Ibn al-QayyimAn‑Nisa · 4:17–23

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:17–23

4:17–18Page 80

إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧

The repentance accepted by Allāh is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon [after].1 It is those to whom Allāh will turn in forgiveness, and Allāh is ever Knowing and Wise.

وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٨

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

والجَهالَةُ هاهُنا جَهالَةُ العَمَلِ، وإنْ كانَ عالِمًا بِالتَّحْرِيمِ،، قالَ قَتادَةُ: أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ كُلَّ ما عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو جَهالَةٌ، عَمْدًا كانَ أوْ لَمْ يَكُنْ، وكُلَّ مَن عَصى اللَّهَ فَهو جاهِلٌ.

وَأمّا التَّوْبَةُ مِن قَرِيبٍ فَجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها التَّوْبَةُ قَبْلَ المُعايَنَةِ.

قالَ عِكْرِمَةُ: قَبْلَ المَوْتِ، وقالَ الضَّحّاكُ: قَبْلَ مُعايَنَةِ مَلَكِ المَوْتِ، وقالَ السُّدِّيُّ، والكَلْبِيُّ: أنْ يَتُوبَ في صِحَّتِهِ قَبْلَ مَرَضِ مَوْتِهِ، وفي المُسْنَدِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ» وفي نُسْخَةِ دَرّاجٍ أبِي الهَيْثَمِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الشَّيْطانَ قالَ: وعِزَّتِكَ يا رَبِّ لا أبْرَحُ أُغْوِي عِبادَكَ ما دامَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، فَقالَ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِ مَكانِي لا أزالُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي».

فَهَذا شَأْنُ التّائِبِ مِن قَرِيبٍ، وأمّا إذا وقَعَ في السِّياقِ فَقالَ: إنِّي تُبْتُ الآنَ، لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ، وذَلِكَ لِأنَّها تَوْبَةُ اضْطِرارٍ لا اخْتِيارٍ، فَهي كالتَّوْبَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَوْمَ القِيامَةِ، وعِنْدَ مُعايَنَةِ بَأْسِ اللَّهِ.

قالُوا: ولِأنَّ حَقِيقَةَ التَّوْبَةِ هي كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الفِعْلِ الَّذِي هو مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ، والكَفُّ إنَّما يَكُونُ عَنْ أمْرٍ مَقْدُورٍ، وأمّا المُحالُ فَلا يُعْقَلُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْهُ، ولِأنَّ التَّوْبَةَ هي الإقْلاعُ عَنِ الذَّنْبِ، وهَذا لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ الإيقاعُ حَتّى يَتَأتّى مِنهُ الإقْلاعُ.

قالُوا: ولِأنَّ الذَّنْبَ عَزْمٌ جازِمٌ عَلى فِعْلِ المُحَرَّمِ، يَقْتَرِنُ بِهِ فِعْلُهُ المَقْدُورُ، والتَّوْبَةُ مِنهُ عَزْمٌ جازِمٌ عَلى تَرْكِ المَقْدُورِ، يَقْتَرِنُ بِهِ التَّرْكُ، والعَزْمُ عَلى غَيْرِ المَقْدُورِ مُحالٌ، والتَّرْكُ في حَقِّ هَذا ضَرُورِيٌّ، لا عَزْمٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ تَرْكِ الطَّيَرانِ إلى السَّماءِ، ونَقْلِ الجِبالِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

والقَوْلُ الثّانِي - وهو الصَّوابُ - أنَّ تَوْبَتَهُ صَحِيحَةٌ مُمْكِنَةٌ، بَلْ واقِعَةٌ، فَإنَّ أرْكانَ التَّوْبَةِ مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ، والمَقْدُورُ لَهُ مِنها النَّدَمُ، وفي المُسْنَدِ مَرْفُوعًا «النَّدَمُ تَوْبَةٌ،» فَإذا تَحَقَّقَ نَدَمُهُ عَلى الذَّنْبِ ولَوْمُهُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ تَوْبَةٌ، وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تُسْلَبَ التَّوْبَةُ عَنْهُ، مَعَ شِدَّةِ نَدَمِهِ عَلى الذَّنْبِ، ولَوْمِهِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ؟ ولا سِيَّما ما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن بُكائِهِ وحُزْنِهِ وخَوْفِهِ، وعَزْمِهِ الجازِمِ، ونِيَّتِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ صَحِيحًا والفِعْلُ مَقْدُورًا لَهُ لَما فَعَلَهُ.

وَإذا كانَ الشّارِعُ قَدْ نَزَّلَ العاجِزَ عَنِ الطّاعَةِ مَنزِلَةَ الفاعِلِ لَها، إذا صَحَّتْ نِيَّتُهُ، كَقَوْلِهِ: في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «إذا مَرِضَ العَبْدُ أوْ سافَرَ كُتِبَ لَهُ ما كانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» وفي الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْهُ: «إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا إلّا كانُوا مَعَكُمْ، قالُوا: وهم بِالمَدِينَةِ؟ قالَ: وهم بِالمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ» ولَهُ نَظائِرُ في الحَدِيثِ، فَتَنْزِيلُ العاجِزِ عَنِ المَعْصِيَةِ، التّارِكِ لَها قَهْرًا - مَعَ نِيَّتِهِ تَرْكَها اخْتِيارًا لَوْ أمْكَنَهُ - مَنزِلَةَ التّارِكِ المُخْتارِ أوْلى.

يُوَضِّحُهُ أنَّ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الوَعِيدُ تَنْشَأُ مِنَ العَزْمِ عَلَيْهِ تارَةً ومِن فِعْلِهِ تارَةً، ومَنشَأُ المَفْسَدَةِ مَعْدُومٌ في حَقِّ هَذا العاجِزِ فِعْلًا وعَزْمًا، والعُقُوبَةُ تابِعَةٌ لِلْمَفْسَدَةِ.

وَأيْضًا فَإنَّ هَذا تَعَذَّرَ مِنهُ الفِعْلُ ما تَعَذَّرَ مِنهُ التَّمَنِّي والوِدادُ، فَإذا كانَ يَتَمَنّى ويَوَدُّ لَوْ واقَعَ الذَّنْبَ، ومِن نِيَّتِهِ أنَّهُ لَوْ كانَ سَلِيمًا لَباشَرَهُ، فَتَوْبَتُهُ بِالإقْلاعِ عَنْ هَذا الوِدادِ والتَّمَنِّي، والحُزْنِ عَلى فَوْتِهِ، فَإنَّ الإصْرارَ مُتَصَوَّرٌ في حَقِّهِ قَطْعًا، فَيُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ ضِدُّهُ، وهو التَّوْبَةُ، بَلْ هي أوْلى بِالإمْكانِ والتَّصَوُّرِ مِنَ الإصْرارِ، وهَذا واضِحٌ.

والفَرْقُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ المُعايِنِ، ومَن ورَدَ القِيامَةَ أنَّ التَّكْلِيفَ قَدِ انْقَطَعَ بِالمُعايَنَةِ ووُرُودِ القِيامَةِ، والتَّوْبَةُ إنَّما تَكُونُ في زَمَنِ التَّكْلِيفِ، وهَذا العاجِزُ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ التَّكْلِيفُ، فالأوامِرُ والنَّواهِي لازِمَةٌ لَهُ، والكَفُّ مُتَصَوَّرٌ مِنهُ عَنِ التَّمَنِّي والوِدادِ، والأسَفِ عَلى فَوْتِهِ، وتَبْدِيلُ ذَلِكَ بِالنَّدَمِ والحُزْنِ عَلى فِعْلِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

(فصل)

قال أبو العالية: "سألت أصحاب محمد عن قوله: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾

فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل ومن تاب قبل الموت فقد تاب من قريب"

وقال قتادة: "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن كل ما عصي الله به فهو جهالة عمدا كان أو لم يكن وكل من عصى الله فهو جاهل"

وقال مجاهد: "من شيخ أو شاب فهو بجهالة"

وقال: "من عصى ربه فهو جاهل حتى ينزع عن خطيئته"

وقال هو وعطاء: "الجهالة العمد"

وقال مجاهد: "من عمل سوأ خطأ أو عمدا فهو جاهل حتى ينزع منه"

ذكر هذه الآثار ابن أبي حاتم ثم قال وروي عن قتادة وعمرو بن مرة والثوري نحو ذلك خطأ أو عمدا وروي عن مجاهد والضحاك: "ليس من جهالته أن لا يعلم حلالا ولا

حراما ولكن من جهالته حين دخل فيه"

وقال عكرمة: "الدماء كلها جهالة ومما يبين ذلك قوله: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وكل من خشيه فأطاعه بفعل أوامره وترك نواهيه فهو عالم كما قال تعالى: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ "

وقال رجل للشعبي: أيها العالم فقال: "لسنا بعلماء إنما العالم من يخشى الله"

وقال ابن مسعود: "وكفى بخشية الله علما وبالاغترار بالله جهلا"

وقوله ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ يقتضي الحصر من الطرفين أن لا يخشاه إلا العلماء ولا يكون عالما إلا من يخشاه فلا يخشاه إلا عالم وما من عالم إلا وهو يخشاه فإذا انتفى العلم انتفت الخشية وإذا انتفت الخشية دلت على انتفاء العلم لكن وقع الغلط في مسمى العلم اللازم للخشية حيث يظن أنه يحصل بدونها وهذا ممتنع فإنه ليس في الطبيعة أن لا يخشى النار والأسد والعدو من هو عالم بها مواجه لها وأنه لا يخشى الموت من ألقى نفسه من شاهق ونحو ذلك فأمنه في هذه المواطن دليل عدم علمه وأحسن أحواله أن يكون معه ظن لا يصل إلى رتبة العلم اليقيني.

فإن قيل فهذا ينتقض عليكم بمعصية إبليس فإنها كانت عن علم لا عن جهل وبقوله: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ وقال: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ وقال عن قوم فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ وقال: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ وقال موسى لفرعون: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلاّ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ وقال: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ وقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ يعني القرآن أو محمدا ﷺ وقال: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ والجحود إنكار الحق بعد معرفته وهذا كثير في القرآن؟

قيل حجج الله لا تتناقص بل كلها حق يصدق بعضها بعضا وإذا كان سبحانه قد أثبت الجهالة لمن عمل السوء وقد أقر به وبرسالته وبأنه حرم ذلك وتوعد عليه بالعقاب ومع ذلك يحكم عليه بالجهالة التي لأجلها عمل السوء فكيف بمن أشرك به وكفر بآياته وعادى رسله أليس ذلك أجهل الجاهلين وقد سمى تعالى أعداءه جاهلين بعد إقامة الحجة عليهم فقال: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ فأمره بالإعراض عنهم بعد أن أقام عليهم الحجة وعلموا أنه صادق وقال: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ فالجاهلون هم الكفار الذين علموا أنه رسول الله فها العلم لا ينافي الحكم على صاحبه بالجهل بل يثبت له العلم وينافي عنه في موضع واحد كما قال تعالى عن السحرة من اليهود: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فأثبت لهم العلم الذي تقوم به عليهم الحجة ونفى عنهم العلم النافع الموجب لترك الضار وهذا نكتة المسألة وسر الجواب فما دخل النار إلا عالم ولا دخلها إلا جاهل وهذا العلم لا يجتمع مع الجهل في الرجل الواحد يوضحه أن الهوى والغفلة والإعراض تصد عن كماله واستحضاره ومعرفة موجبه على التفصيل وتقيم لصاحبه شبها وتأويلات تعارضه فلا يزال المقتضى يضعف والعارض يعمل عمله حتى كأنه لم يكن ويصير صاحبه بمنزلة الجاهل من كل وجه فلو علم إبليس أن تركه للسجود لآدم يبلغ به ما بلغ وأنه يوجب له أعظم العقوبة وتيقن ذلك لم يتركه ولكن حال الله بينه وبين هذا العلم ليقضي أمره وينفذ قضائه وقدره ولو ظن آدم وحواء أنهما إذا أكلا من الشجرة خرجا من الجنة وجرى عليهما ما جرى ما قرباها ولو علم أعداء الرسل تفاصيل ما يجري عليهم وما يصيبهم يوم القيامة وجزموا بذلك لما عادوهم قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَلَقَدْ أنْذَرَهم بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ وقال: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وقال عن المنافقين وقد شاهدوا آيات الرسول وبراهين صدقه عيانا: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ﴾ وقال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهو الشك ولو كان هذا لعدم العلم الذي تقوم به الحجة عليهم لما كانوا في الدرك الأسفل من النار بل هذا بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم الذي لم ينفعهم فالعلم يضعف قطعا بالغفلة والإعراض واتّباع الهوى وإيثار الشهوات وهذه الأمور توجب شبهات وتأويلات تضاده فتأمل هذا الموضع حق تأمل فإنه من أسرار القدر والشرع والعدل فالعلم يراد به العلم التام المستلزم لأثره ويراد به المقتضى وإن لم يتم بوجود شروطه وانتقاء موانعه فالثاني يجامع الجهل دون الأول فتبين أن أصل السيئات الجهل وعدم العلم وإن كان كذلك فعدم العلم ليس أمرا وجوديا بل هو لعدم السمع والبصر والقدرة والإرادة والعدم ليس شيئا حتى يستدعي فاعلا مؤثرا فيه بل يكفي فيه عدم مشيئة ضده وعدم السبب الموجب لضده والعدم المحض لا يضاف إلى الله فإنه شر والشر ليس إليه فإذا انتفى هذا الجازم عن العبد ونفسه بطبعها متحركة مريدة وذلك من لوازم شأنها تحركت بمقتضى الطبع والشهوة وغلب ذلك فيها على داعي العلم والمعرفة فوقعت في أسباب الشر ولا بد.

4:19Page 80

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ١٩

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion.1 And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them2 unless they commit a clear immorality [i.e., adultery]. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allāh makes therein much good.

(فائِدَة جليلة)

قَوْله تَعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم وعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهو خَيْرٌ لَكم وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وهو شَرٌّ لَكم واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تعلمُونَ﴾

وَقَوله عزّ وجلّ ﴿فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾

فالآية الأولى في الجِهاد الَّذِي هو كَمال القُوَّة الغضبية والثّانية في النِّكاح الَّذِي هو كَمال القُوَّة الشهوانية فالعَبْد يكره مُواجهَة عدوه بقوته الغضبية خشيَة على نَفسه مِنهُ وهَذا المَكْرُوه خير لَهُ في معاشه ومعاده ويُحب المُوادَعَة والمتاركة وهَذا المحبوب شَرّ لَهُ في معاشه ومعاده وكَذَلِكَ يكره المَرْأة لوصف من أوصافها وله في إمْساكها خير كثير لا يعرفهُ ويُحب المَرْأة لوصف من أصافها وله في إمْساكها شَرّ كثير لا يعرفهُ لانسان كَما وصفه وصفه بِهِ خالقه ظلوم جهول فَلا يَنْبَغِي أن يَجْعَل المعيار على ما يضره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه بل المعيار على ذَلِك ما اخْتارَهُ الله لَهُ بأمْره ونَهْيه فأنفع الأشْياء لَهُ على الإطْلاق طاعَة ربه بِظاهِرِهِ وباطنه وأضر الأشْياء عَلَيْهِ على الإطْلاق مَعْصِيَته بِظاهِرِهِ وباطنه فَإذا قامَ بِطاعَتِهِ وعبوديته مخلصا لَهُ فَكل ما يجْرِي عَلَيْهِ مِمّا يكرههُ يكون خيرا لَهُ وذا تخلى عَن طاعَته وعبوديته فَكل ما هو فِيهِ من مَحْبُوب هو شَرّ لَهُ فَمن صحت لَهُ معرفَة ربه والفِقْه في أسْمائِهِ وصِفاته علم يَقِينا أن المكروهات الَّتِي تصيبه والمحن التي تنزل بِهِ فِيها ضروب من المصالح والمَنافِع لتي لا يحصيها علمه ولا فكرته بل مصلحَة العَبْد فِيما يكره أعظم مِنها فِيما يحب فعامة مصالح النُّفُوس في مكروهاتها كَما أن عامَّة مضارها وأسْباب هلكتها في محبوباتها فانْظُر إلى غارس جنَّة من الجنات خَبِير بالفلاحة غرس جنَّة وتعاهدها بالسقي والإصلاح حَتّى أثمرت أشجارها فَأقبل عَلَيْها يفصل أوصالها ويقطع أغْصانها لعلمه أنَّها لَو خليّت على حالها لم تطب ثَمَرَتها فيطعمها من شَجَرَة طيبَة الثَّمَرَة حَتّى إذا التحمت بها واتحدت وأعطت ثَمَرَتها اقبل بقلمها ويقطع أغْصانها الضعيفة الَّتِي تذْهب قوتها ويذيقها ألم القطع والحَدِيد لمصلحتها وكمالها لتصلح ثَمَرَتها أن تكون بِحَضْرَة المُلُوك ثمَّ لا يَدعها ودواعي طبعها من الشّرْب كل وقت بل يعطشها وقتا ويسقيها وقتا ولا يتْرك الماء عَلَيْها دائِما وإن كانَ ذَلِك أنْضَرُ لورقها وأسرع لنباتها ثمَّ يعمد إلى تِلْكَ الزِّينَة الَّتِي زينت بها من الأوراق فيلقي عَنْها كثيرا مِنها لِأن تِلْكَ الزِّينَة تحول بَين ثَمَرَتها وبَين كَمال نضجها واستوائها كَما في شجر العِنَب ونَحْوه فَهو يقطع أعضاءها بالحديد ويلقي عَنْها كثيرا من زينتها وذَلِكَ عين مصلحتها فَلَو أنَّها ذات تَمْيِيز وإدْراك كالحيوان لتوهمت أن ذَلِك إفْساد لَها وإضرار بها وإنَّما هو عين مصلحتها

وَكَذَلِكَ الأب الشفيق على ولَده العالم بمصلحته إذا رأى مصْلحَته في إخْراج الدَّم الفاسِد عَنهُ بضع جلده وقطع عروقه وأذاقه الألَم الشَّديد وإن رأى شفاة في قطع عُضْو من أعْضائِهِ أبانه عَنهُ كانَ ذَلِك رَحْمَة بِهِ وشفقة عَلَيْهِ وإن رأى مصْلحَته في أن يمسك عَنهُ العَطاء لم يُعْطه ولم يُوسع عَلَيْهِ لعلمه أن ذَلِك أكبر الأسْباب إلى فَساده وهلاكه وكَذَلِكَ يمنعهُ كثيرا من شهواته حمية لَهُ ومصلحة لا بخلا عَلَيْهِ فأحكم الحاكِمين وأرحم الرّاحِمِينَ وأعلم العالمين الَّذِي هو أرْحم بعباده مِنهُم بِأنْفسِهِم ومن آبائِهِم وأمهاتهم إذا أنزل بهم ما يكْرهُونَ كانَ خيرا لَهُم من أن لا ينزله بهم نظرا مِنهُ لَهُم وإحسانا إلَيْهِم ولطفا بهم ولَو مكنوا من الاحتيار لأنْفُسِهِمْ لعجزوا عَن القيام بمصالحهم علما وإرادَة وعَملا لكنه سُبْحانَهُ تولى تَدْبِير أُمُورهم بِمُوجب علمه وحكمته ورَحمته أحبُّوا أم كَرهُوا فَعرف ذَلِك الموقنون بأسمائه وصِفاته فَلم يتهموه في شَيْء من أحْكامه وخفي ذَلِك على الجَهْل بِهِ وبأسمائه وصِفاته فنازعوه تَدْبيره وقدحوا في حكمته ولم ينقادوا لحكمه وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسِدَة وآرائهم الباطِلَة وسياساتهم الجائرة فَلا لرَبهم عرفُوا ولا لمصالحهم حصلوا والله المُوفق.

وَمَتى ظفر العَبْد بِهَذِهِ المعرفَة سكن في الدُّنْيا قبل الآخِرَة في جنَّة لا يشبه فِيها إلّا نعيم الآخِرَة فَإنَّهُ لا يزال راضِيا عَن ربه والرِّضا جنَّة الدُّنْيا ومستراح العارفين فَإنَّهُ طيب النَّفس بِما يجْرِي عَلَيْهِ من المَقادِير الَّتِي هي عين اخْتِيار الله لَهُ وطمأنينتها إلى أحْكامه الدِّينِيَّة وهَذا هو الرِّضا بِالله رَبًّا وبِالإسْلامِ دينا وبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل لَهُ ذَلِك وهَذا الرِّضا هو بِحَسب مَعْرفَته بِعدْل الله وحكمته ورَحمته وحسن اخْتِياره فَكلما كانَ بذلك أعرف كانَ بِهِ أرْضى فقضاء الرب سُبْحانَهُ في عَبده دائر بَين العدْل والمصلحة والحكمَة والرَّحْمَة لا يخرج عَن ذَلِك ألْبَتَّةَ كَما قالَ في الدُّعاء المَشْهُور اللَّهُمَّ إنِّي عَبدك ابْن عَبدك ابْن أمتك ناصيتي بِيَدِك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بِكُل اسْم هـ لَك سميت بِهِ نَفسك أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أو استأثرت بِهِ في علم الغَيْب عنْدك أن تجْعَل القُرْآن ربيع قلبِي ونور صَدْرِي وجلاء حزني وذَهاب همي وغمي ما قالَها أحد قطّ إلّا أذهب الله همه وغمه وأبدله مَكانَهُ فرجا قالُوا أفلا نتعلمهن يا رَسُول الله قالَ بِلا يَنْبَغِي لمن يسمعهن أن يتعلمهن

والمَقْصُود قَوْله عدل فيّ قضاؤك وهَذا يتَناوَل كل قَضاء يَقْضِيه على عَبده من عُقُوبَة أو ألم وسبب ذَلِك فَهو الَّذِي قضى بِالسَّبَبِ وقضى بالمسبب وهو عدل في هَذا القَضاء وهَذا القَضاء خير لِلْمُؤمنِ كَما قالَ والَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لا يقْضِي الله لِلْمُؤمنِ قَضاء إلّا كانَ خيرا لَهُ ولَيْسَ ذَلِك إلّا لِلْمُؤمنِ قالَ العَلامَة ابْن القيم فَسَألت شَيخنا هَل يدْخل في ذَلِك قَضاء الذَّنب فَقالَ نعم بِشَرْطِهِ

فأجمل في لَفْظَة بِشَرْطِهِ ما يَتَرَتَّب على الذَّنب من الآثار المحبوبة لله من التَّوْبَة والانكسار والندم والخضوع والذل والبكاء وغير ذَلِك.

4:20Page 81

وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

No commentary for this ayah

4:21Page 81

وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٢١

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

No commentary for this ayah

4:22Page 81

وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred.1 Indeed, it was an immorality and hateful [to Allāh] and was evil as a way.

قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾

هذا من الاستثناء السابق زمان المستثنى فيه زمان المستثنى منه فهو غير داخل فيه فمن لم يشترط الدخول فلا يقدر شيئا، ومن قال لا بد من دخوله قدر دخوله في مضمون الجملة الطلبية بالنهي لأن مضمون قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ الإثم والمؤاخذة أي أن الناكح ما نكح أبوه آثم مؤاخذ إلا ما قد سلف قبل النهي وإقامة الحجة فإنه لا تتعلق به المؤاخذة وأحسن من هذا عندي أن يقال لما نهي سبحانه عن نكاح منكوحات الآباء أفاد ذلك أن وطأهن بعد التحريم لا يكون نكاحا ألبتة بل لا يكون إلا سفاحا فلا يترتب عليه أحكام النكاح من ثبوت الفراش ولحوق النسب بل الولد فيه يكون ولد زنية وليس هذا حكم ما سلف قبل التحريم فإن الفراش كان ثابتا فيه والنسب لاحق فأفادا الاستثناء فائدة جليلة عظيمة وهي أن ولد من نكح ما نكح أبوه قبل التحريم ثابت النسب وليس ولد زنا والله أعلم.

4:23Page 81

حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred.1 Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ بِنْتِ الأخِ وبِنْتِ العَمِّ ونَحْوِها في النِّكاح]

وَأمّا قَوْلُهُ: " وحَرَّمَ عَلَيْهِ نِكاحَ بِنْتِ أخِيهِ وأُخْتِهِ، وأباحَ لَهُ نِكاحَ بِنْتِ أخِي أبِيهِ وبِنْتِ أُخْتِ أُمِّهِ، وهُما سَواءٌ " فالمُقَدِّمَةُ الأُولى صادِقَةٌ، والثّانِيَةُ كاذِبَةٌ؛ فَلَيْسَتا سَواءٌ في نَفْسِ الأمْرِ، ولا في العُرْفِ، ولا في العُقُولِ، ولا في الشَّرِيعَةِ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَيْنَ القَرِيبِ والبَعِيدِ شَرْعًا وقَدْرًا وعَقْلًا وفِطْرَةً، ولَوْ تَساوَتْ القَرابَةُ لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ البِنْتِ وبِنْتِ الخالَةِ وبِنْتِ العَمَّةِ، وهَذا مِن أفْسَدِ الأُمُورِ، والقَرابَةُ البَعِيدَةُ بِمَنزِلَةِ الأجانِبِ؛ فَلَيْسَ مِن الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ أنْ تُعْطى حُكْمَ القَرابَةِ القَرِيبَةِ، وهَذا مِمّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ العُقَلاءَ، وما خالَفَ شَرْعَهُ في ذَلِكَ فَهو إمّا مَجُوسِيَّةٌ تَتَضَمَّنُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ البِنْتِ والأُمِّ وبَناتِ الأعْمامِ والخالاتِ في نِكاحِ الجَمِيعِ، وإمّا حَرَجٌ عَظِيمٌ عَلى العِبادِ في تَحْرِيمِ نِكاحِ بَناتِ أعْمامِهِمْ وعَمّاتِهِمْ وأخْوالِهِمْ وخالاتِهِمْ؛ فَإنَّ النّاسَ - ولا سِيَّما العَرَبُ - أكْثَرُ بَنُو عَمٍّ بَعْضُهم لِبَعْضٍ أمّا بُنُوَّةِ عَمٍّ دانِيَةٍ أوْ قاصِيَةٍ، فَلَوْ مُنِعُوا مِن ذَلِكَ لَكانَ عَلَيْهِمْ فِيهِ حَرَجٌ عَظِيمٌ وضِيقٌ؛ فَكانَ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ أحْسَنَ الأُمُورِ وألْصَقَها بِالعُقُولِ السَّلِيمَةِ والفِطَرِ المُسْتَقِيمَةِ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском