Ibn al-QayyimAli 'Imran · 3:26–42

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:26–42, continued

ومثل هذه المعاني يستدعي لطافة ذهن، ورقة طبع. ولا تتأتى مع غلظ القلوب، والرضى بأوائل مسائل النحو والتصريف، دون تأملها وتدبرها، والنظر إلى حكمة الواضع، ومطالعة ما في هذه اللغة الباهرة من الأسرار التي تدق عن أكثر العقول. وهذا باب ينبه الفاضل على ما وراءه ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾.

وانظر في تسميتهم الغليظة الجافي بالعتلّ والجعظري، والجواظ، كيف تجد هذه الألفاظ تنادي على ما تحتها من المعاني.

وانظر إلى تسميتهم الطويل بالعشنّق. وتأمل اقتضاء هذه الحروف ومناسبتها لمعنى الطول، وتسميتهم القصير بالبحتر، وموارتهم بين ثلاث فتحات في اسم الطويل، وهو العشنق، وإتيانهم بضمتين بينهما سكون في البحتر، كيف يقتضي اللفظ الأول: انفتاح الفم، وانفراج آلات النطق، وامتدادها، وعدم ركوب بعضها بعضا، وفي اسم البحتر الأمر بالضد.

وتأمل قولهم: طال الشيء، فهو طويل، وكبر كبير. فإن زاد طوله وكبره قالوا: طوالا، وكبارا، فأتوا بالألف التي هي أكثر مدا، وأطول من الياء في الأطول. فإن زاد كبر الشيء، وثقل موقعه من النفوس ثقّلوا اسمه، فقالوا: كبّارا بشد الباء.

ولو أطلقنا عنان القلم في ذلك لطال مداه، واستعصى على الضبط.

فلنرجع إلى ما جرى الكلام بسببه فنقول: الميم حرف شفهي يجمع الناطق به شفتيه، فوضعته العرب علما على الجمع، فقالوا للواحد: أنت، فإذا جاوزوه إلى الجمع قالوا: أنتم. وقالوا للواحد الغائب: هو، فإذا جاوزوه إلى الجمع، قالوا: هم. وكذلك في المتصل يقولون: ضربت، وضربتم، وإياك، وإياكم، وإياه، وإياهم، ونظائره، نحو: به وبهم. ويقولون للشيء الأزرق، فإذا اشتدت زرقته واجتمعت واستحكمت قالوا: زرقم ويقولون للكبير الاست: ستهم بوزن قنفذ.

وتأمل الألفاظ التي فيها الميم، كيف تجد الجمع معقودا بها، مثل لمّ الشيء يلتمه، إذا جمعه. ومنه لمّ الله شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره. ومنه قولهم: دار لمومة. أي تلم الناس وتجمعهم. ومنه: الأكل اللّمّ، جاء في تفسيرها: يأكل نصيبه ونصيب صاحبه. وأصله من اللم، وهو الجمع، كما يقال: لفه يلفّه. ومنه: ألم بالشيء، إذا قارب الاجتماع به والوصول إليه.

ومنه اللمم. وهو مقاربة الاجتماع بالكبائر. ومنه الملمة، وهي النازلة التي تصيب العبد. ومنه اللّمّة، وهي الشعر الذي قد اجتمع، وتقلص حتى جاوز شحمة الأذن، ومنه لمّ الشيء، وما تصرف منها.

ومنه: بدر التّم: إذا كمل واجتمع نوره.

ومنه: التوأم للولدين المجتمعين في بطن.

ومنه: الأم. وأم الشيء: أصله الذي تفرع منه. فهو الجامع له، وبه سميت مكة أم القرى، والفاتحة أم القرآن. واللوح المحفوظ: أم الكتاب.

قال الجوهري: أم الشيء أصله، ومكة: أم القرى. وأم مثواك:

صاحبة منزلك. يعني التي تأوى إليها وتجتمع معها، وأم الدماغ: الجلدة التي تجمع الدماغ ويقال لها: أم الرأس.

وقال تعالى في الآيات المحكمات ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾

والأمة: الجماعة المتساوية في الخلقة، أو الزمان، أو اللسان، قال تعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾

وقال النبي ﷺ «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها»».

ومنه: الإمام الذي يجتمع المقتدون به على أتباعه.

ومنه: أمّ الشيء يؤمه إذا جمع قصده وهمه إليه.

ومنه: رمّ الشيء يرمه، إذا أصلحه. وجمع متفرقه.

قيل: ومنه سمي الرمان: لاجتماع حبه وتضامه.

ومنه: ضم الشيء يضمه: إذا جمعه.

ومنه: هم الإنسان، وهمومه، وهي إرادته وعزائمه التي تجتمع في قلبه.

ومنه: قولهم للأسود: أحم، والفحمة السوداء: حممة، وحم رأسه إذا اسود بعد حلقه كله. هذا لأن السواد لون جامع للبصر، لا يدعه يتفرق.

ولهذا يجعل على عيني الضعيف البصر لوجع أو غيره شيء أسود، من شعر أو خرقة، ليجمع عليه بصره فتقوى القوة الباصرة.

وهذا باب طويل. فلنقتصر منه على هذا القدر.

وإذا علم هذا من شأن الميم، فهم قد ألحقوها في آخر هذا الاسم «اللهم» الذي يسأل العبد به ربه سبحانه في كل حاجة، وكل حال، إيذانا بجمع أسمائه تعالى وصفاته. فإذا قال السائل: اللهم إني أسألك، كأنه قال: أدعو الله الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى بأسمائه وصفاته.

فأتى بالميم المؤذنة بالجمع في آخر هذا الاسم، إيذانا بسؤاله تعالى بأسمائه كلها. كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح «ما أصاب عبدا قط همّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا. قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» «١».

فالداعي مندوب إلى أن يسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته، كما في الاسم الأعظم

«اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان، بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم» «٢»

وهذه الكلمات تتضمن الأسماء الحسنى، كما ذكر في غير هذا الموضع «٣».

والدعاء ثلاثة أقسام.

أحدها: أن تسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته. وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾.

والثاني: أن تسأله بحاجتك وفقرك، وذلّك. فتقول: أنا العبد الفقير المسكين البائس الذليل المستجير، ونحو ذلك.

والثالث: أن تسأل حاجتك ولا تذكروا أحدا من الأمرين.

فالأول أكمل من الثاني. والثاني أكمل من الثالث. فإذا جمع الدعاء الأمور الثلاثة كان أكمل.

وهذه عامة أدعية النبي ﷺ.

وفي الدعاء الذي علمه صدّيق الأمة رضي الله عنه «١» ذكر الأقسام الثلاثة.

فإنه قال في أوله «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا»

وهذا حال السائل. ثم

قال: «وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»

وهذا حال المسؤول، ثم قال «فاغفر لي» فذكر حاجته وختم الدعاء باسمين من الأسماء الحسنى تناسب المطلوب وتقتضيه.

وهذا القول الذي اخترناه قد جاء عن غير واحد من السلف. قال الحسن البصري «اللهم» مجمع الدعاء وقال أبو رجاء العطاردي: إن الميم في قوله «اللهم» فيها تسعة وتسعون اسما من أسماء الله تعالى، وقال النضر بن شميل: من قال «اللهم» فقد دعا الله بجميع أسمائه.

وقد وجه طائفة هذا القول بأن الميم هنا بمنزلة الواو الدالة على الجمع، فإنها من مخرجها. فكأن الداعي بها يقول: يا الله الذي اجتمعت له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ولذلك شددت لتكون عوضا عن علامة الجمع. وهي الواو والنون في «مسلمون» ونحوه.

وعلى الطريقة التي ذكرناها وهي أن نفس الميم دالة على الجمع لا يحتاج إلى هذا.

بقي أن يقال: فهلا جمعوا بين «يا» وبين هذه الميم، على المذهب الصحيح؟

فالجواب: أن القياس يقتضي عدم دخول حرف النداء على هذا الاسم، لمكان الألف واللام منه. وإنما احتملوا ذلك فيه لكثرة استعمالهم دعاءه، واضطرارهم إليه، واستغاثتهم به. فإما أن يحذفوا الألف واللام منه. وذلك لا يسوغ للزومهما، وإما أن يتوصلوا إليه بأيّ، وذلك لا يسوغ، لأنها لا يتوصل بها إلا إلى نداء اسم الجنس المحلى بالألف واللام. كالرجل والرسول والنبي. وأما في الأعلام فلا.

فخالفوا قياسهم في هذا الاسم لمكان الحاجة. فلما أدخلوا الميم المشددة في آخره عوضا عن جمع الاسم، جعلوها عوضا عن حرف النداء، فلم يجمعوا بينهما، والله أعلم.

3:27Page 53

تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢٧

You cause the night to enter the day, and You cause the day to enter the night; and You bring the living out of the dead, and You bring the dead out of the living. And You give provision to whom You will without account [i.e., limit or measure]."

No commentary for this ayah

3:28Page 53

لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨

Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.

No commentary for this ayah

3:29Page 53

قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.

No commentary for this ayah

3:30Page 54

يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."

No commentary for this ayah

3:31Page 54

قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١

Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."

وَهي تُسَمّى آيَةُ المَحَبَّةِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: لَمّا ادَّعَتِ القُلُوبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ: أنْزَلَ اللَّهُ لَها مِحْنَةً ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ادَّعى قَوْمٌ مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ المِحْنَةِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

وَقالَ " ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ " إشارَةٌ إلى دَلِيلِ المَحَبَّةِ وثَمَرَتِها، وفائِدَتِها. فَدَلِيلُها وعَلامَتُها: اتِّباعُ الرَّسُولِ. وفائِدَتُها وثَمَرَتُها: مَحَبَّةُ المُرْسَلِ لَكم. فَما لَمْ تَحْصُلِ المُتابَعَةُ. فَلَيْسَتْ مَحَبَّتُكم لَهُ حاصِلَةً. ومَحَبَّتُهُ لَكم مُنْتَفِيَةً.

أصْلُ العِبادَةِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ، بَلْ إفْرادُهُ بِالمَحَبَّةِ، وأنْ يَكُونَ الحُبُّ كُلُّهُ لِلَّهِ، فَلا يُحِبُّ مَعَهُ سِواهُ، وإنَّما يُحِبُّ لِأجْلِهِ وفِيهِ، كَما يُحِبُّ أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ ومَلائِكَتَهُ وأوْلِياءَهُ، فَمَحَبَّتُنا لَهم مِن تَمامِ مَحَبَّتِهِ، ولَيْسَتْ مَحَبَّةً مَعَهُ، كَمَحَبَّةِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّهِ.

وَإذا كانَتِ المَحَبَّةُ لَهُ هي حَقِيقَةَ عُبُودِيَّتِهِ وسِرَّها، فَهي إنَّما تَتَحَقَّقُ بِاتِّباعِ أمْرِهِ، واجْتِنابِ نَهْيِهِ، فَعِنْدَ اتِّباعِ الأمْرِ واجْتِنابِ النَّهْيِ تَتَبَيَّنُ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ والمَحَبَّةِ، ولِهَذا جَعَلَ تَعالى اتِّباعَ رَسُولِهِ عَلَمًا عَلَيْها، وشاهِدًا لِمَنِ ادَّعاها، فَقالَ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فَجَعَلَ اتِّباعَ رَسُولِهِ مَشْرُوطًا بِمَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وشَرْطًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، ووُجُودُ المَشْرُوطِ مُمْتَنِعٌ بِدُونِ وُجُودِ شَرْطِهِ وتَحَقُّقُهُ بِتَحَقُّقِهِ فَعُلِمَ انْتِفاءُ المَحَبَّةِ عِنْدَ انْتِفاءِ المُتابَعَةِ، فانْتِفاءُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ لازِمٌ لِانْتِفاءِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ، وانْتِفاءُ المُتابَعَةِ مَلْزُومٌ لِانْتِفاءِ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُمْ، فَيَسْتَحِيلُ إذًا ثُبُوتُ مَحَبَّتِهِمْ لِلَّهِ، وثُبُوتُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لَهم بِدُونِ المُتابَعَةِ لِرَسُولِهِ.

وَدَلَّ عَلى أنَّ مُتابَعَةَ الرَّسُولِ ﷺ هي حُبُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وطاعَةُ أمْرِهِ، ولا يَكْفِي ذَلِكَ في العُبُودِيَّةِ حَتّى يَكُونَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلى العَبْدِ مِمّا سِواهُما، فَلا يَكُونُ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَتى كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنهُما فَهَذا هو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ لِصاحِبِهِ البَتَّةَ، ولا يَهْدِيهِ اللَّهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كانَ آباؤُكم وأبْناؤُكم وإخْوانُكم وأزْواجُكم وعَشِيرَتُكم وأمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرْضَوْنَها أحَبَّ إلَيْكم مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].

فَكُلُّ مَن قَدَّمَ طاعَةَ أحَدٍ مِن هَؤُلاءِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ قَوْلَ أحَدٍ مِنهم عَلى قَوْلِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ مَرْضاةَ أحَدٍ مِنهم عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ خَوْفَ أحَدٍ مِنهم ورَجاءَهُ والتَوَكُّلَ عَلَيْهِ عَلى خَوْفِ اللَّهِ ورَجائِهِ والتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، أوْ مُعامَلَةَ أحَدِهِمْ عَلى مُعامَلَةِ اللَّهِ فَهو مِمَّنْ لَيْسَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا سِواهُما، وإنْ قالَهُ بِلِسانِهِ فَهو كَذِبٌ مِنهُ، وإخْبارٌ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ مَنَّ قَدَّمَ حُكْمَ أحَدٍ عَلى حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَذَلِكَ المُقَدَّمُ عِنْدَهُ أحَبُّ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ الأمْرُ عَلى مَن يُقَدِّمُ قَوْلَ أحَدٍ أوْ حُكْمَهُ، أوْ طاعَتَهُ أوْ مَرْضاتَهُ، ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ لا يَأْمُرُ ولا يَحْكُمُ ولا يَقُولُ إلّا ما قالَهُ الرَّسُولُ، فَيُطِيعُهُ، ويُحاكِمُ إلَيْهِ، ويَتَلَقّى أقْوالَهُ كَذَلِكَ، فَهَذا مَعْذُورٌ إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا إذا قَدَرَ عَلى الوُصُولِ إلى الرَّسُولِ، وعَرَفَ أنَّ غَيْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ هو أوْلى بِهِ مُطْلَقًا، أوْ في بَعْضِ الأُمُورِ، ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى الرَّسُولِ ولا إلى مَن هو أوْلى بِهِ، فَهَذا الَّذِي يُخافُ عَلَيْهِ، وهو داخِلٌ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَإنِ اسْتَحَلَّ عُقُوبَةَ مَن خالَفَهُ وأذَلَّهُ، ولَمْ يُوافِقْهُ عَلى اتِّباعِ شَيْخِهِ، فَهو مِنَ الظَّلَمَةِ المُعْتَدِينَ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا.

(فصل)

قال الحسن: قال قوم على عهد النبي ﷺ: إنا نحب ربنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿قُل إن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾

وقال الجنيد: ادَّعى قوم محبة الله فأنزل الله آية المحبة: ﴿قُل إن كنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾

يعني أن متابعة الرسول هي موافقة حبيبكم، فإنه المبلغ عنه ما يحبه وما يكرهه وهي قوله فمتابعته موافقة لله في فعل ما يحب وترك ما يكره.

وقال مالك في هذه الآية: من أحب طاعة الله أحبه الله وحببه إلى خلقه وإنما كانت موافقة المحبوب دليلًا على محبته لأن من أحب حبيبًا فلا بد أن يحب ما يحبه ويبغض ما يبغضه، وإلا لم يكن محبًا له محبة صادقة، بل تخلف ذلك عنه وإلا لم يكن محبًا له، بل يكون محبًا لمراده أحبه محبوبه أم كرهه ومحبوبه عنده وسيلة إلى ذلك المراد، فلو حصل له حظه من غيره ترحل عوضه. فهذه المحبة المدخولة الفاسدة، وإذا كانت المحبة الصحيحة تستدعى حب ما يحبه المحبوب وبغض ما يبغضه فلا بد أن يوافقه فيه.

ولكن هاهنا مسألة يغلط فيها كثير من المدعين للمحبة، وهي أن موافقة المحبوب في مراده ليس المعنى بها مراده الخلقي الكونى، فإن كل الكون مراده، وكل ما يفعله الخلائق فهو موجب مشيئته وإرادته الكونية، فلو كانت موافقته في هذا المراد هي محبته لم يكن له عدو أصلًا، وكانت الشياطين والكفار والمشركون عباد الأوثان والشمس والقمر أولياءَه وأحبابه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

وإنما يظن ذلك من يظنه من أعدائه الجاحدين لمحبته ودينه، الذين يسوون بين أوليائه وأعدائه. قال الله تعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفسِدِينَ فِى الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّار﴾ [ص: ٢٨]، وقال الله تعالى: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيئاتِ أنْ نَّجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ، ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، وقال الله تعالى: ﴿أفَنَجْعَلَ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥-٣٦]

فأنكر سبحانه على من سوى بين المسلمين والمجرمين، وبين المطيعين والمفسدين مع أن الكل تحت المراد الكوني والمشيئة العامة.

(فائدة)

وَتَأمَّلْ قَوْلَهُ ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ في أنَّ اللَّهَ يُحِبُّكم. لا في أنَّكم تُحِبُّونَهُ، وهَذا لا تَنالُونَهُ إلّا بِاتِّباعِ الحَبِيبِ ﷺ.

(فائدة أخرى)

الزهد خمسة أقسام زهد في الدنيا، وزهد في النفس، وزهد في الجاه والرئاسة، وزهد فيما سوى المحبوب، وزهد في كل إرادة تخالف مراد المحبوب، وهذا إنما يحصل بكمال المتابعة لرسول الحبيب

قال الله تعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فجعل سبحانه متابعة رسوله سببا لمحبتهم له، وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله، فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله، فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل

؎تعصي الإله وأنت تزعم حبه ∗∗∗ هذا محال في القياس بديع

؎لو كان حبك صادقا لأطعته ∗∗∗ إن المحب لمن يحب مطيع

3:32Page 54

قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢

Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."

No commentary for this ayah

3:33Page 54

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣

Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -

(فَصْلٌ في معنى الآل واشتقاقه وأحْكامه)

وَفِيه قَولانِ أحدهما أن أصله أهل ثمَّ قلبت الهاء همزَة فَقيل أأل ثمَّ سهلت على قِياس أمْثالها فَقيل آل قالُوا ولِهَذا إذا صغر رَجَعَ إلى أصله فَقيل أهيل قالُوا ولما كانَ فرعا عَن فرع خصوه بِبَعْض الأسْماء المُضاف إلَيْها فَلم يضيفوه إلى أسماء الزَّمان ولا المَكان ولا غير الأعْلام فَلا يَقُولُونَ آل رجل وآل امْرَأة ولا يضيفونه إلى مُضْمر فَلا يُقال آله وآلي بل لا يُضاف إلّا إلى مُعظم كَما أن التّاء لما كانَت في القسم بَدَلا عَن الواو وفرعًا عَلَيْها والواو فرعا عَن فعل القسم خصوا التّاء بأشرف الأسْماء وأعْظَمها وهو اسْم الله تَعالى

وَهَذا القَوْل ضَعِيف من وُجُوه: أحدها أنه لا دَلِيل عَلَيْهِ

الثّانِي أنه يلْزم مِنهُ القلب الشاذ من غير مُوجب مَعَ مُخالفَة الأصْل

الثّالِث أن الأهْل تُضاف إلى العاقِل وغَيره والآل لا تُضاف إلّا إلى عاقل

الرّابِع أن الأهْل تُضاف إلى العلم والنكرة والآل لا يُضاف إلّا إلى مُعظم من شَأْنه أن غَيره يؤول إلَيْهِ.

الخامِس أن الأهْل تُضاف إلى الظّاهِر والمضمر والآل من النُّحاة من منع إضافَته إلى المُضمر ومن جوزها فَهي شاذَّة قَليلَة

السّادِس أن الرجل حَيْثُ أضيف إلى آله دخل فِيهِ هو كَقَوْلِه تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذاب﴾ [غافِر ٤٦

وَقَوله تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران ٣٣

وَقَوله تَعالى ﴿إلا آلَ لوط نجيناهم بِسحر﴾ [القَمَر ٣٤

وَقَول النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى)

وَهَذا إذا لم يذكر مَعَه من أضيف إلَيْهِ الآل وأما إذا ذكر مَعَه فقد يُقال ذكر مُفردا وداخلًا في الآل وقد يُقال ذكره مُفردا أغْنى عَن ذكره مُضافا والأهل بِخِلاف ذَلِك فَإذا قلت جاءَ أهل زيد لم يدْخل فيهم وقيل بل أصله أول وذكره صاحب الصِّحاح في باب الهمزَة والواو واللّام قالَ وآل الرجل أهله وعِياله وآله أيْضا أتْباعه وهو عند هَؤُلاءِ مُشْتَقّ من آل يؤول إذا رَجَعَ فآل الرجل هم الَّذين يرجعُونَ إلَيْهِ ويضافون إلَيْهِ ويؤولهم أي يسوسهم فَيكون مآلهم إلَيْهِ ومِنه الإيالة وهِي السياسة فآل الرجل هم الَّذين يسوسهم ويؤولهم ونَفسه أحَق بذلك من غَيره فَهو أحَق بِالدُّخُولِ في آله ولَكِن لا يُقال إنَّه مُخْتَصّ بآله بل هو داخل فيهم وهَذِه المادَّة مَوْضُوعَة لأصل الشَّيْء وحَقِيقَته ولِهَذا سمي حَقِيقَة الشَّيْء تَأْوِيله لِأنَّها حَقِيقَته الَّتِي يرجع إلَيْها

وَمِنه قَوْله تَعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبنا بِالحَقِّ﴾ [الأعْراف ٥٣

فَتَأْوِيل ما أخْبرت بِهِ الرُّسُل هو مَجِيء حَقِيقَته ورؤيتها عيانًا ومِنه تَأْوِيل الرُّؤْيا وهو حَقِيقَتها عيانًا ومِنه تَأْوِيل الرُّؤْيا الخارجية الَّتِي ضربت للرائي في عالم المِثال ومِنه التَّأْوِيل بِمَعْنى العاقِبَة كَما قيل في قَوْله تَعالى ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تؤمنون بِالله واليَوْم الآخر ذَلِك خير وأحسن تَأْوِيلا﴾ [النِّساء ٥٩

قيل أحسن عاقِبَة فَإن عواقب الأُمُور هي حقائقها الَّتِي تؤول إلَيْها ومِنه التَّأْوِيل بِمَعْنى التَّفْسِير لِأن تَفْسِير الكَلام هو بَيان مَعْناهُ وحَقِيقَته الَّتِي يُراد مِنهُ قالُوا ومِنه الأول لِأنَّهُ أصل العدَد ومبناه الَّذِي يتَفَرَّع مِنهُ ومِنه الآل بِمَعْنى الشَّخْص نَفسه قالَ أصْحاب هَذا القَوْل والتزمت العَرَب إضافَته فَلا يسْتَعْمل مُفردا إلّا في نادِر الكَلام كَقَوْل الشّاعِر

؎(نَحن آل الله في بَلْدَتنا ∗∗∗ لم نزل آلًا على عهد إرم)

والتزموا أيْضا إضافَته إلى الظّاهِر فَلا يُضاف إلى مُضْمر إلّا قَلِيلا وعد بعض النُّحاة إضافَته إلى المُضمر لحنًا كَما قالَ أبُو عبد الله بن مالك والصَّحِيح أنه لَيْسَ بلحن بل هو من كَلام العَرَب لكنه قَلِيل ومِنه قَول الشّاعِر

؎(أنا الفارِس الحامي والِدي ∗∗∗ وآلي فَما يحمي حَقِيقَة آلكا)

وَقالَ عبد المطلب في الفِيل وأصْحابه

؎(وانصر على آل الصلي ∗∗∗ ب وعابديه اليَوْم آلك)

فأضافه إلى الياء والكاف وزعم بعض النُّحاة أنه لا يُضاف إلّا إلى علم من يعقل وهَذا الَّذِي قالَه هو الأكْثَر وقد جاءَت إضافَته إلى غير من يعقل قالَ الشّاعِر

؎(نجوت ولم يمنن عَليّ طَلاقه ∗∗∗ سوى ربد التَّقْرِيب من آل أعوجا)

وأعوج علم فرس قالُوا ومن أحْكامه أيْضا أنه لا يُضاف إلّا إلى متبوع مُعظم فَلا يُقال آل الحائك ولا آل الحجام ولا آل رجل

وَأما مَعْناهُ فَقالَت طائِفَة يُقال آل الرجل لَهُ نَفسه وآل الرجل لمن يتبعهُ وآله لأهله وأقاربه فَمن الأول قَول النَّبِي ﷺ لما جاءَهُ أبُو أوفى بِصَدَقَتِهِ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى

وَقَوله تَعالى ﴿سَلام على إل ياسين﴾ [الصافات ١٣٠

وَقَوله ﷺ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم

فآل إبْراهِيم هو إبْراهِيم لِأن الصَّلاة المَطْلُوبَة للنَّبِي ﷺ هي الصَّلاة على إبْراهِيم نَفسه وآله تبع لَهُ فِيها

ونازعهم في ذَلِك آخَرُونَ وقالُوا لا يكون الآل إلّا الأتباع والأقارب وما ذكرتموه من الأدِلَّة فالمُراد بها الأقارِب وقَوله كَما صليت على آل إبْراهِيم آل إبْراهِيم هُنا هم الأنْبِياء والمَطْلُوب من الله سُبْحانَهُ أن يُصَلِّي على رَسُوله ﷺ كَما صلى على جَمِيع الأنْبِياء من ذُرِّيَّة إبْراهِيم لا إبْراهِيم وحده كَما هو مُصَرح بِهِ في بعض الألْفاظ من قَوْله على إبْراهِيم وعَلى آل إبْراهِيم

وَأما قَوْله تَعالى ﴿سَلامٌ على إل ياسين﴾ [الصافات ١٣٠ فَهَذِهِ فِيها قراءتان إحْداهما إلياسين بِوَزْن إسْماعِيل وفِيه وجْهان

أحدهما أنه اسْم ثان للنَّبِي إلْياس وإلياسين كميكال ومِيكائِيل والوَجْه الثّانِي أنه جمع وفِيه وجْهان أحدهما أنه جمع إلْياس وأصله إلياسيين بيائين كعبرانيين ثمَّ خففت إحْدى اليائين فَقيل إلياسين والمراد أتْباعه كَما حكى سِيبَوَيْهٍ الأشعرون ومثله الأعجمون

والثّانِي أنه جمع إلْياس مَحْذُوف الياء

والقِراءَة الثّانِيَة ﴿سَلام على إل ياسين﴾ [وَفِيه أوجه أحدها أن ياسين أسم لِأبِيهِ فأضيف إلَيْهِ الآل كَما يُقال آل إبْراهِيم والثّانِي أن آل ياسين هو إلْياس نَفسه فَيكون آل مُضافَة إلى يس والمراد بالآل يس نَفسه كَما ذكر الأولونَ والثّالِث أنه على حذف ياء النّسَب فَيُقال يس وأصله ياسيين كَما تقدم وآلهم أتباعهم على دينهم

والرّابِع أن يس هو القُرْآن وآله هم أهل القُرْآن

والخامِس أنه النَّبِي ﷺ وآله أقاربه وأتْباعه كَما سَيَأْتِي

وَهَذِه الأقْوال كلها ضَعِيفَة والَّذِي حمل قائِلها عَلَيْها استشكالهم إضافَة آل إلى يس واسْمه إلْياس وإلياسين ورأوها في المُصحف مفصولة وقد قَرَأها بعض القُرّاء آل ياسين فَقالَ طائِفَة مِنهُم لَهُ أسماء يس وإلياسين وإلياس وقالَت طائِفَة يس اسْم لغيره ثمَّ اخْتلفُوا فَقالَ الكَلْبِيّ يس مُحَمَّد ﷺ سلم الله على آله وقالَت طائِفَة هو القُرْآن وهَذا كُله تعسف ظاهر لا حاجَة إلَيْهِ والصَّواب والله أعلم في ذَلِك أن أصل الكَلِمَة آل ياسين كآل إبْراهِيم فحذفت الألف واللّام من أوله لِاجْتِماع الأمْثال ودلالَة الِاسْم على مَوضِع المَحْذُوف وهَذا كثير في كَلامهم إذا اجْتمعت الأمْثال كَرهُوا النُّطْق بها كلها فحذفوا مِنها ما لا إلباس في حذفه وإن كانُوا لا يحذفونه في مَوضِع لا تَجْتَمِع فِيهِ الأمْثال ولِهَذا لا يحذفون النُّون من إنِّي وأنِّي وكَأنِّي ولَكِنِّي ولا يحذفونها من لَيْتَني ولما كانَت اللّام في لَعَلَّ شَبيهَة بالنُّون حذفوا النُّون مَعها ولا سِيما عادَة العَرَب في اسْتِعْمالها للاسم الأعجمي وتغييرها لَهُ فَيَقُولُونَ مرّة إلياسين ومرَّة إلْياس ومرَّة ياسين ورُبما قالُوا ياس ويكون على إحْدى القِراءَتَيْن قد وقع على المُسلم عَلَيْهِ وعَلى القِراءَة الأُخْرى على آله وعَلى هَذا ففصل النزاع بَين أصْحاب القَوْلَيْنِ في الآل أن الآل إن أفرد دخل فِيهِ المُضاف إلَيْهِ كَقَوْلِه تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافِر ٤٦ ولا ريب في دُخُوله في آله هُنا

وَقَوله تَعالى ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ [الأعْراف ١٣٠ ونظائره

وَقَول النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى ولا ريب في دُخُول أبي أوفى نَفسه في ذَلِك وقَوله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم هَذِه أكثر رِوايات البُخارِيّ وإبْراهِيم هُنا داخل في آله ولَعَلَّ هَذا مُراد من قالَ آل الرجل نَفسه

وَأما إن ذكر الرجل ثمَّ ذكر آله لم يدْخل فيهم فَفرق بَين المُجَرّد والمقرون فَإذا قلت أعْط لزيد وآل زيد لم يكن زيد هُنا داخِلا في آله وإذا قلت أعْطه لآل زيد تناول زيدا وآله وهَذا لَهُ نَظائِر كَثِيرَة قد ذَكرناها في غير هَذا الموضع وهِي أن اللَّفْظ تخْتَلف دلالَته بالتجريد والاقتران كالفقير والمسكين هما صنفان إذا قرن بَينهما وصنف واحِد إذا أفرد كل مِنهُما ولِهَذا كانا في الزَّكاة صنفين وفي الكَفّارات صنف واحِد وكالإيمان والإسْلام والبر والتَّقوى والفحشاء والمُنكر والفسوق والعصيان ونظائر ذَلِك كَثِيرَة ولا سِيما في القُرْآن.

3:34Page 54

ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤

Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.

No commentary for this ayah

3:35Page 54

إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥

[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

No commentary for this ayah

3:36Page 54

فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."

No commentary for this ayah

3:37Page 54

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."

No commentary for this ayah

3:38Page 55

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

No commentary for this ayah

3:39Page 55

فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

(فائدة)

اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم ونقل عن مالك واحتجوا بأنه قيل له: "يا سيدنا قال: إنما السيد الله" وجوزه قوم واحتجوا بقول النبي ﷺ: "قوموا إلى سيدكم"

وهذا أصح من الحديث الأول.

قال هؤلاء السيد أحد ما يضاف الله فلا يقال لتميمي إنه سيد كندة، ولا يقال لمالك إنه سيد البشر.

قال وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم.

وفي هذا نظر فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب لا بالمعنى الذي يطلق علي المخلوق والله سبحانه وتعالى أعلم.

3:40Page 55

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."

No commentary for this ayah

3:41Page 55

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١

He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

No commentary for this ayah

3:42Page 55

وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢

And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.

(فائدة)

وَكُلُّ أوْلادِهِ ﷺ تُوُفِّيَ قَبْلَهُ إلّا فاطمة، فَإنَّها تَأخَّرَتْ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ فَرَفَعَ اللَّهُ لَها بِصَبْرِها واحْتِسابِها مِنَ الدَّرَجاتِ ما فُضِّلَتْ بِهِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ.

وفاطمة أفْضَلُ بَناتِهِ عَلى الإطْلاقِ.

وَقِيلَ: إنَّها أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ.

وَقِيلَ: بَلْ أُمُّها خديجة.

وَقِيلَ بَلْ عائشة.

وَقِيلَ: بَلْ بِالوَقْفِ في ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском