Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:78–101
37:78–79Page 449
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨
And left for him [favorable mention] among later generations:
سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٩
"Peace upon Noah among the worlds."
قالَ تَعالى عَن نوح عَلَيْهِ السَّلام ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخرين سَلام على نوح في العالَمِينَ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾
وَقالَ تَعالى عَن إبْراهِيم خَلِيله ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخرين سَلام عَلى إبْراهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨-١٠٩]
وَقالَ تَعالى في مُوسى وهارُون ﴿وَتَرَكْنا عَلَيهِما في الآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وهارُون﴾ [الصافات: ١١٩-١٢٠]
وَقالَ تَعالى ﴿سَلامٌ على إل ياسين﴾ [الصافات: ١٣٠] فالَّذِي تَركه سُبْحانَهُ على رسله في الآخرين هو السَّلام عَلَيْهِم المَذْكُور
وَقد قالَ جماعَة من المُفَسّرين مِنهُم مُجاهِد وغَيره وتَركنا عَلَيْهِم في الآخرين الثَّناء الحسن ولسان الصدْق للأنبياء كلهم وهَذا قَول قَتادَة أيْضا ولا يَنْبَغِي أن يحْكى هَذا قَوْلَيْنِ لِلْمُفَسِّرِينَ كَما يَفْعَله من لَهُ بحكاية الأقْوال بل هما قَول واحِد فَمن قالَ إن المَتْرُوك هو السَّلام عَلَيْهِم في الآخرين نَفسه فَلا ريب أن قَوْله ﴿سَلام على نوح﴾ جملَة في مَوضِع نصب ب تركنا والمعْنى أن العالمين يسلمُونَ على نوح ومن بعده من الأنْبِياء
وَمن فسره بِلِسان الصدْق والثناء الحسن نظر إلى لازم السَّلام وموجبة وهو الثَّناء عَلَيْهِم وما جعل لَهُم من لِسان الصدْق الَّذِي لأجله إذا ذكرُوا سلم عَلَيْهِم.
وَقد زعمت طائِفَة مِنهُم ابْن عَطِيَّة وغَيره أن من قالَ تركنا عَلَيْهِ ثَناء حسنا ولسان صدق كانَ ﴿سَلام على نوح في العالمين﴾ [جملَة ابتدائية لا مَحل لَها من الإعْراب وهو سَلام من الله سلم بِهِ عَلَيْهِ قالُوا فَهَذا السَّلام من الله أمَنَة لنوح في العالمين أن يذكرهُ أحد بشر قالَه الطَّبَرِيّ.
وَقد يُقَوي هَذا القَوْل أنه سُبْحانَهُ أخبر أن المَتْرُوك عَلَيْهِ هو في الآخرين وأن السَّلام عَلَيْهِ في العالمين وبِأن ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما قالَ أبقى الله عَلَيْهِ ثَناء حسنا
وَهَذا القَوْل ضَعِيف لوجوه
أحدها أنه يلْزم مِنهُ حذف المَفْعُول ل تركنا ولا يبْقى في الكَلام فائِدَة على التَّقْدِير فَإن المَعْنى يؤول إلى أنا تركنا عَلَيْهِ في الآخرين امرا مالا ذكر لَهُ في اللَّفْظ لِأن السَّلام عند هَذا القائِل مُنْقَطع مِمّا قبله لا تعلق لَهُ بِالفِعْلِ
الثّانِي أنه لَو كانَ المَفْعُول محذوفًا كَما ذَكرُوهُ لذكره في مَوضِع واحِد ليدل على المُراد مِنهُ حذفه ولم يطرد في جَمِيع من أخبر أنه ترك عَلَيْهِ في الآخرين الثَّناء الحسن وهَذِه طَريقَة القُرْآن بل وكانَ فصيح أن يذكر الشَّيْء في مَوضِع ثمَّ يحذفه في مَوضِع آخر لدلالَة المَذْكُور على المَحْذُوف وأكْثر ما تَجدهُ مَذْكُورا وحذفه قَلِيل.
وَأما أن يحذف حذفا مطردًا ولم يذكرهُ في مَوضِع واحِد ولا في اللَّفْظ ما يدل عَلَيْهِ فَهَذا لا يَقع في القُرْآن
الثّالِث أن في قِراءَة ابْن مَسْعُود ﴿وَتَركنا عَلَيْهِ في الآخرين﴾ (سَلاما) بِالنّصب.
وَهَذا وهَذا يدل على إأن المَتْرُوك هو السَّلام نَفسه.
الرّابِع أنه لَو كانَ السَّلام مُنْقَطِعًا مِمّا قبله لأخل ذَلِك بفصاحة الكَلام وجزالته ولما حسن الوُقُوف على ما قبله وتَأمل هَذا بِحال السّامع إذا سمع قَوْله ﴿وَتَركنا عَلَيْهِ في الآخرين﴾ كَيفَ يجد قلبه متشوقا متطلعًا إلى تَمام الكَلام واجتناء الفائِدَة مِنهُ ولا يجد فائِدَة الكَلام انْتَهَت وتمت لِيَطمَئِن عِنْدها بل يبْقى طالبا لتمامها وهو المَتْرُوك فالوقف على ﴿الآخرين﴾ لَيْسَ بوقف تامّ
فَإن قيل فَيجوز حذف المَفْعُول من هَذا الباب لِأن ترك هُنا بِمَعْنى أعْطى لِأنَّهُ اعطاه ثناءا حسنا أبقاه عَلَيْهِ في الآخرين ويجوز في باب أعْطى ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أحدهما وقد وقع ذَلِك في القُرْآن كَقَوْلِه ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ فذكرهما
وَقالَ تَعالى ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ فحذفهما
وَقالَ تَعالى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبك﴾ فَحذف الثّانِي واقْتصر على الأول.
وَقالَ ﴿يُؤْتونَ الزَّكاة﴾ فَحذف الأول واقْتصر على الثّانِي قيل فعل الإعْطاء فعل مدح فلفظه دَلِيل على أن المَفْعُول المُعْطى قد ناله عَطاء المُعْطى والإعطاء إحْسان ونفع وبر فَجاز ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أحدهما بِحَسب الغَرَض المَطْلُوب من الفِعْل فَإن كانَ المَقْصُود إيجاد ماهِيَّة الإعْطاء المخرجة للْعَبد من البُخْل والشح والمَنع المنافِي للإحسان ذكر الفِعْل مُجَردا كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ولم يذكر ما أعْطى ولا من أعْطى وتقول فلان يُعْطي ويتَصَدَّق ويهب ويحسن
وَقالَ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ لا مانع لما أعْطَيْت ولا معطي لما منعت لما كانَ المَقْصُود بِهَذا تفرد الرب سُبْحانَهُ بالعطاء والمَنع لم يكن لذكر المُعْطى ولا لحظ المُعْطى معنى بل المَقْصُود أن حَقِيقَة العَطاء والمَنع إلَيْك لا إلى غَيْرك بل أنْت المتفرد بها لا يشركك فِيها أحد فَذكر المفعولين هُنا يخل بِتمام المَعْنى وبلاغته وإذا كانَ المَقْصُود ذكرهما ذكرا مَعًا كَقَوْلِه تَعالى ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] فَإن المَقْصُود إخْباره لرَسُوله ﷺ بِما خصّه بِهِ وأعْطاهُ إيّاه من الكَوْثَر ولا يتم هَذا إلّا بِذكر المفعولين وكَذا قَوْله تَعالى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]
وَإذا كانَ المَقْصُود أحدهما فَقَط اقْتصر عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعالى ﴿وَيُؤْتونَ الزَّكاة﴾ المَقْصُود بِهِ أنهم يَفْعَلُونَ هَذا الواجِب عَلَيْهِم ولا يهملونه فَذكره لانه هو المَقْصُود وقَوله عَن أهل النّار ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣-٤٤]
لما كانَ المَقْصُود الإخْبار عَن المُسْتَحق للإطعام أنهم بخلوا عَنهُ ومنعوه حَقه من الإطْعام وقست قُلُوبهم عَنهُ كانَ ذكره هو المَقْصُود دون المطعوم.
وتدبر هَذِه الطَّرِيقَة في القُرْآن وذكره للأهم المَقْصُود وحذفه لغيره يطلعك على باب من أبْواب إعجازه وكَمال فَصاحَته.
وَأما فعل التّرْك فَلا يشْعر بِشَيْء من هَذا ولا يمدح بِهِ فَلَو قلت فلان يتْرك لم يكن مُفِيدا فائِدَة أصلا بِخِلاف قَوْلك يطعم ويُعْطِي ويهب ونَحْوه بل لا بُد أن تذكر ما يتْرك، ولِهَذا لا يُقال فلان تارِك ويُقال معط ومطعم ومن أسْمائِهِ سُبْحانَهُ المُعْطِي فَقِياس ترك على أعْطى من أفسد القياس
و ﴿سَلام على نوح في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] جملَة محكية
قالَ الزَّمَخْشَرِيّ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٨] من الأُمَم هَذِه الكَلِمَة وهِي ﴿سَلام على نوح﴾ يَعْنِي يسلمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا ويدعونَ لَهُ وهو من الكَلام المحكي كَقَوْلِك قَرَأت سُورَة أنزلناها
الخامِس أنه قالَ ﴿سَلام على نوح في العالمين﴾ فَأخْبر سُبْحانَهُ أن هَذا السَّلام عَلَيْهِ في العالمين ومَعْلُوم أن هَذا السَّلام فيهم هو سَلام العالمين عَلَيْهِ كلهم يسلم عَلَيْهِ ويثني عَلَيْهِ ويَدْعُو لَهُ فَذكره بِالسَّلامِ عَلَيْهِ فيهم وأما سَلام الله سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ فَلَيْسَ مُقَيّدا بهم، ولِهَذا لا يشرع أن يسْأل الله تَعالى مثل ذَلِك فَلا يُقال السَّلام على رَسُول الله في العالمين ولا اللَّهُمَّ صل وسلم على رَسُولك في العالمين ولَو كانَ هَذا هو سَلام الله لشرع أن يطْلب من الله على الوَجْه الَّذِي سلم بِهِ
وَأما قَوْلهم إن الله سلم عَلَيْهِ في العالمين وترك عَلَيْهِ في الآخرين فالله سُبْحانَهُ وتَعالى أبقى على أنبيائه ورُسُله سَلاما وثناءً حسنا فِيمَن تَأخّر بعدهمْ جَزاء على صبرهم وتبليغهم رسالات رَبهم واحتمالهم للأذى من أممهم في الله، وأخْبر أن هَذا المَتْرُوك على نوح هو عام في العالمين وأن هَذِه التَّحِيَّة ثابِتَة فيهم جَمِيعًا لا يخلون مِنها فأدامها عَلَيْهِ في المَلائِكَة والثقلين طبقًا بعد طبق وعالمًا بعد عالم مجازاة لنوح عَلَيْهِ السَّلام بصبره وقيامه بِحَق ربه وبِأنَّهُ أول رَسُول أرْسلهُ الله إلى أهل الأرْض، وكل المُرْسلين بعده بعثوا بِدِينِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]
وَقَوْلهمْ إن هَذا قَول ابْن عَبّاس فقد تقدم أن ابْن عَبّاس وغَيره إنَّما أرادوا بذلك أن السَّلام عَلَيْهِ من الثَّناء الحسن ولسان الصدْق فَذكرُوا معنى السَّلام عَلَيْهِ وفائِدَته والله سُبْحانَهُ أعلم.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
37:85Page 449
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥
[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?
No commentary for this ayah
37:86–87Page 449
أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦
Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
Then what is your thought about the Lord of the worlds?"
فَيا لَلَّه ما ظَنُّ أصْحابِ الكَبائِرِ والظَّلَمَةِ بِاللَّهِ إذا لَقَوْهُ ومَظالِمُ العِبادِ عِنْدَهُمْ؟
فَإنْ كانَ يَنْفَعُهم قَوْلُهُمْ: حَسَّنّا ظُنُونَنا بِكَ، إنَّكَ لَنْ تُعَذِّبَ ظالِمًا ولا فاسِقًا، فَلْيَصْنَعِ العَبْدُ ما شاءَ، ولِيَرْتَكِبْ كُلَّ ما نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولِيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِاللَّهِ، فَإنَّ النّارَ لا تَمَسُّهُ، فَسُبْحانَ اللَّهِ! ما يَبْلُغُ الغُرُورُ بِالعَبْدِ، وقَدْ قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ: ﴿أئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ - فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦-٨٧].
أيْ ما ظَنُّكم أنْ يَفْعَلَ بِكم إذا لَقِيتُمُوهُ وقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ.
وَمَن تَأمَّلَ هَذا المَوْضِعَ حَقَّ التَّأمُّلِ عَلِمَ أنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ هو حُسْنُ العَمَلِ نَفْسُهُ، فَإنَّ العَبْدَ إنَّما يَحْمِلُهُ عَلى حُسْنِ العَمَلِ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ أنْ يُجازِيَهُ عَلى أعْمالِهِ ويُثِيبَهُ عَلَيْها ويَتَقَبَّلَها مِنهُ، فالَّذِي حَمَلَهُ عَلى العَمَلِ حُسْنُ الظَّنِّ، فَكُلَّما حَسُنَ ظَنُّهُ حَسُنَ عَمَلُهُ، وإلّا فَحُسْنُ الظَّنِّ مَعَ اتِّباعِ الهَوى عَجْزٌ، كَما في حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ والمُسْنَدِ مِن حَدِيثِ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وتَمَنّى عَلى اللَّهِ».
وَبِالجُمْلَةِ فَحُسْنُ الظَّنِّ إنَّما يَكُونُ مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ النَّجاةِ، وأمّا مَعَ انْعِقادِ أسْبابِ الهَلاكِ فَلا يَتَأتّى إحْسانُ الظَّنِّ.
الفَرْقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ والغُرُورِ.
فَإنْ قِيلَ: بَلْ يَتَأتّى ذَلِكَ، ويَكُونُ مُسْتَنَدُ حُسْنِ الظَّنِّ سَعَةَ مَغْفِرَةِ اللَّهِ، ورَحْمَتِهِ وعَفْوِهِ وجُودِهِ، وأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وأنَّهُ لا تَنْفَعُهُ العُقُوبَةُ، ولا يَضُرُّهُ العَفْوُ.
قِيلَ: الأمْرُ هَكَذا، واللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ وأجَلُّ وأكْرَمُ وأجْوَدُ وأرْحَمُ، ولَكِنْ إنَّما يَضَعُ ذَلِكَ في مَحِلِّهِ اللّائِقِ بِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ مَوْصُوفٌ بِالحِكْمَةِ، والعِزَّةِ والِانْتِقامِ، وشِدَّةِ البَطْشِ، وعُقُوبَةِ مَن يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ، فَلَوْ كانَ مُعَوَّلُ حُسْنِ الظَّنِّ عَلى مُجَرَّدِ صِفاتِهِ وأسْمائِهِ لاشْتَرَكَ في ذَلِكَ البَرُّ والفاجِرُ، والمُؤْمِنُ والكافِرُ، ووَلِيُّهُ وعَدُّوهُ، فَما يَنْفَعُ المُجْرِمَ أسْماؤُهُ وصِفاتُهُ وقَدْ باءَ بِسُخْطِهِ وغَضَبِهِ، وتَعَرَّضَ لِلَعْنَتِهِ، ووَقَعَ في مَحارِمِهِ، وانْتَهَكَ حُرُماتِهِ، بَلْ حُسْنُ الظَّنِّ يَنْفَعُ مَن تابَ ونَدِمَ وأقْلَعَ، وبَدَّلَ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ، واسْتَقْبَلَ بَقِيَّةَ عُمُرِهِ بِالخَيْرِ والطّاعَةِ، ثُمَّ أحْسَنَ الظَّنَّ، فَهَذا هو حُسْنُ ظَنٍّ، والأوَّلُ غُرُورٌ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
وَلا تَسْتَطِلْ هَذا الفَصْلَ، فَإنَّ الحاجَةَ إلَيْهِ شَدِيدَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ وبَيْنَ الغُرُورِ بِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] فَجَعَلَ هَؤُلاءِ أهْلَ الرَّجاءِ، لا البَطّالِينَ والفاسِقِينَ.
قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن فَعَلَها، فالعالِمُ يَضَعُ الرَّجاءَ مَواضِعَهُ والجاهِلُ المُغْتَرُّ يَضَعُهُ في غَيْرِ مَواضِعِهِ.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
37:91Page 449
فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١
Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
37:93Page 449
فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣
And he turned upon them a blow with [his] right hand.
No commentary for this ayah
37:94Page 449
فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤
Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.
No commentary for this ayah
37:95–96Page 449
قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥
He said, "Do you worship that which you [yourselves] carve,
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦
While Allāh created you and that which you do?"
قوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾
ظن كثير من الناس أن (ما) في قوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ مصدرية.
واحتجوا بها على خلق الأعمال.
وليست مصدرية وإنما هي موصولة.
والمعنى والله خلقكم وخلق الذي تعملونه وتنحتونه من الأصنام فكيف تعبدونه وهو مخلوق لله؟!
ولو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجة عليهم، إذ يكون المعنى أتعبدون ما تنحتون والله خلق عبادتكم لها؟
فأي معنى في هذا، وأي حجة عليهم.
والمقصود أنه كثيرا ما تدخل إحداهما على الأخرى ويحتملها الكلام سواء.
(فصل)
قال أبو القاسم السهيلي: اعلم أن ما إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري سبحانه فلا يصح وقوعها إلا على مصدر لإجماع العقلاء من الأنام في الجاهلية والإسلام على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام لا تقول عملت جملا ولا صنعت جبلا ولا حديدا ولا حجرا ولا ترابا فإذا قلت: أعجبني ما عملت وما فعل زيد فإنما يعني الحدث.
فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله تعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ إلا قول أهل السنة أن المعنى والله خلقكم وأعمالكم ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول لأنه زعموا أن ما واقعة على الحجارة التي كانوا ينحتونها أصناما وقالوا: تقدير الكلام خلقكم والأصنام التي تعملون إنكارا منهم أن تكون أعمالنا مخلوقة لله سبحانه واحتجوا بأن نظم الكلام يقتضي ما قالوا لأنه تقدم قوله: ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ فـ (ما) واقعة على الحجارة المنحوتة، ولا يصح غير هذا من جهة النحو ولا من جهة المعنى.
أما النحو فقد تقدم أن (ما) لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا.
وأما المعنى فإنهم لم يكونوا يعبدون النحت، وإنما كانوا يعبدون المنحوتات، فلما ثبت هذا وجب أن تكون الآية التي هي رد عليهم وتقييد لهم واقعة على الحجارة المنحوتة والأصنام المعبودة، ويكون التقدير: تعبدون حجارة منحوتة والله خلقكم وتلك الحجارة التي تعملون.
هذا كله معنى قول المعتزلة وشرح ما شبهوا به.
والنظم على تأويل أهل الحق أبدع والحجة أقطع، والذي ذهبوا إليه فاسد محال لأنهم أجمعوا معنا على أن أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام.
فإن قيل: فقد تقول عملت الصحيفة وصنعت الجفنة وكذلك الأجسام معمولة على هذا؟
قلنا: لا يتعلق الفعل فيما ذكرتم إلا بالصورة التي هل التأليف والتركيب وهي نفس العمل.
وأما الجوهر المؤلف المركب فليس بمعمول لنا، فقد رجع العمل والفعل إلى الأحداث دون الجواهر.
هذا إجماع منا ومنهم، فلا يصلح حملهم على غير ذلك.
وأما ما زعموا من حسن النظم وإعجاز الكلام فهو ظاهر وتأويلنا معدوم في تأويلهم لأن الآية وردت في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق وإقامة الحجة على من يعبد ما لا يخلق وهم يخلقون فقال: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أي من لا يخلق شيئا وهم يخلقون، وتدعون عبادة من خلقكم وأعمالكم التي تعملون ولو لم يضف خلق الأعمال إليه في الآية وقد نسبها إليهم بالمجاز لما قامت له حجة من نفس الكلام، لأنه كان يجعلهم خالقين لأعمالهم، وهو خالق لأجناس أخرى، فيشركهم معه في الخلق.
تعالى الله عن قول الزائغين، ولا ولعا لعثرات المبطلين، فما أدحض حجتهم، وما أوهى قواعد مذهبهم، وما أبين الحق لمن اتبعه.
جعلنا الله من أتباعه وحزبه.
وهذا الذي ذكرنا قاله أبو عبيد في قول حذيفة أن يخلق صانع الجرم وصنعته واستشهد بالآية وخالفه القتيبي في إصلاح الغلط فغلط أشد الغلط ووافق المعتزلة في تأويلها وإن لم يقل بقيلها.
هذا آخر كلام أبي القاسم.
ولقد بالغ في رد ما لا تحتمل الآية سواه، أو ما هو أولى بحملها وأليق بها.
ونحن وكل محق مساعدوه على أن الله خالق العباد وأعمالهم، وأن كل حركة في الكون فالله خالقها، وعلى صحة هذا المذهب أكثر من ألف دليل من القرآن الكريم والسنة والمعقول والفطر، ولكنه لا ينبغي أن تحمل الآية على غير معناها اللائق بها حرصا على جعلها عليهم حجة، ففي سائر الأدلة غنية عن ذلك.
على أنها حجة عليهم من وجه آخر مع كون (ما) بمعنى (الذي) سنبينه إن شاء الله تعالى
والكلام إن شاء الله تعالى في الآية في مقامين أحدهما في سلب دلالتها على مذهب القدرية.
والثاني في إثبات دلالتها على مذهب أهل الحق خلاف قولهم فهاهنا مقامان مقام إثبات ومقام سلب.
فأما مقام السلب فزعمت القدرية أن الآية حجة لهم في كونهم خالقين أعمالهم.
قالوا: لأن الله سبحانه أضاف الأعمال إليهم، وهذا يدل على أنهم هم المحدثون لها، وليس المراد هاهنا نفس الأعمال بل الأصنام المعمولة، فأخبر سبحانه أنه خالقهم وخالق تلك الأصنام التي عملوها والمراد مادتها وهي التي وقع الخلق عليها.
وأما صورتها وهي التي صارت بها أصناما فإنها بأعمالهم، وقد أضافها إليهم فتكون بأحداثهم وخلقهم.
فهذا وجه احتجاجهم بالآية.
وقابلهم بعض المثبتين للقدر وأن الله هو خالق أفعال العباد فقالوا:
الآية صريحة في كون أعمالهم مخلوقة لله فإن (ما) هاهنا مصدرية، والمعنى والله خلقهم وخلق أعمالهم وقرروه بما ذكره السهيلي وغيره.
ولما أورد عليهم القدرية كيف تكون (ما) مصدرية هنا، وأي وجه يبقى للاحتجاج عليهم إذا كان المعنى والله خلقكم وخلق عبادتكم، وهل هذا إلا تلقين لهم الاحتجاج بأن يقولوا فإذا كان الله قد خلق عبادتنا للأصنام فهي مرادة له، فكيف ينهانا عنها؟
وإذا كانت مخلوقة فكيف يمكننا تركها؟
فهل يسوغ أن يحتج على إنكار عبادتهم؟
أجابهم المثبتون بأن قالوا لو تدبرتم سياق الآية ومقصودها لعرفتم صحة الاحتجاج، فإن الله سبحانه أنكر عليهم عبادة من لا يخلق شيئا أصلا، وترك عبادة من هو خالق لذواتهم وأعمالهم، فإذا كان الله خالقكم وخالق أعمالكم
فكيف تدعون عبادته وتعبدون من لا يخلق شيئا لا ذواتكم ولا أعمالكم؟!
وهذا من أحسن الاحتجاج، وقد تكرر في القرآن الإنكار عليهم أن يعبدوا ما لا يخلق شيئا وسوى بينه وبين الخالق لقوله: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وقوله: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾
إلى أمثال ذلك.
فصح الاحتجاج وقامت الحجة بخلق الأعمال مع خلق الذوات فهذا منتهى إقدام الطائفتين في الآية كما ترى.
والصواب أنها موصولة وأنها لا تدل على صحة مذهب القدرية بل هي حجة عليهم مع كونها موصولة، وهذا يبين بمقدمة نذكرها قبل الخوض في التقرير: وهي أن طريقة الحجاج والخطاب أن يجرد القصد والعناية بحال ما يحتج له وعليه، فإذا كان المستدل محتجا على بطلان ما قد ادعى في شيء وهو يخالف ذلك فإنه يجرد العناية إلى بيان بطلان تلك الدعوى، وأن ما ادعى له ذلك الوصف هو متصف بضده لا متصف به، فإما أن يمسك عنه ويذكر وصف غيره فلا، وإذا تقرر هذا فالله سبحانه أنكر عليهم عبادتهم الأصنام وبين أنها لا تستحق العبادة، ولم يكن سياق الكلام في معرض الإنكار عليهم ترك عبادته، وأن ما هو في معرض الإنكار عبادة من لا يستحق العبادة، فلو أنه قال: لا تعبدون الله وقد خلقكم وما تعملون، لتعينت المصدرية قطعا ولم يحسن أن يكون بمعنى (الذي) إذ يكون المعنى كيف لا تعبدونه وهو الذي أوجدكم وأوجد أعمالكم، فهو المنعم عليكم بنوعي الإيجاد والخلق.
فهذا وزان ما قرروه من كونها مصدرية.
فأما سياق الآية فإنه في معرض إنكاره عليهم عبادة من لا يستحق العبادة، فلا بد أن يبين فيه معنى ينافي كونه معبودا فبين هذا المعنى بكونه مخلوقا له، ومن كان مخلوقا من بعض مخلوقاته فإنه لا ينبغي أن يعبد ولا تليق به العبادة.
وتأمل مطابقة هذا المعنى لقوله: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ كيف أنكر عليهم عبادة آلهة مخلوقة له سبحانه وهي غير خالقة، فهذا يبين المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾
ونظيره قوله في سورة الأعراف: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أي هم عباد مخلوقون كما أنتم كذلك فكيف تعبدون المخلوق.
وتأمل طريقة القرآن لو أراد المعنى الذي ذكروه من حسن صفاته وانفراده بالخلق كقول صاحب يس: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾
فهنا لما كان المقصود إخبارهم بحسن عبادته واستحقاقه لها ذكر الموجب لذلك وهي كونه خالقا لعابده فاطرا له وهذا إنعام منه عليه فكيف يترك عبادته، ولو كان هذا هو المراد من قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ كان يقتضي أن يقال: ألا يعبدون الله وهو خالقهم وخالق أعمالهم.
فتأمله فإنه واضح.
وقول أبي القاسم في تقرير حجة المعتزلة من الآية أنه لا يصح أن تكون مصدرية، وهو باطل من جهة النحو وليس كذلك.
أما قوله إن (ما) لا تكون مع الفعل الخاص مصدرا فقد تقدم بطلانه إذ مصدريتها تقع مع الفعل الخاص المبهم لقوله تعالى: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكَذِبُونَ﴾ وقوله: ﴿وَأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾ وقوله: ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾
إلى أضعاف ذلك، فإن هذه كلها أفعال خاصة وهي أخص من مطلق العمل، فإذا جاءت مصدرية مع هذه الأفعال فمجيئها مصدرية مع العمل أولى.
وقولهم إنهم لم يكونوا يعبدون النحت وإنما عبدوا المنحوت حجة فاسدة، فإن الكلام في (ما) المصاحبة للفعل دون المصاحبة لفعل النحت فإنها لا تحتمل غير الموصولة، ولا يلزم من كون الثانية مصدرية كون الأولى كذلك.
فهذا تقرير فاسد.
وأما تقريره كونها مصدرية أيضا بما ذكره فلا حجة له فيه.
أما قوله: أفعال العباد لا تقع على الجواهر والأجسام فيقال: ما معنى عدم وقوعها على الجواهر والأجسام؟
أتعني به أن أفعالهم لا تتعلق بإيجادها؟ أم تعني به أنها لا تتعلق بتغييرها وتصويرها؟ أم تعني به أعم من ذلك؟
وهو المشترك بين القسمين؟
فإن عنيت الأول فمسلم لكن لا يفيدك شيئا، فإن كونها موصولة لا تستلزم ذلك، فإن كون الأصنام معمولة لهم لا يقتضي أن تكون مادتها معمولة لهم، بل هو على حد قولهم: عملت بيتا وعملت بابا، وعملت حائطا، وعملت ثوبا،
وهذا إطلاق حقيقي ثابت عقلا ولغة وشرعا وعرفا لا يتطرق إليه رد، فهذا ككون الأصنام معمولة سواء.
وإن عنيت أن أفعالهم لا تتعلق بتصويرها فباطل قطعا.
وإن عنيت القدر المشترك فباطل أيضا فإنه مشتمل على نفي حق وباطل، فنفي الباطل صحيح، ونفي الحق باطل.
ثم يقال إيقاع العمل منهم على الجواهر والأجسام يجوز أن يطلق فيه العمل الخاص وشاهده في الآية ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ فـ (ما) هاهنا موصولة فقد أوقع فعلهم وهو النحت على الجسم، وحينئذ فأي فرق بين إيقاع أفعالهم الخاصة على الجوهر والجسم وبين إيقاع أفعالهم العامة عليه؟ لا بمعنى أن ذاته مفعولة له، بل بمعنى أن فعلهم هو الذي صار به صنما واستحق أن يطلق عليه اسمه، كما أنه بعملهم صار منحوتا واستحق هذا الاسم وهذا بين.
وأما قوله: بجواب النقض بـ "عملت الصحيفة، وصنعت الجفنة" أن الفعل متعلق بالصورة التي هي التأليف والتركيب وهي نفس العمل فكذلك هو أيضا متعلق بالتصوير الذي صار الحجر به صنما منحوتا سواء.
وأما قوله الآية في بيان استحقاق الخالق للعبادة لانفراده بالخلق فقد تقدم جوابه، وأن الآية وردت لبيان عدم استحقاق معبوديهم للعبادة لأنها مخلوقة لله وذكرنا شواهده من القرآن.
فإن قيل: كان يكفي في هذا أن يقال أتعبدون ما تنحتون والله خالقه فلما عدل إلى قوله: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ علم أنه أراد الاحتجاج عليهم في ترك عبادته سبحانه وهو خالقهم وخالق أفعالهم؟
قيل في ذكر خلقه سبحانه لآلهتهم ولعابديها من بيان تقبيح حالهم وفساد رأيهم وعقولهم في عبادتها دونه تعالى ما ليس في الاقتصار على ذكر خلق الآلهة فقط، فإنه إذا كان الله تعالى هو الذي خلقكم وخلق معبوديكم، فهي مخلوقة أمثالكم فكيف يعبد العاقل من هو مثله ويتألهه ويفرده بغاية التعظيم والإجلال والمحبة؟!
وهل هذا إلا أقبح الظلم في حق أنفسكم وفي حق ربكم، وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى بقوله: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾
ومن حق المعبود أن لا يكون مثل العابد فإنه إذا كان مثله كان عبدا مخلوقا
والمعبود ينبغي أن يكون ربا خالقا.
فهذا من أحسن الاحتجاج وأبينه فقد أسفر لك من المعنى المقصود بالسياق صحيحه ووضح لك شرحه وانجلى بحمد الله الإشكال، وزال عن المعنى غطاء الإجمال وبان أن ابن قتيبة في تفسير الآية وفق للسداد كما وفق لموافقة أهل السنة في خلق أعمال العباد.
ولا تستطل هذا الفصل فإنه يحقق لك فصولا لا تكاد تسمعها في خلال المذكرات، وتحصل لك قواعد وأصول لا تجدها في عامة المصنفات.
فإن قيل: فأين ما وعدتم به من الاستدلال بالآية على خلق الله لأعمال العباد على تقدير كون (ما) موصولة؟
قيل نعم قد سبق "الوعد" بذلك وقد حان إنجازه وآن إبرازه ووجه الاستدلال بها على هذا التقدير أن الله سبحانه أخبر أنه خالقهم وخالق الأصنام التي عملوها وهي إنما صارت أصناما بأعمالهم فلا يقع عليها ذلك الاسم إلا بعد عملهم فإذا كان سبحانه هو الخالق اقتضى صحة هذا الإطلاق أن يكون خالقها بجملتها أعني مادتها وصورتها فإذا كانت صورتها مخلوقة لله كما أن مادتها كذلك لزم أن يكون خالقا لنفس عملهم الذي حصلت به الصورة لأنه متولد عن نفس حركاتهم فإذا كان الله خالقها كانت أعمالهم التي تولد عنها ما هو مخلوق لله مخلوقة له وهذا أحسن استدلالا وألطف من جعل (ما) مصدرية ونظيره من الاستدلال سواء قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾
والأصح أن المثل المخلوق هنا هو السفن وقد أخبر أنها مخلوقة وهي إنما صارت سفنا بأعمال العباد وأبعد من قال إن المثل هاهنا هو سفن البر وهي الإبل لوجهين:
أحدهما: أنها لا تسمى مثلا للسفن لا لغة ولا حقيقة فإن المثلين ما سد أحدهما مسد الآخر: وحقيقة المماثلة أن يكون بين فلك وفلك لا بين جمل وفلك.
الثاني أن قوله: ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ عقب ذلك دليل على أن المراد الفلك التي إذا ركبوها قدرنا على إغراقهم فذكرهم بنعمه عليهم من وجهين:
أحدهما: ركوبهم إياها.
والثاني: أن يسلمهم عند ركوبها من الغرق.
ونظير هذا الاستدلال أيضا قوله تعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾
والسرابيل التي يلبسونها وهي مصنوعة لهم وقد أخبر بأنه سبحانه هو جاعلها وإنما صارت سرابيل بعملهم
ونظيره: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾
والبيوت التي من جلود الأنعام هي الخيام، وإنما صارت بيوتا بعملهم.
فإن قلت: المراد من هذا كله المادة لا الصورة؟
قلت: المادة لا تستحق هذه الأسماء التي أطلق الخلق عليها وإنما تستحق هذه الأسماء بعد عملها وقيام صورها بها، وقد أخبر أنها مخلوقة له في هذه الحال والله أعلم.
37:97Page 449
قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧
They said, "Construct for him a structure [i.e., furnace] and throw him into the burning fire."
No commentary for this ayah
37:98Page 449
فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the most debased.
No commentary for this ayah
37:99Page 449
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩
And [then] he said, "Indeed, I will go to [where I am ordered by] my Lord; He will guide me.
No commentary for this ayah
37:100Page 449
رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠
My Lord, grant me [a child] from among the righteous."
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences