُدافِعُونَ عَنْ حَوْزَتِهِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الهُجُومُ عَلَيْهِ إلّا بِمُخامَرَةِ بَعْضِ أُمَرائِهِ وجُنْدِهِ عَلَيْهِ، فَسَألَ عَنْ أخَصِّ الجُنْدِ بِهِ وأقْرَبِهِمْ مِنهُ مَنزِلَةً، فَقِيلَ لَهُ: هي النَّفْسُ، فَقالَ لِأعْوانِهِ: ادْخُلُوا عَلَيْها مِن مُرادِها، وانْظُرُوا مَواقِعَ مَحَبَّتِها وما هو مَحْبُوبُها فَعِدُوها بِهِ ومَنُّوها إيّاهُ وانْقُشُوا صُورَةَ المَحْبُوبِ فِيها في يَقَظَتِها ومَنامِها، فَإذا اطْمَأنَّتْ إلَيْهِ وسَكَنَتْ عِنْدَهُ فاطْرَحُوا عَلَيْها كَلالِيبَ الشَّهْوَةِ وخَطاطِيفَها، ثُمَّ جُرُّوها بِها إلَيْكُمْ، فَإذا خامَرَتْ عَلى القَلْبِ وصارَتْ مَعَكم عَلَيْهِ مَلَكْتُمْ ثَغْرَ العَيْنِ والأُذُنِ واللِّسانِ والفَمِ واليَدِ والرِّجْلِ، فَرابِطُوا عَلى هَذا الثُّغُورِ كُلَّ المُرابَطَةِ، فَمَتى دَخَلْتُمْ مِنها إلى القَلْبِ فَهو قَتِيلٌ أوْ أسِيرٌ، أوْ جَرِيحٌ مُثْخَنٌ بِالجِراحاتِ، ولا تُخْلُوا هَذِهِ الثُّغُورَ، ولا تُمَكِّنُوا سَرِيَّةً تَدْخُلُ فِيها إلى القَلْبِ فَتُخْرِجَكم مِنها، وإنْ غُلِبْتُمْ فاجْتَهِدُوا في إضْعافِ السَّرِيَّةِ ووَهَنِها، حَتّى لا تَصِلَ إلى القَلْبِ، فَإنْ وصَلَتْ إلَيْهِ وصَلَتْ ضَعِيفَةً لا تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا.
ثَغْرُ العَيْنِ فَإذا اسْتَوْلَيْتُمْ عَلى هَذِهِ الثُّغُورِ فامْنَعُوا ثَغْرَ العَيْنِ أنْ يَكُونَ نَظَرُهُ اعْتِبارًا، بَلِ اجْعَلُوا نَظَرَهُ تَفَرُّجًا واسْتِحْسانًا وتَلَهِّيًا، فَإنِ اسْتَرَقَ نَظَرُهُ عِبْرَةً فَأفْسِدُوها عَلَيْهِ بِنَظَرِ الغَفْلَةِ والِاسْتِحْسانِ والشَّهْوَةِ، فَإنَّهُ أقْرَبُ إلَيْهِ وأعْلَقُ بِنَفْسِهِ وأخَفُّ عَلَيْهِ، ودُونَكم ثَغْرَ العَيْنِ، فَإنَّ مِنهُ تَنالُونَ بُغْيَتَكُمْ، فَإنِّي ما أفْسَدْتُ بَنِي آدَمَ بِشَيْءٍ مِثْلِ النَّظَرِ، فَإنِّي أبْذُرُ بِهِ في القَلْبِ بَذْرَ الشَّهْوَةِ، ثُمَّ أسْقِيهِ بِماءِ الأُمْنِيَّةِ، ثُمَّ لا أزالُ أعِدُهُ وأُمَنِّيهِ حَتّى أُقَوِّيَ عَزِيمَتَهُ وأقُودَهُ بِزِمامِ الشَّهْوَةِ إلى الِانْخِلاعِ مِنَ العِصْمَةِ، فَلا تُهْمِلُوا أمْرَ هَذا الثَّغْرِ وأفْسِدُوهُ بِحَسَبِ اسْتِطاعَتِكُمْ، وهَوِّنُوا عَلَيْهِ أمْرَهُ، وقُولُوا لَهُ: مِقْدارُ نَظْرَةٍ تَدْعُوكَ إلى تَسْبِيحِ الخالِقِ والتَّأمُّلِ لِبَدِيعِ صَنِيعِهِ، وحُسْنِ هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي إنَّما خُلِقَتْ لِيَسْتَدِلَّ بِها النّاظِرُ عَلَيْهِ، وما خَلَقَ اللَّهُ لَكَ العَيْنَيْنِ سُدًى، وما خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الصُّورَةَ لِيَحْجُبَها عَنِ النَّظَرِ، وإنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ قَلِيلَ العِلْمِ فاسِدَ العَقْلِ، فَقُولُوا لَهُ: هَذِهِ الصُّورَةُ مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ الحَقِّ ومَجْلًى مِن مَجالِيهِ، فادْعُوهُ إلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ فالقَوْلُ بِالحُلُولِ العامِّ أوِ الخاصِّ، ولا تَقْنَعُوا مِنهُ بِدُونِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ يَصِيرُ بِهِ مِن إخْوانِ النَّصارى، فَمُرُوهُ حِينَئِذٍ بِالعِفَّةِ والصِّيانَةِ والعِبادَةِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا، واصْطادُوا عَلَيْهِ وبِهِ الجُهّالَ، فَهَذا مِن أقْرَبِ خُلَفائِي وأكْبَرِ جُنْدِي، بَلْ أنا مِن جُنْدِهِ وأعْوانِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences