Ibn al-QayyimAz‑Zumar · 39:7

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:7, continued

السّادِسُ والأرْبَعُونَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَنْدُبُ إلى أعْلى المَقاماتِ. فَإنْ عَجَزَ العَبْدُ عَنْهُ: حَطَّ إلى المَقامِ الوَسَطِ، كَما قالَ: «اعْبُدِ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ» فَهَذا مَقامُ المُراقَبَةِ الجامِعُ لِمَقاماتِ الإسْلامِ والإيمانِ والإحْسانِ. ثُمَّ قالَ: «فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» فَحَطَّهُ عِنْدَ العَجْزِ عَنِ المَقامِ الأوَّلِ إلى المَقامِ الثّانِي، وهو العِلْمُ بِاطِّلاعِ اللَّهِ عَلَيْهِ ورُؤْيَتِهِ لَهُ، ومُشاهَدَتِهِ لِعَبْدِهِ في المَلَأِ والخَلاءِ، وكَذا الحَدِيثُ الآخَرُ: «إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالرِّضا مَعَ اليَقِينِ فافْعَلْ. فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا» فَرَفَعَهُ إلى أعْلى المَقاماتِ. ثُمَّ رَدَّهُ إلى أوْسَطِها إنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الأعْلى. فالأوَّلُ: مَقامُ الإحْسانِ. والَّذِي حَطَّهُ إلَيْهِ: مَقامُ الإيمانِ. ولَيْسَ دُونَ ذَلِكَ إلّا مَقامُ الخُسْرانِ.

السّابِعُ والأرْبَعُونَ: أنَّهُ ﷺ أثْنى عَلى الرّاضِينَ بِمُرِّ القَضاءِ بِالحُكْمِ والعِلْمِ والفِقْهِ، والقُرْبِ مِن دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ. كَما في حَدِيثِ «الوَفْدِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقالَ: ما أنْتُمْ؟ فَقالُوا: مُؤْمِنُونَ.

فَقالَ: ما عَلامَةُ إيمانِكُمْ؟ فَقالُوا: الصَّبْرُ عِنْدَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخاءِ، والرِّضا بِمُرِّ القَضاءِ. والصِّدْقُ في مُواطِنِ اللِّقاءِ، وتَرْكُ الشَّماتَةِ بِالأعْداءِ. فَقالَ: حُكَماءُ عُلَماءُ. كادُوا مِن فِقْهِهِمْ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ».

الثّامِنُ والأرْبَعُونَ: أنَّ الرِّضا آخِذٌ بِزِمامِ مَقاماتِ الدِّينِ كُلِّها. وهو رُوحُها وحَياتُها.

فَإنَّهُ رُوحُ التَّوَكُّلِ وحَقِيقَتُهُ، ورُوحُ اليَقِينِ، ورُوحُ المَحَبَّةِ، وصِحَّةُ المُحِبِّ، ودَلِيلُ صِدْقِ المَحَبَّةِ، ورُوحُ الشُّكْرِ ودَلِيلُهُ.

قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: عَلامَةُ حُبِّ اللَّهِ: كَثْرَةُ ذِكْرِهِ. فَإنَّكَ لا تُحِبُّ شَيْئًا إلّا أكْثَرْتَ مِن ذِكْرِهِ. وعَلامَةُ الدِّينِ: الإخْلاصُ لِلَّهِ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ. وعَلامَةُ الشُّكْرِ، الرِّضا بِقَدَرِ اللَّهِ والتَّسْلِيمُ لِقَضائِهِ.

وَقالَ أحْمَدُ بْنُ أبِي الحِوارِيِّ: ذاكَرْتُ أبا سُلَيْمانَ في الخَبَرِ المَرْوِيِّ: أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ الحَمّادُونَ فَقالَ: ويْحَكَ، لَيْسَ هو أنْ تَحْمَدَهُ عَلى المُصِيبَةِ وقَلْبُكَ يَتَعَصّى عَلَيْكَ. إذا كُنْتَ كَذَلِكَ فارْجِعْ إلى الصّابِرِينَ. إنَّما الحَمْدُ: أنْ تَحْمَدَهُ وقَلْبُكَ مُسَلِّمٌ راضٍ.

فَصارَ الرِّضا كالرُّوحِ لِهَذِهِ المَقاماتِ، والأساسِ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ. ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنها بِدُونِهِ ألْبَتَّةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

التّاسِعُ والأرْبَعُونَ: أنَّ الرِّضا يَقُومُ مَقامَ كَثِيرٍ مِنَ التَّعَبُّداتِ الَّتِي تَشُقُّ عَلى البَدَنِ. فَيَكُونُ رِضاهُ أسْهَلَ عَلَيْهِ، وألَذَّ لَهُ، وأرْفَعَ في دَرَجَتِهِ. وقَدْ ذُكِرَ في أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ: أنَّ عابِدًا عَبَدَ اللَّهَ دَهْرًا طَوِيلًا، فَأُرِيَ في المَنامِ: أنَّ فُلانَةَ الرّاعِيَةَ رَفِيقَتُكَ في الجَنَّةِ، فَسَألَ عَنْها، إلى أنْ وجَدَها. فاسْتَضافَها ثَلاثًا لِيَنْظُرَ إلى عَمَلِها فَكانَ يَبِيتُ قائِمًا وتَبِيتُ نائِمَةً. ويَظَلُّ صائِمًا وتَظَلُّ مُفْطِرَةً. فَقالَ لَها: أما لَكِ عَمَلٌ غَيْرُ ما رَأيْتُ؟ قالَتْ: ما هو واللَّهِ غَيْرَ ما رَأيْتَ - أوْ قالَتْ: إلّا ما رَأيْتَ - لا أعْرِفُ غَيْرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ لَها: تَذَكَّرِي. حَتّى قالَتْ: خُصَيْلَةٌ واحِدَةٌ هي فِيَّ. وذَلِكَ: أنِّي إنْ كُنْتُ في شِدَّةٍ لَمْ أتَمَنَّ أنِّي في رَخاءٍ. وإنْ كُنْتُ في مَرَضٍ لَمْ أتَمَنَّ أنِّي في صِحَّةٍ. وإنْ كُنْتُ في شَمْسٍ لَمْ أتَمَنَّ أنِّي في الظِّلِّ. قالَ: فَوَضَعَ العابِدُ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ. وقالَ: أهَذِهِ خُصَيْلَةٌ؟ هَذِهِ واللَّهِ خَصْلَةٌ عَظِيمَةٌ يَعْجِزُ عَنْها العُبّادُ.

وَقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن رَضِيَ بِما أُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ غُفِرَ لَهُ.

وَفِي أثَرٍ مَرْفُوعٍ: «خَيْرُ ما أُعْطِيَ العَبْدُ: الرِّضا بِما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ».

وَفِي أثَرٍ آخَرَ: «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلاهُ. فَإنْ صَبَرَ اجْتَباهُ، فَإنْ رَضِيَ اصْطَفاهُ».

وَفِي أثَرٍ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ سَألُوا مُوسى أنْ يَسْألَ رَبَّهُ أمْرًا إذا هم فَعَلُوهُ رَضِيَ عَنْهم. فَقالَ مُوسى: رَبِّ، إنَّكَ تَسْمَعُ ما يَقُولُونَ. فَقالَ: قُلْ لَهم يَرْضَوْنَ عَنِّي حَتّى أرْضى عَنْهم.

وَفِي أثَرٍ آخَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «مَن أحَبَّ أنْ يَعْلَمَ ما لَهُ عِنْدَ اللَّهِ. فَلْيَنْظُرْ ما لِلَّهِ عِنْدَهُ. فَإنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنهُ حَيْثُ يُنْزِلُهُ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ».

وَفِي أثَرٍ آخَرَ: «مَن رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالقَلِيلِ مِنَ الرِّزْقِ، رَضِيَ اللَّهُ مِنهُ بِالقَلِيلِ مِنَ العَمَلِ».

وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: أعْرِفُ في المَوْتى عالَمًا يَنْظُرُونَ إلى مَنازِلِهِمْ في الجِنانِ في قُبُورِهِمْ، يُغْدى عَلَيْهِمْ ويُراحُ بِرِزْقِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا. وهم في غُمُومٍ وكُرُوبٍ في البَرْزَخِ. لَوْ قُسِّمَتْ عَلى أهْلِ بَلَدٍ لَماتُوا أجْمَعِينَ.

قِيلَ: وما كانَتْ أعْمالُهُمْ؟ قالَ: كانُوا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، إلّا أنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم مِنَ التَّوَكُّلِ ولا مِنَ الرِّضا نَصِيبٌ.

وَفِي وصِيَّةِ لُقْمانَ لِابْنِهِ: أُوصِيكَ بِخِصالٍ تُقَرِّبُكَ مِنَ اللَّهِ، وتُباعِدُكَ مِن سَخَطِهِ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ لا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا. وأنْ تَرْضى بِقَدَرِ اللَّهِ فِيما أحْبَبْتَ وكَرِهْتَ

وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ، ويَرْضَ بِقَدَرِ اللَّهِ، فَقَدْ أقامَ الإيمانَ، وفَرَّغَ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ لِكَسْبِ الخَيْرِ، وأقامَ الأخْلاقَ الصّالِحَةَ الَّتِي تُصْلِحُ لِلْعَبْدِ أمْرَهُ.

الخَمْسُونَ: أنْ الرِّضا يَفْتَحُ بابَ حُسْنِ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ تَعالى ومَعَ النّاسِ؛ فَإنَّ حُسْنَ الخُلُقِ مِنَ الرِّضا وسُوءَ الخُلُقِ مِنَ السَّخَطِ. وحُسْنُ الخُلُقِ يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ القائِمِ، وسُوءُ الخُلُقِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ النّارُ الحَطَبَ.

الحادِي والخَمْسُونَ: أنَّ الرِّضا يُثْمِرُ سُرُورَ القَلْبِ بِالمَقْدُورِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، وطِيبَ النَّفْسِ وسُكُونَها في كُلِّ حالٍ، وطُمَأْنِينَةَ القَلْبِ عِنْدَ كُلِّ مُفْزِعٍ مُهْلِعٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وبِرَدِّ القَناعَةِ، واغْتِباطِ العَبْدِ بِقَسْمِهِ مِن رَبِّهِ، وفَرَحِهِ بِقِيامِ مَوْلاهُ عَلَيْهِ، واسْتِسْلامِهِ لِمَوْلاهُ في كُلِّ شَيْءٍ، ورِضاهُ مِنهُ بِما يُجْرِيهِ عَلَيْهِ، وتَسْلِيمِهِ لَهُ الأحْكامَ والقَضايا، واعْتِقادِ حُسْنَ تَدْبِيرِهِ، وكَمالَ حِكْمَتِهِ، ويُذْهِبُ عَنْهُ شَكْوى رَبِّهِ إلى غَيْرِهِ وتَبَرُّمَهُ بِأقْضِيَتِهِ. ولِهَذا سَمّى بَعْضُ العارِفِينَ الرِّضا: حُسْنَ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ. فَإنَّهُ يُوجِبُ تَرْكَ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ في مُلْكِهِ، وحَذْفَ فُضُولِ الكَلامِ الَّتِي تَقْدَحُ في حُسْنِ خُلُقِهِ. فَلا يَقُولُ: ما أحْوَجَ النّاسَ إلى مَطَرٍ؟ ولا يَقُولُ: هَذا يَوْمٌ شَدِيدُ الحَرِّ، أوْ شَدِيدُ البَرْدِ. ولا يَقُولُ: الفَقْرُ بَلاءٌ، والعِيالُ هَمٌّ وغَمٌّ، ولا يُسَمِّي شَيْئًا قَضاهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ باسِمٍ مَذْمُومٍ إذا لَمْ يَذُمَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَإنَّ هَذا كُلَّهُ يُنافِي رِضاهُ.

وَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: أصْبَحْتُ وما لِي سُرُورٌ إلّا في مَواقِعِ القَدَرِ.

وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الفَقْرُ والغِنى مَطِيَّتانِ ما أُبالِي أيُّهُما رَكِبْتُ، إنْ كانَ الفَقْرَ فَإنَّ فِيهِ الصَّبْرَ، وإنْ كانَ الغِنى فَإنَّ فِيهِ البَذْلَ

وَقالَ ابْنُ أبِي الحَوارِيِّ - أوْ قِيلَ لَهُ - إنَّ فُلانًا قالَ: ودِدْتُ أنَّ اللَّيْلَ أطْوَلُ مِمّا هو. فَقالَ: قَدْ أحْسَنَ. وقَدْ أساءَ. أحْسَنَ حَيْثُ تَمَنّى طُولَهُ لِلْعِبادَةِ والمُناجاةِ، وأساءَ حَيْثُ تَمَنّى ما لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ، وأحَبَّ ما لَمْ يُحِبَّهُ اللَّهُ.

وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أُبالِي عَلى أيِّ حالٍ أصْبَحْتُ وأمْسَيْتُ: مِن شِدَّةٍ أوْ رَخاءِ.

وَقالَ يَوْمًا لِامْرَأتِهِ عاتِكَةَ، أُخْتِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - وقَدْ غَضِبَ عَلَيْها - واللَّهِ لَأسُوأنَّكِ. فَقالَتْ: أتَسْتَطِيعُ أنْ تَصْرِفَنِي عَنِ الإسْلامِ، بَعْدَ إذْ هَدانِي اللَّهُ؟ قالَ: لا. فَقالَتْ: فَأيُّ شَيْءٍ تَسُوءُنِي بِهِ إذًا؟

تُرِيدُ أنَّها راضِيَةٌ بِمَواقِعِ القَدَرِ. لا يَسُوؤُها مِنهُ شَيْءٌ إلّا صَرْفُها عَنِ الإسْلامِ. ولا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ.

وَقالَ الثَّوْرِيُّ يَوْمًا عِنْدَ رابِعَةَ: اللَّهُمَّ ارْضَ عَنّا. فَقالَتْ: أما تَسْتَحِي أنْ تَسْألَهُ الرِّضا عَنْكَ، وأنْتَ غَيْرُ راضٍ عَنْهُ؟ فَقالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ، ثُمَّ قالَ لَها جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمانَ: مَتى يَكُونُ العَبْدُ راضِيًا عَنِ اللَّهِ؟ فَقالَتْ: إذا كانَ سُرُورُهُ بِالمُصِيبَةِ مِثْلَ سُرُورِهِ بِالنِّعْمَةِ.

وَفِي أثَرٍ إلَهِيٍّ: ما لِأوْلِيائِي والهَمُّ بِالدُّنْيا؟ إنَّ الهَمَّ بِالدُّنْيا يُذْهِبُ حَلاوَةَ مُناجاتِي مِن قُلُوبِهِمْ.

وَقِيلَ: أكْثَرُ النّاسِ هَمًّا بِالدُّنْيا أكْثَرُهم هَمًّا في الآخِرَةِ. وأقَلُّهم هَمًّا بِالدُّنْيا أقَلُّهم هَمًّا في الآخِرَةِ.

فالإيمانُ بِالقَدَرِ، والرِّضا بِهِ: يُذْهِبُ عَنِ العَبْدِ الهَمَّ والغَمَّ والحَزَنَ.

وَذُكِرَ عِنْدَ رابِعَةَ ولِيٌّ لِلَّهِ قُوتُهُ مِنَ المَزابِلِ. فَقالَ رَجُلٌ عِنْدَها: ما ضَرَّ هَذا أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ رِزْقَهُ في غَيْرِ هَذا؟ فَقالَتِ: اسْكُتْ يا بَطّالُ. أما عَلِمْتَ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ هم أرْضى عَنْهُ مِن أنْ يَسْألُوهُ أنْ يَنْقُلَهم إلى مَعِيشَةٍ حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَخْتارُ لَهُمْ؟

وَفِي أثَرٍ إسْرائِيلِيٍّ أنَّ مُوسى ﷺ: سَألَ رَبَّهُ عَمّا فِيهِ رِضاهُ؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنَّ رِضاهُ في كُرْهِكَ، وأنْتَ لا تَصْبِرُ عَلى ما تَكْرَهُ. فَقالَ: يا رَبِّ، دُلَّنِي عَلَيْهِ. فَقالَ: إنَّ رِضاهُ في رِضاكَ بِقَضائِي.

وَفِي أثَرٍ آخَرَ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ، أيُّ خَلْقِكَ أحَبُّ إلَيْكَ؟ فَقالَ: مَن إذا أخَذْتُ مِنهُ مَحْبُوبَهُ سالَمَنِي. قالَ: فَأيُّ خَلْقِكَ أنْتَ عَلَيْهِ ساخِطٌ؟ قالَ: مَنِ اسْتَخارَنِي في أمْرٍ فَإذا قَضَيْتُهُ لَهُ سَخِطَ قَضائِي.

وَفِي أثَرٍ آخَرَ: أنا اللَّهُ. لا إلَهَ إلّا أنا، قَدَّرْتُ التَّقادِيرَ، ودَبَّرْتُ التَّدابِيرَ، وأحْكَمْتُ الصُّنْعَ. فَمَن رَضِيَ فَلَهُ الرِّضا مِنِّي حَتّى يَلْقانِي. ومِن سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ حَتّى يَلْقانِي.

الثّانِي والخَمْسُونَ: أنَّ أفْضَلَ الأحْوالِ: الرَّغْبَةُ في اللَّهِ ولَوازِمُها. وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِاليَقِينِ، والرِّضا عَنِ اللَّهِ. ولِهَذا قالَ سَهْلٌ: حَظُّ الخَلْقِ مِنَ اليَقِينِ عَلى قَدْرِ حَظِّهِمْ مِنَ الرِّضا. وحَظُّهم مِنَ الرِّضا عَلى قَدْرِ رَغْبَتِهِمْ في اللَّهِ.

الثّالِثُ والخَمْسُونَ: أنَّ الرِّضا يُخَلِّصُهُ مِن عَيْبِ ما لَمْ يُعِبْهُ اللَّهُ. ومِن ذَمِّ ما لَمْ يَذُمَّهُ اللَّهُ. فَإنَّ العَبْدَ إذا لَمْ يَرْضَ بِالشَّيْءِ عابَهُ بِأنْواعِ المَعايِبِ. وذَمَّهُ بِأنْواعِ المَذامِّ. وذَلِكَ مِنهُ قِلَّةُ حَياءٍ مِنَ اللَّهِ. وذَمٌّ لِما لَيْسَ لَهُ ذَنْبٌ، وعَيْبٌ لِخَلْقِهِ. وذَلِكَ يُسْقِطُ العَبْدَ مِن عَيْنِ رَبِّهِ. ولَوْ أنَّ رَجُلًا صَنَعَ لَكَ طَعامًا وقَدَّمَهُ إلَيْكَ فَعِبْتَهُ وذَمَمْتَهُ، لَكُنْتَ مُتَعَرِّضًا لِمَقْتِهِ وإهانَتِهِ، ومُسْتَدْعِيًا مِنهُ: أنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ عَنْكَ. وقَدْ قالَ بَعْضُ العارِفِينَ: إنَّ ذَمَّ المَصْنُوعِ وعَيْبَهُ - إذا لَمْ يَذُمَّهُ صانِعُهُ - غِيبَةٌ لَهُ وقَدْحٌ فِيهِ.

الرّابِعُ والخَمْسُونَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَألَ اللَّهَ الرِّضا بِالقَضاءِ. كَما في المُسْنَدِ والسُّنَنِ «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الغَيْبَ، وقُدْرَتِكَ عَلى الخَلْقِ، أحْيِنِي إذا كانَتِ الحَياةُ خَيْرًا لِي. وتَوَفَّنِي إذا كانَتِ الوَفاةُ خَيْرًا لِي. وأسْألُكَ خَشْيَتَكَ في الغَيْبِ والشَّهادَةِ. وأسْألُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا. وأسْألُكَ القَصْدَ في الفَقْرِ والغِنى. وأسْألُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ. وأسْألُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ. وأسْألُكَ الرِّضا بَعْدَ القَضاءِ. وأسْألُكَ بَرْدَ العَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ. وأسْألُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إلى وجْهِكَ الكَرِيمِ. وأسْألُكَ الشَّوْقَ إلى لِقائِكَ، في غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرَّةٍ، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ. اللَّهُمَّ زِيِّنّا بِزِينَةِ الإيمانِ. واجْعَلْنا هُداةً مُهْتَدِينَ».

فَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: سَألَهُ الرِّضا بَعْدَ القَضاءِ. لِأنَّهُ حِينَئِذٍ تَبَيَّنَ حَقِيقَةَ الرِّضا. وأمّا الرِّضا قَبْلَهُ: فَإنَّما هو عَزْمٌ عَلى أنَّهُ يَرْضى إذا أصابَهُ. وإنَّما يَتَحَقَّقُ الرِّضا بَعْدَهُ.

قالَ البَيْهَقِيُّ: ورُوِّينا في دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الصِّحَّةَ، والعِفَّةَ، والأمانَةَ، وحُسْنَ الخُلُقِ، والرِّضا بِالقَدَرِ».

الخامِسُ والخَمْسُونَ: أنَّ الرِّضا بِالقَدَرِ يُخَلِّصُ العَبْدَ مِن أنْ يُرْضِيَ النّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ. وأنْ يَذُمَّهم عَلى ما لَمْ يُؤْتِهِ اللَّهُ. وأنْ يَحْمَدَهم عَلى ما هو عَيْنُ فَضْلِ اللَّهِ. فَيَكُونُ ظالِمًا لَهم في الأوَّلِ - وهو رِضاهم وذَمُّهم - مُشْرِكًا بِهِمْ في الثّانِي - وهو حَمْدُهم - فَإذا رَضِيَ بِالقَضاءِ تَخَلَّصَ مِن ذَمِّهِمْ وحَمْدِهِمْ. فَخَلَّصَهُ الرِّضا مِن ذَلِكَ كُلِّهِ.

وَقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ المُلائِيُّ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ مِن ضَعْفِ اليَقِينِ: أنْ تُرْضِيَ النّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وأنْ تَحْمَدَهم عَلى رِزْقِ اللَّهِ، وأنْ تَذُمَّهم عَلى ما لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ. إنَّ رِزْقَ اللَّهِ لا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، ولا يَرُدُّهُ كُرْهُ كارِهٍ. وإنَّ اللَّهَ - بِحِكْمَتِهِ - جَعَلَ الرُّوحَ والفَرَحَ في الرِّضا واليَقِينِ. وجَعَلَ الهَمَّ والحَزَنَ في الشَّكِّ والسُّخْطِ» وقَدْ رَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

السّادِسُ والخَمْسُونَ: أنَّ الرِّضا يُفَرِّغُ قَلْبَ العَبْدِ. ويُقَلِّلُ هَمَّهُ وغَمَّهُ. فَيَتَفَرَّغُ لِعِبادَةِ رَبِّهِ بِقَلْبٍ خَفِيفٍ مِن أثْقالِ الدُّنْيا وهُمُومِها وغُمُومِها. كَما ذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ بِشْرِ بْنِ بَشّارٍ المُجاشِعِيِّ - وكانَ مِنَ العُلَماءِ - قالَ: قُلْتُ لِعابِدٍ: أوْصِنِي. قالَ: ألْقِ نَفْسَكَ مَعَ القَدَرِ حَيْثُ ألْقاكَ. فَهو أحْرى أنْ يُفَرِّغَ قَلْبَكَ. ويُقَلِّلَ هَمَّكَ. وإيّاكَ أنْ تَسْخَطَ ذَلِكَ، فَيَحِلَّ بِكَ السَّخَطُ وأنْتَ عَنْهُ في غَفْلَةٍ لا تَشْعُرُ بِهِ. فَيُلْقِيَكَ مَعَ الَّذِي سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ذَرُوا التَّدْبِيرَ والِاخْتِيارَ تَكُونُوا في طِيبٍ مِنَ العَيْشِ. فَإنَّ التَّدْبِيرَ والِاخْتِيارَ يُكَدِّرُ عَلى النّاسِ عَيْشَهم.

وَقالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ عَطاءٍ: الفَرَحُ في تَدْبِيرِ اللَّهِ لَنا. والشَّقاءُ كُلُّهُ في تَدْبِيرِنا.

وَقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَن لَمْ يَصْلُحْ عَلى تَقْدِيرِ اللَّهِ لَمْ يَصْلُحْ عَلى تَقْدِيرِ نَفْسِهِ.

وَقالَ أبُو العَبّاسِ الطُّوسِيُّ: مَن تَرَكَ التَّدْبِيرَ عاشَ في راحَةٍ.

وَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَجِدِ السَّلامَةَ حَتّى تَكُونَ في التَّدْبِيرِ كَأهْلِ القُبُورِ.

وَقالَ: الرِّضاءُ تَرْكُ الخِلافِ عَلى الرَّبِّ فِيما يُجْرِيهِ عَلى العَبْدِ.

وَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ تَرَكَتْنِي هَؤُلاءِ الدَّعَواتُ، وما لِي في شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ كُلِّها أرَبٌ، إلّا في مَواقِعِ قَدَرِ اللَّهِ، وكانَ كَثِيرًا ما يَدْعُو: اللَّهُمَّ رَضِّنِي بِقَضائِكَ، وبارِكْ لِي في قَدَرِكَ، حَتّى لا أُحِبَّ تَعْجِيلَ شَيْءٍ أخَّرْتَهُ. ولا تَأْخِيرَ شَيْءٍ عَجَّلْتَهُ.

وَقالَ: ما أصْبَحَ لِي هَوًى في شَيْءٍ سِوى ما قَضى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

وَقالَ شُعْبَةُ: قالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: ما تَمَنَّيْتُ شَيْئًا قَطُّ.

وَقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: الرّاضِي لا يَتَمَنّى فَوْقَ مَنزِلَتِهِ.

وَقالَ ذُو النُّونِ: ثَلاثَةٌ مِن أعْلامِ التَّسْلِيمِ: مُقابَلَةُ القَضاءِ بِالرِّضا، والصَّبْرُ عِنْدَ البَلاءِ، والشُّكْرُ عِنْدَ الرَّخاءِ. وثَلاثَةٌ مِن أعْلامِ التَّفْوِيضِ: تَعْطِيلُ إرادَتِكَ لِمُرادِهِ، والنَّظَرُ إلى ما يَقَعُ مِن تَدْبِيرِهِ لَكَ، وتَرْكُ الِاعْتِراضِ عَلى الحُكْمِ، وثَلاثَةٌ مِن أعْلامِ التَّوْحِيدِ: رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ، وقَبُولُ كُلِّ شَيْءٍ عَنْهُ، وإضافَةُ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ.

وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: أصْلُ العِبادَةِ ثَلاثَةٌ: لا تَرُدَّ مِن أحْكامِهِ شَيْئًا، ولا تَسْألْ غَيْرَهُ حاجَةً، ولا تَدَّخِرْ عَنْهُ شَيْئًا.

وَسُئِلَ ابْنُ شَمْعُونٍ عَنِ الرِّضا؟ فَقالَ: أنْ تَرْضى بِهِ مُدَبِّرًا ومُخْتارًا. وتَرْضى عَنْهُ قاسِمًا ومُعْطِيًا ومانِعًا. وتَرْضاهُ إلَهًا ومَعْبُودًا ورَبًّا.

وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: الرِّضا تَرْكُ الِاخْتِيارِ، وسُرُورُ القَلْبِ بِمُرِّ القَضاءِ، وإسْقاطُ التَّدْبِيرِ مِنَ النَّفْسِ، حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ لَها أوْ عَلَيْها.

وَقِيلَ: الرّاضِي مَن لَمْ يَنْدَمْ عَلى فائِتٍ مِنَ الدُّنْيا، ولَمْ يَتَأسَّفْ عَلَيْها.

وَلِلَّهِ دَرُّ القائِلِ:

؎العَبْدُ ذُو ضَجَرٍ. والرَّبُّ ذُو قَدَرٍ ∗∗∗ والدَّهْرُ ذُو دُوَلٍ. والرِّزْقُ مَقْسُومُ

؎والخَيْرُ أجْمَعُ فِيما اخْتارَ خالِقُنا ∗∗∗ وفي اخْتِيارِ سِواهُ اللَّوْمُ والشُّومُ

السّابِعُ والخَمْسُونَ: أنَّهُ إذا لَمْ يَرْضَ بِالقَدَرِ وقَعَ في لَوْمِ المَقادِيرِ. إمّا بِقالَبِهِ، وإمّا بِقَلْبِهِ وحالِهِ. ولَوْمُ المَقادِيرِ لَوْمٌ لِمُقَدِّرِها، وكَذَلِكَ يَقَعُ في لَوْمِ الخَلْقِ. واللَّهُ والنّاسُ يَلُومُونَهُ، فَلا يَزالُ لائِمًا مَلُومًا. وهَذا مُنافٍ لِلْعُبُودِيَّةِ.

«قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. فَما قالَ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ ولا لِشَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: ألا فَعَلْتَهُ؟ ولا قالَ لِي لِشَيْءٍ كانَ: لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ. ولا لِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ: لَيْتَهُ كانَ. وكانَ بَعْضُ أهْلِهِ إذا لامَنِي يَقُولُ: دَعُوهُ. فَلَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكانَ».

وَقَوْلُهُ: لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكانَ. يَتَناوَلُ أمْرَيْنِ.

أحَدُهُما: ما لَمْ يُوجَدْ مِن مُرادِ العَبْدِ. والثّانِي: ما وُجِدَ مِمّا يَكْرَهُهُ. وهو يَتَناوَلُ فَواتَ المَحْبُوبِ، وحُصُولَ المَكْرُوهِ، فَلَوْ قُضِيَ الأوَّلُ لَكانَ. ولَوْ قُضِيَ خِلافُ الآخَرِ لَكانَ. فَإذا اسْتَوَتِ الحالَتانِ بِالنِّسْبَةِ إلى القَضاءِ. فَعُبُودِيَّةُ العَبْدِ: أنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ الحالَتانِ بِالنِّسْبَةِ إلى رِضاهُ. وهَذا مُوجَبُ العُبُودِيَّةِ ومُقْتَضاها. يُوَضِّحُهُ: الثّامِنُ والخَمْسُونَ: أنَّهُ إذا اسْتَوى الأمْرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى رِضا الرَّبِّ تَعالى. فَهَذا رَضِيَهُ لِعَبْدِهِ فَقَدَّرَهُ. وهَذا لَمْ يَرْضَهُ لَهُ فَلَمْ يُقَدِّرْهُ. فَكَمالُ المُوافَقَةِ: أنْ يَسْتَوِيا بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ. فَيَرْضى ما رَضِيَهُ لَهُ رَبُّهُ في الحالَيْنِ.

التّاسِعُ والخَمْسُونَ: أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ ويَدَيْ رَسُولِهِ في حُكْمِهِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ. وذَلِكَ عُبُودِيَّةُ هَذا الأمْرِ. فَعُبُودِيَّةُ أمْرِهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ: أنْ لا يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ إلّا حَيْثُ كانَتِ المَصْلَحَةُ الرّاجِحَةُ في ذَلِكَ. فَيَكُونَ التَّقَدُّمُ أيْضًا بِأمْرِهِ الكَوْنِيِّ والدِّينِيِّ. فَإذا كانَ فَرْضُهُ الصَّبْرَ أوْ نَدْبُهُ. أوْ فَرْضُهُ الرِّضا حَتّى تَرَكَ ذَلِكَ: فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ شَرْعِهِ وقَدَرِهِ.

السِّتُّونَ: أنَّ المَحَبَّةَ والإخْلاصَ والإنابَةَ: لا تَقُومُ إلّا عَلى ساقِ الرِّضا.

فالمُحِبُّ راضٍ عَنْ حَبِيبِهِ في كُلِّ حالَةٍ. وقَدْ كانَ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتُسْقِيَ بَطْنُهُ، فَبَقِيَ مُلْقًى عَلى ظَهْرِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، لا يَقُومُ ولا يَقْعُدُ. وقَدْ نُقِبَ لَهُ في سَرِيرِهِ مَوْضِعٌ لِحاجَتِهِ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّخِّيرُ. فَجَعَلَ يَبْكِي لِما رَأى مِن حالِهِ. فَقالَ لَهُ عِمْرانُ: لِمَ تَبْكِي؟ فَقالَ: لِأنِّي أراكَ عَلى هَذِهِ الحالِ الفَظِيعَةِ. فَقالَ: لا تَبْكِ. فَإنَّ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبُّهُ إلَيْهِ. وقالَ: أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَنْفَعَكَ بِهِ، واكْتُمْ عَلَيَّ حَتّى أمُوتَ. إنَّ المَلائِكَةَ تَزُورُنِي فَآنَسُ بِها. وتُسَلِّمُ عَلَيَّ فَأسْمَعُ تَسْلِيمَها.

وَلَمّا قَدِمَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى مَكَّةَ - وقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ - جَعَلَ النّاسُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ لِيَدْعُوَ لَهم. فَجَعَلَ يَدْعُو لَهم. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السّائِبِ: فَأتَيْتُهُ وأنا غُلامٌ. فَتَعَرَّفْتُ إلَيْهِ. فَعَرَفَنِي. فَقُلْتُ: يا عَمُّ، أنْتَ تَدْعُو لِلنّاسِ فَيُشْفَوْنَ. فَلَوْ دَعَوْتَ لِنَفْسِكَ لَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بَصَرَكَ. فَتَبَسَّمَ. ثُمَّ قالَ: يا بُنَيَّ، قَضاهُ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن بَصَرِي.

وَقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: ذَنْبٌ أذْنَبْتُهُ. أنا أبْكِي عَلَيْهِ ثَلاثِينَ سَنَةً. قِيلَ: وما هُوَ؟ قالَ: قُلْتُ لِشَيْءٍ قَضاءُ اللَّهِ: لَيْتَهُ لَمْ يَقْضِهِ، أوْ لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ.

وَقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَوْ قُرِضَ لَحْمِي بِالمَقارِيضِ كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أقُولَ لِشَيْءٍ قَضاهُ اللَّهُ: لَيْتَهُ لَمْ يَقْضِهِ.

وَقِيلَ لِعَبْدِ الواحِدِ بْنِ زَيْدٍ: هاهُنا رَجُلٌ قَدْ تَعَبَّدَ خَمْسِينَ سَنَةً. فَقَصَدَهُ. فَقالَ لَهُ: حَبِيبِي، أخْبِرْنِي عَنْكَ، هَلْ قَنَعْتَ بِهِ؟ قالَ: لا. قالَ: فَهَلْ أنْتَ بِهِ؟ قالَ: لا. قالَ: فَهَلْ رَضِيتَ عَنْهُ؟ قالَ: لا. قالَ: فَإنَّما مَزِيدُكَ مِنَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: لَوْلا أنِّي أسْتَحِي مِنكَ لَأخْبَرْتُكَ: أنَّ مُعامَلَتَكَ خَمْسِينَ سَنَةً مَدْخُولَةٌ.

يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يُقَرِّبْهُ فَجَعَلَهُ في مَقامِ المُقَرَّبِينَ. فَيُوجِدَهُ مَواجِيدَ العارِفِينَ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَزِيدُهُ لَدَيْهِ: أعْمالَ القُلُوبِ. الَّتِي يَسْتَعْمِلُ بِها كُلُّ مَحْبُوبٍ مَطْلُوبٍ، لِأنَّ القَناعَةَ: حالُ المُوَفَّقِ، والأُنْسَ بِهِ: مَقامُ المُحِبِّ، والرِّضا: وصْفُ المُتَوَكِّلِ. يَعْنِي أنْتَ عِنْدَهُ في طَبَقاتِ أصْحابِ اليَمِينِ. فَمَزِيدُكَ عِنْدَهُ مَزِيدُ العُمُومِ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ.

وَقَوْلُهُ: إنَّ مُعامَلَتَهُ مَدْخُولَةٌ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها ناقِصَةٌ عَنْ مُعامَلَةِ المُقَرَّبِينَ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهم هَذِهِ الأحْوالَ.

الثّانِي: أنَّها لَوْ كانَتْ صَحِيحَةً سالِمَةً، لا عِلَّةَ فِيها ولا غِشَّ: لَأثْمَرَتْ لَهُ الأُنْسَ والرِّضا والمَحَبَّةَ، والأحْوالَ العَلِيَّةَ. فَإنَّ الرَّبَّ تَعالى شَكُورٌ. إذا وصَلَ إلَيْهِ عَمَلُ عَبْدِهِ جَمَّلَ بِهِ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ. وأثابَهُ عَلَيْهِ مِن حَقائِقِ المَعْرِفَةِ والإيمانِ بِحَسَبِ عَمَلِهِ. فَحَيْثُ لَمْ يَجِدْ أثَرًا في قَلْبِهِ، مِنَ الأُنْسِ والرِّضا والمَحَبَّةِ: اسْتَدَلَّ عَلى أنَّهُ مَدْخُولٌ، غَيْرُ سالِمٍ مِنَ الآفاتِ.

الحادِي والسِّتُّونَ: أنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ تُضاعَفُ إلى حَدٍّ مَعْلُومٍ مَحْسُوبٍ. وأمّا أعْمالُ القَلْبِ: فَلا يَنْتَهِي تَضْعِيفُها. وذَلِكَ لِأنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ: لَها حَدٌّ تَنْتَهِي إلَيْهِ. وتَقِفُ عِنْدَهُ. فَيَكُونُ جَزاؤُها بِحَسَبِ حَدِّها. وأمّا أعْمالُ القُلُوبِ: فَهي دائِمَةٌ مُتَّصِلَةٌ. وإنْ تَوارى شُهُودُ العَبْدِ لَها.

مِثالُهُ: أنَّ المَحَبَّةَ والرِّضا حالُ المُحِبِّ الرّاضِي، لا تُفارِقُهُ أصْلًا. وإنْ تَوارى حُكْمُها. فَصاحِبُها في مَزِيدٍ مُتَّصِلٍ. فَمَزِيدُ المُحِبِّ الرّاضِي: مُتَّصِلٌ بِدَوامِ هَذِهِ الحالِ لَهُ. فَهو في مَزِيدٍ، ولَوْ فَتَرَتْ جَوارِحُهُ. بَلْ قَدْ يَكُونُ مَزِيدُهُ في حالِ سُكُونِهِ وفُتُورِهِ أكْثَرَ مِن مَزِيدِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ النَّوافِلِ بِما لا نِسْبَةَ بَيْنَهُما. ويَبْلُغُ ذَلِكَ بِصاحِبِهِ إلى أنْ يَكُونَ مَزِيدُهُ في حالِ نَوْمِهِ أكْثَرَ مِن مَزِيدِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ القِيامِ. وأكْلُهُ أكْثَرَ مِن مَزِيدِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الصِّيامِ والجُوعِ.

فَإنْ أنْكَرْتَ هَذا فَتَأمَّلْ مَزِيدَ نائِمٍ بِاللَّهِ، وقِيامَ غافِلٍ عَنِ اللَّهِ. فاللَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما يَنْظُرُ إلى القُلُوبِ، والهِمَمِ والعَزائِمِ، لا إلى صُوَرِ الأعْمالِ. وقِيمَةُ العَبْدِ: هِمَّتُهُ وإرادَتُهُ. فَمَن لا يُرْضِيهِ غَيْرُ اللَّهِ - ولَوْ أُعْطِيَ الدُّنْيا بِحَذافِيرِها - لَهُ شَأْنٌ. ومَن يُرْضِيهِ أدْنى حَظٍّ مِن حُظُوظِها لَهُ شَأْنٌ. وإنْ كانَتْ أعْمالُهُما في الصُّورَةِ الواحِدَةِ. وقَدْ تَكُونُ أعْمالُ المُلْتَفِتِ إلى الحُظُوظِ أكْثَرَ وأشَقَّ. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا الشَّأْنِ في مَسْألَةٍ. وهِيَ: هَلْ لِلرِّضا حَدٌّ يَنْتَهِي إلَيْهِ؟

فَقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: ثَلاثُ مَقاماتٍ لا حَدَّ لَها: الزُّهْدُ، والوَرَعُ، والرِّضا.

وَخالَفَهُ سُلَيْمانُ ابْنُهُ - وكانَ عارِفًا، حَتّى إنَّ مِنَ النّاسِ مَن كانَ يُقَدِّمُهُ عَلى أبِيهِ - فَقالَ: بَلْ مَن تَوَرَّعَ في كُلِّ شَيْءٍ: فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الوَرَعِ. ومَن زَهِدَ في غَيْرِ اللَّهِ: فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الزُّهْدِ. ومَن رَضِيَ عَنِ اللَّهِ في كُلِّ شَيْءٍ: فَقَدْ بَلَغَ حَدَّ الرِّضا.

وَقَدِ اخْتَلَفُوا في مَسْألَةٍ تَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وهِيَ: أهْلُ مَقاماتٍ ثَلاثَةٍ:

أحَدُهُمْ: يُحِبُّ المَوْتَ شَوْقًا إلى اللَّهِ ولِقائِهِ.

والثّانِي: يُحِبُّ البَقاءَ لِلْخِدْمَةِ والتَّقَرُّبِ.

وَقالَ الثّالِثُ: لا أخْتارُ. بَلْ أرْضى بِما يَخْتارُ لِي مَوْلايَ، إنْ شاءَ أحْيانِي، وإنْ شاءَ أماتَنِي.

فَتَحاكَمُوا إلى بَعْضِ العارِفِينَ. فَقالَ: صاحِبُ الرِّضا أفْضَلُهم. لِأنَّهُ أقَلُّهم فُضُولًا، وأقْرَبُهم إلى السَّلامَةِ.

وَلا رَيْبَ أنَّ مَقامَ الرِّضا فَوْقَ مَقامِ الشَّوْقِ والزُّهْدِ في الدُّنْيا.

بَقِيَ النَّظَرُ في مَقامَيِ الآخَرِينَ: أيُّهُما أعْلى؟

فَرَجَّحَتْ طائِفَةٌ مَقامَ مَن أحَبَّ المَوْتَ. لِأنَّهُ في مَقامِ الشَّوْقِ إلى لِقاءِ اللَّهِ ومَحَبَّةِ لِقائِهِ. ومَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ.

وَرَجَّحَتْ طائِفَةٌ مَقامَ مُرِيدِ البَقاءِ لِتَنْفِيذِ أوامِرِ الرَّبِّ تَعالى.

واحْتَجُّوا بِأنَّ الأوَّلَ مُحِبٌّ لِحَظِّهِ مِنَ اللَّهِ. وهَذا مُحِبٌّ لِمُرادِ اللَّهِ مِنهُ. لَمْ يَشْبَعْ مِنهُ، ولَمْ يَقْضِ مِنهُ وطَرًا.

قالُوا: وهَذا حالُ مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - حِينَ لَطَمَ وجْهَ مَلَكِ المَوْتِ. فَفَقَأ عَيْنَهُ، لا مَحَبَّةً لِلدُّنْيا، ولَكِنْ لِيُنَفِّذَ أوامِرَ رَبِّهِ. ومَراضِيهِ في النّاسِ. فَكَأنَّهُ قالَ: أنْتَ عَبْدُهُ، وأنا عَبْدُهُ. وأنْتَ في طاعَتِهِ. وأنا في طاعَتِهِ وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ.

وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ في الوَجْهِ الثّانِي والسِّتِّينَ: إنَّ حالَ الرّاضِي المُسَلِّمِ يَنْتَظِمُ حالَيْهِما جَمِيعًا، مَعَ زِيادَةِ التَّسْلِيمِ، وتَرْكِ الِاخْتِيارِ، فَإنَّهُ قَدْ غابَ بِمُرادِ رَبِّهِ مِنهُ - مِن إحْيائِهِ وإماتَتِهِ - عَنْ مُرادِهِ هو مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ. وكُلُّ مُحِبٍّ فَهو مُشْتاقٌ إلى لِقاءِ حَبِيبِهِ، مُؤْثِرٌ لِمَراضِيهِ. فَقَدْ أخَذَ بِزِمامِ كُلٍّ مِنَ المَقامَيْنِ، واتَّصَفَ بِالحالَيْنِ. وقالَ: أحَبُّ ذَلِكَ إلَيَّ أحَبُّهُ إلَيْهِ لا أتَمَنّى غَيْرَ رِضاهُ. ولا أتَخَيَّرُ عَلَيْهِ إلّا ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. وهَذا القَدْرُ كافٍ في هَذا المَوْضِعِ. وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

فَلْنَرْجِعْ إلى شَرْحِ كَلامِهِ. قالَ:

الثّانِي: سُقُوطُ الخُصُومَةِ عَنِ الخَلْقِ.

يَعْنِي أنَّ الرِّضا إنَّما يَصِحُّ بِسُقُوطِ الخُصُومَةِ مَعَ الخَلْقِ. فَإنَّ الخُصُومَةَ تُنافِي حالَ الرِّضا. وتُنافِي نِسْبَةَ الأشْياءِ كُلِّها إلى مَن بِيَدِهِ أزِمَّةُ القَضاءِ والقَدَرِ. فَفي الخُصُومَةِ آفاتٌ.

أحَدُها: المُنازَعَةُ الَّتِي تُضادُّ الرِّضا.

الثّانِي: نَقْصُ التَّوْحِيدِ بِنِسْبَةِ ما يُخاصَمُ فِيهِ إلى عَبْدٍ دُونَ الخالِقِ لِكُلِّ شَيْءٍ.

الثّالِثُ: نِسْيانُ المُوجِبِ والسَّبَبِ الَّذِي جَرَّ إلى الخُصُومَةِ. فَلَوْ رَجَعَ العَبْدُ إلى السَّبَبِ والمُوجِبِ لَكانَ اشْتِغالُهُ بِدَفْعِهِ أجْدى عَلَيْهِ، وأنْفَعَ لَهُ مِن خُصُومَةِ مَن جَرى عَلى يَدَيْهِ. فَإنَّهُ - وإنْ كانَ ظالِمًا - فَهو الَّذِي سَلَّطَهُ عَلى نَفْسِهِ بِظُلْمِهِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] فَأخْبَرَ عَنْ أذى عَدُوِّهِمْ لَهُمْ، وغَلَبَتِهِمْ لَهُمْ: إنَّما هو بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ. وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].

فَإذا اجْتَمَعَتْ بَصِيرَةُ العَبْدِ عَلى مَشاهِدِ القَدَرِ والتَّوْحِيدِ والحِكْمَةِ والعَدْلِ: انْسَدَّ عَنْهُ بابُ خُصُومَةِ الخَلْقِ، إلّا فِيما كانَ حَقًّا لِلَّهِ ورَسُولِهِ. فالرّاضِي لا يُخاصِمُ ولا يُعاتِبُ إلّا فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ. وهَذِهِ كانَتْ حالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُخاصِمُ أحَدًا ولا يُعاتِبُهُ إلّا فِيما يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ. كَما أنَّهُ كانَ لا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ. فَإذا انْتُهِكَتْ مَحارِمُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ. فالمُخاصَمَةُ لِحَظِّ النَّفْسِ تُطْفِئُ نُورَ الرِّضا، وتُذْهِبُ بَهْجَتَهُ. وتُبَدِّلُ بِالمَرارَةِ حَلاوَتَهُ. وتُكَدِّرُ صَفْوَهُ.

قالَ: الشَّرْطُ الثّالِثُ: الخَلاصُ مِنَ المَسْألَةِ لِلْخَلْقِ والإلْحاحِ.

وَذَلِكَ: لِأنَّ المَسْألَةَ: فِيها ضَرْبٌ مِنَ الخُصُومَةِ، والمُنازَعَةِ والمُحارَبَةِ، والرُّجُوعِ عَنْ مالِكِ الضَّرِّ والنَّفْعِ إلى مَن لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرًّا ولا نَفْعًا إلّا بِرَبِّهِ. وفِيها الغَيْبَةُ عَنِ المُعْطِي المانِعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском