Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:7
39:7Page 459
إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧
If you disbelieve - indeed, Allāh is Free from need of you. And He does not approve for His servants disbelief. And if you are grateful, He approves [i.e., likes] it for you; and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you about what you used to do. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
إنه سبحانه يجب أن يشكر ويحب أن يشكر عقلا وشرعا وفطرة، فوجوب شكره أظهر من وجوب شكره أظهر من وجوب كل واجب، وكيف لا يجب على العباد حمده وتوحيده ومحبته وذكر آلائه وإحسانه وتعظيمه وتكبيره والخضوع له والتحدث بنعمته والإقرار بها بجميع طرق الوجوب، فالشكر أحب شيء إليه وأعظم ثوابا، وأنه خلق الخلق وأنزل الكتب وشرع الشرائع، وذلك يستلزم خلق الأسباب التي يكون الشكر بها أكمل، ومن جملتها أن فاوت بين عباده في صفاتهم الظاهرة والباطنة في خلقهم وأخلاقهم وأديانهم وأرزاقهم ومعايشهم وآجالهم.
فإذا رأى المعافى المبتلى، والغني الفقير، والمؤمن الكافر عظم شكره لله، وعرف قدر نعمته عليه، وما خصه به وفضله به على غيره، فازداد شكرا وخضوعا واعترافا بالنعمة.
وفي أثر ذكره الإمام أحمد في الزهد: "أن موسى قال يا رب هلا سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكر".
فإن قيل فقد كان من الممكن أن يسوي بينهم في النعم ويسوي بينهم في الشكر كما فعل بالملائكة؟
قيل لو فعل ذلك لكان الحاصل من الشكر نوع آخر غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه، والشكر الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره، ولهذا كان شكر الملائكة وخضوعهم وذلهم لعظمته وجلاله بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له، ومن هاروت وماروت ما شاهدوه أعلى وأكمل مما كان قبله.
وهذه حكمة الرب، ولهذا كان شكر الأنبياء وأتباعهم بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم، وانتقام الرب منهم، وما أنزل بهم من بأسه أعلى وأكمل.
وكذلك شكر أهل الجنة في الجنة وهم يشاهدون أعداءه المكذبين لرسله المشركين به في ذلك العذاب، فلا ريب أن شكرهم حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم أكمل وأعظم مما لو قدر اشتراك جميع الخلق في النعيم، فالمحبة الحاصلة من أوليائه له والرضا والشكر وهم يشاهدون بين جنسهم في ضد ذلك من كل وجه أكمل وأتم.
فالضد يظهر حسنه الضد.
وبضدها تتبين الأشياء.
ولولا خلق القبيح لما عرفت فضيلة الجمال والحسن، ولولا خلق الظلام لما عرفت فضيلة النور، ولولا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر العافية، ولولا الجحيم لما عرف قدر الجنة، ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدا لما عرف قدره، ولو جعل الليل سرمدا لما عرف قدره، وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الفقر من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال لما عرف قدر الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عرف قدر الإيمان والنعمة به فتبارك من له في خلقه وأمره الحكم البوالغ والنعم السوابغ يوضحه.
(مسألة)
فإن قيل: فهل يرضى الرب سبحانه ما قضى به من الكفر والفسوق والعصيان بوجه من الوجوه؟
قيل هذا الموضع أشكل من الذي قبله.
قال كثير من الأشعرية بل جمهورهم ومن اتّبعهم أن الرضا والمحبة والإرادة في حق الرب تعالى بمعنى واحد، وأن كل ما شاءه وأراده فقد أحبه ورضيه ثم أوردوا على أنفسهم هذا السؤال وأجابوا بأنه لا يمتنع أن يقال إنه يرضى بها، ولكن لا على وجه التخصيص بل يقال يرضى بكل ما خلقه وقضاه وقدره، ولا نفرد من ذلك الأمور المذمومة كما يقال هو رب كل شيء ولا يقال رب كذا وكذا للأشياء الحقيرة الخسيسة.
وهذا تصريح منهم بأنه راض بها في نفس الأمر وإنما امتنع الإطلاق أدبا واحتراما فقط فلما أورد عليهم قوله: ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾
أجابوا عنه بجوابين:
أحدهما ممن لم يقع منه وأما من وقع منه فهو يرضاه إذ هو بمشيئته وإرادته.
والثاني لا يرضاه لهم دينا أي لا يشرعه لهم ولا يأمرهم به ويرضاه منهم كونا وعلى قولهم فيكون معنى الآية ولا يرضى لعباده الكفر حيث لم يوجد منهم فلو وجد منهم أحبه ورضيه وهذا في البطلان والفساد كما تراه وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضى ما وجد من ذلك وإن وقع بمشيئته كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهم إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ فهذا قول واقع بمشيئته وتقديره وقد أخبر سبحانه أنه لا يرضاه.
وكذلك قوله سبحانه: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ فهو سبحانه لا يحبه كونا ولا دينا وإن وقع بتقديره، كما لا يحب إبليس وجنوده وفرعون وحزبه وهو ربهم وخالقهم فمن جعل المحبة والرضا بمعنى الإرادة والمشيئة لزمه أن يكون الله سبحانه محبا لإبليس وجنوده وفرعون وهامان وقارون وجميع الكفار وكفرهم والظلمة وفعلهم وهذا كما أنه خلاف القرآن والسنة والإجماع المعلوم بالضرورة فهو خلاف ما عليه فطر العالمين التي لم تغير بالتواطي والتواصي بالأقوال الباطلة
وقد أخبر سبحانه أنه يمقت أفعالا كثيرة ويكرهها ويبغضها ويسخطها فقال: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾
وقال: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾
وقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾
وقال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ ومحال حمل هذه الكراهة على غير الكراهة الدينية الأمرية لأنه أمرهم بالجهاد.
وقال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ فأخبر أنه يكره ويبغض ويمقت ويسخط ويعادي ويذم ويلعن ومحال أنه يحب ذلك ويرضى به وهو سبحانه يكره ويتقدس عن محبة ذلك وعن الرضا به بل لا يليق ذلك بعبده فإنه نقص وعيب في المخلوق أن يحب الفساد والشر والظلم والبغي والكفر ويرضاه فكيف يجوز نسبة ذلك إلى الله تبارك وتعالى.
وهذا الأصل من أعظم ما غلط فيه كثير من مثبتي القدر، وغلطهم فيه يوازن غلط النفاة في إنكار القدر أو هو أقبح منه وبه وتسلط عليهم النفاة وتمادوا على قبح قولهم وأعظموا الشناعة عليهم به.
فهؤلاء قالوا يحب الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي والفساد وأولئك قالوا لا يدخل تحت مشيئته وقدرته وخلقه وأولئك قالوا لا يكون في ملكه إلا ما يحبه ويرضاه وهؤلاء قالوا يكون في ملكه ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون.
فسبحان الله وتعالى عما يقول الفريقان علوا كبيرا، والحمد لله الذي هدانا لما أرسل به رسوله وأنزل به كتابه وفطر عليه عباده وبرأنا من بدع هؤلاء وهؤلاء فله الحمد والمنة والفضل والنعمة والثناء الحسن، ونسأله التوفيق لما يحبه يرضاه وأن يجنبنا مضلات البدع والفتن.
(فصل)
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحانَهُ أمْرًا لا يَرْضاهُ ولا يُحِبُّهُ؟ وكَيْفَ يَشاؤُهُ ويُكَوِّنُهُ؟ وكَيْفَ تَجْتَمِعُ إرادَةُ اللَّهِ لَهُ وبُغْضُهُ وكَراهِيَتُهُ؟
قِيلَ: هَذا السُّؤالُ هو الَّذِي افْتَرَقَ النّاسُ لِأجْلِهِ فِرَقًا، وتَبايَنَتْ عِنْدَهُ طُرُقُهم وأقْوالُهم.
فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ نَوْعانِ: مُرادٌ لِنَفْسِهِ. ومُرادٌ لِغَيْرِهِ.
فالمُرادُ لِنَفْسِهِ: مَطْلُوبٌ مَحْبُوبٌ لِذاتِهِ ولِما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ. فَهو مُرادُ إرادَةِ الغاياتِ والمَقاصِدِ.
والمُرادُ لِغَيْرِهِ: قَدْ لا يَكُونُ في نَفْسِهِ مَقْصُودًا لِلْمُرِيدِ، ولا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ بِالنَّظَرِ إلى ذاتِهِ. وإنْ كانَ وسِيلَةً مَقْصُودَةً ومُرادَةً. فَهو مَكْرُوهٌ لَهُ مِن حَيْثُ نَفْسُهُ وذاتُهُ، مُرادٌ لَهُ مِن حَيْثُ إفْضاؤُهُ وإيصالُهُ إلى مُرادِهِ. فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الأمْرانِ: بُغْضُهُ، وإرادَتُهُ، ولا يَتَنافَيانِ. لِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِهِما. وهَذا كالدَّواءِ المُتَناهِي في الكَراهَةِ، إذا عَلِمَ مُتَناوِلُهُ أنَّ فِيهِ شِفاءَهُ، وكَقَطْعِ العُضْوِ المُتَآكِلِ إذا عُلِمَ أنَّ في قَطْعِهِ بَقاءَ جَسَدِهِ، وكَقَطْعِ المَسافَةِ الشّاقَّةِ جِدًّا إذا عُلِمَ أنَّها تُوصِلُهُ إلى مُرادِهِ ومَحْبُوبِهِ. بَلِ العاقِلُ يَكْتَفِي في إيثارِ هَذا المَكْرُوهِ وإرادَتِهِ بِالظَّنِّ الغالِبِ، وإنْ خَفِيَتْ عَنْهُ عاقِبَتُهُ، وطُوِيَتْ عَنْهُ مَغَبَّتُهُ، فَكَيْفَ بِمَن لا تَخْفى عَلَيْهِ العَواقِبُ؟ فَهو سُبْحانَهُ وتَعالى يَكْرَهُ الشَّيْءَ ويُبْغِضُهُ في ذاتِهِ. ولا يُنافِي ذَلِكَ إرادَتَهُ لِغَيْرِهِ، وكَوْنَهُ سَبَبًا إلى ما هو أحَبُّ إلَيْهِ مِن فَوْتِهِ.
مِثالُ ذَلِكَ: أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ إبْلِيسَ، الَّذِي هو مادَّةٌ لِفَسادِ الأدْيانِ والأعْمالِ، والِاعْتِقاداتِ والإراداتِ، وهو سَبَبُ شَقاوَةِ العَبِيدِ، وعَمَلِهِمْ بِما يُغْضِبُ الرَّبَّ تَبارَكَ وتَعالى. وهو السّاعِي في وُقُوعِ خِلافِ ما يُحِبُّهُ اللَّهُ ويَرْضاهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ وكُلِّ حِيلَةٍ. فَهو مَبْغُوضٌ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، مَسْخُوطٌ لَهُ. لَعَنَهُ اللَّهُ ومَقَتَهُ. وغَضِبَ عَلَيْهِ. ومَعَ هَذا فَهو وسِيلَةٌ إلى مَحابَّ كَثِيرَةٍ لِلرَّبِّ تَعالى تَرَتَّبَتْ عَلى خَلْقِهِ. وجُودُها أحَبُّ إلَيْهِ مِن عَدَمِها.
مِنها: أنْ تَظْهَرَ لِلْعِبادِ قُدْرَةُ الرَّبِّ تَعالى عَلى خَلْقِ المُتَضادّاتِ المُتَقابِلاتِ فَخَلَقَ هَذِهِ الذّاتَ - الَّتِي هي أخْبَثُ الذَّواتِ وشَرُّها. وهي سَبَبُ كُلِّ شَرٍّ - في مُقابَلَةِ ذاتِ جِبْرِيلَ، الَّتِي هي أشْرَفُ الذَّواتِ، وأطْهَرُها وأزْكاها. وهي مادَّةُ كُلِّ خَيْرٍ. فَتَبارَكَ اللَّهُ خالِقُ هَذا وهَذا. كَما ظَهَرَتْ لَهم قُدْرَتُهُ التّامَّةُ في خَلْقِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، والضِّياءِ والظَّلامِ، والدّاءِ والدَّواءِ، والحَياةِ والمَوْتِ، والحَرِّ والبَرْدِ، والحَسَنِ والقَبِيحِ، والأرْضِ والسَّماءِ، والذَّكَرِ والأُنْثى، والماءِ والنّارِ، والخَيْرِ والشَّرِّ.
وَذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى كَمالِ قُدَرَتِهِ وعِزَّتِهِ، وسُلْطانِهِ ومُلْكِهِ. فَإنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ المُتَضادّاتِ. وقابَلَ بَعْضَها بِبَعْضٍ. وسَلَّطَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ. وجَعَلَها مَحالَّ تَصَرُّفِهِ وتَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ. فَخُلُوُّ الوُجُودِ عَنْ بَعْضِها بِالكُلِّيَّةِ تَعْطِيلٌ لِحِكْمَتِهِ، وكَمالِ تَصَرُّفِهِ وتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ.
وَمِنها: ظُهُورُ آثارِ أسْمائِهِ القَهْرِيَّةِ، مِثْلَ القَهّارِ، والمُنْتَقِمِ، والعَدْلِ، والضّارِّ، وشَدِيدِ العِقابِ، وسَرِيعِ الحِسابِ، وذِي البَطْشِ الشَّدِيدِ، والخافِضِ، والمُذِلِّ. فَإنَّ هَذِهِ الأسْماءَ والأفْعالَ كَمالٌ. فَلا بُدَّ مِن وُجُودِ مُتَعَلِّقِها. ولَوْ كانَ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى طَبِيعَةِ المَلَكِ لَمْ يَظْهَرْ أثَرُ هَذِهِ الأسْماءِ والأفْعالِ.
وَمِنها: ظُهُورُ آثارِ أسْمائِهِ المُتَضَمِّنَةِ لِحِلْمِهِ وعَفْوِهِ، ومَغْفِرَتِهِ وسِتْرِهِ، وتَجاوُزِهِ عَنْ حَقِّهِ، وعِتْقِهِ لِمَن شاءَ مِن عَبِيدِهِ. فَلَوْلا خَلْقُ ما يَكْرَهُ مِنَ الأسْبابِ المُفْضِيَةِ إلى ظُهُورِ آثارِ هَذِهِ الأسْماءِ لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ الحِكَمُ والفَوائِدُ. وقَدْ أشارَ النَّبِيُّ ﷺ إلى هَذا بِقَوْلِهِ: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، ولَجاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ. فَيَغْفِرُ لَهُمْ».
وَمِنها: ظُهُورُ آثارِ أسْماءِ الحِكْمَةِ والخِبْرَةِ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ الحَكِيمُ الخَبِيرُ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. ويُنْزِلُها مَنازِلَها اللّائِقَةَ بِها. فَلا يَضَعُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. ولا يُنْزِلُهُ غَيْرَ مَنزِلِهِ، الَّتِي يَقْتَضِيها كَمالُ عِلْمِهِ وحِكْمَتُهُ وخِبْرَتُهُ. فَلا يَضَعُ الحِرْمانَ والمَنعَ مَوْضِعَ العَطاءِ والفَضْلِ. ولا الفَضْلَ والعَطاءَ مَوْضِعَ الحِرْمانِ والمَنعِ. ولا الثَّوابَ مَوْضِعَ العِقابِ، ولا العِقابَ مَوْضِعَ الثَّوابِ، ولا الخَفْضَ مَوْضِعَ الرَّفْعِ، ولا الرَّفْعَ مَوْضِعَ الخَفْضِ، ولا العِزَّ مَكانَ الذُّلِّ، ولا الذُّلَّ مَكانَ العِزِّ، ولا يَأْمُرُ بِما يَنْبَغِي النَّهْيُ عَنْهُ، ولا يَنْهى عَمّا يَنْبَغِي الأمْرُ بِهِ.
فَهُوَ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ. وأعْلَمُ بِمَن يَصْلُحُ لِقَبُولِها. ويَشْكُرُهُ عَلى انْتِهائِها إلَيْهِ ووُصُولِها. وأعْلَمُ بِمَن لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ ولا يَسْتَأْهِلُهُ. وأحْكَمُ مِن أنْ يَمْنَعَها أهْلَها. وأنْ يَضَعَها عِنْدَ غَيْرِ أهْلِها.
فَلَوْ قُدِّرَ عَدَمُ الأسْبابِ المَكْرُوهَةِ البَغِيضَةِ لَهُ لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ الآثارُ. ولَمْ تَظْهَرْ لِخَلْقِهِ. ولَفاتَتِ الحِكَمُ والمَصالِحُ المُتَرَتِّبَةُ عَلَيْها. وفَواتُها شَرٌّ مِن حُصُولِ تِلْكَ الأسْبابِ.
فَلَوْ عُطِّلَتْ تِلْكَ الأسْبابُ - لِما فِيها مِنَ الشَّرِّ - لَتَعَطَّلَ الخَيْرُ الَّذِي هو أعْظَمُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي في تِلْكَ الأسْبابِ. وهَذا كالشَّمْسِ والمَطَرِ والرِّياحِ الَّتِي فِيها مِنَ المَصالِحِ ما هو أضْعافُ أضْعافِ ما يَحْصُلُ بِها مِنَ الشَّرِّ والضَّرَرِ. فَلَوْ قُدِّرَ تَعْطِيلُها - لِئَلّا يَحْصُلَ مِنها ذَلِكَ الشَّرُّ الجُزْئِيُّ - لَتَعَطَّلَ مِنَ الخَيْرِ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ الشَّرِّ بِما لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ.
(فَصْلٌ)
وَمِنها: حُصُولُ العُبُودِيَّةِ المُتَنَوِّعَةِ الَّتِي لَوْلا خَلْقُ إبْلِيسَ لَما حَصَلَتْ. ولَكانَ الحاصِلُ بَعْضَها، لا كُلَّها.
فَإنَّ عُبُودِيَّةَ الجِهادِ مِن أحَبِّ أنْواعِ العُبُودِيَّةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ. ولَوْ كانَ النّاسُ كُلُّهم مُؤْمِنِينَ لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ العُبُودِيَّةُ وتَوابِعُها: مِنَ المُوالاةِ فِيهِ سُبْحانَهُ، والمُعاداةِ فِيهِ، والحُبِّ فِيهِ والبُغْضِ فِيهِ. وبَذْلِ النَّفْسِ لَهُ في مُحارَبَةِ عَدُوِّهِ، وعُبُودِيَّةُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وعُبُودِيَّةُ الصَّبْرِ ومُخالَفَةُ الهَوى، وإيثارُ مَحابِّ الرَّبِّ عَلى مَحابِّ النَّفْسِ.
وَمِنها: عُبُودِيَّةُ التَّوْبَةِ، والرُّجُوعُ إلَيْهِ واسْتِغْفارُهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ التَّوّابِينَ. ويُحِبُّ تَوْبَتَهم. فَلَوْ عُطِّلَتِ الأسْبابُ الَّتِي يُتابُ مِنها لَتَعَطَّلَتْ عُبُودِيَّةُ التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارُ مِنها.
وَمِنها: عُبُودِيَّةُ مُخالَفَةِ عَدُوِّهِ، ومُراغَمَتِهِ في اللَّهِ، وإغاظَتِهِ فِيهِ. وهي مِن أحَبِّ أنْواعِ العُبُودِيَّةِ إلَيْهِ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يُحِبُّ مِن ولِيِّهِ أنْ يَغِيظَ عَدُوَّهُ ويُراغِمَهُ ويَسُوءَهُ. وهَذِهِ عُبُودِيَّةٌ لا يَتَفَطَّنُ لَها إلّا الأكْياسُ.
وَمِنها: أنْ يَتَعَبَّدَ لَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِن عَدُوِّهِ، وسُؤالِهِ أنْ يُجِيرَهُ مِنهُ، ويَعْصِمَهُ مِن كَيْدِهِ وأذاهُ.
وَمِنها: أنَّ عَبِيدَهُ يَشْتَدُّ خَوْفُهم وحَذَرُهم إذا رَأوْا ما حَلَّ بِعَدُوِّهِ بِمُخالَفَتِهِ، وسُقُوطِهِ مِنَ المَرْتَبَةِ المَلَكِيَّةِ إلى المَرْتَبَةِ الشَّيْطانِيَّةِ. فَلا يَخْلُدُونَ إلى غُرُورِ الأمَلِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَمِنها: أنَّهم يَنالُونَ ثَوابَ مُخالَفَتِهِ ومُعاداتِهِ، الَّذِي حُصُولُهُ مَشْرُوطٌ بِالمُعاداةِ والمُخالَفَةِ. فَأكْثَرُ عِباداتِ القُلُوبِ والجَوارِحِ مُرَتَّبَةٌ عَلى مُخالَفَتِهِ.
وَمِنها: أنَّ نَفْسَ اتِّخاذِهِ عَدُوًّا مِن أكْبَرِ أنْواعِ العُبُودِيَّةِ وأجَلِّها. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. فاتِّخاذُهُ عَدُوًّا أنْفَعُ شَيْءٍ لِلْعَبْدِ. وهو مَحْبُوبٌ لِلرَّبِّ.
وَمِنها: أنَّ الطَّبِيعَةَ البَشَرِيَّةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، والطَّيِّبِ والخَبِيثِ. وذَلِكَ كامِنٌ فِيها كُمُونَ النّارِ في الزِّنادِ. فَخُلِقَ الشَّيْطانُ مُسْتَخْرِجًا لِما في طَبائِعِ أهْلِ الشَّرِّ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ. وأُرْسِلَتِ الرُّسُلُ تَسْتَخْرِجُ ما في طَبِيعَةِ أهْلِ الخَيْرِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ. فاسْتَخْرَجَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ ما في قُوى هَؤُلاءِ مِنَ الخَيْرِ الكامِنِ فِيها، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ آثارُهُ، وما في قُوى أُولَئِكَ مِنَ الشَّرِّ، لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ آثارُهُ، وتَظْهَرَ حِكْمَتُهُ في الفَرِيقَيْنِ. ويَنْفُذَ حُكْمُهُ فِيهِما. ويَظْهَرَ ما كانَ مَعْلُومًا لَهُ مُطابِقًا لِعِلْمِهِ السّابِقِ.
وَهَذا هو السُّؤالُ الَّذِي سَألَتْهُ مَلائِكَتُهُ حِينَ قالُوا ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. فَظَنَّتِ المَلائِكَةُ أنَّ وُجُودَ مَن يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ويُطِيعُهُ ويَعْبُدُهُ أوْلى مِن وُجُودِ مَن يَعْصِيهِ ويُخالِفُهُ. فَأجابَهم سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يَعْلَمُ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ والغاياتِ المَحْمُودَةِ في خَلْقِ هَذا النَّوْعِ ما لا تَعْلَمُهُ المَلائِكَةُ.
وَمِنها: أنَّ ظُهُورَ كَثِيرٍ مِن آياتِهِ وعَجائِبِ صُنْعِهِ: حَصَلَ بِسَبَبِ وُقُوعِ الكُفْرِ والشِّرْكِ مِنَ النُّفُوسِ الكافِرَةِ الظّالِمَةِ، كَآيَةِ الطُّوفانِ، وآيَةِ الرِّيحِ، وآيَةِ إهْلاكِ ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ، وآيَةِ انْقِلابِ النّارِ عَلى إبْراهِيمَ بَرْدًا وسَلامًا، والآياتِ الَّتِي أجْراها اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ مُوسى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِهِ الَّتِي يَقُولُ سُبْحانَهُ عُقَيْبَ ذِكْرِ كُلِّ آيَةٍ مِنها في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ وإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٨]. فَلَوْلا كُفْرُ الكافِرِينَ. وعِنادُ الجاحِدِينَ، لَما ظَهَرَتْ هَذِهِ الآياتُ الباهِرَةُ، الَّتِي يَتَحَدَّثُ بِها النّاسُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ إلى الأبَدِ.
وَمِنها: أنَّ خَلْقَ الأسْبابِ المُتَقابِلَةِ الَّتِي يَقْهَرُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَكْسِرُ بَعْضُها بَعْضًا: هو مِن شَأْنِ كَمالِ الرُّبُوبِيَّةِ، والقُدْرَةِ النّافِذَةِ، والحِكْمَةِ التّامَّةِ، والمُلْكِ الكامِلِ - وإنْ كانَ شَأْنُ الرُّبُوبِيَّةِ كامِلًا في نَفْسِهِ، ولَوْ لَمْ تُخْلَقْ هَذِهِ الأسْبابُ - لَكِنَّ خَلْقَها مِن لَوازِمِ كَمالِهِ ومُلْكِهِ، وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ. فَظُهُورُ تَأْثِيرِها وأحْكامِها في عالَمِ الشَّهادَةِ: تَحْقِيقٌ لِذَلِكَ الكَمالِ، ومُوجِبٌ مِن مُوجِباتِهِ. فَتَعْمِيرُ مَراتِبِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ بِأحْكامِ الصِّفاتِ مِن آثارِ الكَمالِ الإلَهِيِّ المُطْلَقِ بِجَمِيعِ وُجُوهِهِ وأقْسامِهِ وغاياتِهِ.
وَبِالجُمْلَةِ: فالعُبُودِيَّةُ والآياتُ والعَجائِبُ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلى خَلْقِ ما لا يُحِبُّهُ ولا يَرْضاهُ وتَقْدِيرُهُ ومَشِيئَتُهُ: أحَبُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن فَواتِها وتَعْطِيلِها بِتَعْطِيلِ أسْبابِها.
فَإنْ قُلْتَ: فَهَلْ كانَ يُمْكِنُ وُجُودُ تِلْكَ الحِكَمِ بِدُونِ هَذِهِ الأسْبابِ؟
قُلْتُ: هَذا سُؤالٌ باطِلٌ. إذْ هو فَرْضُ وُجُودِ المَلْزُومِ بِدُونِ لازِمِهِ. كَفَرْضِ وُجُودِ الِابْنِ بِدُونِ الأبِ، والحَرَكَةِ بِدُونِ المُتَحَرِّكِ، والتَّوْبَةِ بِدُونِ التّائِبِ.
فَإنْ قُلْتَ: فَإذا كانَتْ هَذِهِ الأسْبابُ مُرادَةً، لِما تُفْضِي إلَيْهِ مِنَ الحِكَمِ، فَهَلْ تَكُونُ مَرَضِيَّةً مَحْبُوبَةً مِن هَذا الوَجْهِ، أمْ هي مَسْخُوطَةٌ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ؟
قُلْتُ: هَذا السُّؤالُ يُورَدُ عَلى وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: مِن جِهَةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى. وهَلْ يَكُونُ مُحِبًّا لَها مِن جِهَةِ إفْضائِها إلى مَحْبُوبِهِ، وإنْ كانَ يُبْغِضُها لِذاتِها؟
الثّانِي: مِن جِهَةِ العَبْدِ. وهو أنَّهُ هَلْ يُسَوَّغُ لَهُ الرِّضا بِها مِن تِلْكَ الجِهَةِ أيْضًا؟ فَهَذا سُؤالٌ لَهُ شَأْنٌ.
فاعْلَمْ أنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ يَرْجِعُ إلى العَدَمِ - أعْنِي عَدَمَ الخَيْرِ وأسْبابِهِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ - وهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ شَرٌّ. وأمّا مِن جِهَةِ وُجُودِهِ المَحْضِ فَلا شَرَّ فِيهِ.
مِثالُهُ: أنَّ النُّفُوسَ الشِّرِّيرَةَ وُجُودُها خَيْرٌ، مِن حَيْثُ هي مَوْجُودَةٌ. وإنَّما حَصَلَ لَها الشَّرُّ بِقَطْعِ مادَّةِ الخَيْرِ عَنْها. فَإنَّها خُلِقَتْ في الأصْلِ مُتَحَرِّكَةً لا تَسْكُنُ. فَإنْ أُعِينَتْ بِالعِلْمِ وإلْهامِ الخَيْرِ تَحَرَّكَتْ. وإنْ تُرِكَتْ تَحَرَّكَتْ بِطَبْعِها إلى خِلافِهِ، وحَرَكَتُها مِن حَيْثُ هي حَرَكَةُ خَيْرٍ. وإنَّما تَكُونُ شَرًّا بِالإضافَةِ، لا مِن حَيْثُ هي حَرَكَةٌ. والشَّرُّ كُلُّهُ ظُلْمٌ. وهو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. فَلَوْ وُضِعَ في مَوْضِعِهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا.
فَعُلِمَ أنَّ جِهَةَ الشَّرِّ فِيهِ: نِسْبَةٌ إضافِيَّةٌ. ولِهَذا كانَتِ العُقُوباتُ المَوْضُوعاتُ في مَحالِّها خَيْرًا في نَفْسِها. وإنْ كانَتْ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلى المَحَلِّ الَّذِي حَلَّتْ بِهِ، لِما أحْدَثَتْ فِيهِ مِنَ الألَمِ الَّذِي كانَتِ الطَّبِيعَةُ قابِلَةً لِضِدِّهِ مِنَ اللَّذَّةِ، مُسْتَعِدَّةً لَهُ. فَصارَ ذَلِكَ الألَمُ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها. وهو خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الفاعِلِ، حَيْثُ وضَعَهُ مَوْضِعَهُ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَخْلُقُ شَرًّا مَحْضًا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ والِاعْتِباراتِ، فَإنَّ حِكْمَتَهُ تَأْبى ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ شَرًّا ومَفْسَدَةً بِبَعْضِ الِاعْتِباراتِ، وفي خَلْقِهِ مَصالِحُ وحِكَمٌ بِاعْتِباراتٍ أُخَرَ، أرْجَحَ مِنِ اعْتِباراتِ مَفاسِدِهِ. بَلِ الواقِعُ مُنْحَصِرٌ في ذَلِكَ. فَلا يُمْكِنُ في جَنابِ الحَقِّ - جَلَّ جَلالُهُ - أنْ يُرِيدَ شَيْئًا يَكُونُ فَسادًا مِن كُلِّ وجْهٍ بِكُلِّ اعْتِبارٍ. لا مَصْلَحَةَ في خَلْقِهِ بِوَجْهٍ ما. هَذا مِن أبْيَنِ المُحالِ. فَإنَّهُ سُبْحانَهُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْهِ. بَلْ كُلُّ ما إلَيْهِ فَخَيْرٌ. والشَّرُّ إنَّما حَصَلَ لِعَدَمِ هَذِهِ الإضافَةِ والنِّسْبَةِ إلَيْهِ. فَلَوْ كانَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا. فَتَأمَّلْهُ. فانْقِطاعُ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ هو الَّذِي صَيَّرَهُ شَرًّا.
فَإنْ قُلْتَ: لَمْ تَنْقَطِعْ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ خَلْقًا ومَشِيئَةً؟
قُلْتُ: هو مِن هَذِهِ الجِهَةِ لَيْسَ بِشَرٍّ. فَإنَّ وُجُودَهُ هو المَنسُوبُ إلَيْهِ. وهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ لَيْسَ بِشَرٍّ. والشَّرُّ الَّذِي فِيهِ: مِن عَدَمِ إمْدادِهِ بِالخَيْرِ وأسْبابِهِ، والعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، حَتّى يُنْسَبَ إلى مَن بِيَدِهِ الخَيْرُ.
فَإنْ أرَدْتَ مَزِيدَ إيضاحٍ لِذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ أسْبابَ الخَيْرِ ثَلاثَةٌ: الإيجادُ، والإعْدادُ، والإمْدادُ. فَهَذِهِ هي الخَيْراتُ وأسْبابُها.
فَإيجادُ السَّبَبِ خَيْرٌ. وهو إلى اللَّهِ. وإعْدادُهُ خَيْرٌ. وهو إلَيْهِ أيْضًا. وإمْدادُهُ خَيْرٌ. وهو إلَيْهِ أيْضًا.
فَإذا لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ إعْدادٌ ولا إمْدادٌ حَصَلَ فِيهِ الشَّرُّ بِسَبَبِ هَذا العَدَمِ الَّذِي لَيْسَ إلى الفاعِلِ. وإنَّما إلَيْهِ ضِدُّهُ.
فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا أمَدَّهُ إذْ أوْجَدَهُ؟
قُلْتُ: ما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجادَهُ وإمْدادَهُ. فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُوجِدُ ويُمِدُّهُ، وما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إيجادَهُ وتَرْكَ إمْدادِهِ: أوْجَدَهُ بِحِكْمَتِهِ ولَمْ يُمِدَّهُ بِحِكْمَتِهِ. فَإيجادُهُ خَيْرٌ. والشَّرُّ وقَعَ مِن عَدَمِ إمْدادِهِ.
فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا أمَدَّ المَوْجُوداتِ كُلَّها؟
قُلْتُ: فَهَذا سُؤالٌ فاسِدٌ، يَظُنُّ مُورِدُهُ أنْ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المَوْجُوداتِ أبْلَغُ في الحِكْمَةِ. وهَذا عَيْنُ الجَهْلِ، بَلِ الحِكْمَةُ كُلُّ الحِكْمَةِ في هَذا التَّفاوُتِ العَظِيمِ الواقِعِ بَيْنَها. ولَيْسَ في خَلْقِ كُلِّ نَوْعٍ مِنها تَفاوُتٌ. فَكُلُّ نَوْعٍ مِنها لَيْسَ في خَلْقِهِ مِن تَفاوُتٍ. والتَّفاوُتُ إنَّما وقَعَ بِأُمُورٍ عَدْمِيَّةٍ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِها الخَلْقُ. وإلّا فَلَيْسَ في الخَلْقِ مِن تَفاوُتٍ.
فَإنِ اعْتاصَ ذَلِكَ عَلَيْكَ، ولَمْ تَفْهَمْهُ حَقَّ الفَهْمِ. فَراجِعْ قَوْلَ القائِلِ:
؎إذا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ ∗∗∗ وجاوِزْهُ إلى ما تَسْتَطِيعُ
كَما ذُكِرَ: أنَّ الأصْمَعِيَّ اجْتَمَعَ بِالخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ. وحَرَصَ عَلى فَهْمِ العَرُوضِ مِنهُ: فَأعْياهُ ذَلِكَ، فَقالَ لَهُ الخَلِيلُ يَوْمًا: قَطِّعْ لِي هَذا البَيْتَ. وأنْشَدَهُ إذا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا - البَيْتَ فَفَهِمَ ما أرادَ. فَأمْسَكَ عَنْهُ ولَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنْ الرِّضا بِاللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الرِّضا بِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأسْمائِهِ وأحْكامِهِ. ولا يَسْتَلْزِمُ الرِّضا بِمَفْعُولاتِهِ كُلِّها. بَلْ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ: أنْ يُوافِقَهُ عَبْدُهُ في رِضاهُ وسَخَطِهِ. فَيَرْضى مِنها بِما يَرْضى بِهِ. ويَسْخَطُ مِنها ما سَخِطَهُ.
فَإنْ قِيلَ: فَهو سُبْحانُهُ يَرْضى عُقُوبَةَ مَن يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ العَبْدَ أنْ يَرْضى بِعُقُوبَتِهِ لَهُ؟
قِيلَ: لَوْ وافَقَهُ في رِضاهُ بِعُقُوبَتِهِ لانْقَلَبَتْ لَذَّةً وسُرُورًا. ولَكِنْ لا يَقَعُ مِنهُ ذَلِكَ.
فَإنَّهُ لَمْ يُوافِقْهُ في مَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ، الَّتِي هي سُرُورُ النَّفْسِ، وقُرَّةُ العَيْنِ، وحَياةُ القَلْبِ. فَكَيْفَ يُوافِقُهُ في مَحَبَّتِهِ لِلْعُقُوبَةِ، الَّتِي هي أكْرَهُ شَيْءٍ إلَيْهِ، وأشَقُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ؟ بَلْ كانَ كارِهًا لِما يُحِبُّهُ مِن طاعَتِهِ وتَوْحِيدِهِ. فَلا يَكُونُ راضِيًا بِما يَخْتارُهُ مِن عُقُوبَتِهِ. ولَوْ قَبِلَ ذَلِكَ لارْتَفَعَتْ عَنْهُ العُقُوبَةُ.
فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الرِّضا بِالقَضاءِ الَّذِي يَكْرَهُهُ العَبْدُ - مِنَ المَرَضِ والفَقْرِ والألَمِ - مَعَ كَراهَتِهِ؟
قُلْتُ: لا تَنافِيَ في ذَلِكَ. فَإنَّهُ يَرْضى بِهِ مِن جِهَةِ إفْضائِهِ إلى ما يُحِبُّ. ويَكْرَهُهُ مِن جِهَةِ تَألُّمِهِ بِهِ، كالدَّواءِ الكَرِيهِ الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ شِفاءَهُ. فَإنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ رِضاهُ بِهِ، وكَراهَتُهُ لَهُ.
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَرْضى لِعَبْدِهِ شَيْئًا، ولا يُعِينُهُ عَلَيْهِ؟
قُلْتُ: لِأنَّ إعانَتَهُ عَلَيْهِ قَدْ تَسْتَلْزِمُ فَواتَ مَحْبُوبٍ لَهُ أعْظَمَ مِن حُصُولِ تِلْكَ الطّاعَةِ الَّتِي رَضِيَها لَهُ. وقَدْ يَكُونُ وُقُوعُ تِلْكَ الطّاعَةِ مِنهُ يَتَضَمَّنُ مَفْسَدَةً هي أكْرَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِن مَحَبَّتِهِ لِتِلْكَ الطّاعَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ وُقُوعُها مِنهُ مُسْتَلْزِمًا لِمَفْسَدَةٍ راجِحَةٍ، ومُفَوِّتًا لِمَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ - لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ [التوبة: ٤٦-٤٧]. فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ: أنَّهُ كَرِهَ انْبِعاثَهم مَعَ رَسُولِهِ ﷺ لِلْغَزْوِ. وهو طاعَةٌ وقُرْبَةٌ، وقَدْ أمَرَهم بِهِ، فَلَمّا كَرِهَهُ مِنهم ثَبَّطَهم عَنْهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ المَفاسِدِ الَّتِي كانَتْ سَتَتَرَتَّبُ عَلى خُرُوجِهِمْ لَوْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقالَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ فَسادًا وشَرًّا ﴿وَلَأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] أيْ سَعَوْا فِيما بَيْنَكم بِالفَسادِ والشَّرِّ. ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]. أيْ قابِلُونِ مِنهم مُسْتَجِيبُونَ لَهم. فَيَتَوَلَّدُ مِن بَيْنِ سَعْيِ هَؤُلاءِ بِالفَسادِ وقَبُولِ أُولَئِكَ مِنهم مَنِ الشَّرِّ ما هو أعْظَمُ مِن مَصْلَحَةِ خُرُوجِهِمْ. فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ والرَّحْمَةُ: أنْ مَنَعَهم مِنَ الخُرُوجِ، وأقْعَدَهم عَنْهُ.
فاجْعَلْ هَذا المِثالَ أصْلًا لِهَذا البابِ. وقِسْ عَلَيْهِ.
فَإنْ قُلْتَ: قَدْ يُتَصَوَّرُ لِي هَذا في رِضا الرَّبِّ تَعالى لِبَعْضِ ما يَخْلُقُهُ مِن وجْهٍ وكَراهَتِهِ مِن وجْهٍ آخَرَ. فَكَيْفَ لِي بِأنْ يَجْتَمِعَ الأمْرانِ في حَقِّي بِالنِّسْبَةِ إلى المَعاصِي والفُسُوقِ؟ قُلْتُ: هو مُتَصَوَّرٌ مُمْكِنٌ، بَلْ واقِعٌ. فَإنَّ العَبْدَ يَسْخَطُ ذَلِكَ ويُبْغِضُهُ، ويَكْرَهُهُ مِن حَيْثُ هو فُعِلَ لَهُ بِسَبَبِهِ وواقِعٌ بِكَسْبِهِ وإرادَتِهِ، واخْتِيارِهِ. ويَرْضى بِعِلْمِ اللَّهِ وكِتابَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، وإذْنِهِ الكَوْنِيِّ فِيهِ. فَيَرْضى بِما مَنَّ اللَّهُ، ويَسْخَطُ ما هو مِنهُ، فَهَذا مَسْلَكُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ العِرْفانِ.
وَطائِفَةٌ أُخْرى رَأوْا كَراهَةَ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وعَدَمَ الرِّضا بِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ.
وَهَؤُلاءِ في الحَقِيقَةِ لا يُخالِفُونَ أُولَئِكَ. فَإنَّ العَبْدَ إذا كَرِهَها مُطْلَقًا، فَإنَّ الكَراهَةَ إنَّما تَقَعُ عَلى الِاعْتِبارِ المَكْرُوهِ مِنها. وهَؤُلاءِ لَمْ يَكْرَهُوا عِلْمَ الرَّبِّ وكِتابَتَهُ ومَشِيئَتَهُ، وإلْزامَهُ حُكْمَهُ الكَوْنِيَّ، وأُولَئِكَ لَمْ يَرْضَوْا بِها مِنَ الوَجْهِ الَّذِي سَخِطَها الرَّبُّ وأبْغَضَها لِأجْلِهِ.
وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الَّذِي إلى الرَّبِّ مِنها غَيْرُ مَكْرُوهٍ. والَّذِي إلى العَبْدِ مِنها هو المَكْرُوهُ والمَسْخُوطُ.
فَإنْ قُلْتَ: لَيْسَ إلى العَبْدِ شَيْءٌ مِنها؟
قُلْتُ: هَذا هو الجَبْرُ الباطِلُ، الَّذِي لا يُمْكِنُ صاحِبَهُ التَّخَلُّصُ مِن هَذا المَقامِ الضَّيِّقِ. والقَدَرِيُّ أقْرَبُ إلى التَّخَلُّصِ مِنهُ مِنَ الجَبْرِيِّ. وأهْلُ السُّنَّةِ المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ القَدَرِيَّةِ والجَبْرِيَّةِ: هم أسْعَدُ بِالتَّخَلُّصِ مِنهُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَتَأتّى النَّدَمُ والتَّوْبَةُ، مَعَ شُهُودِ الحِكْمَةِ في التَّقْدِيرِ، ومَعَ شُهُودِ القَيُّومِيَّةِ والمَشِيئَةِ النّافِذَةِ؟
قُلْتُ: هَذا الَّذِي أوْقَعَ مَن عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ في شُهُودِ الأمْرِ عَلى خِلافِ ما هو عَلَيْهِ. فَرَأى تِلْكَ الأفْعالَ طاعاتٍ، لِمُوافَقَتِهِ فِيها المَشِيئَةَ والقَدَرَ. وقالَ: إنْ عَصَيْتُ أمْرَهُ. فَقَدْ أطَعْتُ إرادَتَهُ في ذَلِكَ. وقِيلَ:
؎أصْبَحْتُ مُنْفَعِلًا لِما تَخْتارُهُ ∗∗∗ مِنِّي، فَفِعْلِي كُلُّهُ طاعاتٌ
وَهَؤُلاءِ أعْمى الخَلْقِ بَصائِرَ، وأجْهَلُهم بِاللَّهِ وأحْكامِهِ الدِّينِيَّةِ والكَوْنِيَّةِ. فَإنَّ الطّاعَةَ هي مُوافَقَةُ الأمْرِ. لا مُوافَقَةُ القَدَرِ والمَشِيئَةِ. ولَوْ كانَتْ مُوافَقَةُ القَدَرِ طاعَةً لِلَّهِ لَكانَ إبْلِيسُ مِن أعْظَمِ المُطِيعِينَ لِلَّهِ. وكانَ قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وقَوْمُ لُوطٍ، وقَوْمُ فِرْعَوْنَ كُلُّهم مُطِيعِينَ لَهُ. فَيَكُونُ قَدْ عَذَّبَهم أشَدَّ العَذابِ عَلى طاعَتِهِ، وانْتَقَمَ مِنهم لِأجْلِها. وهَذا غايَةُ الجَهْلِ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences