Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:41–60
30:41Page 408
ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١
Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].
[فَصْلٌ: الذُّنُوبُ تُحْدِثُ الفَسادَ في الأرْضِ]
وَمِن آثارِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي: أنَّها تُحْدِثُ في الأرْضِ أنْواعًا مِنَ الفَسادِ في المِياهِ والهَواءِ، والزَّرْعِ، والثِّمارِ، والمَساكِنِ، قالَ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
قالَ مُجاهِدٌ: إذا ولِيَ الظّالِمُ سَعى بِالظُّلْمِ والفَسادِ فَيَحْبِسُ اللَّهُ بِذَلِكَ القَطْرَ، فَيَهْلِكُ الحَرْثُ والنَّسْلُ، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
ثُمَّ قالَ: أما واللَّهِ ما هو بَحْرُكم هَذا، ولَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلى ماءٍ جارٍ فَهو بَحْرٌ.
وَقالَ عِكْرِمَةُ: ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ، أما إنِّي لا أقُولُ لَكُمْ: بَحْرُكم هَذا، ولَكِنْ كُلُّ قَرْيَةٍ عَلى ماءٍ.
وَقالَ قَتادَةُ: أمّا البَرُّ فَأهْلُ العَمُودِ، وأمّا البَحْرُ فَأهْلُ القُرى والرِّيفِ، قُلْتُ: وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى الماءَ العَذْبَ بَحْرًا، فَقالَ: ﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢].
وَلَيْسَ في العالَمِ بَحْرٌ حُلْوٌ واقِفٌ، وإنَّما هي الأنْهارُ الجارِيَةُ، والبَحْرُ المالِحُ هو السّاكِنُ، فَسَمّى القُرى الَّتِي عَلَيْها المِياهُ الجارِيَةُ بِاسْمِ تِلْكَ المِياهِ.
وَقالَ ابْنُ زَيْدٍ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ﴾ قالَ: الذُّنُوبُ.
قُلْتُ: أرادَ أنَّ الذُّنُوبَ سَبَبُ الفَسادِ الَّذِي ظَهَرَ، وإنْ أرادَ أنَّ الفَسادَ الَّذِي ظَهَرَ هو الذُّنُوبُ نَفْسُها فَتَكُونُ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ لامَ العاقِبَةِ والتَّعْلِيلِ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالفَسادِ: النَّقْصُ والشَّرُّ والآلامُ الَّتِي يُحْدِثُها اللَّهُ في الأرْضِ عِنْدَ مَعاصِي العِبادِ، فَكُلَّما أحْدَثُوا ذَنْبًا أحْدَثَ اللَّهُ لَهم عُقُوبَةً، كَما قالَ بَعْضُ السَّلَفِ:
كُلَّما أحْدَثْتُمْ ذَنْبًا أحْدَثَ اللَّهُ لَكم مِن سُلْطانِهِ عُقُوبَةً.
والظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الفَسادَ المُرادَ بِهِ الذُّنُوبُ ومُوجِباتُها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ فَهَذا حالُنا، وإنَّما أذاقَنا الشَّيْءَ اليَسِيرَ مِن أعْمالِنا، ولَوْ أذاقَنا كُلَّ أعْمالِنا لَما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ.
وَمِن تَأْثِيرِ مَعاصِي اللَّهِ في الأرْضِ ما يَحِلُّ بِها مِنَ الخَسْفِ والزَّلازِلِ، ويَمْحَقُ بَرَكَتَها، وقَدْ «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى دِيارِ ثَمُودَ، فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ دِيارِهِمْ إلّا وهم باكُونَ، ومِن شُرْبِ مِياهِهِمْ، ومِنَ الِاسْتِسْقاءِ مِن آبارِهِمْ، حَتّى أمَرَ أنْ لا يُعْلَفَ العَجِينُ الَّذِي عُجِنَ بِمِياهِهِمْ لِلنَّواضِحِ، لِتَأْثِيرِ شُؤْمِ المَعْصِيَةِ في الماءِ»
وَكَذَلِكَ شُؤْمِ تَأْثِيرِ الذُّنُوبِ في نَقْصِ الثِّمارِ وما تَرى بِهِ مِنَ الآفاتِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ في ضِمْنِ حَدِيثٍ قالَ: وُجِدَتْ في خَزائِنَ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ، حِنْطَةٌ، الحَبَّةُ بِقَدْرِ نَواةِ التَّمْرَةِ، وهي في صُرَّةٍ مَكْتُوبٌ عَلَيْها: كانَ هَذا يَنْبُتُ في زَمَنٍ مِنَ العَدْلِ، وكَثِيرٌ مِن هَذِهِ الآفاتِ أحْدَثَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما أحْدَثَ العِبادُ مِنَ الذُّنُوبِ.
وَأخْبَرَنِي جَماعَةٌ مِن شُيُوخِ الصَّحْراءِ أنَّهم كانُوا يَعْهَدُونَ الثِّمارَ أكْبَرَ مِمّا هي الآنَ، وكَثِيرٌ مِن هَذِهِ الآفاتِ الَّتِي تُصِيبُها لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَها، وإنَّما حَدَثَتْ مِن قُرْبٍ.
تَأْثِيرُ الذُّنُوبِ في الصُّوَرِ.
وَأمّا تَأْثِيرُ الذُّنُوبِ في الصُّوَرِ والخَلْقِ، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وطُولُهُ في السَّماءِ سِتُّونَ ذِراعًا، ولَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ حَتّى الآنَ».
فَإذا أرادَ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ الأرْضَ مِنَ الظَّلَمَةِ والخَوَنَةِ والفَجَرَةِ، يُخْرِجُ عَبْدًا مِن عِبادِهِ مِن أهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ ﷺ فَيَمْلَأُ الأرْضَ قِسْطًا كَما مُلِئَتْ جَوْرًا، ويَقْتُلُ المَسِيحُ اليَهُودَ والنَّصارى، ويُقِيمُ الدِّينَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وتُخْرِجَ الأرْضُ بَرَكاتِها، وتَعُودُ كَما كانَتْ، حَتّى إنَّ العِصابَةَ مِنَ النّاسِ لَيَأْكُلُونِ الرُّمّانَةَ ويَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِها، ويَكُونُ العُنْقُودُ مِنَ العِنَبِ وقْرَ بَعِيرٍ، ولَبَنُ اللِّقْحَةِ الواحِدَةِ لَتَكْفِي الفِئامَ مِنَ النّاسِ، وهَذِهِ لِأنَّ الأرْضَ لَمّا طَهُرَتْ مِنَ المَعاصِي ظَهَرَتْ فِيها آثارُ البَرَكَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مَحَقَتْها الذُّنُوبُ والكُفْرُ، ولا رَيْبَ أنَّ العُقُوباتِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ في الأرْضِ بَقِيَتْ آثارُها سارِيَةً في الأرْضِ تَطْلُبُ ما يُشاكِلُها مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي هي آثارُ تِلْكَ الجَرائِمِ الَّتِي عُذِّبَتْ بِها الأُمَمُ، فَهَذِهِ الآثارُ في الأرْضِ مِن آثارِ تِلْكَ العُقُوباتِ، كَما أنَّ هَذِهِ المَعاصِي مِن آثارِ تِلْكَ الجَرائِمِ، فَتَناسَبَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ وحُكْمَهُ الكَوْنِيُّ أوَّلًا وآخِرًا، وكانَ العَظِيمُ مِنَ العُقُوبَةِ لِلْعَظِيمِ مِنَ الجِنايَةِ، والأخَفُّ لِلْأخَفِّ.
وَهَكَذا يَحْكُمُ سُبْحانَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ في دارِ البَرْزَخِ ودارِ الجَزاءِ.
وَتَأمَّلْ مُقارَنَةَ الشَّيْطانِ ومَحِلَّهُ ودارَهُ، فَإنَّهُ لَمّا قارَنَ العَبْدَ واسْتَوْلى عَلَيْهِ نُزِعَتِ البَرَكَةُ مِن عُمُرِهِ، وعَمَلِهِ، وقَوْلِهِ، ورِزْقِهِ، ولَمّا أثَّرَتْ طاعَتُهُ في الأرْضِ ما أثَّرَتْ، ونُزِعَتِ البَرَكَةُ مِن كُلِّ مَحِلٍّ ظَهَرَتْ فِيهِ طاعَتُهُ، وكَذَلِكَ مَسَكْنُهُ لَمّا كانَ الجَحِيمَ لَمْ يَكُنْ هُناكَ شَيْءٌ مِنَ الرُّوحِ والرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ.
(فصل)
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ صَنَعَهُ، وأحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَهو عِنْدَ مَبْدَأِ خَلْقِهِ بَرِيءٌ مِنَ الآفاتِ والعِلَلِ، تامُّ المَنفَعَةِ لِما هُيِّئَ وخُلِقَ لَهُ، وإنَّما تَعْرِضُ لَهُ الآفاتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأُمُورٍ أُخَرَ مِن مُجاوَرَةٍ أوِ امْتِزاجٍ واخْتِلاطٍ، أوْ أسْبابٍ أُخَرَ تَقْتَضِي فَسادَهُ، فَلَوْ تُرِكَ عَلى خِلْقَتِهِ الأصْلِيَّةِ مِن غَيْرِ تَعَلُّقِ أسْبابِ الفَسادِ بِهِ لَمْ يَفْسُدْ.
وَمَن لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأحْوالِ العالَمِ ومَبْدَئِهِ يَعْرِفُ أنَّ جَمِيعَ الفَسادِ في جَوِّهِ ونَباتِهِ وحَيَوانِهِ، وأحْوالِ أهْلِهِ حادِثٌ بَعْدَ خَلْقِهِ بِأسْبابٍ اقْتَضَتْ حُدُوثَهُ، ولَمْ تَزَلْ أعْمالُ بَنِي آدَمَ ومُخالَفَتُهم لِلرُّسُلِ تُحْدِثُ لَهم مِنَ الفَسادِ العامِّ والخاصِّ ما يَجْلِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الآلامِ والأمْراضِ، والأسْقامِ، والطَّواعِينِ، والقُحُوطِ والجُدُوبِ، وسَلْبِ بَرَكاتِ الأرْضِ وثِمارِها ونَباتِها وسَلْبِ مَنافِعِها أوْ نُقْصانِها أُمُورًا مُتَتابِعَةً يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا، فَإنْ لَمْ يَتَّسِعْ عِلْمُكَ لِهَذا فاكْتَفِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾
وَنَزِّلْ هَذِهِ الآيَةَ عَلى أحْوالِ العالَمِ وطابِقْ بَيْنَ الواقِعِ وبَيْنَها، وأنْتَ تَرى كَيْفَ تَحْدُثُ الآفاتُ والعِلَلُ كُلَّ وقْتٍ في الثِّمارِ والزَّرْعِ والحَيَوانِ، وكَيْفَ يَحْدُثُ مِن تِلْكَ الآفاتِ آفاتٌ أُخَرُ مُتَلازِمَةٌ، بَعْضُها آخِذٌ بِرِقابِ بَعْضٍ، وكُلَّما أحْدَثَ النّاسُ ظُلْمًا وفُجُورًا، أحْدَثَ لَهم رَبُّهم تَبارَكَ وتَعالى مِنَ الآفاتِ والعِلَلِ في أغْذِيَتِهِمْ وفَواكِهِهِمْ، وأهْوِيَتِهِمْ ومِياهِهِمْ، وأبْدانِهِمْ وخَلْقِهِمْ، وصُوَرِهِمْ وأشْكالِهِمْ وأخْلاقِهِمْ مِنَ النَّقْصِ والآفاتِ ما هو مُوجَبُ أعْمالِهِمْ وظُلْمِهِمْ وفُجُورِهِمْ.
وَلَقَدْ كانَتِ الحُبُوبُ مِنَ الحِنْطَةِ وغَيْرِها أكْبَرَ مِمّا هي اليَوْمَ، كَما كانَتِ البَرَكَةُ فِيها أعْظَمَ.
وَقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ بِإسْنادِهِ: أنَّهُ وجَدَ في خَزائِنِ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ صُرَّةً فِيها حِنْطَةٌ أمْثالُ نَوى التَّمْرِ مَكْتُوبٌ عَلَيْها: هَذا كانَ يَنْبُتُ أيّامَ العَدْلِ. وهَذِهِ القِصَّةُ، ذَكَرَها في " مُسْنَدِهِ " عَلى أثَرِ حَدِيثٍ رَواهُ.
وَأكْثَرُ هَذِهِ الأمْراضِ والآفاتِ العامَّةِ بَقِيَّةُ عَذابٍ عُذِّبَتْ بِهِ الأُمَمُ السّالِفَةُ، ثُمَّ بَقِيَتْ مِنها بَقِيَّةٌ مُرْصَدَةٌ لِمَن بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ مِن أعْمالِهِمْ، حَكَمًا قِسْطًا، وقَضاءً عَدْلًا، وقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى هَذا بِقَوْلِهِ في الطّاعُونِ: «إنَّهُ بَقِيَّةُ رِجْزٍ أوْ عَذابٍ أُرْسِلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ».
وَكَذَلِكَ سَلَّطَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الرِّيحَ عَلى قَوْمٍ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ، ثُمَّ أبْقى في العالَمِ مِنها بَقِيَّةً في تِلْكَ الأيّامِ، وفي نَظِيرِها عِظَةٌ وعِبْرَةٌ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أعْمالَ البَرِّ والفاجِرِ مُقْتَضِياتٍ لِآثارِها في هَذا العالَمِ اقْتِضاءً لا بُدَّ مِنهُ، فَجَعَلَ مَنعَ الإحْسانِ والزَّكاةِ والصَّدَقَةِ سَبَبًا لِمَنعِ الغَيْثِ مِنَ السَّماءِ، والقَحْطِ والجَدْبِ، وجَعَلَ ظُلْمَ المَساكِينِ، والبَخْسَ في المَكايِيلِ والمَوازِينِ، وتَعَدِّي القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ سَبَبًا لِجَوْرِ المُلُوكِ والوُلاةِ الَّذِينَ لا يَرْحَمُونَ إنِ اسْتُرْحِمُوا، ولا يَعْطِفُونَ إنِ اسْتُعْطِفُوا، وهم في الحَقِيقَةِ أعْمالُ الرَّعايا ظَهَرَتْ في صُوَرِ وُلاتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِحِكْمَتِهِ وعَدْلِهِ يُظْهِرُ لِلنّاسِ أعْمالَهم في قَوالِبَ وصُوَرٍ تُناسِبُها، فَتارَةً بِقَحْطٍ وجَدْبٍ، وتارَةً بِعَدُوٍّ، وتارَةً بِوُلاةٍ جائِرِينَ، وتارَةً بِأمْراضٍ عامَّةٍ، وتارَةً بِهُمُومٍ وآلامٍ وغُمُومٍ تُحْضِرُها نُفُوسُهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْها، وتارَةً بِمَنعِ بَرَكاتِ السَّماءِ والأرْضِ عَنْهُمْ، وتارَةً بِتَسْلِيطِ الشَّياطِينِ عَلَيْهِمْ تَؤُزُّهم إلى أسْبابِ العَذابِ أزًّا لِتَحِقَّ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ، ولِيَصِيرَ كُلٌّ مِنهم إلى ما خُلِقَ لَهُ، والعاقِلُ يُسَيِّرُ بَصِيرَتَهُ بَيْنَ أقْطارِ العالَمِ فَيُشاهِدُهُ، ويَنْظُرُ مَواقِعَ عَدْلِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، وحِينَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لَهُ أنَّ الرُّسُلَ وأتْباعَهم خاصَّةً عَلى سَبِيلِ النَّجاةِ، وسائِرُ الخَلْقِ عَلى سَبِيلِ الهَلاكِ سائِرُونَ، وإلى دارِ البَوارِ صائِرُونَ، واللُّهُ بالِغٌ أمْرَهُ، لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، ولا رادَّ لِأمْرِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(موعظة)
اقشعرّت الأرْض وأظلمت السَّماء وظهر الفساد في البر والبَحْر من ظلم الفجرة، وذَهَبت البركات، وقلّت الخيرات، وهُزلت الوحوش، وتكدرت الحَياة من فسق الظلمَة، وبكى ضوء النَّهار، وظلمة اللَّيْل من الأعْمال الخبيثة، والأفْعال الفظيعة، وشكا الكِرام الكاتبون والمعقبات إلى رَبهم من كَثْرَة الفَواحِش، وغَلَبَة المُنْكَرات والقبائح.
وَهَذا والله مُنْذر بسيل عَذاب قد انْعَقَد غمامه، ومؤذن بلَيْل بلاء قد ادلهمّ ظلامه، فاعزلوا عَن طَرِيق هَذا السَّبِيل بتوبة نصوح ما دامَت التَّوْبَة مُمكنَة وبابها مَفْتُوح، وكأنكم بِالبابِ وقد أغلق، وبالرهن وقد غلق، وبالجناح وقد علق ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون﴾.
30:42Page 409
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].
No commentary for this ayah
30:43Page 409
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣
So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1
No commentary for this ayah
30:44Page 409
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,
No commentary for this ayah
30:45Page 409
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.
No commentary for this ayah
30:46Page 409
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.
(فصل)
وَتسَمى رياح الرَّحْمَة المُبَشِّرات، والنشر والذاريات والمرسلات والرخاء واللواقع ورياح العَذاب العاصف والقاصف وهما في البَحْر والعقيم والصرصر وهما في البر وإن شاءَ حركه بحركة العَذاب فَجعله عقيما وأودعه عذابا اليما وجعله نقمة على من يَشاء من عباده فَيَجْعَلهُ صَرْصَرًا ونحسا وعاتيا ومفسدا لما يمر عَلَيْهِ وهِي مُخْتَلفَة في مهابها فَمِنها صبا ودبور وجنوب وشمال وفي مَنفَعَتها وتأثيرها أعظم اخْتِلاف فريح لينَة رطبَة تغذي النَّبات وأبدان الحَيَوان وأخرى تجففه وأخرى تهلكه وتعطبه وأُخْرى تشده وتصلبه وأُخْرى توهنه وتضعفه.
وَلِهَذا يخبر سُبْحانَهُ عَن رياح الرَّحْمَة بِصِيغَة الجمع لاخْتِلاف مَنافِعها وما يحدث مِنها فريح تثير السَّحاب وريح تلقحه وريح تحمله على متونها وريح تغذي النَّبات، ولما كانَت الرِّياح مُخْتَلفَة في مهابها وطبائعها جعل لكل ريح ريحًا مقابلتها تكسر سورتها وحدتها ويبقى لينها ورحمتها فرياح الرَّحْمَة مُتعَدِّدَة، وأما ريح العَذاب فَإنَّهُ ريح واحِدَة ترسل من وجه واحِد لإهلاك ما ترسل بإهلاكه فلاتقوم لَها ريح أخرى تقابلها وتكسر سورتها وتدفع حدتها بل تكون كالجيش العَظِيم الَّذِي لا يقاومه شَيْء يدمر كل ما أتى عَلَيْهِ وتَأمل حِكْمَة القُرْآن وجلالته وفصاحته كَيفَ طرد هَذا في البر، وأما في البَحْر فَجاءَت ريح الرَّحْمَة فِيهِ بِلَفْظ الواحِد كَقوله تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم في البر والبَحْر حَتّى إذا كُنْتُم في الفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مَكان﴾
فَإن السفن إنَّما تسير بِالرِّيحِ الواحِدَة الَّتِي تَأتي من وجه واحِد فَإذا اخْتلفت الرِّياح على السفن وتقابلت لم يتم سَيرها فالمقصود مِنها في البَحْر خلاف المَقْصُود مِنها في البر إذْ المَقْصُود في البَحْر أن تكون واحِدَة طيبَة لا يعارضها شَيْء، فأفردت هُنا وجمعت في البر، ثمَّ إنه سُبْحانَهُ أعطى هَذا المَخْلُوق اللَّطِيف الَّذِي يحركه أضعف المَخْلُوقات ويخرقه من الشدَّة والقُوَّة والبأس ما يقلق بِهِ الأجسام الصلبة القوية الممتنعة ويزعجها عَن أماكنها ويفتتها ويحملها على مَتنه فانْظُر إليه مَعَ لطافته وخِفته إذا دخل في الزق مثلا وامتلأ بِهِ ثمَّ وضع عَلَيْهِ الجِسْم الثقيل كالرّجلِ وغَيره وتحامل عَلَيْهِ ليغمسه في الماء لم يطق، ويَضَع الحَدِيد الصلب الثقيل على وجه الماء فيرسب فِيهِ فامْتنعَ هَذا اللَّطِيف من قهر الماء لَهُ، ولم يمْتَنع مِنهُ القوي الشَّديد وبهذه الحِكْمَة أمسك الله سُبْحانَهُ السفن على وجه الماء مَعَ ثقلها وثقل ما تحويه، وكَذَلِكَ كل مجوف حل فِيهِ الهَواء فَإنَّهُ لا يرسب فِيهِ لأن الهَواء يمْتَنع من الغوس في الماء فتتعلق بِهِ السَّفِينَة المشحونة الموقرة.
فَتَأمل كَيفَ استجار هَذا الجِسْم الثقيل العَظِيم بِهَذا اللَّطِيف الخَفِيف وتعلق بِهِ حَتّى أمن من الغَرق وهَذا كالَّذي يهوي في قليب فَيتَعَلَّق بذيل رجل قوي شَدِيد يمْتَنع عَن السُّقُوط في القليب فينجو بتعلقه بِهِ فسبحان من علق هَذا المركب العَظِيم الثقيل بِهَذا الهَواء اللَّطِيف من غير علاقَة ولا عقدة تشاهد، ومن آياته السَّحاب المسخر بَين السَّماء والأرض كَيفَ ينشئه سُبْحانَهُ بالرياح فتثيره كسيفا ثمَّ يؤلف بَينه ويضم بعضه إلى بعض ثمَّ تلقحه الرّيح وهِي الَّتِي سَمّاها سُبْحانَهُ لَواقِح ثمَّ يَسُوقهُ على متونها إلى الأرض المحتاجة إليه فَإذا علاها واستوى عَلَيْها إهراق ماءَهُ عليها، فَيُرْسل سُبْحانَهُ عَلَيْهِ الرّيح وهو في الجو فتذروه وتفرقه لِئَلّا يُؤْذِي ويهدم ما ينزل عَلَيْهِ بجملته حَتّى إذا رويت وأخذت حاجَتها مِنهُ أقلع عَنْها وفارقها فَهي روايا الأرض مَحْمُولَة على ظُهُور الرِّياح.
وَفِي التِّرْمِذِيّ وغَيره أن النَّبِي لما رأى السَّحاب قالَ هَذِه روايا الأرض يَسُوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يذكرُونَهُ فالسحاب حامِل رزق العباد وغَيرهم الَّتِي عَلَيْها ميرتهم وكانَ الحسن إذا رأى السَّحاب قالَ في هَذا والله رزقكم ولَكِنَّكم تحرموه بخطاياكم وذنوبكم".
وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي قالَ:
"بَينا رجل بفلاة من الأرض إذْ سمع صَوتا في سَحابَة اسْقِ حديقة فلان فَمر الرجل مَعَ السحابة حَتّى أتت على حديقة فَلَمّا توسطتها أفرغت فِيها ماءها، فَإذا بِرَجُل مَعَه مسحاة يسحي الماء بها فَقالَ: ما اسْمك يا عبد الله؟
قالَ فلان للاسم الَّذِي سَمعه في السحابة"
وَبِالجُمْلَةِ فَإذا تَأمَّلت السَّحاب الكثيف المظلم كَيفَ تراهُ يجْتَمع في جو صاف لا كدورة فِيهِ، وكَيف يخلقه الله مَتى شاءَ وإذا شاءَ وهو مَعَ لينه ورخاوته حامِل للْماء الثقيل بَين السَّماء والأرْض، إلى أن يَأْذَن لَهُ ربه وخالقه في إرسال ما مَعَه من الماء فيرسله وينزله مِنهُ مقطعا بالقطرات كل قَطْرَة بِقدر مَخْصُوص اقتضته حكمته ورَحمته فيرش السَّحاب الماء على الأرض رشا ويرسله قطرات مفصلة لاتختلط قَطْرَة مِنها بأخرى، ولا يتَقَدَّم متأخرها ولا يتَأخَّر متقدمها ولا تدْرك القطرة صاحبتها فتمزج بها بل تنزل كل واحِدَة في الطَّرِيق الَّذِي رسم لَها لا تعدل عَنهُ حَتّى تصيب الأرض قَطْرَة قَطْرَة قد عينت كل قَطْرَة مِنها لجزء من الأرض لا تتعداه إلى غَيره، فَلَو اجْتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا مِنها قَطْرَة واحِدَة أوْ يحصوا عدد القطر في لَحْظَة واحِدَة لعجزوا عَنهُ.
فَتَأمل كَيفَ يَسُوقهُ سُبْحانَهُ رزقا للعباد والدَّواب والطير والذر والنمل يَسُوقهُ رزقا للحيوان الفُلانِيّ في الأرض الفُلانِيَّة بِجانِب الجَبَل الفُلانِيّ فيصل إليه على شدَّة من الحاجة والعطش في وقت كَذا وكَذا، ثمَّ كَيفَ أودعه في الأرض ثمَّ أخرج بِهِ أنواع الأغذية والأدوية والأقوات.
30:47Page 409
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.
No commentary for this ayah
30:48Page 409
ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٨
It is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds and spread them in the sky however He wills, and He makes them fragments so you see the rain emerge from within them. And when He causes it to fall upon whom He wills of His servants, immediately they rejoice
No commentary for this ayah
30:49Page 409
وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ ٤٩
Although they were, before it was sent down upon them - before that, in despair.
No commentary for this ayah
30:50Page 409
فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٥٠
So observe the effects of the mercy of Allāh - how He gives life to the earth after its lifelessness. Indeed, that [same one] will give life to the dead, and He is over all things competent.
No commentary for this ayah
30:51Page 410
وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ ٥١
But if We should send a [bad] wind and they saw [their crops] turned yellow, they would remain thereafter disbelievers.1
No commentary for this ayah
30:52Page 410
فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٥٢
So indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they turn their backs, retreating.
No commentary for this ayah
30:53Page 410
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٥٣
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [in submission to Allāh].
No commentary for this ayah
30:54Page 410
۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤
Allāh is the one who created you from weakness, then made after weakness strength, then made after strength weakness and white hair. He creates what He wills, and He is the Knowing, the Competent.
اعلم أن الإنسان بعد الأرْبَعين يَأْخُذ في النُّقْصان وضعف القوى على التدريج كَما أخذ في زيادتها على التدريج قالَ الله تَعالى ﴿الله الَّذِي خَلقكُم من ضعف ثمَّ جعل من بعد ضعف قُوَّة ثمَّ جعل من بعد قُوَّة ضعفا وشَيْبَة﴾
فقوته بَين ضعفين وحياته بَين موتين فَهو أولا نُطْفَة ثمَّ علقَة ثمَّ مُضْغَة ثمَّ جَنِينا ما دامَ في البَطن فَإذا خرج فَهو وليد فَما لم يستتم سَبْعَة أيّام فَهو صديغ بالغين المُعْجَمَة لِأنَّهُ لم يشْتَد صُدْغه ثمَّ ما دامَ يرضع فَهو رَضِيع فَإذا قطع عَنهُ اللَّبن فَهو فطيم فَإذا دب ودرج فَهو دارج قالَ الراجز
؎(يا لَيْتَني قد زرت غير خارج ∗∗∗ أم صبي قد حبا ودارج)
فَإذا بلغ طوله خَمْسَة أشبار فَهو خماسي فَإذا سَقَطت أسْنانه فَهو مثغور وقد ثفر فَإذا نَبتَت بعد سُقُوطها فَهو مثغر بِوَزْن مدكر بِالتّاءِ والثاء مَعًا فَإذا بلغ السَّبع وما قاربها فَهو مُمَيّز فَإذا بلغ العشْر فَهو مترعرع وناشئ فَإذا قارب الحلم فَهو يافع ومراهق ومناهز للحلم فَإذا بلغ فَهو بالغ فَإذا اجْتمعت قوته فَهو حزور واسْمه في جَمِيع ذَلِك غُلام ما لم يخضر شاربه فَإذا اخضر شاربه وأخذ عذاره في الطُّلُوع فَهو باقِل وقد بقل وجهه بِالتَّخْفِيفِ ثمَّ هو ما بَين ذَلِك وبَين تَكامل لحيته فَتى وشارخ بِحُصُول شرخ الشَّباب لَهُ.
قالَ الجَوْهَرِي الفَتى الشّاب والفتاة الشّابَّة ويُطلق الفَتى على المَمْلُوك وإن كانَ شَيخا كَبِيرا ومِنه الحَدِيث لا يقل أحدكُم عَبدِي وأمتِي وليقل فَتاي وفَتاتِي ويُقال الفَتى على السخي الكَرِيم فَإذا اجْتمعت لحيته فَهو شاب إلى الأرْبَعين ثمَّ يَأْخُذ في الكهولة إلى السِّتين ثمَّ يَأْخُذ في الشيخوخة فَإذا أخذ شعره في البياض قيل شاب فَإذا ازْدادَ قيل وخطه الشيب فَإذا زاد قيل شمط فَإذا غلب شَيْبه فَهو أغثم فَإذا اشتعل رَأسه ولحيته شيبا فَهو متقعوس فَإذا انحط قواه فَهو هرم فَإذا تَغَيَّرت أحْواله وظهر نَقصه فقد رد إلى أرذل العُمر فالموت أقرب إلَيْهِ من اليَد إلى الفَم.
(لطيفة)
وَتَأمَّلْ أسْماءَ السِّتَّةِ المُتَبارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَيْفَ اقْتَضى القَدَرُ مُطابَقَةَ أسْمائِهِمْ لِأحْوالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَكانَ الكُفّارُ شيبة وعتبة والوليد، ثَلاثَةُ أسْماءٍ مِنَ الضَّعْفِ، فالوليد لَهُ بِدايَةُ الضَّعْفِ، وشيبة لَهُ نِهايَةُ الضَّعْفِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾
وعتبة مِنَ العَتَبِ، فَدَلَّتْ أسَماؤُهم عَلى عَتَبٍ يَحِلُّ بِهِمْ، وضَعْفٍ يَنالُهُمْ، وكانَ أقْرانُهم مِنَ المُسْلِمِينَ علي، وعبيدة، والحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ثَلاثَةُ أسْماءٍ تُناسِبُ أوْصافَهم وهي العُلُوُّ، والعُبُودِيَّةُ، والسَّعْيُ الَّذِي هو الحَرْثُ، فَعَلَوْا عَلَيْهِمْ بِعُبُودِيَّتِهِمْ وسَعْيِهِمْ في حَرْثِ الآخِرَةِ.
30:55Page 410
وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥
And the Day the Hour appears the criminals will swear they had remained but an hour. Thus they were deluded.
(موعظة)
ما تساوي لذة سنة غم ساعة فكيف والأمر بالعكس؟!
كم في يم الغرور من تمساح فاحذر يا غائص ستعلم أيها الغريم قصتك عند علق الغرماء بك
؎إذا التقى كل ذي دين وماطلة ∗∗∗ ستعلم ليلى أي دين تداينت
من لم يتتبع بمنقاش العدل شوك الظلم من أيدي التصرف أثر ما لا يؤمن تعديه إلى القلب.
30:56Page 410
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦
But those who were given knowledge and faith will say, "You remained the extent of Allāh's decree until the Day of Resurrection, and this is the Day of Resurrection, but you did not used to know."1
(فائِدَة عَظِيمَة)
أفضل ما اكتسبته النُّفُوس وحصلته القُلُوب العَبْد ونال بِهِ العَبْد الرّفْعَة في الدُّنْيا والآخِرَة هو العلم والإيمان ولِهَذا قرن بَينهما سُبْحانَهُ في قَوْله ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والأِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْم البَعْث﴾
وَقَوله ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجات﴾
وهؤلاهم خُلاصَة الوُجُود ولبه والمؤهلون للمراتب العالِيَة، ولَكِن أكثر النّاس غالطون في حَقِيقَة مُسَمّى العلم والإيمان اللَّذين بهما السَّعادَة والرفقة، وفي حقيقتهما حَتّى أن كل طائِفَة تظن أن ما مَعها من العلم والإيمان هو هَذا الَّذِي بِهِ تنال السَّعادَة، ولَيْسَ كَذَلِك بل أكْثَرهم لَيْسَ مَعَهم إيمان يُنجي ولا علم يرفع بل قد سدوا على نُفُوسهم طرق العلم والإيمان اللَّذين جاءَ بهما الرَّسُول ودعا إلَيْهِما الأمة، وكانَ عَلَيْهِما هو وأصْحابه من بعده وتابعوهم على منهاجهم وآثارهم
فَكل طائِفَة اعتقدت أن العلم ما مَعها وفرحت و ﴿تقطعوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لديهم فَرِحُونَ﴾
وَأكْثر ما عِنْدهم كَلام وآراء وخرص والعلم وراء الكَلام، كَما قالَ حمّاد بن زيد:
قلت لأيوب: العلم اليَوْم أكثر أو فِيما تقدّم؟
فَقالَ الكَلام اليَوْم أكثر والعلم فِيما تقدم أكثر.
فَفرق هَذا الراسخ بَين العلم والكَلام، فالكتب كَثِيرَة جدا، والكَلام والجدال والمقدرات الذهنية كَثِيرَة، والعلم بمعزل عَن أكْثَرها وهو ما جاءَ بِهِ الرَّسُول عَن الله قالَ تَعالى ﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ من العلم﴾
وَقالَ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَك من العلم﴾ وقالَ في القُرْآن ﴿أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي وفِيه علمه
وَلما بعد العَهْد بِهَذا العلم آل الأمر بِكَثِير من النّاس إلى أن اتَّخذُوا هواجس الأفكار وسوانح الخواطر والآراء علما، ووَضَعُوا فِيها الكتب، وأنفقوا فِيها الأنفاس فضيعوا فِيها الزَّمان وملأوا بها الصُّحُف مدادا، والقلوب سوادا حَتّى صرح كثير مِنهُم أنه لَيْسَ في القُرْآن والسّنة علم، وأن أدلتها لفظية لا تفِيد يَقِينا ولا علما، وصرخ الشَّيْطان بِهَذِهِ الكَلِمَة فيهم، وأذَّن بها بَين أظهرهم حَتّى أسمعها دانيهم لقاصيهم، فانسلخت بها القُلُوب من العلم والإيمان كانسلاخ الحَيَّة من قشرها، والثَّوْب عَن لابسه.
30:57Page 410
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧
So that Day, their excuse will not benefit those who wronged, nor will they be asked to appease [Allāh].
No commentary for this ayah
30:58Page 410
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨
And We have certainly presented to the people in this Qur’ān from every [kind of] example. But, [O Muḥammad], if you should bring them a sign, the disbelievers will surely say, "You [believers] are but falsifiers."
No commentary for this ayah
30:59Page 410
كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩
Thus does Allāh seal the hearts of those who do not know.1
No commentary for this ayah
30:60Page 410
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠
So be patient. Indeed, the promise of Allāh is truth. And let them not disquiet you who are not certain [in faith].
[فَصْلُ التَّمَكُّنِ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ:
(بابُ التَّمَكُّنِ) قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٦٠].
وَجْهُ اسْتِدْلالِهِ بِالآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ، وهو أنَّ المُتَمَكِّنَ لا يُبالِي بِكَثْرَةِ الشَّواغِلِ، ولا بِمُخالَطَةِ أصْحابِ الغَفَلاتِ، ولا بِمُعاشَرَةِ أهْلِ البَطالاتِ، بَلْ قَدْ تَمَكَّنَ بِصَبْرِهِ ويَقِينِهِ عَنِ اسْتِفْزازِهِمْ إيّاهُ، واسْتِخْفافِهِمْ لَهُ. ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] فَمَن وفّى الصَّبْرَ حَقَّهُ، وتَيَقَّنَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ لَمْ يَسْتَفِزَّهُ المُبْطِلُونَ، ولَمْ يَسْتَخِفَّهُ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ومَتى ضَعُفَ صَبْرُهُ ويَقِينُهُ أوْ كِلاهُما اسْتَفَزَّهُ هَؤُلاءِ واسْتَخَفَّهُ هَؤُلاءِ، فَجَذَبُوهُ إلَيْهِمْ بِحَسَبِ ضَعْفِ قُوَّةِ صَبْرِهِ ويَقِينِهِ، فَكُلَّما ضَعُفَ ذَلِكَ مِنهُ قَوِيَ جَذْبُهم لَهُ، وكُلَّما قَوِيَ صَبْرُهُ ويَقِينُهُ قَوِيَ انْجِذابُهُ مِنهم وجَذْبُهُ لَهم.
(فَصْلٌ)
قالَ الشَّيْخُ: التَّمَكُّنُ: فَوْقَ الطُّمَأْنِينَةِ، وهو الإشارَةُ إلى غايَةِ الِاسْتِقْرارِ.
التَّمَكُّنُ هو القُدْرَةُ عَلى التَّصَرُّفِ في الفِعْلِ والتَّرْكِ، ويُسَمّى مَكانَةً أيْضًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ﴾ [الأنعام: ١٣٥] الآيَةَ.
وَأكْثَرُ ما يُطْلَقُ في اصْطِلاحِ القَوْمِ: عَلى مَنِ انْتَقَلَ إلى مَقامِ البَقاءِ بَعْدَ الفَناءِ وهو الوُصُولُ عِنْدَهُمْ، وحَقِيقَتُهُ: ظَفَرُ العَبْدِ بِنَفْسِهِ، وهو أنْ تَتَوارى عَنْهُ أحْكامُ البَشَرِيَّةِ بِطُلُوعِ شَمْسِ الحَقِيقَةِ واسْتِيلاءِ سُلْطانِها، فَإذا دامَتْ لَهُ هَذِهِ الحالُ أوْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ فَهو صاحِبُ تَمْكِينٍ.
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: التَّمَكُّنُ: فَوْقَ الطُّمَأْنِينَةِ، وهو الإشارَةُ إلى غايَةِ الِاسْتِقْرارِ إنَّما كانَ فَوْقَ الطُّمَأْنِينَةِ؛ لِأنَّها تَكُونُ مَعَ نَوْعٍ مِنَ المُنازَعَةِ، فَيَطْمَئِنُّ القَلْبُ إلى ما يَسْكُنُهُ، وقَدْ يَتَمَكَّنُ فِيهِ وقَدْ لا يَتَمَكَّنُ، ولِذَلِكَ كانَ التَّمَكُّنُ هو غايَةُ الِاسْتِقْرارِ، وهو تَفَعُّلٌ مِنَ المَكانِ، فَكَأنَّهُ قَدْ صارَ مَقامُهُ مَكانًا لِقَلْبِهِ قَدْ تَبَوَّأهُ مَنزِلًا ومُسْتَقَرًّا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences