Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:25–31
33:25–27Page 421
وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥
And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.
وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦
And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].
وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧
And He caused you to inherit their land and their homes and their properties and a land which you have not trodden.1 And ever is Allāh, over all things, competent.
(فائدة)
الناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنت، أو لا يؤمن، بل يستمر على السيئات والكفر، ولابد من امتحان هذا وهذا.
فأما من قال: آمنت فلا بد أن يمتحنه الرب ويبتليه، ليتبين: هل هو صادق في قوله، آمنت، أو كاذب؟ فإن كان كاذبا رجع على عقبيه، وفر من الامتحان، كما يفر من عذاب الله، وإن كان صادقا ثبت على قوله، ولم يزده الابتلاء والامتحان إلا إيمانا على إيمانه.
قال تعالى ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسُولُه وصَدَقَ اللهُ ورَسُولهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيِمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
وأما من لم يؤمن، فإنه يمتحن في الآخرة بالعذاب، ويفتن به، وهي أعظم المحنتين، هذا إن سلم من امتحانه بعذاب الدنيا ومصائبها، وعقوبتها التي أوقعها الله بمن لم يتبع رسله وعصاهم، فلا بد من المحنة في هذه الدار وفي البرزخ، وفي القيامة لكل أحد، ولكن المؤمن أخف محنة وأسهل بلية. فإن الله يدفع عنه بالإيمان، ويحمل عنه به ويرزقه من الصبر والثبات والرضى والتسليم ما يهون به عليه محنته.
وأما الكافر والمنافق والفاجر، فتشتد محنته وبليته وتدوم، فمحنة المؤمن خفيفة منقطعة، ومحنة الكافر والمنافق والفاجر شديدة متصلة.
فلا بد من حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت أو كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة، والكافر والمنافق والفاجر، تحصل له اللذة والنعيم ابتداء، ثم يصير إلى الألم، فلا يطمع أحد أن يخلص من المحبة والألم ألبتة.
(فصل: في ذكر ريح الجنة ومن مسيرة كم ينشق)
قال الطبراني حدثنا موسى بن حازم الأصبهاني حدثنا محمد بن بكير الحضرمي حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن جنادة بن أبي أمية عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال:
"من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يرح رائحة الجنة وأن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام"
ورواه البخاري في الصحيح عن قيس بن حفص عن عبد الواحد بن زياد عن الحسن ابن عمرو الفقيمي عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ولم يذكر بينهما جنادة وقال ليوجد من مسيرة أربعين عاما
وقال الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا معدي ابن سليمان هو البصري عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال:
"ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر بذمة الله فلا يراح رائحة الجنة وأن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا "
قال: وفي الباب عن أبي بكرة وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح قال محمد بن عبد الواحد وإسناده عندي على شرط الصحيح قلت وقد رواه الطبراني من حديث عيسى بن يونس عن عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة يرفعه من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة وإن ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام
وقال الطبراني: حدثنا إسحق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن أو غيره عن أبي بكرة قال: سمعت رسول الله يقول:
"ريح الجنة يوجد من مسيرة مائة عام"
وهذه الألفاظ لا تعارض بينهما بوجه.
وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس قال لم يشهد عمي مع رسول الله بدرا قال فشق عليه
قال أول مشهد شهده رسول الله غبت عنه قال فإني أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ليرين الله ما أصنع قال فهاب أن يقول غيرها قال فشهد مع رسول الله يوم أحد قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أين فقال: واها لريح الجنة أجده دون أحد قال: فقاتلهم حتى قتل قال فوجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية فقالت أخته عمة الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه ونزلت هذه الآية ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه
وريح الجنة نوعان: ريح يوجد في الدنيا تشمه الأرواح أحيانا لا تدركه العباد وريح يدرك بحاسة الشم للأبدان كما يشم روائح الأزهار وغيرها وهذا يشترك أهل الجنة في إدراكه في الآخرة من قرب وبعد وأما في الدنيا فقد يدركه من شاء الله من أنبيائه ورسله وهذا الذي وجده أنس بن النضر يجوز أن يكون من هذا القسم وأن يكون من الأول والله أعلم
وقال أبو نعيم: حدثنا محمد بن معمر حدثنا محمد بن أحمد المؤذن حدثنا عبد الواحد بن غياث أنبأنا الربيع بن بدر حدثنا هارون بن رياب عن مجاهد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إن رائحة الجنة توجد من مسيرة خمس مائة عام"
وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن احمد بن محمد بن طريف حدثنا أبي حدثنا محمد بن كثير حدثني جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر قال قال رسول الله ﷺ: " ريح الجنة يوجد من مسيرة ألف عام والله لا يجدها عاق ولا قاطع رحم" وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال:
"من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمس مائة عام وقد أشهد الله سبحانه عباده في هذه الدار آثارا من آثار الجنة وأنموذجا منها من الرائحة الطيبة واللذات المشتهاة والمناظر البهية والفاكهة الحسنة والنعيم والسرور وقرة العين"
[فَصْلٌ: في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ]
وَكانَتْ في سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ في شَوّالٍ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ إذْ لا خِلافَ أنَّ أُحُدًا كانَتْ في شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ، وواعَدَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في العامِ المُقْبِلِ، وهو سَنَةُ أرْبَعٍ، ثُمَّ أخْلَفُوهُ لِأجْلِ جَدْبِ تِلْكَ السّنَةِ، فَرَجَعُوا، فَلَمّا كانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ جاءُوا لِحَرْبِهِ هَذا قَوْلُ أهْلِ السِّيَرِ والمَغازِي.
وَخالَفَهم مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، وقالَ بَلْ كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ. قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وهَذا هو الصَّحِيحُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ في " الصَّحِيحَيْنِ " أنَّهُ عُرِضَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وهو ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْهُ، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وهو ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأجازَهُ.
قالَ: فَصَحّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما إلّا سَنَةٌ واحِدَةٌ.
وَأُجِيبَ عَنْ هَذا بِجَوابَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّ ابْنَ عُمَرَ أخْبَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّهُ لَمّا اسْتَصْغَرَهُ عَنِ القِتالِ، وأجازَهُ لَمّا وصَلَ إلى السِّنِّ الَّتِي رَآهُ فِيها مُطِيقًا، ولَيْسَ في هَذا ما يَنْفِي تَجاوُزَها بِسَنَةٍ أوْ نَحْوِها.
الثّانِي: أنَّهُ لَعَلَّهُ كانَ يَوْمَ أُحُدٍ في أوَّلِ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ، ويَوْمَ الخَنْدَقِ في آخِرِ الخامِسَةِ عَشْرَةَ.
[سَبَبُ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ]
وَكانَ سَبَبُ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ أنَّ اليَهُودَ لَمّا رَأوُا انْتِصارَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وعَلِمُوا بِمِيعادِ أبي سفيان لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ لِذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ لِلْعامِ المُقْبِلِ خَرَجَ أشْرافُهم كسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، وغَيْرِهِمْ إلى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ يُحَرِّضُونَهم عَلى غَزْوِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَيُؤَلِّبُونَهم عَلَيْهِ، ووَعَدُوهم مِن أنْفُسِهِمْ بِالنَّصْرِ لَهُمْ، فَأجابَتْهم قُرَيْشٌ، ثُمَّ خَرَجُوا إلى غَطَفانَ، فَدَعَوْهُمْ، فاسْتَجابُوا لَهُمْ، ثُمَّ طافُوا في قَبائِلِ العَرَبِ يَدْعُونَهم إلى ذَلِكَ، فاسْتَجابَ لَهم مَنِ اسْتَجابَ، فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وقائِدُهم أبو سفيان في أرْبَعَةِ آلافٍ، ووافَتْهم بَنُو سُلَيْمٍ بِمَرِّ الظَّهْرانِ، وخَرَجَتْ بَنُو أسَدٍ وفَزارَةُ وأشْجَعُ وبَنُو مُرَّةَ، وجاءَتْ غَطَفانُ وقائِدُهم عيينة بن حصن. وكانَ مَن وافى الخَنْدَقَ مِنَ الكُفّارِ عَشَرَةَ آلافٍ.
فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَسِيرِهِمْ إلَيْهِ اسْتَشارَ الصَّحابَةَ، فَأشارَ عَلَيْهِ سَلْمانُ الفارِسِيُّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ يَحُولُ بَيْنَ العَدُوِّ وبَيْنَ المَدِينَةِ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبادَرَ إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، وعَمِلَ بِنَفْسِهِ فِيهِ، وبادَرُوا هُجُومَ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ، وكانَ في حَفْرِهِ مِن آياتِ نُبُوَّتِهِ، وأعْلامِ رِسالَتِهِ ما قَدْ تَواتَرَ الخَبَرُ بِهِ، وكانَ حَفْرُ الخَنْدَقِ أمامَ سَلْعٍ، وسَلْعٌ: جَبَلٌ خَلْفَ ظُهُورِ المُسْلِمِينَ، والخَنْدَقُ بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ.
وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَتَحَصَّنَ بِالجَبَلِ مِن خَلْفِهِ، وبِالخَنْدَقِ أمامَهم.
وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: خَرَجَ في سَبْعِمِائَةٍ، وهَذا غَلَطٌ مِن خُرُوجِهِ يَوْمَ أُحُدٍ.
وَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنِّساءِ والذَّرارِي، فَجُعِلُوا في آطامِ المَدِينَةِ، واسْتَخْلَفَ عَلَيْها ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ.
وانْطَلَقَ حيي بن أخطب إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَدَنا مِن حِصْنِهِمْ، فَأبى كعب بن أسد أنْ يَفْتَحَ لَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتّى فَتَحَ لَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قالَ: لَقَدْ جِئْتُكَ بِعِزِّ الدَّهْرِ جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ وغَطَفانَ وأسَدٍ عَلى قادَتِها لِحَرْبِ مُحَمَّدٍ، قالَ كعب: جِئْتَنِي واللَّهِ بِذُلِّ الدَّهْرِ وبِجَهامٍ قَدْ هَراقَ ماؤُهُ، فَهو يَرْعُدُ ويَبْرُقُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ.
فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى نَقَضَ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ودَخَلَ مَعَ المُشْرِكِينَ في مُحارَبَتِهِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ المُشْرِكُونَ، وشَرَطَ كعب عَلى حيي أنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمَّدٍ أنْ يَجِيءَ حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُ في حِصْنِهِ، فَيُصِيبَهُ ما أصابَهُ، فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ، ووَفّى لَهُ بِهِ.
وَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُ بَنِي قُرَيْظَةَ ونَقْضُهم لِلْعَهْدِ، فَبَعَثَ إلَيْهِمُ السَّعْدَيْنِ، وخَوّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ لِيَعْرِفُوا: هَلْ هم عَلى عَهْدِهِمْ أوْ قَدْ نَقَضُوهُ؟ فَلَمّا دَنَوْا مِنهُمْ، فَوَجَدُوهم عَلى أخْبَثِ ما يَكُونُ، وجاهَرُوهم بِالسَّبِّ والعَداوَةِ، ونالُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْصَرَفُوا عَنْهُمْ، ولَحَنُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَحْنًا يُخْبِرُونَهُ أنَّهم قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ وغَدَرُوا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ:
«اللَّهُ أكْبَرُ، أبْشِرُوا يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ»
واشْتَدَّ البَلاءُ، ونَجَمَ النِّفاقُ، واسْتَأْذَنَ بَعْضُ بَنِي حارِثَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الذِّهابِ إلى المَدِينَةِ، وقالُوا: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]
وَهَمَّ بَنُو سَلَمَةَ بِالفَشَلِ، ثُمَّ ثَبَّتَ اللَّهُ الطّائِفَتَيْنِ.
وَأقامَ المُشْرِكُونَ مُحاصِرِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم قِتالٌ لِأجْلِ ما حالَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الخَنْدَقِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلّا أنَّ فَوارِسَ مِن قُرَيْشٍ مِنهم عمرو بن عبد ود، وجَماعَةٌ مَعَهُ أقْبَلُوا نَحْوَ الخَنْدَقِ، فَلَمّا وقَفُوا عَلَيْهِ قالُوا: إنّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُها، ثُمَّ تَيَمَّمُوا مَكانًا ضَيِّقًا مِنَ الخَنْدَقِ، فاقْتَحَمُوهُ، وجالَتْ بِهِمْ خَيْلُهم في السَّبْخَةِ بَيْنَ الخَنْدَقِ وسَلْعٍ، ودَعَوْا إلى البِرازِ، فانْتُدِبَ لعمرو عَلِيٌّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَبارَزَهُ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ، وكانَ مِن شُجْعانِ المُشْرِكِينَ وأبْطالِهِمْ، وانْهَزَمَ الباقُونَ إلى أصْحابِهِمْ (وَكانَ شِعارُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ " حم لا يُنْصَرُونَ).
وَلَمّا طالَتْ هَذِهِ الحالُ عَلى المُسْلِمِينَ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُصالِحَ عيينة بن حصن والحارث بن عوف رَئِيسَيْ غَطَفانَ عَلى ثُلُثِ ثِمارِ المَدِينَةِ، ويَنْصَرِفا بِقَوْمِهِما، وجَرَتِ المُراوَضَةُ عَلى ذَلِكَ، فاسْتَشارَ السَّعْدَيْنِ في ذَلِكَ، فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كانَ اللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا فَسَمْعًا وطاعَةً، وإنْ كانَ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنا فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، لَقَدْ كُنّا نَحْنُ وهَؤُلاءِ القَوْمُ عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، وهم لا يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها ثَمَرَةً إلّا قِرًى أوْ بَيْعًا، فَحِينَ أكْرَمَنا اللَّهُ بِالإسْلامِ، وهَدانا لَهُ، وأعَزَّنا بِكَ نُعْطِيهِمْ أمْوالَنا؟ واللَّهِ لا نُعْطِيهِمْ إلّا السَّيْفَ، فَصَوَّبَ رَأْيَهُما، وقالَ: «إنّما هو شَيْءٌ أصْنَعُهُ لَكم لَمّا رَأيْتُ العَرَبَ قَدْ رَمَتْكم عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ».
ثُمّ إنّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ - ولَهُ الحَمْدُ - صَنَعَ أمْرًا مِن عِنْدِهِ خَذَلَ بِهِ العَدُوَّ، وهَزَمَ جُمُوعَهُمْ، وفَلَّ حَدَّهُمْ، فَكانَ مِمّا هَيَّأ مِن ذَلِكَ أنَّ رَجُلًا مِن غَطَفانَ يُقالُ لَهُ نعيم بن مسعود بن عامر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَمُرْنِي بِما شِئْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنّما أنْتَ رَجُلٌ واحِدٌ فَخَذِّلْ عَنّا ما اسْتَطَعْتَ فَإنَّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ»، فَذَهَبَ مِن فَوْرِهِ ذَلِكَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ عَشِيرًا لَهم في الجاهِلِيّةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وهم لا يَعْلَمُونَ بِإسْلامِهِ، فَقالَ: يا بَنِي قُرَيْظَةَ إنّكم قَدْ حارَبْتُمْ مُحَمَّدًا، وإنَّ قُرَيْشًا إنْ أصابُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوها، وإلّا انْشَمَرُوا إلى بِلادِهِمْ راجِعِينَ وتَرَكُوكم ومُحَمَّدًا، فانْتَقَمَ مِنكُمْ، قالُوا: فَما العَمَلُ يا نعيم؟ قالَ: لا تُقاتِلُوا مَعَهم حَتّى يُعْطُوكم رَهائِنَ قالُوا: لَقَدْ أشَرْتَ بِالرَّأْيِ، ثُمَّ مَضى عَلى وجْهِهِ إلى قُرَيْشٍ، فَقالَ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ وُدِّي لَكم ونُصْحِي لَكُمْ، قالُوا: نَعَمْ. قالَ: إنّ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلى ما كانَ مِنهم مَن نَقْضِ عَهْدِ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، وإنَّهم قَدْ راسَلُوهُ أنَّهم يَأْخُذُونَ مِنكم رَهائِنَ يَدْفَعُونَها إلَيْهِ، ثُمَّ يُمالِئُونَهُ عَلَيْكُمْ، فَإنْ سَألُوكم رَهائِنَ فَلا تُعْطُوهُمْ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى غَطَفانَ، فَقالَ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةُ السَّبْتِ مِن شَوّالٍ بَعَثُوا إلى اليَهُودِ: إنّا لَسْنا بِأرْضِ مُقامٍ، وقَدْ هَلَكَ الكُراعُ والخُفُّ، فانْهَضُوا بِنا حَتّى نُناجِزَ مُحَمَّدًا، فَأرْسَلَ إلَيْهِمُ اليَهُودُ: إنّ اليَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما أصابَ مَن قَبْلَنا حِينَ أحْدَثُوا فِيهِ، ومَعَ هَذا فَإنّا لا نُقاتِلُ مَعَكم حَتّى تَبْعَثُوا إلَيْنا رَهائِنَ.
فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِذَلِكَ قالَتْ قُرَيْشُ: صَدَقَكم واللَّهِ نعيم، فَبَعَثُوا إلى يَهُودَ، إنّا واللَّهِ لا نُرْسِلُ إلَيْكم أحَدًا، فاخْرُجُوا مَعَنا حَتّى نُناجِزَ مُحَمَّدًا، فَقالَتْ قُرَيْظَةُ: صَدَقَكم واللَّهِ نعيم، فَتَخاذَلَ الفَرِيقانِ، وأرْسَلَ اللَّهُ عَلى المُشْرِكِينَ جُنْدًا مِنَ الرِّيحِ، فَجَعَلَتْ تُقَوِّضُ خِيامَهُمْ، ولا تَدَعُ لَهم قِدْرًا إلّا كَفَأتْها، ولا طُنُبًا إلّا قَلَعَتْهُ، ولا يَقِرُّ لَهم قَرارٌ، وجُنْدُ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ يُزَلْزِلُونَهُمْ، ويُلْقُونَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ والخَوْفَ، وأرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَوَجَدَهم عَلى هَذِهِ الحالِ، وقَدْ تَهَيَّئُوا لِلرَّحِيلِ، فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخْبَرَهُ بِرَحِيلِ القَوْمِ، فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَدُوَّهُ بِغَيْظِهِ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، وكَفاهُ اللَّهُ قِتالَهُمْ، فَصَدَقَ وعْدَهُ، وأعَزَّ جُنْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ، فَدَخَلَ المَدِينَةَ، ووَضَعَ السِّلاحَ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو يَغْتَسِلُ في بَيْتِ أم سلمة، فَقالَ: أوَضَعْتُمُ السِّلاحَ! إنّ المَلائِكَةَ لَمْ تَضَعْ بَعْدُ أسْلِحَتَها انْهَضْ إلى غَزْوَةِ هَؤُلاءِ يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَنادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَن كانَ سامِعًا مُطِيعًا، فَلا يُصَلِّيَنَّ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ»
فَخَرَجَ المُسْلِمُونَ سِراعًا، وكانَ مِن أمْرِهِ وأمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ ما قَدَّمْناهُ، واسْتُشْهِدَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، ويَوْمَ قُرَيْظَةَ نَحْوُ عَشْرَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ.
[فَصْلٌ: اغْتِيالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أبا رافِعٍ]
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ أبا رافع كانَ مِمَّنْ ألَّبَ الأحْزابَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يُقْتَلْ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ كَما قُتِلَ صاحِبُهُ حيي بن أخطب ورَغِبَتِ الخَزْرَجُ في قَتْلِهِ مُساواةً لِلْأوْسِ في قَتْلِ كعب بن الأشرف، وكانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ جَعَلَ هَذَيْنَ الحَيَّيْنِ يَتَصاوَلانِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الخَيْراتِ، فاسْتَأْذَنُوهُ في قَتْلِهِ، فَأذِنَ لَهُمْ، فانْتُدِبَ لَهُ رِجالٌ كُلُّهم مِن بَنِي سَلَمَةَ، وهم عبد الله بن عتيك، وهو أمِيرُ القَوْمِ، وعبد الله بن أنيس، وأبُو قَتادَةَ الحارِثُ بْنُ رَبْعِيٍّ، ومسعود بن سنان، وخزاعي بن أسود، فَسارُوا حَتّى أتَوْهُ في خَيْبَرَ في دارٍ لَهُ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ لَيْلًا، فَقَتَلُوهُ ورَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكُلُّهُمُ ادَّعى قَتْلَهُ، فَقالَ: «أرُونِي أسْيافَكُمْ، فَلَمّا أرَوْهُ إيّاها قالَ لِسَيْفِ عبد الله بن أنيس: هَذا الَّذِي قَتَلَهُ، أرى فِيهِ أثَرَ الطَّعامِ».
33:28–29Page 421
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا ٢٨
O Prophet, say to your wives, "If you should desire the worldly life and its adornment, then come, I will provide for you and give you a gracious release.
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٢٩
But if you should desire Allāh and His Messenger and the home of the Hereafter - then indeed, Allāh has prepared for the doers of good among you a great reward."
[حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَخْيِيرِ أزْواجِهِ بَيْنَ المُقامِ مَعَهُ وبَيْنَ مُفارَقَتِهِنَّ لَهُ]
ثَبَتَ في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ (عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «لَمّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أزْواجِهِ، بَدَأ بِي، فَقالَ: إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فَلا عَلَيْكِ ألّا تَعْجَلِي حَتى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ. قالَتْ: وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا لِيَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨) وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾
فَقُلْتُ في هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ. قالَتْ عائشة: ثُمَّ فَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ما فَعَلْتُ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا»
قالَ ربيعة وابْنُ شِهابٍ: فاخْتارَتْ واحِدَةٌ مِنهُنَّ نَفْسَها فَذَهَبَتْ وكانَتِ ألْبَتَّةَ. قالَ ابْنُ شِهابٍ: وكانَتْ بَدَوِيَّةً. قالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: وهي ابنة الضحاك العامرية، رَجَعَتْ إلى أهْلِها، وقالَ ابن حبيب: قَدْ كانَ دَخَلَ بِها. انْتَهى.
وَقِيلَ لَمْ يَدْخُلْ بِها، وكانَتْ تَلْتَقِطُ بَعْدَ ذَلِكَ البَعْرَ، وتَقُولُ أنا الشَّقِيَّةُ.
واخْتَلَفَ النّاسُ في هَذا التَّخْيِيرِ، في مَوْضِعَيْنِ.
أحَدُهُما: في أيِّ شَيْءٍ كانَ؟
والثّانِي: في حُكْمِهِ، فَأمّا الأوَّلُ، فالَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ كانَ بَيْنَ المُقامِ مَعَهُ والفِراقِ، وذَكَرَ عبد الرزاق في " مُصَنَّفِهِ " عَنِ الحسن، أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَمْ يُخَيِّرْهُنَّ في الطَّلاقِ، وسِياقُ القُرْآنِ، وقَوْلُ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرُدُّ قَوْلَهُ، ولا رَيْبَ أنَّهُ سُبْحانَهُ خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والدّارِ الآخِرَةِ وبَيْنَ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتَها، وجَعَلَ مُوجَبَ اخْتِيارِهِنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ المُقامَ مَعَ رَسُولِهِ، ومُوجَبَ اخْتِيارِهِنَّ الدُّنْيا وزِينَتَها أنْ يُمَتِّعَهُنَّ ويُسَرِّحَهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا، وهو الطَّلاقُ بِلا شَكٍّ ولا نِزاعٍ.
[كانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ المُقامِ مَعَهُ والفِراقِ]
وَأمّا اخْتِلافُهم في حُكْمِهِ، فَفي مَوْضِعَيْنِ.
أحَدُهُما: في حُكْمِ اخْتِيارِ الزَّوْجِ.
والثّانِي: في حُكْمِ اخْتِيارِ النَّفْسِ، فَأمّا الأوَّلُ، فالَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ أصْحابِ النَّبِيِّ ونِساؤُهُ كُلُّهُنَّ، ومُعْظَمُ الأُمَّةِ، أنَّ مَنِ اخْتارَتْ زَوْجَها لَمْ تَطْلُقْ، ولا يَكُونُ التَّخْيِيرُ بِمُجَرَّدِهِ طَلاقًا، صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عمر وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائشة. (قالَتْ عائشة: «خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاخْتَرْناهُ»، فَلَمْ نَعُدَّهُ طَلاقًا، وعَنْ أم سلمة وقَرِيبَةِ أُخْتِها، وعبد الرحمن بن أبي بكر)
وَصَحَّ عَنْ علي وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، أنَّها إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها فَهي طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ الحسن، ورِوايَةٌ عَنْ أحمد رَواها عَنْهُ
إسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، قالَ: إنِ اخْتارَتْ زَوْجَها، فَواحِدَةٌ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ، وإنِ اخْتارَتْ نَفْسَها، فَثَلاثٌ، قالَ أبو بكر: انْفَرَدَ بِهَذا إسْحاقُ بْنُ مَنصُورٍ، والعَمَلُ عَلى ما رَواهُ الجَماعَةُ.
قالَ صاحِبُ " المُغْنِي ": ووَجْهُ هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ التَّخْيِيرَ كِنايَةٌ نَوى بِها الطَّلاقَ، فَوَقَعَ بِمُجَرَّدِها كَسائِرِ كِناياتِهِ، وهَذا هو الَّذِي صَرَّحَتْ بِهِ عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، والحَقُّ مَعَها بِإنْكارِهِ ورَدِّهِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا اخْتارَهُ أزْواجُهُ، لَمْ يَقُلْ وقَعَ بِكُنَّ طَلْقَةٌ، ولَمْ يُراجِعْهُنَّ، وهي أعْلَمُ الأُمَّةِ بِشَأْنِ التَّخْيِيرِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ (عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلاقًا) وفي لَفْظٍ: (لَمْ نَعُدَّهُ طَلاقًا)، وفي لَفْظٍ: «خَيَّرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أفَكانَ طَلاقًا»؟
والَّذِي لَحَظَهُ مَن قالَ: إنَّها طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، أنَّ التَّخْيِيرَ تَمْلِيكٌ، ولا تَمْلِكُ المَرْأةُ نَفْسَها إلّا وقَدْ طَلُقَتْ، فالتَّمْلِيكُ مُسْتَلْزِمٌ لِوُقُوعِ الطَّلاقِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ. إحْداهُما: أنَّ التَّخْيِيرَ تَمْلِيكٌ. والثّانِيَةُ أنَّ التَّمْلِيكَ يَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الطَّلاقِ، وكِلا المُقَدِّمَتَيْنِ مَمْنُوعَةٌ، فَلَيْسَ التَّخْيِيرُ بِتَمْلِيكٍ، ولَوْ كانَ تَمْلِيكًا، لَمْ يَسْتَلْزِمْ وُقُوعَ الطَّلاقِ قَبْلَ إيقاعِ مَن مَلَكَهُ، فَإنَّ غايَةَ أمْرِهِ أنْ تَمْلِكَهُ الزَّوْجَةُ، كَما كانَ الزَّوْجُ يَمْلِكُهُ، فَلا يَقَعُ بِدُونِ إيقاعِ مَن مَلَكَهُ، ولَوْ صَحَّ ما ذَكَرُوهُ لَكانَ بائِنًا؛ لِأنَّ الرَّجْعِيَّةَ لا تَمْلِكُ نَفْسَها.
33:30Page 421
يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ٣٠
O wives of the Prophet, whoever of you should commit a clear immorality - for her the punishment would be doubled two fold, and ever is that, for Allāh, easy.
[فَصْلٌ قُوَّةُ الإيمانِ والعِلْمِ الَّتِي يُسامَحُ صاحِبُها بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ]
فَإنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أنَّ المُحِبَّ يُسامَحُ بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ، ويُعْفى لِلْوَلِيِّ عَمّا لا يُعْفى لِسِواهُ، وكَذَلِكَ العالِمُ أيْضًا، يُغْفَرُ لَهُ ما لا يُغْفَرُ لِلْجاهِلِ، كَما رَوى الطَّبَرانِيُّ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ - مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إذا جَمَعَ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، قالَ لِلْعُلَماءِ: إنِّي كُنْتُ أُعْبَدُ بِفَتْواكُمْ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْلِطُونَ كَما يَخْلِطُ النّاسُ، وإنِّي لَمْ أضَعْ عِلْمِي فِيكم وأنا أُرِيدُ أنْ أُعَذِّبَكُمُ، اذْهَبُوا فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»، هَذا مَعْنى الحَدِيثِ، وقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا ومُرْسَلًا.
فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ، وهو مُقْتَضى الحِكْمَةِ والجُودِ والإحْسانِ، ولَكِنْ ماذا تَصْنَعُونَ بِالعُقُوبَةِ المُضاعَفَةِ الَّتِي ورَدَ التَّهْدِيدُ بِها في حَقِّ أُولَئِكَ إنْ وقَعَ مِنهم ما يُكْرَهُ؟ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]
وَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا - إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤-٧٥] أيْ لَوْلا تَثْبِيتُنا لَكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ بَعْضَ الشَّيْءِ، ولَوْ فَعَلْتَ لَأذَقْناكَ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، أيْ ضاعَفْنا لَكَ العَذابَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ تَعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ - لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٦]
أيْ لَوْ أتى بِشَيْءٍ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ لَأخَذْنا مِنهُ بِيَمِينِهِ، وقَطَعْنا نِياطَ قَلْبِهِ وأهْلَكْناهُ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِنَ الرُّكُونِ إلى أعْدائِهِ بِذَرَّةٍ مِن قَلْبِهِ، ومِنَ التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن راكِنٍ إلى أعْدائِهِ ومُتَقَوِّلٍ عَلَيْهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ قَدْ أمْهَلَهُ ولَمْ يَعْبَأْ بِهِ، كَأرْبابِ البِدَعِ كُلِّهِمْ، المُتَقَوِّلِينَ عَلى أسْمائِهِ وصِفاتِهِ ودِينِهِ.
وَما ذَكَرْتُمْ في قِصَّةِ يُونُسَ هو مِن هَذا البابِ، فَإنَّهُ لَمْ يُسامَحْ بِغَضْبَةٍ، وسُجِنَ لِأجْلِها في بَطْنِ الحُوتِ، ويَكْفِي حالُ أبِي البَشَرِ حَيْثُ لَمْ يُسامَحُ بِلُقْمَةٍ، وكانَتْ سَبَبَ إخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ.
فالجَوابُ أنَّ هَذا أيْضًا حَقٌّ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَإنَّ مَن كَمُلَتْ عَلَيْهِ نِعْمَةُ اللَّهِ، واخْتَصَّهُ مِنها بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ غَيْرَهُ في إعْطائِهِ مِنها ما حُرِمَهُ غَيْرُهُ، فَحُبِيَ بِالإنْعامِ، وخُصَّ بِالإكْرامِ، وخُصَّ بِمَزِيدِ التَّقْرِيبِ، وجُعِلَ في مَنزِلَةِ الوَلِيِّ الحَبِيبِ، اقْتَضَتْ حالُهُ مِن حِفْظِ مَرْتَبَةِ الوِلايَةِ والقُرْبِ والِاخْتِصاصِ بِأنْ يُراعِيَ مَرْتَبَتَهُ مِن أدْنى مُشَوِّشٍ وقاطِعٍ، فَلِشِدَّةِ الِاعْتِناءِ بِهِ، ومَزِيدِ تَقْرِيبِهِ، واتِّخاذِهِ لِنَفْسِهِ، واصْطِفائِهِ عَلى غَيْرِهِ، تَكُونُ حُقُوقُ ولِيِّهِ وسَيِّدِهِ عَلَيْهِ أتَمَّ، ونِعَمُهُ عَلَيْهِ أكْمَلَ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَوْقَ المَطْلُوبِ مِن غَيْرِهِ، فَهو إذا غَفَلَ وأخَلَّ بِمُقْتَضى مَرْتَبَتِهِ نُبِّهَ بِما لَمْ يُنَبَّهْ عَلَيْهِ البَعِيدُ البَرّانِيُّ، مَعَ كَوْنِهِ يُسامَحُ بِما لَمْ يُسامَحْ بِهِ ذَلِكَ أيْضًا، فَيَجْتَمِعُ في حَقِّهِ الأمْرانِ.
وَإذا أرَدْتَ مَعْرِفَةَ اجْتِماعِهِما، وعَدَمِ تَناقُضِهِما، فالواقِعُ شاهِدٌ بِهِ، فَإنَّ المَلِكَ يُسامِحُ خاصَّتَهُ وأوْلِياءَهُ بِما لَمْ يُسامِحْ بِهِ مَن لَيْسَ في مَنزِلَتِهِمْ، ويَأْخُذُهُمْ، ويُؤَدِّبُهم بِما لَمْ يَأْخُذْ بِهِ غَيْرَهُمْ، وقَدْ ذَكَرْنا شَواهِدَ هَذا وهَذا، ولا تَناقُضَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
وَأنْتَ إذا كانَ لَكَ عَبْدانِ، أوْ ولَدانِ، أوْ زَوْجَتانِ، أحَدُهُما أحَبُّ إلَيْكَ مِنَ الآخَرِ، وأقْرَبُ إلى قَلْبِكَ، وأعَزُّ عَلَيْكَ عامَلْتَهُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، واجْتَمَعَ في حَقِّهِ المُعامَلَتانِ بِحَسَبِ قُرْبِهِ مِنكَ، وحُبِّكَ لَهُ، وعِزَّتِهِ عَلَيْكَ، فَإذا نَظَرْتَ إلى كَمالِ إحْسانِكَ إلَيْهِ، وإتْمامِ نِعْمَتِكَ عَلَيْهِ اقْتَضَتْ مُعامَلَتُهُ بِما لا تُعامِلُ بِهِ مَن دُونَهُ، مِنَ التَّنْبِيهِ وعَدَمِ الإهْمالِ، وإذا نَظَرْتَ إلى إحْسانِهِ ومَحَبَّتِهِ لَكَ، وطاعَتِهِ وخِدْمَتِهِ، وكَمالِ عُبُودِيَّتِهِ ونُصْحِهِ وهَبْتَ لَهُ وسامَحْتَهُ، وعَفَوْتَ عَنْهُ، بِما لا تَفْعَلُهُ مَعَ غَيْرِهِ، فالمُعامَلَتانِ بِحَسَبِ ما مِنكَ وما مِنهُ.
وَقَدْ ظَهَرَ اعْتِبارُ هَذا المَعْنى في الشَّرْعِ، حَيْثُ جَعَلَ حَدَّ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ بِالتَّزَوُّجِ إذا تَعَدّاهُ إلى الزِّنا الرَّجْمَ، وحَدَّ مَن لَمْ يُعْطِهِ هَذِهِ النِّعْمَةَ الجَلْدَ، وكَذَلِكَ ضاعَفَ الحَدَّ عَلى الحُرِّ الَّذِي قَدْ مَلَّكَهُ نَفْسَهُ، وأتَمَّ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ، ولَمْ يَجْعَلْهُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ، وجَعَلَ حَدَّ العَبْدِ المَنقُوصِ بِالرِّقِّ، الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُ هَذِهِ النِّعْمَةُ نِصْفَ ذَلِكَ.
فَسُبْحانَ مَن بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ وجَزائِهِ عُقُولَ العالَمِينَ، وشَهِدَتْ بِأنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
؎لِلَّهِ سِرٌّ تَحْتَ كُلِّ لَطِيفَةٍ ∗∗∗ فَأخُو البَصائِرِ غائِصٌ يَتَمَلَّقُ
33:31Page 422
۞ وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا نُّؤۡتِهَآ أَجۡرَهَا مَرَّتَيۡنِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهَا رِزۡقٗا كَرِيمٗا ٣١
And whoever of you devoutly obeys Allāh and His Messenger and does righteousness - We will give her her reward twice; and We have prepared for her a noble provision.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences