Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:30–40, continued
واحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ يَحْيى بْنِ جابِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عائِذٍ الأزْدِيِّ، عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ المُجاشِعِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلنّاسِ يَوْمًا: " «ألا أُحَدِّثُكم بِما حَدَّثَنِي اللَّهُ في الكِتابِ؟ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وبَنِيهِ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ، وأعْطاهُمُ المالَ حَلالًا لا حَرامَ فِيهِ، فَجَعَلُوا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ حَرامًا وحَلالًا» " الحَدِيثَ.
قالَ: وكَذَلِكَ رَوى بَكْرُ بْنُ مُهاجِرٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ بِإسْنادِهِ مِثْلَهُ في هَذا الحَدِيثِ: " «حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ» ".
قالَ أبُو عُمَرَ: رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ، ولَمْ يَسْمَعْهُ قَتادَةُ مِن مُطَرِّفٍ، ولَكِنْ قالَ: حَدَّثَنِي ثَلاثَةٌ: عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الغافِرِ، ويَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، والعَلاءُ بْنُ زِيادٍ، كُلُّهم يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ، عَنْ عِياضٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ فِيهِ: " «وَإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهُمْ» " لَمْ يَقُلْ " مُسْلِمِينَ ".
وَكَذَلِكَ رَواهُ الحَسَنُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِياضٍ.
وَرَواهُ ابْنُ إسْحاقَ عَمَّنْ لا يُتَّهَمُ، عَنْ قَتادَةَ بِإسْنادِهِ قالَ فِيهِ: " «وَإنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ كُلَّهُمْ» "، ولَمْ يَقُلْ " مُسْلِمِينَ ".
قالَ: فَدَلَّ هَذا عَلى حِفْظِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، وإتْقانِهِ، وضَبْطِهِ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ " مُسْلِمِينَ " في رِوايَتِهِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ لِهَذا الحَدِيثِ، وأسْقَطَهُ مِن رِوايَةِ قَتادَةَ، وكَذَلِكَ رَواهُ النّاسُ عَنْ قَتادَةَ: قَصَّرَ فِيهِ عَنْ قَوْلِهِ " مُسْلِمِينَ " وزادَهُ ثَوْرٌ بِإسْنادِهِ، فاللَّهُ أعْلَمُ.
قالَ أبُو عُمَرَ: والحَنِيفُ في كَلامِ العَرَبِ المُسْتَقِيمُ المُخْلِصُ، ولا اسْتِقامَةَ أكْبَرُ مِنَ الإسْلامِ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: " الحَنِيفِيَّةُ حَجُّ البَيْتِ " وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ الإسْلامَ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ " حُنَفاءَ: حُجّاجًا "، وعَنْ مُجاهِدٍ: " حُنَفاءَ مُتَّبِعِينَ "، قالَ: وهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَنِيفِيَّةَ: الإسْلامُ.
قالَ: وقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ. وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] وقالَ تَعالى: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]، قالَ الرّاعِي:
؎أخَلِيفَةَ الرَّحْمَنِ إنّا مَعْشَرٌ ∗∗∗ حُنَفاءُ نَسْجُدُ بُكْرَةً وأصِيلا
؎عَرَبٌ نَرى اللَّهَ في أمْوالِنا ∗∗∗ حَقَّ الزَّكاةِ مُنَزَّلًا تَنْزِيلا
قالَ: فَوَصَفَ الحَنِيفِيَّةَ بِالإسْلامِ، وهو أمْرٌ واضِحٌ لا خَفاءَ بِهِ، قالَ: ومِمّا احْتَجَّ بِهِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الفِطْرَةَ في هَذا الحَدِيثِ: " الإسْلامُ " قَوْلُهُ ﷺ: " «خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ» "، ويُرْوى: " «عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ» " يَعْنِي: فِطْرَةَ الإسْلامِ. انْتَهى.
قالَ شَيْخُنا: فالأدِلَّةُ الدّالَّةُ عَلى أنَّهُ أرادَ فِطْرَةَ الإسْلامِ كَثِيرَةٌ: كَألْفاظِ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المُتَقَدِّمَةِ، كَقَوْلِهِ: " «عَلى المِلَّةِ» ": و" «عَلى هَذِهِ المِلَّةِ» " وقَوْلُهُ: " «خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ» "
وَفِي الرِّوايَةِ الأُخْرى: " «حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ» "، ومِثْلُ تَفْسِيرِ أبِي هُرَيْرَةَ، وهو أعْلَمُ بِما سَمِعَ.
وَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ بِالفِطْرَةِ الإسْلامَ لَما سَألُوا عَقِيبَ ذَلِكَ: " «أرَأيْتَ مَن يَمُوتُ مِن أطْفالِ المُشْرِكِينَ وهو صَغِيرٌ»؟ " لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ ما يُغَيِّرُ تِلْكَ الفِطْرَةَ لَما سَألُوهُ، والعِلْمُ القَدِيمُ والكِتابُ السّابِقُ لا يَتَغَيَّرُ.
وَقَوْلُهُ: " «فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ» " بَيِّنٌ فِيهِ أنَّهم يُغَيِّرُونَ الفِطْرَةَ المَخْلُوقَ عَلَيْها بِذَلِكَ.
وَأيْضًا، فَإنَّهُ شَبَّهَ ذَلِكَ بِالبَهِيمَةِ الَّتِي تُولَدُ مُجْتَمِعَةَ الخَلْقِ لا نَقْصَ فِيها، ثُمَّ تُجْدَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ التَّغَيُّرَ وارِدٌ عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ الَّتِي وُلِدَ العَبْدُ عَلَيْها.
وَأيْضًا، فالحَدِيثُ مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وهَذا يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ، فَعُلِمَ أنَّ اللَّهَ فَطَرَ النّاسَ كُلَّهم عَلى فِطْرَتِهِ المَذْكُورَةِ، وفِطْرَةُ اللَّهِ أضافَها إلَيْهِ إضافَةَ مَدْحٍ لا إضافَةَ ذَمٍّ، فَعُلِمَ أنَّها فِطْرَةٌ مَحْمُودَةٌ لا مَذْمُومَةٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وهَذا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الأوَّلُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأصْحابِهِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ إقامَةَ الوَجْهِ لِلدِّينِ حَنِيفًا هو فِطْرَةُ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها كَما في نَظائِرِهِ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، فَهَذا عِنْدَهم مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لازِمٍ إضْمارُهُ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المُتَقَدِّمُ، كَأنَّهُ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، وكَذَلِكَ هُنا فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلى ذَلِكَ: عَلى إقامَةِ الدِّينِ حَنِيفًا.
وَكَذَلِكَ فَسَّرَهُ السَّلَفُ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ في هَذِهِ الآيَةِ: يَقُولُ: فَسَدِّدْ وجْهَكَ نَحْوَ الوَجْهِ الَّذِي وجَّهَكَ اللَّهُ يا مُحَمَّدُ لِطاعَتِهِ، وهو الدِّينُ حَنِيفًا، يَقُولُ: " مُسْتَقِيمًا لِدِينِهِ وطاعَتِهِ "، ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، يَقُولُ: " صَنْعَةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ النّاسَ عَلَيْها " ونَصْبُ فِطْرَةٍ عَلى المَصْدَرِ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠]، وذَلِكَ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلى ذَلِكَ فِطْرَةً.
قالَ: وبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنا في ذَلِكَ قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ رَوى عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: " فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها قالَ: هي الإسْلامُ مُنْذُ خَلَقَهُمُ اللَّهُ مِن آدَمَ جَمِيعًا، يُقِرُّونَ بِذَلِكَ، وقَرَأ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فَهَذا قَوْلُ اللَّهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ [بَعْدُ].
ثُمَّ ذَكَرَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، قالَ: الدِّينُ الإسْلامُ.
حَدَّثَنا ابْنُ حُمَيْدٍ، ثَنا يَحْيى بْنُ واضِحٍ، ثَنا يُونُسُ بْنُ أبِي إسْحاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي مَرْيَمَ قالَ: مَرَّ عُمَرُ بِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، فَقالَ: ما قِوامُ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قالَ مُعاذٌ: ثَلاثٌ وهُنَّ المُنْجِياتُ: الإخْلاصُ، وهو الفِطْرَةُ ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، والصَّلاةُ، وهي المِلَّةُ، والطّاعَةُ، وهي العِصْمَةُ. فَقالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ.
ثُمَّ قالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، ثَنا ابْنُ عُلَيَّةَ، ثَنا أيُّوبُ، عَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّ عُمَرَ قالَ لِمُعاذٍ: ما قِوامُ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قالَ وقَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، يَقُولُ: لا تَغْيِيرَ لِدِينِ اللَّهِ، أيْ: لا يَصْلُحُ ذَلِكَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ.
وَرَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: أرْسَلَ مُجاهِدٌ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: قاسِمٌ إلى عِكْرِمَةَ يَسْألُهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فَقالَ: لِدِينِ اللَّهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، قالَ: الإسْلامُ.
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ، وإبْراهِيمَ
النَّخَعِيِّ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خِصاءِ البَهائِمِ؟ فَكَرِهَهُ، وقالَ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
وَكَذَلِكَ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةِ لَيْثٍ عَنْهُ.
قالَ شَيْخُنا: ولا مُنافاةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ عَنْهُما، كَما قالَ تَعالى عَنِ الشَّيْطانِ: ﴿وَلَآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ ولَآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فَتَغْيِيرُ ما خَلَقَ اللَّهُ عِبادَهُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ تَغْيِيرٌ لِدِينِهِ، والخِصاءُ وقَطْعُ الأُذُنِ تَغْيِيرٌ لِخَلْقِهِ، ولِهَذا شَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ أحَدَهُما بِالآخَرِ في قَوْلِهِ: " «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ كَما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ جَمْعاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ؟» " فَأُولَئِكَ يُغَيِّرُونَ الدِّينَ، وهَؤُلاءِ يُغَيِّرُونَ الصُّورَةَ بِالجَدْعِ، والخِصاءِ، هَذا يُغَيِّرُ ما خَلَقَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ، وهَذا يُغَيِّرُ ما خَلَقَ عَلَيْهِ بَدَنَهُ.
30:31Page 407
۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١
[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الإنابَةِ]
[مَعْنى الإنابَةِ والدَّلِيلُ عَلَيْها]
قَدْ عَلِمْتَ أنَّ مَن نَزَلَ مِن مَنزِلِ التَّوْبَةِ وقامَ في مَقامِها نَزَلَ في جَمِيعِ مَنازِلِ الإسْلامِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ الكامِلَةَ مُتَضَمِّنَةٌ لَها، وهي مُنْدَرِجَةٌ فِيها، ولَكِنْ لا بُدَّ مِن إفْرادِها بِالذِّكْرِ والتَّفْصِيلِ، تَبْيِينًا لِحَقائِقِها وخَواصِّها وشُرُوطِها.
فَإذا اسْتَقَرَّتْ قَدَمُهُ في مَنزِلِ التَّوْبَةِ نَزَلَ بَعْدَهُ مَنزِلَ الإنابَةِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِها في كِتابِهِ، وأثْنى عَلى خَلِيلِهِ بِها، فَقالَ ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] وقالَ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]
وَأخْبَرَ أنَّ آياتِهِ إنَّما يَتَبَصَّرُ بِها ويَتَذَكَّرُ أهْلُ الإنابَةِ، فَقالَ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها﴾ [ق: ٦] إلى أنْ قالَ ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨] وقالَ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] وقالَ تَعالى ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ
فَـ " مُنِيبِينَ " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في قَوْلِهِ " ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ "
لِأنَّ هَذا الخِطابَ لَهُ ولِأُمَّتِهِ، أيْ أقِمْ وجْهَكَ أنْتَ وأُمَّتُكَ مُنِيبِينَ إلَيْهِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ في قَوْلِهِ ﴿فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ أيْ فَطَرَهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، فَلَوْ خُلُّوا وفَطَرَهم لَما عَدَلَتْ عَنِ الإنابَةِ إلَيْهِ، ولَكِنَّها تَتَحَوَّلُ وتَتَغَيَّرُ عَمّا فُطِرَتْ عَلَيْهِ، كَما قالَ ﷺ «ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ وفي رِوايَةٍ: عَلى المِلَّةِ حَتّى يُعْرِبَ عَنْهُ لِسانُهُ»
وَقالَ عَنْ نَبِيِّهِ داوُدَ ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾ [ص: ٢٤]
وَأخْبَرَ أنَّ ثَوابَهُ وجَنَّتَهُ لِأهْلِ الخَشْيَةِ والإنابَةِ، فَقالَ ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ادْخُلُوها بِسَلامٍ﴾ [ق: ٣١]
وَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ البُشْرى مِنهُ إنَّما هي لِأهْلِ الإنابَةِ، فَقالَ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ [الزمر: ١٧].
والإنابَةُ إنابَتانِ: إنابَةٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ، وهي إنابَةُ المَخْلُوقاتِ كُلِّها، يَشْتَرِكُ فِيها المُؤْمِنُ والكافِرُ، والبَرُّ والفاجِرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٣] فَهَذا عامٌّ في حَقِّ كُلِّ داعٍ أصابَهُ ضُرٌّ، كَما هو الواقِعُ، وهَذِهِ الإنابَةُ لا تَسْتَلْزِمُ الإسْلامَ، بَلْ تُجامِعُ الشِّرْكَ والكُفْرَ، كَما قالَ تَعالى في حَقِّ هَؤُلاءِ ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [الروم: ٣٣] فَهَذا حالُهم بَعْدَ إنابَتِهِمْ.
والإنابَةُ الثّانِيَةُ إنابَةُ أوْلِيائِهِ، وهي إنابَةٌ لِإلَهِيَّتِهِ، إنابَةَ عُبُودِيَّةٍ ومَحَبَّةٍ.
وَهِيَ تَتَضَمَّنُ أرْبَعَةَ أُمُورٍ: مَحَبَّتَهُ، والخُضُوعَ لَهُ، والإقْبالَ عَلَيْهِ، والإعْراضَ عَمّا سِواهُ، فَلا يَسْتَحِقُّ اسْمُ المُنِيبِ إلّا مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الأرْبَعُ، وتَفْسِيرُ السَّلَفِ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ يَدُورُ عَلى ذَلِكَ.
وَفِي اللَّفْظَةِ مَعْنى الإسْراعِ والرُّجُوعِ والتَّقَدُّمِ، والمُنِيبُ إلى اللَّهِ المُسْرِعُ إلى مَرْضاتِهِ، الرّاجِعُ إلَيْهِ كُلَّ وقْتٍ، المُتَقَدِّمُ إلى مُحابِّهِ.
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: الإنابَةُ في اللُّغَةِ الرُّجُوعُ، وهي هاهُنا الرُّجُوعُ إلى الحَقِّ.
وَهِيَ ثَلاثَةُ أشْياءَ: الرُّجُوعُ إلى الحَقِّ إصْلاحًا، كَما رَجَعَ إلَيْهِ اعْتِذارًا، والرُّجُوعُ إلَيْهِ وفاءً، كَما رَجَعَ إلَيْهِ عَهْدًا، والرُّجُوعُ إلَيْهِ حالًا، كَما رَجَعْتَ إلَيْهِ إجابَةً.
لَمّا كانَ التّائِبُ قَدْ رَجَعَ إلى اللَّهِ بِالِاعْتِذارِ والإقْلاعِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، كانَ مِن تَتِمَّةِ ذَلِكَ رُجُوعُهُ إلَيْهِ بِالِاجْتِهادِ، والنُّصْحِ في طاعَتِهِ، كَما قالَ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠] وقالَ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] فَلا تَنْفَعُ تَوْبَةٌ وبَطالَةٌ، فَلا بُدَّ مِن تَوْبَةٍ وعَمَلٍ صالِحٍ، تَرْكٍ لِما يَكْرَهُ، وفِعْلٍ لِما يُحِبُّ، تَخَلٍّ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وتَحَلٍّ بِطاعَتِهِ.
وَكَذَلِكَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ بِالوَفاءِ بِعَهْدِهِ، كَما رَجَعْتَ إلَيْهِ عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْكَ، فَرَجَعْتَ إلَيْهِ بِالدُّخُولِ تَحْتَ عَهْدِهِ أوَّلًا، فَعَلَيْكَ بِالرُّجُوعِ بِالوَفاءِ بِما عاهَدْتَهُ عَلَيْهِ ثانِيًا، والدِّينُ كُلُّهُ عَهْدٌ ووَفاءٌ، فَإنَّ اللَّهَ أخَذَ عَهْدَهُ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ بِطاعَتِهِ، فَأخَذَ عَهْدَهُ عَلى أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ عَلى لِسانِ مَلائِكَتِهِ، أوْ مِنهُ إلى الرَّسُولِ بِلا واسِطَةٍ كَما كَلَّمَ مُوسى، وأخَذَ عَهْدَهُ عَلى الأُمَمِ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، وأخَذَ عَهْدَهُ عَلى الجُهّالِ بِواسِطَةِ العُلَماءِ، فَأخَذَ عَهْدَهُ عَلى هَؤُلاءِ بِالتَّعْلِيمِ، وعَلى هَؤُلاءِ بِالتَّعَلُّمِ، ومَدَحَ المُوفِينَ بِعَهْدِهِ، وأخْبَرَ بِما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الأجْرِ، فَقالَ ﴿وَمَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]
وَقالَ ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] وقالَ ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]
وَقالَ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧].
وَهَذا يَتَناوَلُ عُهُودَهم مَعَ اللَّهِ بِالوَفاءِ لَهُ بِالإخْلاصِ والإيمانِ والطّاعَةِ، وعُهُودَهم مَعَ الخَلْقِ.
وَأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ «أنَّ مِن عَلاماتِ النِّفاقِ الغَدْرَ بَعْدَ العَهْدِ».
فَما أنابَ إلى اللَّهِ مَن خانَ عَهْدَهُ وغَدَرَ بِهِ، كَما أنَّهُ لَمْ يُنِبْ إلَيْهِ مَن لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ عَهْدِهِ، فالإنابَةُ لا تَتَحَقَّقُ إلّا بِالتِزامِ العَهْدِ والوَفاءِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: والرُّجُوعُ إلَيْهِ حالًا، كَما رَجَعْتَ إلَيْهِ إجابَةً.
أيْ هو سُبْحانَهُ قَدْ دَعاكَ فَأجَبْتَهُ بِلَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ قَوْلًا، فَلا بُدَّ مِنَ الإجابَةِ حالًا تُصَدِّقُ بِهِ المَقالَ، فَإنَّ الأحْوالَ تُصَدِّقُ الأقْوالَ أوْ تُكَذِّبُها، وكُلُّ قَوْلٍ فَلِصِدْقِهِ وكَذِبِهِ شاهِدٌ مِن حالِ قائِلِهِ، فَكَما رَجَعْتَ إلى اللَّهِ إجابَةً بِالمَقالِ، فارْجِعْ إلَيْهِ إجابَةً بِالحالِ.
قالَ الحَسَنُ: ابْنَ آدَمَ؟ لَكَ قَوْلٌ وعَمَلٌ، وعَمَلُكَ أوْلى بِكَ مِن قَوْلِكَ، ولَكَ سَرِيرَةٌ وعَلانِيَةٌ، وسَرِيرَتُكَ أمْلَكُ بِكَ مِن عَلانِيَتِكَ.
[فَصْلٌ الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ]
قالَ: وإنَّما يَسْتَقِيمُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ إصْلاحًا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِالخُرُوجِ مِنَ التَّبِعاتِ، والتَّوَجُّعِ لِلْعَثَراتِ، واسْتِدْراكِ الفائِتاتِ.
والخُرُوجُ مِنَ التَّبِعاتِ هو بِالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ، وأداءِ الحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ لِلْخَلْقِ. والتَّوَجُّعُ لِلْعَثَراتِ يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ:
أحَدَهُما: أنْ يَتَوَجَّعَ لِعَثْرَتِهِ إذا عَثَرَ، فَيَتَوَجَّعُ قَلْبُهُ ويَنْصَدِعُ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى إنابَتِهِ إلى اللَّهِ، بِخِلافِ مَن لا يَتَألَّمُ قَلْبُهُ، ولا يَنْصَدِعُ مِن عَثْرَتِهِ، فَإنَّهُ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَلْبِهِ ومَوْتِهِ.
الثّانِي: أنْ يَتَوَجَّعَ لِعَثْرَةِ أخِيهِ المُؤْمِنِ إذا عَثَرَ، حَتّى كَأنَّهُ هو الَّذِي عَثَرَ بِها ولا يَشْمَتُ بِهِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى رِقَّةِ قَلْبِهِ وإنابَتِهِ.
واسْتِدْراكُ الفائِتاتِ هو اسْتِدْراكُ ما فاتَهُ مِن طاعَةٍ وقُرْبَةٍ بِأمْثالِها، أوْ خَيْرٍ مِنها ولاسِيَّما في بَقِيَّةِ عُمُرِهِ، عِنْدَ قُرْبِ رَحِيلِهِ إلى اللَّهِ، فَبَقِيَّةُ عُمُرِ المُؤْمِنِ لا قِيمَةَ لَها. يَسْتَدْرِكُ بِها ما فاتَ، ويُحْيِي بِها ما أماتَ.
(فَصْلٌ)
قالَ: وإنَّما يَسْتَقِيمُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ عَهْدًا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِالخَلاصِ مِن لَذَّةِ الذَّنْبِ، وبِتَرْكِ الِاسْتِهانَةِ بِأهْلِ الغَفْلَةِ، تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ، مَعَ الرَّجاءِ لِنَفْسِكَ، بِالِاسْتِقْصاءِ في رُؤْيَةِ عِلَّةِ الخِدْمَةِ.
إذا صَفَتْ لَهُ الإنابَةُ إلى رَبِّهِ تَخَلَّصَ مِنَ الفِكْرَةِ في لَذَّةِ الذَّنْبِ، وعادَ مَكانَها ألَمًا وتَوَجُّعًا لِذَكَرِهِ، والفِكْرَةِ فِيهِ، فَما دامَتْ لَذَّةُ الفِكْرَةِ فِيهِ مَوْجُودَةً في قَلْبِهِ، فَإنابَتُهُ غَيْرُ صافِيَةٍ.
فَإنْ قِيلَ: أيُّ الحالَيْنِ أعْلى؟ حالُ مَن يَجِدُ لَذَّةَ الذَّنْبِ في قَلْبِهِ، فَهو يُجاهِدُها لِلَّهِ، ويَتْرُكُها مِن خَوْفِهِ ومَحَبَّتِهِ وإجْلالِهِ أوْ حالُ مَن ماتَتْ لَذَّةُ الذَّنْبِ في قَلْبِهِ وصارَ مَكانَها ألَمًا وتَوَجُّعًا وطُمَأْنِينَةً إلى رَبِّهِ، وسُكُونًا إلَيْهِ، والتِذاذًا بِحُبِّهِ، وتَنَعُّمًا بِذِكْرِهِ؟
قِيلَ: حالُ هَذا أكْمَلُ وأرْفَعُ، وغايَةُ صاحِبِ المُجاهَدَةِ أنْ يُجاهِدَ نَفْسَهُ حَتّى يَصِلَ إلى مَقامِ هَذا ومَنزِلَتِهِ، ولَكِنَّهُ يَتْلُوهُ في المَنزِلَةِ والقُرْبِ ومَنُوطٌ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: فَأيْنَ أجْرُ مُجاهِدَةِ صاحِبِ اللَّذَّةِ، وتَرْكِهِ مَحابَّهُ لِلَّهِ، وإيثارِهِ رِضى اللَّهِ عَلى هَواهُ؟ وبِهَذا كانَ النَّوْعُ الإنْسانِيُّ أفْضَلَ مِنَ النَّوْعِ المَلَكِيِّ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ وكانُوا خَيْرَ البَرِيَّةِ. والمُطْمَئِنُّ قَدِ اسْتَراحَ مِن ألَمِ هَذِهِ المُجاهَدَةِ وعُوفِيَ مِنها، فَبَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ ما بَيْنَ دَرَجَةِ المُعافى والمُبْتَلى.
قِيلَ: النَّفْسُ لَها ثَلاثَةُ أحْوالٍ: الأمْرُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ اللَّوْمُ عَلَيْهِ والنَّدَمُ مِنهُ، ثُمَّ الطُّمَأْنِينَةُ إلى رَبِّها والإقْبالُ بِكُلِّيَّتِها عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالُ أعْلى أحْوالِها، وأرْفَعُها وهي الَّتِي يُشَمِّرُ إلَيْها المُجاهِدُ، وما يَحْصُلُ لَهُ مِن ثَوابِ مُجاهَدَتِهِ وصَبْرِهِ فَهو لِتَشْمِيرِهِ إلى دَرَجَةِ الطُّمَأْنِينَةِ إلى اللَّهِ، فَهو بِمَنزِلَةِ راكِبِ القِفارِ، والمَهامِهِ والأهْوالِ لِيَصِلَ إلى البَيْتِ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ بِرُؤْيَتِهِ والطَّوافِ بِهِ، والآخَرُ بِمَنزِلَةِ مَن هو مَشْغُولٌ بِهِ طائِفًا وقائِمًا، وراكِعًا وساجِدًا، لَيْسَ لَهُ التِفاتٌ إلى غَيْرِهِ، فَهَذا مَشْغُولٌ بِالغايَةِ، وذاكَ بِالوَسِيلَةِ، وكُلٌّ لَهُ أجْرٌ، ولَكِنْ بَيْنَ أجْرِ الغاياتِ وأجْرِ الوَسائِلِ بَوْنٌ.
وَما يَحْصُلُ لِلْمُطْمَئِنِّ مِنَ الأحْوالِ والعُبُودِيَّةِ والإيمانِ فَوْقَ ما يَحْصُلُ لِهَذا المُجاهِدِ نَفْسَهُ في ذاتِ اللَّهِ، وإنْ كانَ أكْثَرَ عَمَلًا، فَقَدْرُ عَمَلِ المُطْمَئِنِّ المُنِيبِ بِجُمْلَتِهِ وكَيْفِيَّتِهِ أعْظَمُ، وإنْ كانَ هَذا المُجاهِدُ أكْثَرَ عَمَلًا، وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، فَما سَبَقَ الصِّدِّيقُ الصَّحابَةَ بِكَثْرَةِ عَمَلٍ، وقَدْ كانَ فِيهِمْ مَن هو أكْثَرُ صِيامًا وحَجًّا وقِراءَةً وصَلاةً مِنهُ، ولَكِنْ بِأمْرٍ آخَرَ قامَ بِقَلْبِهِ، حَتّى إنَّ أفْضَلَ الصَّحابَةِ كانَ يُسابِقُهُ ولا يَراهُ إلّا أمامَهُ.
وَلَكِنَّ عُبُودِيَّةَ مُجاهِدِ نَفْسِهِ عَلى لَذَّةِ الذَّنْبِ والشَّهْوَةِ قَدْ تَكُونُ أشَقَّ، ولا يَلْزَمُ مِن مَشَقَّتِها تَفْضِيلُها في الدَّرَجَةِ، فَأفْضَلُ الأعْمالِ الإيمانُ بِاللَّهِ، والجِهادُ أشَقُّ مِنهُ وهو تالِيهِ في الدَّرَجَةِ، ودَرَجَةُ الصِّدِّيقِينَ أعْلى مِن دَرَجَةِ المُجاهِدِينَ والشُّهَداءِ، وفي مُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الشُّهَداءَ فَقالَ «إنَّ أكْثَرَ شُهَداءِ أُمَّتِي لَأصْحابُ الفُرُشِ، ورُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ اللَّهُ أعْلَمُ بِنِيَّتِهِ».
[فَصْلٌ عَلاماتُ الإنابَةِ]
وَمِن عَلاماتِ الإنابَةِ تَرْكُ الِاسْتِهانَةِ بِأهْلِ الغَفْلَةِ والخَوْفُ عَلَيْهِمْ، مَعَ فَتْحِكَ بابَ الرَّجاءِ لِنَفْسِكَ، فَتَرْجُو لِنَفْسِكَ الرَّحْمَةَ، وتَخْشى عَلى أهْلِ الغَفْلَةِ النِّقْمَةَ، ولَكِنِ ارْجُ لَهُمُ الرَّحْمَةَ، واخْشَ عَلى نَفْسِكَ النِّقْمَةَ، فَإنْ كُنْتَ لا بُدَّ مُسْتَهِينًا بِهِمْ ماقِتًا لَهم لِانْكِشافِ أحْوالِهِمْ لَكَ، ورُؤْيَةِ ما هم عَلَيْهِ، فَكُنْ لِنَفْسِكَ أشَدَّ مَقْتًا مِنكَ لَهُمْ، وكُنْ أرْجى لَهم لِرَحْمَةِ اللَّهِ مِنكَ لِنَفْسِكَ.
قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَنْ تَفْقَهَ كُلَّ الفِقْهِ حَتّى تَمْقُتَ النّاسَ في ذاتِ اللَّهِ، ثُمَّ تَرْجِعَ إلى نَفْسِكَ فَتَكُونَ لَها أشَدَّ مَقْتًا.
وَهَذا الكَلامُ لا يَفْقَهُ مَعْناهُ إلّا الفَقِيهُ في دِينِ اللَّهِ، فَإنَّ مَن شَهِدَ حَقِيقَةَ الخَلْقِ، وعَجْزَهم وضَعْفَهم وتَقْصِيرَهُمْ، بَلْ تَفْرِيطَهُمْ، وإضاعَتَهم لِحَقِّ اللَّهِ، وإقْبالَهم عَلى غَيْرِهِ، وبَيْعَهم حَظَّهم مِنَ اللَّهِ بِأبْخَسِ الثَّمَنِ مِن هَذا العاجِلِ الفانِي لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن مَقْتِهِمْ، ولا يُمْكِنُهُ غَيْرُ ذَلِكَ ألْبَتَّةَ، ولَكِنْ إذا رَجَعَ إلى نَفْسِهِ وحالِهِ وتَقْصِيرِهِ، وكانَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن ذَلِكَ كانَ لِنَفْسِهِ أشَدَّ مَقْتًا واسْتِهانَةً، فَهَذا هو الفَقِيهُ.
وَأمّا الِاسْتِقْصاءُ في رُؤْيَةِ عِلَلِ الخِدْمَةِ فَهو التَّفْتِيشُ عَمّا يَشُوبُها مِن حُظُوظِ النَّفْسِ، وتَمْيِيزُ حَقِّ الرَّبِّ مِنها مِن حَظِّ النَّفْسِ، ولَعَلَّ أكْثَرَها أوْ كُلَّها أنْ تَكُونَ حَظًّا لِنَفْسِكَ وأنْتَ لا تَشْعُرُ.
فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَمْ في النُّفُوسِ مِن عِلَلٍ وأغْراضٍ وحُظُوظٍ تَمْنَعُ الأعْمالَ أنْ تَكُونَ لِلَّهِ خالِصَةً، وأنْ تَصِلَ إلَيْهِ؟ وإنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ العَمَلَ حَيْثُ لا يَراهُ بَشَرٌ ألْبَتَّةَ، وهو غَيْرُ خالِصٍ لِلَّهِ، ويَعْمَلُ العَمَلَ والعُيُونُ قَدِ اسْتَدارَتْ عَلَيْهِ نِطاقًا، وهو خالِصٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، ولا يُمَيِّزُ هَذا إلّا أهْلُ البَصائِرِ وأطِبّاءُ القُلُوبِ العالِمُونَ بِأدْوائِها وعِلَلِها.
فَبَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَ القَلْبِ مَسافَةٌ، وفي تِلْكَ المَسافَةِ قُطّاعٌ تَمْنَعُ وصُولَ العَمَلِ إلى القَلْبِ، فَيَكُونُ الرَّجُلُ كَثِيرَ العَمَلِ، وما وصَلَ مِنهُ إلى قَلْبِهِ مَحَبَّةٌ ولا خَوْفٌ ولا رَجاءٌ، ولا زُهْدٌ في الدُّنْيا ولا رَغْبَةٌ في الآخِرَةِ، ولا نُورٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وأعْدائِهِ، وبَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولا قُوَّةٌ في أمْرِهِ، فَلَوْ وصَلَ أثَرُ الأعْمالِ إلى قَلْبِهِ لاسْتَنارَ وأشْرَقَ، ورَأى الحَقَّ والباطِلَ، ومَيَّزَ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ وأعْدائِهِ، وأوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ المَزِيدَ مِنَ الأحْوالِ.
ثُمَّ بَيْنَ القَلْبِ وبَيْنَ الرَّبِّ مَسافَةٌ، وعَلَيْها قُطّاعٌ تَمْنَعُ وصُولَ العَمَلِ إلَيْهِ، مِن كِبْرٍ وإعْجابٍ وإدْلالٍ، ورُؤْيَةِ العَمَلِ، ونِسْيانِ المِنَّةِ، وعِلَلٍ خَفِيَّةٍ لَوِ اسْتَقْصى في طَلَبِها لَرَأى العَجَبَ، ومِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى سَتْرُها عَلى أكْثَرِ العُمّالِ، إذْ لَوْ رَأوْها وعايَنُوها لَوَقَعُوا فِيما هو أشَدُّ مِنها، مِنَ اليَأْسِ والقُنُوطِ والِاسْتِحْسارِ، وتَرْكِ العَمَلِ، وخُمُودِ العَزْمِ، وفُتُورِ الهِمَّةِ، ولِهَذا لَمّا ظَهَرَتْ " رِعايَةُ " أبِي عَبْدِ اللَّهِ الحارِثِ بْنِ أسَدٍ المُحاسِبِيِّ واشْتَغَلَ بِها العُبّادُ عُطِّلَتْ مِنهم مَساجِدُ كانُوا يَعْمُرُونَها بِالعِبادَةِ. والطَّبِيبُ الحاذِقُ يَعْلَمُ كَيْفَ يُطَبِّبُ النُّفُوسَ، فَلا يَعْمُرُ قَصْرًا ويَهْدِمُ مِصْرًا.
(فَصْلٌ)
قالَ: وإنَّما يَسْتَقِيمُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ حالًا بِثَلاثَةِ أشْياءَ: بِالإياسِ مِن عَمَلِكَ، وبِمُعايَنَةِ اضْطِرارِكَ، وشَيْمِ بَرْقِ لُطْفِهِ بِكَ.
الإياسُ مِنَ العَمَلِ يُفَسَّرُ بِشَيْئَيْنِ:
أحَدِهِما: أنَّهُ إذا نَظَرَ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ إلى الفاعِلِ الحَقِّ، والمُحَرِّكِ الأوَّلِ، وأنَّهُ لَوْلا مَشِيئَتُهُ لَما كانَ مِنكَ فِعْلٌ، فَمَشِيئَتُهُ أوْجَبَتْ فِعْلَكَ لا مَشِيئَتَكَ بَقِيَ بِلا فِعْلٍ. فَهاهُنا تَنْفَعُ مُشاهَدَةُ القَدَرِ، والفَناءُ عَنْ رُؤْيَةِ الأعْمالِ.
والثّانِي: أنْ تَيْأسَ مِنَ النَّجاةِ بِعَمَلِكَ، وتَرى النَّجاةَ إنَّما هي بِرَحْمَتِهِ تَعالى وعَمَلِهِ وفَضْلِهِ، كَما في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ «لَنْ يُنْجِيَ أحَدًا مِنكم عَمَلُهُ، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ولا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ» فالمَعْنى الأوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِبِدايَةِ الفِعْلِ، والثّانِي بِغايَتِهِ ومَآلِهِ.
وَأمّا مُعايَنَةُ الِاضْطِرارِ فَإنَّهُ إذا أيِسَ مِن عَمَلِهِ بِدايَةً، وأيِسَ مِنَ النَّجاةِ بِهِ نِهايَةً، شَهِدَ بِهِ في كُلِّ ذَرَّةٍ مِنهُ ضَرُورَةً تامَّةً إلَيْهِ، ولَيْسَتْ ضَرُورَتُهُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ وحْدَها، بَلْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، وجِهاتُ ضَرُورَتِهِ لا تَنْحَصِرُ بِعَدَدٍ، ولا لَها سَبَبٌ، بَلْ هو مُضْطَرٌّ إلَيْهِ بِالذّاتِ، كَما أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ غَنِيٌّ بِالذّاتِ، فَإنَّ الغِنى وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلرَّبِّ، والفَقْرَ والحاجَةَ والضَّرُورَةَ وصْفٌ ذاتِيٌّ لِلْعَبْدِ.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ:
؎والفَقْرُ لِي وصْفُ ذاتٍ لازِمٌ أبَدًا ∗∗∗ كَما الغِنى أبَدًا وصْفٌ لَهُ ذاتِيٌّ
وَأمّا شَيْمُ بَرْقِ لُطْفِهِ بِكَ فَإنَّهُ إذا تَحَقَّقَ لَهُ قُوَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وأيِسَ مِن عَمَلِهِ والنَّجاةِ بِهِ، نَظَرَ إلى ألْطافِ اللَّهِ وشامَ بِرْقَها، وعَلِمَ أنَّ كُلَّ ما هو فِيهِ وما يَرْجُوهُ وما تَقَدَّمَ لَهُ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِهِ، ومِنَّةٌ مَنَّ بِها عَلَيْهِ، وصَدَقَةٌ تَصَدَّقَ بِها عَلَيْهِ بِلا سَبَبٍ مِنهُ، إذْ هو المُحْسِنُ بِالسَّبَبِ والمُسَبَّبِ، والأمْرُ لَهُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، وهو الأوَّلُ والآخِرُ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، ولا رَبَّ سِواهُ.
30:32Page 407
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢
[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1
No commentary for this ayah
30:33Page 408
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣
And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,
No commentary for this ayah
30:34Page 408
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤
So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.
No commentary for this ayah
30:35Page 408
أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥
Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?
No commentary for this ayah
30:36Page 408
وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦
And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.
No commentary for this ayah
30:37Page 408
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧
Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
No commentary for this ayah
30:38Page 408
فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨
So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.
No commentary for this ayah
30:39Page 408
وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩
And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3
No commentary for this ayah
30:40Page 408
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠
Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences