Ibn al-QayyimSad · 38:29–44

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Sad 38:29–44

38:29Page 455

كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩

[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.

[فَصْلٌ فَوائِدُ تَدَبُّرِ القُرْآنِ وتَأمُّلِ مَعانِيهِ]

وَأمّا التَّأمُّلُ في القُرْآنِ فَهو تَحْدِيقُ ناظِرِ القَلْبِ إلى مَعانِيهِ، وجَمْعُ الفِكْرِ عَلى تَدَبُّرِهِ وتَعَقُّلِهِ، وهو المَقْصُودُ بِإنْزالِهِ، لا مُجَرَّدُ تِلاوَتِهِ بِلا فَهْمٍ ولا تَدَبُّرٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩]

وَقالَ تَعالى ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤]

وَقالَ تَعالى ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]

وَقالَ تَعالى ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]

وَقالَ الحَسَنُ: نَزَلَ القُرْآنُ لِيُتَدَبَّرَ ويُعْمَلَ بِهِ. فاتَّخِذُوا تِلاوَتَهُ عَمَلًا.

فَلَيْسَ شَيْءٌ أنْفَعَ لِلْعَبْدِ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ، وأقْرَبَ إلى نَجاتِهِ مِن تَدَبُّرِ القُرْآنِ، وإطالَةِ التَّأمُّلِ فِيهِ، وجَمْعِ الفِكْرِ عَلى مَعانِي آياتِهِ، فَإنَّها تُطْلِعُ العَبْدَ عَلى مَعالِمِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِحَذافِيرِهِما، وعَلى طُرُقاتِهِما وأسْبابِهِما وغاياتِهِما وثَمَراتِهِما، ومَآلِ أهْلِهِما، وتَتُلُّ في يَدِهِ مَفاتِيحَ كُنُوزِ السَّعادَةِ والعُلُومِ النّافِعَةِ، وتُثَبِّتُ قَواعِدَ الإيمانِ في قَلْبِهِ، وتُشَيِّدُ بُنْيانَهُ وتُوَطِّدُ أرْكانَهُ، وتُرِيهِ صُورَةَ الدُّنْيا والآخِرَةِ والجَنَّةِ والنّارِ في قَلْبِهِ، وتُحْضِرُهُ بَيْنَ الأُمَمِ، وتُرِيهِ أيّامَ اللَّهِ فِيهِمْ، وتُبَصِّرُهُ مَواقِعَ العِبَرِ، وتُشْهِدُهُ عَدْلَ اللَّهِ وفَضْلَهُ، وتُعَرِّفُهُ ذاتَهُ، وأسْماءَهُ وصِفاتِهِ وأفْعالَهُ، وما يُحِبُّهُ وما يُبْغِضُهُ، وصِراطَهُ المُوصِلَ إلَيْهِ، وما لِسالِكِيهِ بَعْدَ الوُصُولِ والقُدُومِ عَلَيْهِ، وقَواطِعَ الطَّرِيقِ وآفاتِها، وتُعَرِّفُهُ النَّفْسَ وصِفاتِها، ومُفْسِداتِ الأعْمالِ ومُصَحِّحاتِها وتُعَرِّفُهُ طَرِيقَ أهْلِ الجَنَّةِ وأهْلِ النّارِ وأعْمالَهُمْ، وأحْوالَهم وسِيماهُمْ، ومَراتِبَ أهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ، وأقْسامَ الخَلْقِ واجْتِماعَهم فِيما يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وافْتِراقَهم فِيما يَفْتَرِقُونَ فِيهِ.

وَبِالجُمْلَةِ تُعَرِّفُهُ الرَّبَّ المَدْعُوَّ إلَيْهِ، وطَرِيقَ الوُصُولِ إلَيْهِ، وما لَهُ مِنَ الكَرامَةِ إذا قَدِمَ عَلَيْهِ.

وَتُعَرِّفُهُ في مُقابِلِ ذَلِكَ ثَلاثَةً أُخْرى: ما يَدْعُو إلَيْهِ الشَّيْطانُ، والطَّرِيقَ المُوصِلَةَ إلَيْهِ، وما لِلْمُسْتَجِيبِ لِدَعْوَتِهِ مِنَ الإهانَةِ والعَذابِ بَعْدَ الوُصُولِ إلَيْهِ.

فَهَذِهِ سِتَّةُ أُمُورٍ ضَرُورِيٌّ لِلْعَبْدِ مَعْرِفَتُها، ومُشاهَدَتُها ومُطالَعَتُها، فَتُشْهِدُهُ الآخِرَةَ حَتّى كَأنَّهُ فِيها، وتَغَيِّبُهُ عَنِ الدُّنْيا حَتّى كَأنَّهُ لَيْسَ فِيها، وتُمَيِّزُ لَهُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في كُلِّ ما اخْتَلَفَ فِيهِ العالَمُ. فَتُرِيهِ الحَقَّ حَقًّا، والباطِلَ باطِلًا، وتُعْطِيهِ فُرْقانًا ونُورًا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الهُدى والضَّلالِ، والغَيِّ والرَّشادِ، وتُعْطِيهِ قُوَّةً في قَلْبِهِ، وحَياةً، وسَعَةً وانْشِراحًا وبَهْجَةً وسُرُورًا، فَيَصِيرُ في شَأْنٍ والنّاسُ في شَأْنٍ آخَرَ.

فَإنَّ مَعانِيَ القُرْآنِ دائِرَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ وبَراهِينِهِ، والعِلْمِ بِاللَّهِ وما لَهُ مِن أوْصافِ الكَمالِ، وما يُنَزَّهُ عَنْهُ مِن سِماتِ النَّقْصِ، وعَلى الإيمانِ بِالرُّسُلِ، وذِكْرِ بَراهِينِ صِدْقِهِمْ، وأدِلَّةِ صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمْ، والتَّعْرِيفِ بِحُقُوقِهِمْ، وحُقُوقِ مُرْسِلِهِمْ، وعَلى الإيمانِ بِمَلائِكَتِهِ، وهم رُسُلُهُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ، وتَدْبِيرِهِمُ الأُمُورَ بِإذْنِهِ ومَشِيئَتِهِ، وما جُعِلُوا عَلَيْهِ مِن أمْرِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، وما يَخْتَصُّ بِالنَّوْعِ الإنْسانِيِّ مِنهُمْ، مِن حِينِ يَسْتَقِرُّ في رَحِمِ أُمِّهِ إلى يَوْمِ يُوافِي رَبَّهُ ويَقْدَمُ عَلَيْهِ، وعَلى الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ وما أعَدَّ اللَّهُ فِيهِ لِأوْلِيائِهِ مِن دارِ النَّعِيمِ المُطْلَقِ الَّتِي لا يَشْعُرُونَ فِيها بِألَمٍ ولا نَكَدٍ وتَنْغِيصٍ، وما أعَدَّ لِأعْدائِهِ مِن دارِ العِقابِ الوَبِيلِ الَّتِي لا يُخالِطُها سُرُورٌ ولا رَخاءٌ ولا راحَةٌ ولا فَرَحٌ.

وَتَفاصِيلِ ذَلِكَ أتَمَّ تَفْصِيلٍ وأبْيَنَهُ، وعَلى تَفاصِيلِ الأمْرِ والنَّهْيِ، والشَّرْعِ والقَدَرِ، والحَلالِ والحَرامِ، والمَواعِظِ والعِبَرِ، والقَصَصِ والأمْثالِ، والأسْبابِ والحِكَمِ، والمَبادِئِ والغاياتِ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ.

فَلا تَزالُ مَعانِيهِ تُنْهِضُ العَبْدَ إلى رَبِّهِ بِالوَعْدِ الجَمِيلِ، وتُحَذِّرُهُ وتُخَوِّفُهُ بِوَعِيدِهِ مِنَ العَذابِ الوَبِيلِ، وتَحُثُّهُ عَلى التَّضَمُّرِ والتَّخَفُّفِ لِلِقاءِ اليَوْمِ الثَّقِيلِ، وتَهْدِيهِ في ظُلَمِ الآراءِ والمَذاهِبِ إلى سَواءِ السَّبِيلِ، وتَصُدُّهُ عَنِ اقْتِحامِ طُرُقِ البِدَعِ والأضالِيلِ وتَبْعَثُهُ عَلى الِازْدِيادِ مِنَ النِّعَمِ بِشُكْرِ رَبِّهِ الجَلِيلِ، وتُبَصِّرُهُ بِحُدُودِ الحَلالِ والحَرامِ، وتُوقِفُهُ عَلَيْها لِئَلّا يَتَعَدّاها فَيَقَعَ في العَناءِ الطَّوِيلِ، وتُثَبِّتُ قَلْبَهُ عَنِ الزَّيْغِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ والتَّحْوِيلِ، وتُسَهِّلُ عَلَيْهِ الأُمُورَ الصِّعابَ والعَقَباتِ الشّاقَّةَ غايَةَ التَّسْهِيلِ، وتُنادِيهِ كُلَّما فَتَرَتْ عَزَماتُهُ ووَنى في سَيْرِهِ تَقَدَّمَ الرَّكْبُ وفاتَكَ الدَّلِيلُ، فاللِّحاقَ اللِّحاقَ، والرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، وتَحْدُو بِهِ وتَسِيرُ أمامَهُ سَيْرَ الدَّلِيلِ، وكُلَّما خَرَجَ عَلَيْهِ كَمِينٌ مِن كَمائِنِ العَدُوِّ، أوْ قاطِعٌ مِن قُطّاعِ الطَّرِيقِ نادَتْهُ: الحَذَرَ الحَذَرَ! فاعْتَصِمْ بِاللَّهِ، واسْتَعِنْ بِهِ، وقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ.

وَفِي تَأمُّلِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ، وتَفَهُّمِهِ، أضْعافُ أضْعافِ ما ذَكَرْنا مِنَ الحِكَمِ والفَوائِدِ.

وَبِالجُمْلَةِ فَهو أعْظَمُ الكُنُوزِ، طَلْسَمُهُ الغَوْصُ بِالفِكْرِ إلى قَرارِ مَعانِيهِ.

؎نَزِّهْ فُؤادَكَ عَنْ سِوى رَوْضاتِهِ ∗∗∗ فَرِياضُهُ حِلٌّ لِكُلِّ مُنَزَّهِ

؎والفَهْمُ طَلْسَمٌ لِكَنْزِ عُلُومِهِ ∗∗∗ فاقْصِدْ إلى الطَّلْسَمِ تَحْظَ بِكَنْزِهِ

؎لا تَخْشَ مِن بِدَعٍ لَهم وحَوادِثِ ∗∗∗ ما دُمْتَ في كَنَفِ الكِتابِ وحِرْزِهِ

؎مَن كانَ حارِسَهُ الكِتابُ ودِرْعَهُ ∗∗∗ لَمْ يَخْشَ مِن طَعْنِ العَدُوِّ ووَخْزِهِ

؎لا تَخْشَ مِن شُبُهاتِهِمْ واحْمِلْ إذا ∗∗∗ ما قابَلَتْكَ بِنَصْرِهِ وبِعِزِّهِ

؎واللَّهِ ما هابَ امْرُؤٌ شُبُهاتِهِمْ ∗∗∗ إلّا لِضَعْفِ القَلْبِ مِنهُ وعَجْزِهِ

؎يا ويْحَ تَيْسٍ ظالِعٍ يَبْغِي مُسا ∗∗∗ بَقَةَ الهِزَبْرِ بِعَدْوِهِ وبِجَمْزِهِ

؎وَدُخانِ زِبْلٍ يَرْتَقِي لِلشَّمْسِ يَسْ ∗∗∗ تُرُ عَيْنَها لَمّا سَرى في أزِّهِ

؎وَجَبانِ قَلْبٍ أعْزَلٍ قَدْ رامَ يَأْسِ ∗∗∗ رُ فارِسًا شاكِي السِّلاحِ بِهَزِّهِ

38:30Page 455

وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠

And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].

No commentary for this ayah

38:31Page 455

إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١

[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.

No commentary for this ayah

38:32Page 455

فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢

And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."

No commentary for this ayah

38:33Page 455

رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣

[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.

[فَصْلٌ الغَيْرَةُ سُقُوطُ الِاحْتِمالِ ضَنًّا والضِّيقُ عَنِ الصَّبْرِ نَفاسَةً]

قالَ صاحِبُ المَنازِلِ: بابُ الغَيْرَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى - حاكِيًا عَنْ نَبِيِّهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾ [ص: ٣٣].

وَوَجْهُ اسْتِشْهادِهِ بِالآيَةِ: أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُحِبُّ الخَيْلَ.

فَشَغَلَهُ اسْتِحْسانُها، والنَّظَرُ إلَيْها - لَمّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ - عَنْ صَلاةِ النَّهارِ، حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ.

فَلَحِقَتْهُ الغَيْرَةُ لِلَّهِ مِنَ الخَيْلِ، إذِ اسْتَغْرَقَهُ اسْتِحْسانُها، والنَّظَرُ إلَيْها عَنْ خِدْمَةِ مَوْلاهُ وحَقِّهِ.

فَقالَ: رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَّيْفِ غَيْرَةً لِلَّهِ.

قالَ: الغَيْرَةُ: سُقُوطُ الِاحْتِمالِ ضَنًّا، والضِّيقُ عَنِ الصَّبْرِ نَفاسَةً.

أيْ عَجْزُ الغَيُورِ عَنِ احْتِمالِ ما يَشْغَلُهُ عَنْ مَحْبُوبِهِ، ويَحْجُبُهُ عَنْهُ ضَنًّا بِهِ - أيْ بُخْلًا بِهِ - أنْ يَعْتاضَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ. وهَذا البُخْلُ: هو مَحْضُ الكَرَمِ عِنْدَ المُحِبِّينَ الصّادِقِينَ.

وَأمّا الضِّيقُ عَنِ الصَّبْرِ نَفاسَةً فَهو أنْ يَضِيقَ ذَرْعُهُ بِالصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِهِ. وهَذا هو الصَّبْرُ الَّذِي لا يُذَمُّ مِن أنْواعِ الصَّبْرِ سِواهُ، أوْ ما كانَ مِن وسِيلَتِهِ. والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الضِّيقِ: مُغالاتُهُ بِمَحْبُوبِهِ. وهي النَّفاسَةُ. فَإنَّهُ - لِمُنافَسَتِهِ ورَغْبَتِهِ - لا يُسامِحُ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ عَنْهُ.

والمُنافَسَةُ هي كَمالُ الرَّغْبَةِ في الشَّيْءِ، ومَنعُ الغَيْرِ مِنهُ: إنْ لَمْ يُمْدَحْ فِيهِ المُشارَكَةُ، والمُسابَقَةُ إلَيْهِ إنْ مُدِحَتْ فِيهِ المُشارَكَةُ. قالَ تَعالى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]

وَبَيْنَ المُنافَسَةِ والغِبْطَةِ جَمْعٌ وفَرْقٌ، وبَيْنَهُما وبَيْنَ الحَسَدِ أيْضًا جَمْعٌ وفَرْقٌ.

فالمُنافَسَةُ تَتَضَمَّنُ مُسابَقَةً واجْتِهادًا وحِرْصًا. والحَسَدُ: يَدُلُّ عَلى مَهانَةِ الحاسِدِ وعَجْزِهِ، وإلّا فَنافِسْ مَن حَسَدْتَهُ. فَذَلِكَ أنْفَعُ لَكَ مِن حَسَدِهِ، كَما قِيلَ:

؎إذا أعْجَبَتْكَ خِلالُ امْرِئٍ ∗∗∗ فَكُنْهُ يَكُنْ مِنكَ ما يُعْجِبُكْ

؎فَلَيْسَ عَلى الجُودِ والمَكْرُما ∗∗∗ تِ إذا جِئْتَها حاجِبٌ يَحْجُبُكْ

والغِبْطَةُ تَتَضَمَّنُ نَوْعَ تَعَجُّبٍ وفَرَحٍ لِلْمَغْبُوطِ واسْتِحْسانٍ لِحالِهِ.

38:34Page 455

وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤

And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2

No commentary for this ayah

38:35Page 455

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥

He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."

No commentary for this ayah

38:36Page 455

فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦

So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,

No commentary for this ayah

38:37Page 455

وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧

And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver

No commentary for this ayah

38:38Page 455

وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٣٨

And others bound together in irons.

No commentary for this ayah

38:39Page 455

هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩

[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."

(فصل)

وَقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الفَيْءِ، هَلْ كانَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يُشاءُ، أوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ؟

عَلى قَوْلَيْنِ في مَذْهَبِ أحمد وغَيْرِهِ.

والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ وهَدْيُهُ أنَّهُ كانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ بِالأمْرِ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ أمَرَهُ اللَّهُ، ويَقْسِمُهُ عَلى مَن أُمِرَ بِقِسْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ المالِكِ بِشَهْوَتِهِ وإرادَتِهِ، يُعْطِي مَن أحَبَّ، ويَمْنَعُ مَن أحَبَّ، وإنَّما كانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ العَبْدِ المَأْمُورِ يُنَفِّذُ ما أمَرَهُ بِهِ سَيِّدُهُ ومَوْلاهُ، فَيُعْطِي مَن أُمِرَ بِإعْطائِهِ، ويَمْنَعُ مَن أُمِرَ بِمَنعِهِ.

وَقَدْ صَرَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَذا فَقالَ:

«واللَّهِ إنِّي لا أُعْطِي أحَدًا ولا أمْنَعُهُ، إنَّما أنا قاسِمٌ أضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ»

فَكانَ عَطاؤُهُ ومَنعُهُ وقَسَمُهُ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، وبَيْنَ أنْ يَكُونَ مَلِكًا رَسُولًا، فاخْتارَ أنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا.

والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ العَبْدَ الرَّسُولَ لا يَتَصَرَّفُ إلّا بِأمْرِ سَيِّدِهِ ومُرْسِلِهِ، والمَلِكُ الرَّسُولُ لَهُ أنْ يُعْطِيَ مَن يُشاءُ، ويَمْنَعَ مَن يَشاءُ، كَما قالَ تَعالى لِلْمَلِكِ الرَّسُولِ سُلَيْمانَ: ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [ص: ٣٩].

أيْ: أعْطِ مَن شِئْتَ، وامْنَعْ مَن شِئْتَ، لا نُحاسِبُكَ، وهَذِهِ المَرْتَبَةُ هي الَّتِي عُرِضَتْ عَلى نَبِيِّنا ﷺ فَرَغِبَ عَنْها إلى ما هو أعْلى مِنها، وهي مَرْتَبَةُ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ الَّتِي تَصَرُّفُ صاحِبُها فِيها مَقْصُورٌ عَلى أمْرِ السَّيِّدِ في كُلِّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ.

38:40Page 455

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠

And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

No commentary for this ayah

38:41Page 455

وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١

And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."

No commentary for this ayah

38:42Page 455

ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢

[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."

No commentary for this ayah

38:43Page 456

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣

And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.

No commentary for this ayah

38:44Page 456

وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤

[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].

أثنى على عبده أيوب بأحسن الثناء على صبره فقال ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾

فأطلق عليه نعم العبد بكونه وجده صابرا، وهذا يدل على أن من لم يصبر إذا ابتلي فإنه بئس العبد.

(فائدة)

الشكوى إلى اللّه سبحانه لا تنافي الصبر بوجه، فإن اللّه تعالى قال عن أيوب ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾

مع إخباره عنه بالشكوى إليه في قوله ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾، وأخبر عن نبيه يعقوب أنه وعد من نفسه بالصبر الجميل والنبي إذا قال وفّى مع قوله ﴿إنَّما أشْكُوا بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾، ولم يجعل ذلك نقصا لصبره.

ولا يلتف أن غير هذا من ترهات القوم، كما قال بعضهم لما قال: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾

قال تعالى: ﴿إنّا وجَدْناهُ صابِرًا﴾ ولم يقل صبورا حيث قال ﴿مسّني الضر﴾.

وقال بعضهم لم يقل: ارحمني، وإنما قال ﴿أنت أرحم الراحمين﴾ فلم يزد على الإخبار بحاله ووصف ربه.

وقال بعضهم إنما شكا مس ضر حين ضعف لسانه عن الذكر فشكا مس ضر ضعف الذكر لا ضر المرض والألم.

وقال بعضهم استخرج منه هذا القول ليكون قدوة للضعفاء من هذه الأمة.

وكأن هذا القائل رأى أن الشكوى إلى اللّه تنافي الصبر وغلط أقبح الغلط فالمنافي للصبر شكواه لا الشكوى إليه فاللّه يبتلي عبده ليسمع تضرعه ودعاءه والشكوى إليه ولا يحب التجلد عليه، وأحب ما إليه انكسار قلب عبده بين يديه وتذلله له وإظهار ضعفه وفاقته وعجزه وقلة صبره، فاحذر كل الحذر إظهار التجلد عليه وعليك بالتضرع والتمسكن وإبداء العجز والفاقة والذل والضعف، فرحمته أقرب إلى هذا القلب من اليد للفم.

(فصل: في استدلال البعض بهذه الآية على جواز الحيل)

قالوا: وقد قال الله تعالى لنبيه أيوب عليه السلام، وقد حلف ليجلدن امرأته مائة. ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾

قال سعيد عن قتادة: كانت امرأته قد عرضت له بأمر، وأرادها إبليس على شيء فقال لها: لو تكلمت بكذا وكذا؟

وإنما حملها عليها الجوع. فحلف نبي الله لئن شفاه الله تعالى ليجلدنها مائة جلدة.

قال: فأمر بأصل فيه تسعة وتسعون قضيبًا، والأصل تكملة المائة، فيضربها به ضربة واحدة.

فأبر الله تعالى نبيه. وخفف عن أمتَه.

وقال عبد الرحمن بن جبير: لقيها إبليس فقال لها: والله لو تكلم صاحبك بكلمة واحدة لكشف عنه كل ضر، ولرجع إليه ماله وولده، فأخبرت أيوب فقال: ويلك، ذاك عدو الله، إنما مثلك المرأة الزانية، إذا جاءها صديقها بشيء قبلته وأدخلته.

وإن لم يأتها بشيء طردته وأغلقت بابها عنه.

لما أعطانا الله تعالى المال والولد آمنا به، وإذا قبض الذي له منا نكفر به.

إن أقامني الله تعالى من مرضى لأجلدنك مائة. فأفتاه الله بما أخبر به: أن يأخذ ضغثًا، وهو الحزمة من الشيء، مثل الشماريخ الرطبة والعيدان ونحوها، مما هو قائم على ساق، فيضربها ضربة واحدة.

وهذا تعليم منه سبحانه لعباده التخلص من الآثام، والمخرج من الحرج بأيسر شيء وهذا أصلنا في باب الحيل، فإنا قسنا على هذا وجعلناه أصلًا.

(فصل)

قال منكرو الحيل:

الحيل ثلاثة أنواع:

نوع هو قربة وطاعة، وهو من أفضل الأعمال عند الله تعالى.

ونوع هو جائز مباح، لا حرج على فاعله، ولا على تاركه تركه، وترجح فعله على تركه أو عكس ذلك تابع لمصلحته.

ونوع هو محرم ومخادعة لله تعالى ورسوله، متضمن لإسقاط ما أوجبه، وإبطال ما شرعه، وتحليل ما حرمه.

وإنكار السلف والأئمة، وأهل الحديث إنما هو لهذا النوع.

فإن الحيلة لا تذم مطلقًا، ولا تحمد مطلقًا، ولفظها لا يشعر بمدح ولا ذم، وإن غلب في العرف إطلاقها على ما يكون من الطرق الخفية إلى حصول الغرض، بحيث لا يتفطن له إلا بنوع من الذكاء والفطنة.

وأخص من هذا: تخصيصها بما يذم من ذلك، وهذا هو الغالب على عرف الفقهاء المنكرين للحيل، فإن أهل العرف لهم تصرف في تخصيص الألفاظ العامة ببعض موضوعاتها وتقييد مطلقها ببعض أنواعه.

فإن الحيلة فعلة، من الحول، وهو التصرف من حال إلى حال، وهي من ذوات الواو، وأصلها "حولة" فسكنت الواو وانكسر ما قبلها، فقلبت ياء، كميزان، وميقات، وميعاد.

قال في المحكَم: الحْولُ، والحَيلْ، والحِوَلُ، والحَوْلة، والحِيلة، والحوِيل، والمحالة، والمحال، والاحتيال، والتَّحوُّل، والتَّحيُّل: كل ذلك: الحذق، وجودة النظر، والقدرة على وجه التصرف. قال: والحول والحيل، والحيلات: جمع حيلة، ورجل حُوَل، وحُوَلةَ، وحول، وحُوَّلة، وحوالى، وحولول، وحُوَّلى: شديد الاحتيال. وما أحوله وأحيله، وهو أحول منك، وأحيل، انتهى.

فالحيلة: فعلة من الحول، وهو التحول من حال إلى حال، وكل من حاول أمرًا يريد فعله أو الخلاص منه، فما يحاوله به حيلة يتوصل بها إليه.

فالحيلة: معتبرة بالأمر المحتال بها عليه إطلاقًا ومنعا ومصلحة ومفسدة وطاعة ومعصية.

فإن كان المقصود أمرا حسنًا كانت الحيلة حسنة. وإن كان قبيحًا كانت الحيلة قبيحة.

وإن كان طاعة وقربة كانت الحيلة عليه كذلك.

وإن كانت معصية وفسوقًا كانت الحيلة عليه كذلك.

ولما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "لا تَرْتَكبُوا ما ارْتَكَبَتِ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا محاَرِمَ اللهِ تَعالى بِأدْنى الحِيلِ".

صارت في عرف الفقهاء إذا أطلقت: يقصد بها الحيل التي تستحل بها المحارم كحيل اليهود.

وكل حيلة تتضمن إسقاط حق لله تعالى أو لآدمى، فهي مما يستحل بها المحارم.

ونظير ذلك: لفظ الخداع، فإنه ينقسم إلى محمود ومذموم، فإن كان بحق فهو محمود، وإن كان بباطل فهو مذموم.

ومن النوع المحمود: قوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم "الحرب خدعة"

وقوله في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره:

"كُلُّ الكَذِبِ يُكْتَبُ عَلى ابْنِ آدَمَ، إلا ثَلاثَ خِصالٍ: رَجُل كَذَبَ عَلى امْرَأتِهِ لِيُرْضِيَها، ورَجُلٌ كَذَبَ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِيُصْلِجَ بَيْنَهُما، ورَجُلٌ كَذَبَ في خِدْعَةِ حَرْبٍ".

ومن النوع المذموم قوله في حديث عياض بن جمار، الذي رواه مسلم في صحيحه:

"أهْلُ النّارِ خَمْسَةٌ، ذَكَرَ مِنهم رَجُلًا لا يُصْبِحُ ولا يُمْسِي إلا وهْوَ يَخادِعُكَ عَنْ أهْلِكَ ومِالِكَ".

وقوله تعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللهَ والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٩]

وقوله تعالى: ﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ فَإنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ [الأنفال: ٦٢].

(فصل)

إذا عرف ذلك فلا إشكال أنه يجوز للإنسان أن يظهر قولًا أو فعلًا مقصوده به مقصود صالح، وإن كان ظاهره خلاف ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية، مثل دفع الظلم عن نفسه أو غيره، أو إبطال حيلة محرمة.

وإنما المحرم: أن يقصد بالعقود الشرعية غير ما شرعها الله تعالى ورسوله له.

فيصير مخادعًا لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، كائدًا لدينه، ماكرًا بشرعه، فإن مقصوده حصول الشيء الذي حرمه الله تعالى ورسوله بتلك الحيلة، وإسقاط الذي أوجبه بتلك الحيلة.

(فصل)

وأما قوله تعالى لأيوب عليه السلام: ﴿وَخُذْ بيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤].

فمن العجب أن يحتج بهذه الآية من يقول إنه لو حلف ليضربنه عشرة أسواط، فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يبر في يمينه.

هذا قول أصحاب أبي حنيفة، ومالك، وأصحاب أحمد.

وقال الشافعي: إن علم أنها مسته كلها بر في يمينه، وإن علم أنها لم تمسه لم يبر. وإن شك لم يحنث، ولو كان هذا موجبًا لبر الحالف لسقط عن الزاني والقاذف والشارب تعدد الضرب، بأن يجمع له مائة سوط، أو ثمانين، ويضرب بها ضربة واحدة.

وهذا إنما يجزئ في حق المريض، كما قال الإمام أحمد في المريض عليه الحد

"يضرب بعثكال يسقط عنه الحد".

واحتج بما رواه عن أبي أمامة بن سهل عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: "كان بين أبياتنا رويجل ضعيف مخدع، فلم يرع الحي إلا وهو على أمة من إمائهم يخبث بها، قال: فَذَكَرَ ذلِكَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ لِرَسوِلِ الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلَم، وكانَ ذلِكَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا، فقالَ: "اضْرِبُوهُ حَدَّهُ"، فَقالُوا: يا رَسُولَ الله: إنّهُ أضْعَفُ مَّمِا تحْسبُ، لَوْ ضَرَبْناهُ مِائَةً قَتَلْناهُ، فقالَ: "خُذُوا له عِثْكالًا فِيهِ مِائَةُ شِمْراخٍ، ثُمَّ اضْرِبُوهُ بهِ ضَرْبةً واحِدَةً، فَفَعَلُوا".

وأما قصة أيوب فلها فقه دقيق، فإن امرأته كانت لشدة حرصها على عافيته وخلاصه من دائه تلتمس له الدواء بما تقدر عليه. فلما لقيها الشيطان وقال ما قال، أخبرت أيوب عليه السلام بذلك، فقال: إنه الشيطان، ثم حلف: لئن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة سوط، فكانت معذورة محسنة في شأنه، ولم يكن في شرعهم كفارة، فإنه لو كان في شرعهم كفارة لعدل إلى التكفير، ولم يحتج إلى ضربها، فكانت اليمين موجبة عندهم، كالحدود، وقد ثبت أن المحدود إذا كان معذورًا خفف عنه، بأن يجمع له مائة شمراخ، أو مائة سوط، فيضرب بها ضربة واحدة، وامرأة أيوب كانت معذورة، لم تعلم أن الذي خاطبها الشيطان، وإنما قصدت الإحسان، فلم تكن تستحق العقوبة، فأفتى الله نبيه أيوب عليه السلام أن يعاملها معاملة المعذور، هذا مع رفقها به، وإحسانها إليه، فجمع الله له بين البر في يمينه، والرفق بامرأته المحسنة المعذورة التي لا تستحق العقوبة. فظهر موافقة نص القرآن في قصة أبوب عليه السلام لنص السنة في شأن الضعيف الذي زنى، فلا يتعدى بها عن محلها.

فإن قيل: فقولوا هذا في نظير ذلك، ممن حلف ليضربن امرأته أو أمته مائة، وكانتا معذورتين، لا ذنب لهما: أنه يبر بجمع ذلك في ضربة بمائة شمراخ.

قيل: قد جعل الله له مخرجًا بالكفارة، ويجب عليه أن يكفر عن يمينه، ولا يعصي الله بالبر في يمينه هاهنا، ولا يحل له أن يبر فيها، بل بره فيها هو حنثه مع الكفارة، ولا يحل له أن يضربها، لا مفرقًا ولا مجموعًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском