Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:53–72, continued
وَلَوْلا أنَّ التَّوْبَةَ اسْمٌ جامِعٌ لِشَرائِعِ الإسْلامِ وحَقائِقِ الإيمانِ لَمْ يَكُنِ الرَّبُّ تَعالى يَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ ذَلِكَ الفَرَحَ العَظِيمَ، فَجَمِيعُ ما يَتَكَلَّمُ فِيهِ النّاسُ مِنَ المَقاماتِ والأحْوالِ هو تَفاصِيلُ التَّوْبَةِ وآثارُها.
(فَصْلٌ)
قال في (هداية الحيارى)
قالَ السّائِلُ:
نَرى في دِينِكم أكْثَرَ الفَواحِشِ فِيمَن هو أعْلَمُ وأفْقَهُ في دِينِكم كالزِّنى واللِّواطِ والخِيانَةِ، والحَسَدِ والبُخْلِ، والغَدْرِ والجُبْنِ، والكِبْرِ والخُيَلاءِ، وقِلَّةِ الوَرَعِ واليَقِينِ، وقِلَّةِ الرَّحْمَةِ والمُرُوءَةِ والحَمِيَّةِ، وكَثْرَةِ الهَلَعِ، والتَّكالُبِ عَلى الدُّنْيا والكَسَلِ في الخَيْراتِ، وهَذا الحالُ يُكَذِّبُ لِسانَ المَقالِ.
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنْ يُقالَ: ماذا عَلى الرُّسُلِ الكِرامِ مِن مَعاصِي أُمَمِهِمْ وأتْباعِهِمْ؟
وَهَلْ يَقْدَحُ ذَلِكَ شَيْئًا في نُبُوَّتِهِمْ، أوْ يُوجِبُ تَغَيُّرًا في وجْهِ رِسالَتِهِمْ؟!
وَهَلْ سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِها وأجْناسِها إلّا الرُّسُلُ والأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟
وَهَلْ يَجُوزُ رَدُّ رِسالَتِهِمْ وتَكْذِيبُهم بِمَعْصِيَةِ بَعْضِ أتْباعِهِمْ لَهُمْ؟
وَهَلْ هَذا إلّا مِن أقْبَحِ التَّعَنُّتِ؟
وَهُوَ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ مَرِيضٍ دَعاهُ طَبِيبٌ ناصِحٌ إلى سَبَبٍ يَنالُ بِهِ غايَةَ عافِيَتِهِ، فَقالَ: لَوْ كُنْتُ طَبِيبًا لَمْ يَكُنْ فُلانٌ وفُلانٌ مَرْضى.
وَهَلْ يَلْزَمُ الرُّسُلَ أنْ يَشْفُوا جَمِيعَ المَرْضى بِحَيْثُ لا يَبْقى في العالَمِ مَرِيضٌ؟
وَهَلْ تَعَنَّتَ أحَدٌ عَلى الرُّسُلِ بِمِثْلِ هَذا التَّعَنُّتِ؟ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الذُّنُوبَ أوِ المَعاصِيَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأُمَمِ، لَمْ يَزَلْ في العالَمِ مِن طَبَقاتِ بَنِي آدَمَ عالِمِهِمْ وجاهِلِهِمْ، وزاهِدِهِمْ في الدُّنْيا وراغِبِهِمْ، وأمِيرِهِمْ ومَأْمُورِهِمْ، ولَيْسَ ذَلِكَ أمْرًا اخْتَصَّتْ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ حَتّى يُقْدَحَ بِهِ فِيها وفي نَبِيِّها.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ لا تُنافِي الإيمانَ بِالرُّسُلِ، بَلْ يَجْتَمِعُ في العَبْدِ الإسْلامُ والإيمانُ، والذُّنُوبُ والمَعاصِي، فَيَكُونُ فِيهِ هَذا وهَذا.
فالمَعاصِي لا تُنافِي الإيمانَ بِالرُّسُلِ وإنْ قَدَحَتْ في كَمالِهِ وتَمامِهِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ الذُّنُوبَ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ العَبْدِ عَنانَ السَّماءِ، وعَدَدَ الرَّمْلِ والحَصى، ثُمَّ تابَ مِنها تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: {قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.
فَهَذا في حَقِّ التّائِبِ، وأنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ ما قَبْلَها، والتّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ، والتَّوْحِيدُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ، كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ابْنَ آدَمَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَقِيتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً فالمُسْلِمُونَ ذُنُوبُهم ذُنُوبُ مُوَحِّدٍ، إنْ قَوِيَ التَّوْحِيدُ عَلى مَحْوِ آثارِها بِالكُلِّيَّةِ وإلّا فَما مَعَهم مِنَ التَّوْحِيدِ يُخْرِجُهم مِنَ النّارِ إذا عُذِّبُوا بِذُنُوبِهِمْ.
وَأمّا المُشْرِكُونَ والكُفّارُ فَإنَّ شِرْكَهم وكُفْرَهم مُحْبِطٌ حَسَناتِهِمْ، فَلا يَلْقَوْنَ رَبَّهم بِحَسَنَةٍ يَرْجُونَ بِها النَّجاةَ، ولا يَعْقُبُ لَهم شَيْءٌ مِن مَغْفِرَةِ ذُنُوبِهِمْ، قالَ تَبارَكَ وتَعالى: {إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ وقالَ تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ: وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أبى اللَّهُ أنْ يَقْبَلَ مِن مُشْرِكٍ عَمَلًا.
فالذُّنُوبُ تَزُولُ آثارُها بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والتَّوْحِيدِ الخالِصِ، والحَسَناتِ الماحِيَةِ، والمَصائِبِ المُكَفِّرَةِ لَها، وشَفاعَةِ الشّافِعِينَ في المُوَحِّدِينَ، وآخِرُ ذَلِكَ إذا عُذِّبَ بِما يَبْقى عَلَيْهِ مِنها أخْرَجَهُ تَوْحِيدُهُ مِنَ النّارِ، وأمّا الشِّرْكُ بِاللَّهِ والكُفْرُ بِالرَّسُولِ، فَإنَّهُ يُحْبِطُ جَمِيعَ الحَسَناتِ بِحَيْثُ لا يَبْقى مَعَهُ حَسَنَةٌ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنْ يُقالَ لِمُورِدِ هَذا السُّؤالِ - إنَّ كانَ مِنَ الأُمَّةِ الغَضَبِيَّةِ إخْوانِ القِرَدَةِ - ألا يَسْتَحِي مِن إيرادِ هَذا السُّؤالِ، مَن آباؤُهُ وأسْلافُهُ كانُوا يَشْهَدُونَ في كُلِّ يَوْمٍ مِنَ الآياتِ ما لَمْ يَرَهُ غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ؟ وفَلَقَ اللَّهُ لَهُمُ البَحْرَ فَأنْجاهم مِن عَدُوِّهِمْ، وما جَفَّتْ أقْدامُهم مِن ماءِ البَحْرِ حَتّى قالُوا لِمُوسى: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ.
وَلَمّا ذَهَبَ لِمِيقاتِ رَبِّهِ لَمْ يُمْهِلُوهُ أنْ عَبَدُوا بَعْدَ ذَهابِهِ العِجْلَ المَصُوغَ، وغُلِبَ أخُوهُ هارُونُ مَعَهُمْ، ولَمْ يَقْدِرْ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا مَعَ مُشاهَدَتِهِمُ العَجائِبَ يَهُمُّونَ بِرَجْمِ مُوسى وأخِيهِ هارُونَ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ، والوَحْيُ بَيْنَ أظْهُرِهُمْ، ولَمّا نَدَبَهم إلى الجِهادِ، قالُوا: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾
وَآذَوْا مُوسى أنْواعَ الأذى، حَتّى قالُوا: إنَّهُ آدَرُ وهَذا لِكَوْنِهِ كانَ يَغْتَسِلُ وحْدَهُ، فاغْتَسَلَ يَوْمًا ووَضَعَ ثَوْبَهُ عَلى حَجَرٍ فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ وعَدا خَلْفَهُ عُرْيانًا حَتّى نَظَرَ بَنُو إسْرائِيلَ إلى عَوْرَتِهِ، فَرَأوْهُ أحْسَنَ خَلْقِ اللَّهِ مُتَجَرِّدًا.
وَلَمّا ماتَ أخُوهُ هارُونَ قالُوا: مُوسى قَتَلَهُ وغَيَّبَهُ، فَرَفَعَتِ المَلائِكَةُ لَهم تابُوتَهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ حَتّى عايَنُوهُ مَيِّتًا، وآثَرُوا العَوْدَ إلى مِصْرَ وإلى العُبُودِيَّةِ، لِيَشْبَعُوا مِن أكْلِ اللَّحْمِ والبَصَلِ والقِثّاءِ والعَدَسِ، هَكَذا عِنْدَهم.
والَّذِي حَكّاهُ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم آثَرُوا ذَلِكَ عَلى المَنِّ والسَّلْوى، وانْهِماكُهم عَلى الزِّنى، ومُوسى بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وعَدُوُّهم بِإزائِهِمْ، حَتّى ضَعُفُوا عَنْهم ولَمْ يَظْفَرُوا بِهِمْ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ، وعِبادَتُهُمُ الأصْنامَ بَعْدَ عَصْرِ يُوشَعَ بْنِ نُونَ، وتَحَيُّلُهم عَلى صَيْدِ الحِيتانِ في يَوْمِ السَّبْتِ لا تَنْسَهُ، حَتّى مُسِخُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ، وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ حَتّى قَتَلُوا في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا في أوَّلِ النَّهارِ، وأقامُوا السُّوقَ آخِرَهُ كَأنَّهم جَزَرُوا غَنَمًا، أمْرٌ مَعْرُوفٌ.
وَقَتْلُهم يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، ونَشْرُهم إيّاهُ في المِنشارِ.
وَإصْرارُهم عَلى العَظائِمِ، واتِّفاقُهم عَلى تَغْيِيرِ كَثِيرٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، ورَمْيُهم لُوطًا بِأنَّهُ وطِئَ ابْنَتَيْهِ وأوْلَدَهُما.
وَرَمْيُهم يُوسُفَ بِأنَّهُ حَلَّ سَراوِيلَهُ وجَلَسَ مِنَ امْرَأةِ العَزِيزِ مَجْلِسَ المَرْأةِ مِنَ القابِلَةِ حَتّى انْشَقَّ الحائِطُ، وخَرَجَتْ لَهُ كَفُّ يَعْقُوبَ وهو عاضٌّ عَلى أنامِلِهِ، فَقامَ وهَرَبَ، وهَذا لَوْ رَآهُ أفْسَقُ النّاسِ وأفْجَرُهم لَقامَ ولَمْ يَقْضِ غَرَضَهُ.
وَطاعَتُهم لِلْخارِجِ عَلى ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ لَمّا وضَعَ لَهم كَبْشَيْنِ مِن ذَهَبٍ، فَعَكَفَتْ جُمْلَتُهم عَلى عِبادَتِها، إلى أنْ جَرَتِ الحَرْبُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ ولَدِ سُلَيْمانَ، وقُتِلَ مِنهم في مَعْرَكَةٍ واحِدَةٍ أُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ.
أفَلا يَسْتَحِي عُبّادُ الكِباشِ والبَقَرِ مِن تَعْيِيرِ المُوَحِّدِينَ بِذُنُوبِهِمْ؟ أوَلا يَسْتَحِي ذُرِّيَّةُ قَتَلَةِ الأنْبِياءِ مِن تَعْيِيرِ المُجاهِدِينَ لِأعْداءِ اللَّهِ؟ فَأيْنَ ذُرِّيَّةُ مَن سُيُوفُ آبائِهِمْ تَقْطُرُ مِن دِماءِ الأنْبِياءِ مِمَّنْ تَقْطُرُ سُيُوفُهم مِن دِماءِ الكُفّارِ المُشْرِكِينَ؟ أوَلا يَسْتَحِي مَن يَقُولُ في صَلاتِهِ لِرَبِّهِ: انْتَبِهْ كَمْ تَنامُ، اسْتَيْقِظْ مِن رَقْدَتِكَ، يُنَخِّيهِ بِذَلِكَ ويَحْمِيهِ، مِن تَعْيِيرِ مَن يَقُولُ في صَلاتِهِ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ.
فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ المُسْلِمِينَ عَدَدَ الحَصى والرَّمْلِ، والتُّرابِ والأنْفاسِ، ما بَلَغَتْ مَبْلَغَ قَتْلِ نَبِيٍّ واحِدٍ، ولا وصَلَتْ إلى قَوْلِ إخْوانِ القِرَدَةِ إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، وقَوْلِهِمْ ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، وقَوْلِهِمْ ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ بَكى عَلى الطُّوفانِ حَتّى رَمَدَتْ عَيْناهُ مِنَ البُكاءِ وجَعَلَتِ المَلائِكَةُ تَعُودُهُ، وقَوْلِهُمْ: إنَّهُ عَضَّ أنامِلَهُ عَلى ذَلِكَ، وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ نَدِمَ عَلى خَلْقِ البَشَرِ وشَقَّ عَلَيْهِ لَمّا رَأى مِن مَعاصِيهِمْ وظُلْمِهِمْ.
وَأعْظَمُ مِن ذَلِكَ نِسْبَةُ هَذا كُلِّهِ إلى التَّوْراةِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى كَلِيمِهِ، فَلَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُ المُسْلِمِينَ ما بَلَغَتْ لَكانَتْ في جَنْبٍ ذَلِكَ كَتَفْلَةٍ في بَحْرٍ، ولا تَنْسَ قِصَّةَ أسْلافِهِمْ مَعَ شاءُولَ الخارِجَ عَلى داوُدَ، فَإنَّ سَوادَهُمُ الأعْظَمَ انْضَمَّ إلَيْهِ، وشَهِدُوا مَعَهُ عَلى حَرْبِ داوُدَ، ثُمَّ لَمّا عادُوا إلى طاعَةَ داوُدَ، وجاءَتْ وُفُودُهم وعَساكِرُهم مُسْتَغْفِرِينَ مُعْتَذِرِينَ بِحَيْثُ اخْتَصَمُوا في السَّبْقِ إلَيْهِ، فَتَتَبَّعُ مِنهم شَخْصٌ ونادى بِأعْلى صَوْتِهِ: لا نَصِيبَ لَنا في داوُدَ ولا حَظَّ في شاءُولَ، لِيَمْضِ كُلٌّ مِنكم إلى خِبائِهِ يا إسْرائِيلِيِّينَ فَلَمْ يَكُنْ بِأوْشَكَ مِن أنْ ذَهَبَ جَمِيعُ عَسْكَرِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى أخْبِيَتِهِمْ بِسَبَبِ كَلِمَتِهِ، ولَمّا قُتِلَ هَذا الصّائِحُ، عادَتِ العَساكِرُ جَمِيعُها إلى خِدْمَةِ داوُدَ، فَما كانَ القَوْمُ إلّا مِثْلَ هَمَجٍ رِعاعٍ يَجْمَعُهم طَبْلٌ ويُفَرِّقُهم عَصا.
39:54Page 464
وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤
And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.
No commentary for this ayah
39:55Page 464
وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥
And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,
No commentary for this ayah
39:56Page 464
أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦
Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."
No commentary for this ayah
39:57Page 465
أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧
Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."
No commentary for this ayah
39:58Page 465
أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨
Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."
No commentary for this ayah
39:59Page 465
بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩
But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.
No commentary for this ayah
39:60Page 465
وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠
And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?
No commentary for this ayah
39:61Page 465
وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١
And Allāh will save those who feared Him by their attainment;1 no evil will touch them, nor will they grieve.
No commentary for this ayah
39:62Page 465
ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢
Allāh is the Creator of all things, and He is, over all things, Disposer of affairs.
(فائدة عزيزة الوجود)
احتج المعتزلة على مخلوقية القرآن بقوله تعالى: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ونحو ذلك من الآيات.
فأجاب الأكثرون بأنه عام مخصوص يخص محل النزاع كسائر الصفات من العلم ونحوه.
قال ابن عقيل في الإرشاد: "ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الإخبار ولا يصلح لتناوله"
قال: "لأن به حصل عقد الإعلام بكونه خالقا لكل شيء، وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكن داخلا تحت الخبر"
قال: "ولو أن شخصا قال: لا أتكلم اليوم كلاما إلا كان كذبا لم يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به".
قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكورا في قوله تعالى: في قصة مريم
﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾
وإنما أمرت بذلك لئلا تسأل عن ولدها، فقولها ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ به حصل إخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلا تحت الخبر، وإلا كان قولها هذا مخالفا لنذرها.
(فصل)
والتَّحْقِيقُ: أنَّ صِفاتِ الرَّبِّ - جَلَّ جَلالُهُ - داخِلَةٌ في مُسَمّى اسْمِهِ، فَلَيْسَ اسْمُهُ اللَّهُ، والرَّبُّ، والإلَهُ أسْماءً لِذاتٍ مُجَرَّدَةٍ، لا صِفَةً لَها ألْبَتَّةَ، فَإنَّ هَذِهِ الذّاتَ المُجَرَّدَةِ وُجُودُها مُسْتَحِيلٌ، وإنَّما يَفْرِضُها الذِّهْنُ فَرْضَ المُمْتَنِعاتِ، ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْها، واسْمُ " اللَّهِ " سُبْحانَهُ، " والرَّبِّ، والإلَهِ " - اسْمٌ لِذاتٍ لَها جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ونُعُوتِ الجَلالِ، كالعِلْمِ، والقُدْرَةِ، والحَياةِ، والإرادَةِ، والكَلامِ، والسَّمْعِ، والبَصَرِ، والبَقاءِ، والقِدَمِ، وسائِرِ الكَمالِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ لِذاتِهِ، فَصِفاتُهُ داخِلَةٌ في مُسَمّى اسْمِهِ، فَتَجْرِيدُ الصِّفاتِ عَنِ الذّاتِ، والذّاتِ عَنِ الصِّفاتِ فَرْضٌ وخَيالٌ ذِهْنِيٌّ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ لا فائِدَةَ فِيهِ، ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ، ولا إيمانٌ، ولا هو عِلْمٌ في نَفْسِهِ، وبِهَذا أجابَ السَّلَفُ الجَهْمِيَّةَ لَمّا اسْتَدَلُّوا عَلى خَلْقِ القُرْآنِ، بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾
قالُوا: والقُرْآنُ شَيْءٌ.
فَأجابَهُمُ السَّلَفُ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وكَلامُهُ مِن صِفاتِهِ، وصِفاتُهُ داخِلَةٌ في مُسَمّى اسْمِهِ - كَعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحَياتِهِ، وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ، ووَجْهِهِ ويَدَيْهِ - فَلَيْسَ اللَّهُ اسْمًا لِذاتٍ لا نَعْتَ لَها، ولا صِفَةَ، ولا فِعْلَ، ولا وجْهَ، ولا يَدَيْنِ، ذَلِكَ إلَهٌ مَعْدُومٌ مَفْرُوضٌ في الأذْهانِ، لا وُجُودَ لَهُ في الأعِيانِ، كَإلَهِ الجَهْمِيَّةِ، الَّذِي فَرَضُوهُ غَيْرِ خارِجٍ عَنِ العالَمِ ولا داخِلٍ فِيهِ، ولا مُتَّصِلٍ بِهِ ولا مُنْفَصِلٍ عَنْهُ، ولا مُحايِثٍ لَهُ ولا مُبايِنٍ، وكَإلَهِ الفَلاسِفَةِ الَّذِي فَرَضُوهُ وُجُودًا مُطْلَقًا لا يَتَخَصَّصُ بِصِفَةٍ ولا نَعْتٍ، ولا لَهُ مَشِيئَةٌ ولا قُدْرَةٌ، ولا إرادَةٌ ولا كَلامٌ، وكَإلَهِ الِاتِّحادِيَّةِ الَّذِي فَرَضُوهُ وُجُودًا سارِيًا في المَوْجُوداتِ ظاهِرًا فِيها، هو عَيْنُ وُجُودِها، وكَإلَهِ النَّصارى الَّذِي فَرَضُوهُ قَدِ اتَّخَذَ صاحِبَةً ووَلَدًا، وتَدَرَّعَ بِناسُوتِ ولَدِهِ، واتَّخَذَ مِنهُ حِجابًا.
فَكُلُّ هَذِهِ الآلِهَةِ مِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِي أفْكارِها، وإلَهُ العالَمِينَ الحَقُّ: هو الَّذِي دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ وعَرَّفُوهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ، بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، مَوْصُوفٌ بِكُلِّ كَمالٍ، مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، لا مِثالَ لَهُ، ولا شَرِيكَ، ولا ظَهِيرَ، ولا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ، ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]
غَنِيٌ بِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وكُلُّ ما سِواهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ بِذاتِهِ.
(فصل)
المرتبة الرابعة من مراتب القضاء والقدر وهي خلق الله تعالى لأفعال المكلفين ودخولها تحت قدرته ومشيئته كما دخلت تحت علمه وكتابه قال تعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾
وهذا عام محفوظ لا يخرج عنه شيء من العالم أعيانه وأفعاله وحركاته وسكناته، وليس مخصوصا بذاته وصفاته فإنه الخالق بذاته وصفاته، وما سواه مخلوق له.
واللفظ قد فرق بين الخالق والمخلوق، وصفاته سبحانه داخله في مسمى اسمه، فإن (الله) سبحانه اسم للإله الموصوف بكل صفة كمال، المنزه عن كل صفة نقص ومثال.
والعالم قسمان أعيان وأفعال، وهو الخالق لأعيانه وما يصدر عنها من الأفعال، كما أنه العالم بتفاصيل ذلك، فلا يخرج شيء منه عن علمه، ولا عن قدرته، ولا عن خلقه ومشيئته.
قالت القدرية: نحن نقول إن الله خالق أفعال العباد لا على أنه محدثها ومخترعها لكن على معنى أنه مقدرها فإن الخلق التقدير كما قال تعالى: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾
وقال الشاعر:
؎ولأنت تفري ما خلقت ∗∗∗ وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى
أي لأنت تمضي ما قدرته وتنفذه بعزمك وقدرتك وبعض القوم يقدر ثم لا قوة له ولا عزيمة على إنفاذ ما قدره وإمضائه فالله تعالى مقدر أفعال العباد وهم الذين أوجدوها وأحدثوها.
قال أهل السنة: قدماؤكم ينكرون تقدير الله سبحانه لأعمال العباد ألبتة فلا يمكنهم أن يجيبوا بذلك ومن اعترف منكم بالتقدير فهو تقدير لا يرجع إلى تأثير وإنما هو مجرد العلم بها والخبر عنها ليس التقدير عندكم جعلها على قدر كذا وكذا فإن هذا عندكم غير مقدور للرب ولا مصنوع له وإنما هو صنع العبد وإحداثه فرجع التقدير إلى مجرد العلم والخبر.
وهذا لا يسمى خلقا في لغة أمة من الأمم ولو كان هذا خلقا لكان من علم شيئا وعلم أسمائه وصفاته وأخبر عنه بذلك خالقا له فالتقدير الذي أثبتموه إن كان متضمنا للتأثير في إيجاد الفعل فهو خلاف مذهبكم وإن لم يتضمن تأثيرا في إيجاده فهو راجع إلى محض العلم والخبر.
قالت القدرية قوله: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من العام المراد به الخاص ولا سيما فإنكم قلتم إن القرآن لم يدخل في هذا العموم وهو من أعظم الأشياء وأجلها فخصصنا مه أفعال العباد بالأدلة الدالة على كونها فعلهم ومنعهم.
قالت أهل السنة: القرآن كلام الله سبحانه وكلامه صفة من صفاته وصفات الخالق وذاته لم تدخل في المخلوق فإن الخالق غير المخلوق فليس هاهنا تخصيصا ألبتة بل الله سبحانه بذاته وصفاته الخالق وكل ما عداه مخلوق وذلك عموم لا تخصيص فيه بوجه إذ ليس إلا الخالق والمخلوق والله وحده الخالق وما سواه كله مخلوق وأما الأدلة الدالة على أن أفعال العباد صنع لهم وإنما أفعالهم القائمة بهم وأنهم هم الذين فعلوها فكلها حق نقول بموجبها ولكن لا ينبغي أن تكون أفعالا لهم ومخلوقة مفعولة لله فإن الفعل غير المفعول ولا نقول أنها فعل لله والعبد مضطر مجبور عليها ولا نقول أنها فعل للعبد والله غير قادر عليها ولا جاعل للعبد فاعلا لها ولا نقول أنها مخلوقة بين مخلوقين مستقلين بالإيجاد والتأثير.
وهذه الأقوال كلها باطلة.
قالت القدرية يعني قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما لا يقدر عليه غيره وأما أفعال العباد التي يقدر عليها العباد فإضافتها إليهم ينفي إضافتها إليه والألزم وقوع مفعولين بين فاعلين وهو محال.
قالت أهل السنة: إضافتها إليهم فعلا وكسبا لا ينفي إضافتها إليه سبحانه خلقا ومشيئة فهو سبحانه الذي شاءها وخلقها وهم الذين فعلوها وكسبوها حقيقة فلو لم تكن مضافة إلى مشيئته وقدرته وخلقه لاستحال وقوعها منهم إذ العباد أعجز وأضعف من أن يفعلوا ما لم يشأه الله ولم يقدر عليه ولا خلقه.
39:63Page 465
لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣
To Him belong the keys of the heavens and the earth. And they who disbelieve in the verses of Allāh - it is those who are the losers.
No commentary for this ayah
39:64Page 465
قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤
Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"
No commentary for this ayah
39:65Page 465
وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥
And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.
No commentary for this ayah
39:66Page 465
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦
Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.
No commentary for this ayah
39:67Page 465
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧
They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.
No commentary for this ayah
39:68Page 466
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨
And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.
فإن قيل: فعند النفخ في الصور هل تبقى الأرواح حية كما هي أو تموت ثم تحيا؟
قيل: قد قال تعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾
فقد استثنى اللّه سبحانه بعض من في السماوات ومن في الأرض من هذا الصعق.
فقيل: هم الشهداء، هذا قول أبي هريرة وابن عباس وابن جبير.
وقيل: هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وهذا قول مقاتل وغيره.
وقيل: هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم، ومن في الناس من أهل العذاب وخزنتها، قاله أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا.
وقد نص الإمام أحمد على أن: الحور العين والولدان لا يمتن عند النفخ في الصور، وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾.
وهذا نص على أنهم لا يموتون غير تلك الموتة الأولى، فلو ماتوا مرة ثانية لكانت موتتان.
وأما قول أهل النار: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ فتفسيره هذه الآية التي في البقرة وهي قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾
فكانوا أمواتا وهم نطف في أصلاب آبائهم وفي أرحام أمهاتهم ثم أحياهم بعد ذلك، ثم أماتهم ثم يحييهم يوم النشور، وليس في ذلك إماتة أرواحهم قبل يوم القيامة وإلا كانت ثلاث موتات، وصعق الأرواح عند النفخ في الصور لا يلزم منه موتها، ففي الحديث الصحيح أن «الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور».
فهذا صعق في موقف القيامة إذ جاء اللّه تعالى لفصل القضاء، وأشرقت الأرض بنوره، فحينئذ تصعق الخلائق كلهم، قال تعالى: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾
ولو كان هذا الصعق موتا لكانت موتة أخرى، وقد تنبه لهذا جماعة من الفضلاء، فقال أبو عبد اللّه القرطبي: ظاهر هذا الحديث أن هذه صعقة غشي تكون يوم القيامة، لا صعقة الموت الحادثة عن نفخ الصور، قال: قد قال شيخنا أحمد بن عمرو: ظاهر حديث النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يدل على أن هذه الصعقة إنما هي بعد النفخة الثانية نفخة البعث، ونص القرآن يقتضي أن ذلك الاستثناء إنما هو بعد نفخة الصعق، ولما كان هذا قول فيحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء، وهذا باطل، وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بهذه صعقة فزع بعد النشور حين تنشق السماوات والأرض، قال: فتستقل الأحاديث والآثار، ورد عليه أبو العباس القرطبي فقال: يرد هذا قوله في الحديث الصحيح أنه حين يخرج من قبره يلقى موسى آخذا بقائمة العرش، قال: وهذا إنما هو عند نفخة الفزع.
قال أبو عبد اللّه: وقال شيخنا أحمد بن عمرو: الذي يزيح هذا الإشكال إن شاء اللّه تعالى أن الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه قد صح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس وفي السماء، وخصوصا بموسى، وقد أخبر بأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا رد اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام، إلى غير ذلك مما يحصل من حملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو رجع إلى أن غيبوا عنا، بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم أحياء موجودون ولا تراهم، وإذا تقرر أنهم أحياء، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه، فأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشية، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث فمن مات حيي، ومن غشي عليه أفاق، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحديث المتفق على صحته: «فأكون أول من يفيق، فنبينا أول من يخرج من قبره قبل جميع الناس إلا موسى»، فإنه حصل فيه تردد: هل بعث قبله من غشيته أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق مفيقا لأنه حوسب بصعقة يوم الطور، وهذه فضيلة عظيمة لموسى، ولا يلزم من فضيلة واحدة أفضليته على نبينا مطلقا، لأن الشيء الجزئي لا يوجب أمرا كليا، انتهى.
قال أبو عبد اللّه القرطبي: إن حمل الحديث على صعقة الخلق يوم القيامة فلا إشكال، وإن حمل على صعقة الموت عند النفخ في الصور فيكون ذكر يوم القيامة يراد به أوائله، فالمعنى: إذا نفخ في الصور نفخة البعث كنت أول من يرفع رأسه، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبل أم جوزي بصعقة الطور.
قلت: وحمل الحديث على هذا يصح، لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم تردد: هل أفاق موسى قبله أم لم يصعق بل جوزي بصعقة الطور؟
فالمعنى: لا أدري أصعق أم لم يصعق، وقد قال في الحديث: «فأكون أول من يفيق»
وهذا يدل على أنه صلى اللّه عليه وآله وسلم يصعق فيمن يصعق، وأن التردد حصل في موسى: هل يصعق وأفاق قبله من صعقته أم لم يصعق. ولو كان المراد به الصفة الأولى وهي صعقة الموت لكان صلى اللّه عليه وآله وسلم قد جزم بموته، وتردد هل مات موسى أم لم يمت، وهذا باطل لوجوه كثيرة، فعلم أنها صعقة فزع لا صعقة موت، وحينئذ فلا تدل الآية على أن الأرواح كلها تموت عند النفخة الأولى، نعم تدل على أن موت الخلائق عند النفخة الأولى، وكل من لم يذق الموت قبلها فإنه يذوقه حينئذ، وأما من ذاق الموت أو من لم يكتب عليه الموت فلا تدل الآية على أنه يموت موتة ثانية واللّه أعلم.
(فإن قيل): فكيف تصنعون بقوله في الحديث: «إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فأجد موسى باطشا بقائمة العرش»؟
قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا، ومنه نشأ الإشكال، ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث، فركب بين اللفظين فجاء هذا والحديثان هكذا:
(أحدهما) أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق.
(والثاني) هكذا: أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة.
ففي الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر»
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
فدخل على الراوي هذا الحديث في الحديث الآخر، وكان شيخنا أبو الحجاج الحافظ يقول ذلك.
فإن قيل: فما تصنعون بقوله: «فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى اللّه عز وجل» والذين استثناهم اللّه إنما هم مستثنون من صعقة النفخة لا من صعقة يوم القيامة كما قال اللّه تعالى: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾»، ولم يقع الاستثناء من صعقة الخلائق يوم القيامة.
قيل: هذا واللّه أعلم غير محفوظ، وهو وهم من بعض الرواة، والمحفوظ ما تواطأت الروايات الصحيحة من قوله: «فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» فظن بعض الرواة أن هذه الصعقة هي صعقة النفخة، وأن موسى داخل فيمن استثنى منها، وهذا لا يلتئم على مساق الحديث قطعا، فإن الإفاقة حينئذ هي إفاقة البعث، فكيف يقول:
«لا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور» فتأمله.
وهذا بخلاف الصعقة التي يصعقها الخلائق يوم القيامة إذا جاء اللّه سبحانه لفصل القضاء بين العباد وتجلى لهم فإنهم يصعقون جميعا، وأما موسى عليه السلام فإن كان لم يصعق معهم فيكون قد حوسب بصعقته يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكا، فجعلت صعقة هذا التجلي عوضا من صعقة الخلائق لتجلي الرب يوم القيامة، فتأمل هذا المعنى العظيم ولو لم يكن في الجواب إلا كشف هذا الحديث وشأنه لكان حقيقا أن يعض عليه بالنواجذ وللّه الحمد والمنّة وبه التوفيق.
39:69Page 466
وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩
And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.
No commentary for this ayah
39:70Page 466
وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠
And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.
No commentary for this ayah
39:71Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١
And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."
وأما النار فإنها دار الخبث في الأقوال والأعمال والمآكل والمشارب ودار الخبيثين، فالله تعالى يجمع الخبيث بعضه إلى بعض فيركمه كما يركم الشيء لتراكب بعضه على بعض، ثم يجعله في جهنم مع أهله فليس فيها إلا خبيث.
(فصل)
قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ ففاجأهم وبغتهم عذابها وما أعد الله تعالى فيها، فهم بمنزلة من وقف على باب لا يدري بما يفتح له من أنواع الشر إلا أنه متوقع منه شرا عظيما ففتح في وجهه وفاجأه ما كان يتوقعه.
وهذا كما تجد في الدنيا من يساق إلى السجن فإنه يساق إليه وبابه مغلق حتى إذا جاءه فتح الباب في وجهه ففاجأته روعته وألمه بخلاف ما لو فتح له قبل مجيئه، وهذا بخلاف أهل الجنة فإنهم لما كانوا مساقين إلى دار الكرامة وكان من تمام إكرام المدعو الزائر أن يفتح له باب الدار فيجيء فيلقاه مفتوحا فلا يلحقه ألم الانتظار فقال في أهل الجنة ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾
وحذف الجواب تفخيما لأمره وتعظيما لشأنه على عادتهم في حذف الجوابات لهذا المقصد وهذه الطريقة تريحك من دعوى زيادة الواو، ومن دعوى كونها واو الثمانية لأن أبواب الجنة ثمانية، فإن هذا لو صح فإنما يكون إذا كانت الثمانية منسوقة في اللفظ واحدا بعد واحد فينتهون إلى السبعة، ثم يستأنفون العدد من الثمانية بالواو.
وهنا لا ذكر للفظ الثمانية في الآية ولا عدها فتأمله.
على أن في كون الواو تجيء للثمانية كلام آخر قد ذكرناه في الفتح المكي وبينا المواضع التي ادعى فيها أن الواو للثمانية، وأين يمكن دعوى ذلك وأين يستحيل.
فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بأن سيد الخلائق ﷺ يأتي باب الجنة فيلقاه مغلقا حتى يستفتحه؟
قلنا هذا من تمام إظهار شرفه وفضله على الخلائق أن الجنة تكون مغلقة فلا تفتح لأهلها إلا على يديه فلو جاءها وصادفها مفتوحة فدخلها هو وأهلها لم يعلم الداخلون أن فتحها كان على يديه وأنه هو الذي استفتحها لهم ألا ترى أن الخلق إذا راموا دخول باب مدينة أو حصن وعجزوا ولم يمكنهم فتحه حتى جاء رجل ففتحه لهم أحوج ما كانوا إلى فتحه كان في ذلك من ظهور سيادته عليهم وفضله وشرفه ما لا يعلم لو جاء هو وهم فوجدوه مفتوحا.
وقد خرجنا عن المقصود وما أبعدنا.
ولا تستطل هذه النكت فإنك لا تكاد تجدها في غير هذا التعليق. والله تعالى المان بفضله وكرمه.
39:72Page 466
قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢
[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences