Ibn al-QayyimAn‑Nisa · 4:59

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:59

4:59Page 87

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩

O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allāh and the Messenger, if you should believe in Allāh and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

فَأمَرَ تَعالى بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ، وأعادَ الفِعْلَ إعْلامًا بِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ تَجِبُ اسْتِقْلالًا مِن غَيْرِ عَرْضِ ما أمَرَ بِهِ عَلى الكِتابِ، بَلْ إذا أمَرَ وجَبَتْ طاعَتُهُ مُطْلَقًا، سَواءٌ كانَ ما أمَرَ بِهِ في الكِتابِ أوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَإنَّهُ أُوتِيَ الكِتابَ ومِثْلَهُ مَعَهُ، ولَمْ يَأْمُرْ بِطاعَةِ أُولِي الأمْرِ اسْتِقْلالًا، بَلْ حَذَفَ الفِعْلَ وجَعَلَ طاعَتَهم في ضِمْنِ طاعَةِ الرَّسُولِ؛ إيذانًا بِأنَّهم إنّما يُطاعُونَ تَبَعًا لِطاعَةِ الرَّسُولِ، فَمَن أمَرَ مِنهم بِطاعَةِ الرَّسُولِ وجَبَتْ طاعَتُهُ، ومَن أمَرَ بِخِلافِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَلا سَمْعَ لَهُ ولا طاعَةَ كَما صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ»

وَقالَ: «إنّما الطّاعَةُ في المَعْرُوفِ» وقالَ في وُلاةِ الأُمُورِ: «مَن أمَرَكم مِنهم بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلا سَمْعَ لَهُ ولا طاعَةَ».

وَقَدْ «أخْبَرَ ﷺ عَنْ الَّذِينَ أرادُوا دُخُولَ النّارِ لَمّا أمَرَهم أمِيرُهم بِدُخُولِها: إنّهم لَوْ دَخَلُوا لَما خَرَجُوا مِنها» مَعَ أنَّهم إنّما كانُوا يَدْخُلُونَها طاعَةً لِأمِيرِهِمْ، وظَنًّا أنَّ ذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، ولَكِنْ لَمّا قَصَّرُوا في الِاجْتِهادِ وبادَرُوا إلى طاعَةِ مَن أمَرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وحَمَلُوا عُمُومَ الأمْرِ بِالطّاعَةِ بِما لَمْ يُرِدْهُ الآمِرُ ﷺ وما قَدْ عُلِمَ مِن دِينِهِ إرادَةُ خِلافِهِ، فَقَصَّرُوا في الِاجْتِهادِ وأقْدَمُوا عَلى تَعْذِيبِ أنْفُسِهِمْ وإهْلاكِها مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ وتَبَيُّنٍ هَلْ ذَلِكَ طاعَةٌ لِلَّهِ ورَسُولِهِ أمْ لا، فَما الظَّنُّ بِمَن أطاعَ غَيْرَهُ في صَرِيحِ مُخالَفَةِ ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ؟ ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِرَدِّ ما تَنازَعَ فِيهِ المُؤْمِنُونَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ، وأخْبَرَهم أنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهم في العاجِلِ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا في العاقِبَةِ.

[فصل: النداء بالإيمان]

فأمر سبحانه بطاعته وطاعة رسوله، وافتتح الآية بالنداء باسم الإيمان المشعر بأن المطلوب منهم من موجبات الاسم الذي نودوا به وخوطبوا به، كما يقال: يا من أنعم الله عليه وأغناه من فضله، أحسن كما أحسن الله إليك: ويا أيها العالم علم الناس ما ينفعهم، ويا أيها الحاكم احكم بالحق، ونظائره.

ولهذا كثيرا ما يقع الخطاب في القرآن بالشرائع كقوله تعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾. ففي هذا إشارة إلى أنكم إن كنتم مؤمنين فالإيمان يقتضي منكم كذا وكذا فإنه من موجبات الإيمان وتمامه.

ثم قال تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ فقرن بين طاعة الله والرسول وطاعة أولي الأمر، وسلط عليهما عاملًا واحدًا. وقد كان ربما يسبق إلى الوهم أن الأمر يقتضي عكس هذا فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله ولكن الواقع هنا في الآية المناسب.

وتحته سر لطيف وهو دلالته على أن ما يأمر به رسوله يجب طاعته فيه وإن لم يكن مأمورًا به بعينه في القرآن طاعة الرسول مفردة ومقرونة. فلا يتوهم متوهم أن ما يأمر به الرسول إن لم يكن في القرآن وإلا فلا تجب طاعته فيه، كما قال النبي ﷺ: " يوشك رجل شبعان متكئ على أريكته يأتيه الأمر من أمري فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله تعالى، ما وجدنا فيه من شئ اتبعناه. ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه".

(طاعة أولي الأمر)

أما أولو الأمر فلا تجب طاعة أحدهم إلا إذا اندرجت تحت طاعة الرسول، لا طاعة مفردة مستقلة، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: " على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية الله تعالى فإذا أمر بمعصية الله تعالى فلا سمع ولا طاعة ".

فتأمل كيف اقتضت إعادة هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ ولم يقل: وإلى الرسول. فإن الرد إلى القرآن رد إلى الله والرسول، فما حكم به الله تعالى هو بعينه حكم رسوله وما يحكم به الرسول ﷺ هو بعينه حكم الله. فإذا رددتم إلى الله ما تنازعتم فيه يعني كتابة فقد رددتموه إلى رسوله. وكذلك إذا رددتموه إلى رسوله فقد رددتموه إلى الله، وهذا من أسرار القرآن.

(من هم أولي الأمر)

وقد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى في أولي الأمر وعنه فيهم رحمه الله تعالى روايتان:

إحداهما: أنهم العلماء، والثانية: أنهم الأمراء.

والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعًا فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله، فان العلماء ولاته حفظا وبيانًا وذبًا عنه وردًا على من الحد فيه وزاغ عنه، وقد وكلهم الله بذلك فقال تعالى: ﴿فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين﴾

فيا لها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم وكون الناس تبعًا لهم، والأمراء ولاته قيامًا وعناية وجهادًا وإلزامًا للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه. وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع الإنساني تبع لها ورعية.

ثم قال تعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهذا دليل قاطع على أنه يجب رد موارد النزاع في كل ما تنازع فيه الناس من الدين كله إلى الله ورسوله لا إلى أحد غير الله ورسوله، فمن أحال الرد على غيرهما فقد ضادَّ أمر الله ومن دعا عند النزاع إلى حكم غير الله ورسوله فقد دعا بدعوى الجاهلية، فلا يدخل العبد في الإيمان حتى يرد كل ما تنازع فيه المتنازعون إلى الله ورسوله، ولهذا قال الله تعالى ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ وهذا مما ذكرنا آنفًا أنه شرط ينتفي المشروط بانتفائه، فدل على أن من حَكّمَ غير الله ورسوله في موارد مقتضى النزاع كان خارجًا من مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر، وحسبك بهذه الآية العاصمة القاصمة بيانًا وشفاء فإنها قاصمة لظهور المخالفين لها عاصمة للمتمسكين بها الممتثلين ما أمرت به.

قال الله تعالى ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٢].

وقد اتفق السلف والخلف على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته والرد إلى سنته بعد وفاته.

(سعادة الدارين)

ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولياء الأمر ورد ما تنازعتم فيه إلىَّ وإلى رسولي خير لكم في معاشكم ومعادَكم، وهو سعادتكم في الدارين فهو خير لكم وأحسن عاقبة.

فدل هذا على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلا وآجلًا. ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنه بسبب طاعة الرسول. وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها إنما هو من موجبات مخالفة الرسول ومقتضياتها، فعاد شر الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول وما يترتب عليه فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط، وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة والمصائب الواقعة في الأرض فكذلك هو في الشر والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه فإنما هو بسبب مخالفة الرسول، ولأن طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من الآمنين والكهف الذي من لجأ إليه كان من الناجين.

فعلم أن شرور الدنيا والآخرة إنما هو الجهل بما جاء به الرسول ﷺ والخروج عنه، وهذا برهان قاطع على أنه لا نجاة للعبد ولا سعادة إلا بالاجتهاد في معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علمًا والقيام به عملا.

(كمال السعادة)

وكمال هذه السعادة بأمرين آخرين:

أحدهما: دعوة الخلق إليه.

والثاني: صبره واجتهاده على تلك الدعوة.

(الكمال الإنساني)

فانحصر الكمال الإنساني على هذه المراتب الأربعة.

أحدهما: العلم بما جاء به الرسول ﷺ.

والثانية: العمل به.

والثالثة: نشره في الناس ودعوتهم إليه.

والرابعة: صبره وجهاده في أدائه وتنفيذه.

ومن تطلعت همته إلى معرفة ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم وأراد اتباعهم فهذه طريقهم حقا:

؎فإن شئت وصل القوم فاسلك سبيلهم ∗∗∗ فقد وضحت للسالكين عيانًا

[فصل: الرَّدُّ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ]

وَمِنها: أنَّهُ جَعَلَ هَذا الرَّدَّ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ ولَوازِمِهِ، فَإذا انْتَفى هَذا الرَّدُّ انْتَفى الإيمانُ؛ ضَرُورَةُ انْتِفاءِ المَلْزُومِ لِانْتِفاءِ لازِمِهِ، ولا سِيَّما التَّلازُمُ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَإنَّهُ مِن الطَّرَفَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما يَنْتَفِي بِانْتِفاءِ الآخَرِ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ هَذا الرَّدَّ خَيْرٌ لَهُمْ، وأنَّ عاقِبَتَهُ أحْسَنُ عاقِبَةً، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ مَن تَحاكَمَ أوْ حاكَمَ إلى غَيْرِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَقَدْ حَكَّمَ الطّاغُوتَ وتَحاكَمَ إلَيْهِ، والطّاغُوتُ: كُلُّ ما تَجاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِن مَعْبُودٍ أوْ مَتْبُوعٍ أوْ مُطاعٍ؛ فَطاغُوتُ كُلِّ قَوْمٍ مِن يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، أوْ يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، أوْ يَتْبَعُونَهُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ مِن اللَّهِ، أوْ يُطِيعُونَهُ فِيما لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ طاعَةٌ لِلَّهِ؛ فَهَذِهِ طَواغِيتُ العالَمِ إذا تَأمَّلْتَها وتَأمَّلْتَ أحْوالَ النّاسِ مَعَها رَأيْت أكْثَرَهم عَدَلُوا مِن عِبادَةِ اللَّهِ إلى عِبادَةِ الطّاغُوتِ، وعَنْ التَّحاكُمِ إلى اللَّهِ وإلى الرَّسُولِ إلى التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ، وعَنْ طاعَتِهِ ومُتابَعَةِ رَسُولِهِ إلى طاعَةِ الطّاغُوتِ ومُتابَعَتِهِ، وهَؤُلاءِ لَمْ يَسْلُكُوا طَرِيقَ النّاجِينَ الفائِزِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ - وهم الصَّحابَةُ ومَن تَبِعَهم - ولا قَصَدُوا قَصْدَهُمْ، بَلْ خالَفُوهم في الطَّرِيقِ والقَصْدِ مَعًا، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ بِأنَّهم إذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ أعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ، ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلدّاعِي، ورَضُوا بِحُكْمِ غَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِأنَّهم إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في عُقُولِهِمْ وأدْيانِهِمْ وبَصائِرهمْ وأبْدانِهِمْ وأمْوالِهِمْ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ وتَحْكِيمِ غَيْرِهِ والتَّحاكُمِ إلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] اعْتَذَرُوا بِأنَّهم إنّما قَصَدُوا الإحْسانَ والتَّوْفِيقَ، أيْ بِفِعْلِ ما يُرْضِي الفَرِيقَيْنِ ويُوَفِّقُ بَيْنَهُما كَما يَفْعَلُهُ مَن يَرُومُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ وبَيْنَ ما خالَفَهُ، ويَزْعُمُ أنَّهُ بِذَلِكَ مُحْسِنٌ قاصِدٌ الإصْلاحَ والتَّوْفِيقَ، والإيمانُ إنّما يَقْتَضِي إلْقاءَ الحَرْبِ بَيْنَ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ وبَيْنَ كُلِّ ما خالَفَهُ مِن طَرِيقَةٍ وحَقِيقَةٍ وعَقِيدَةٍ وسِياسَةٍ ورَأْيٍ؛ فَرَخَّصَ الإيمانُ في هَذا الحَرْبِ لا في التَّوْفِيقِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

ثُمَّ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ عَلى نَفْيِ الإيمانِ عَنْ العِبادِ حَتّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ في كُلِّ ما شَجَرَ بَيْنَهم مِن الدَّقِيقِ والجَلِيلِ، ولَمْ يَكْتَفِ في إيمانِهِمْ بِهَذا التَّحْكِيمِ بِمُجَرَّدِهِ حَتّى يَنْتَفِيَ عَنْ صُدُورِهِمْ الحَرَجُ والضِّيقُ عَنْ قَضائِهِ وحُكْمِهِ، ولَمْ يَكْتَفِ مِنهم أيْضًا بِذَلِكَ حَتّى يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، ويَنْقادُوا انْقِيادًا.

وَقالَ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لَيْسَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَخْتارَ بَعْدَ قَضائِهِ وقَضاءِ رَسُولِهِ، ومَن تَخَيَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا.

فَصْلٌ [فُقَهاءُ الإسْلامِ ومَنزِلَتُهُمْ]

القِسْمُ الثّانِي: فُقَهاءُ الإسْلامِ، ومَن دارَتْ الفُتْيا عَلى أقْوالِهِمْ بَيْنَ الأنامِ، الَّذِينَ خُصُّوا بِاسْتِنْباطِ الأحْكامِ، وعَنَوْا بِضَبْطِ قَواعِدِ الحَلالِ والحَرامِ؛ فَهم في الأرْضِ بِمَنزِلَةِ النُّجُومِ في السَّماءِ، بِهِمْ يَهْتَدِي الحَيْرانُ في الظَّلْماءِ، وحاجَةُ النّاسِ إلَيْهِمْ أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ، وطاعَتُهم أفْرَضَ عَلَيْهِمْ مِن طاعَةِ الأُمَّهاتِ والآباءِ بِنَصِّ الكِتابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [النساء: ٥٩] قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والحَسَنُ البَصْرِيُّ وأبُو العالِيَةِ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْهُ: أُولُو الأمْرِ هم العُلَماءُ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ الإمامِ أحْمَدَ.

وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ في الرِّوايَةِ الأُخْرى وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ: هم الأُمَراءُ، وهو الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ عَنْ أحْمَدَ.

[طاعَةُ الأُمَراءِ تابِعَةٌ لِطاعَةِ العُلَماءِ]

والتَّحْقِيقُ أنَّ الأُمَراءَ إنّما يُطاعُونَ إذا أمَرُوا بِمُقْتَضى العِلْمِ؛ فَطاعَتُهم تَبَعٌ لِطاعَةِ العُلَماءِ؛ فَإنَّ الطّاعَةَ إنّما تَكُونُ في المَعْرُوفِ وما أوْجَبَهُ العِلْمُ، فَكَما أنَّ طاعَةَ العُلَماءِ تَبَعٌ لِطاعَةِ الرَّسُولِ فَطاعَةُ الأُمَراءِ تَبَعٌ لِطاعَةِ العُلَماءِ، ولَمّا كانَ قِيامُ الإسْلامِ بِطائِفَتَيْ العُلَماءِ والأُمَراءِ، وكانَ النّاسُ كُلُّهم لَهم تَبَعًا، كانَ صَلاحُ العالَمِ بِصَلاحِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ، وفَسادُهُ بِفَسادِهِما، كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ وغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ: صِنْفانِ مِن النّاسِ إذا صَلَحا صَلَحَ النّاسُ، وإذا فَسَدا فَسَدَ النّاسُ، قِيلَ: مَن هُمْ؟ قالَ: المُلُوكُ، والعُلَماءُ كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ:

؎رَأيْت الذُّنُوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ∗∗∗ وقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمانُها

؎وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَياةُ القُلُوبِ ∗∗∗ وخَيْرٌ لِنَفْسِك عِصْيانُها

؎وَهَلْ أفْسَدَ الدِّينَ إلّا المُلُوكُ ∗∗∗ وأحْبارُ سُوءٍ ورُهْبانُها

[النَّهْيُ عَنْ أنْ يُقالَ هَذا حُكْمُ اللَّهِ]

«وَقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أمِيرَهُ بُرَيْدَةَ أنْ يُنَزِّلَ عَدُوَّهُ إذا حاصَرَهم عَلى حُكْمِ اللَّهِ، وقالَ: فَإنَّك لا تَدْرِي أتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أمْ لا، ولَكِنْ أنْزِلْهم عَلى حُكْمِك وحُكْمِ أصْحابِك»

فَتَأمَّلْ كَيْف فَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ الأمِيرِ المُجْتَهِدِ، ونَهى أنْ يُسَمّى حُكْمُ المُجْتَهِدِينَ حُكْمَ اللَّهِ.

وَمِن هَذا لَمّا كَتَبَ الكاتِبُ بَيْنَ يَدَيْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -

حُكْمًا حَكَمَ بِهِ فَقالَ: هَذا ما أرى اللَّهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ، فَقالَ: لا تَقُلْ هَكَذا ولَكِنْ قُلْ: هَذا ما رَأى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ.

وَقالَ ابْنُ وهْبٍ: سَمِعْت مالِكًا يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ مِن أمْرِ النّاسِ ولا مَن مَضى مِن سَلَفِنا، ولا أدْرَكْت أحَدًا أقْتَدِي بِهِ يَقُولُ في شَيْءٍ: هَذا حَلالٌ، وهَذا حَرامٌ، وما كانُوا يَجْتَرِئُونَ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: نَكْرَهُ كَذا، ونَرى هَذا حَسَنًا؛ فَيَنْبَغِي هَذا، ولا نَرى هَذا، ورَواهُ عَنْهُ عَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ، وزادَ: ولا يَقُولُونَ حَلالٌ ولا حَرامٌ، أما سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]

الحَلالُ: ما أحَلَّهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، والحَرامُ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ.

[لَفْظُ الكَراهَةِ يُطْلَقُ عَلى المُحَرَّمِ]

قُلْت: وقَدْ غَلِطَ كَثِيرٌ مِن المُتَأخِّرِينَ مِن أتْباعِ الأئِمَّةِ عَلى أئِمَّتِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَيْثُ تَوَرَّعَ الأئِمَّةُ عَنْ إطْلاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ، وأطْلَقُوا لَفْظَ الكَراهَةِ، فَنَفى المُتَأخِّرُونَ التَّحْرِيمَ عَمّا أطْلَقَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ الكَراهَةَ، ثُمَّ سَهُلَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ الكَراهَةِ وخَفَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَيْهِمْ فَحَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى التَّنْزِيهِ، وتَجاوَزَ بِهِ آخَرُونَ إلى كَراهَةِ تَرْكِ الأوْلى، وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا في تَصَرُّفاتِهِمْ؛ فَحَصَلَ بِسَبَبِهِ غَلَطٌ عَظِيمٌ عَلى الشَّرِيعَةِ وعَلى الأئِمَّةِ، وقَدْ قالَ الإمامُ أحْمَدُ في الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ: أكْرَهُهُ، ولا أقُولُ هو حَرامٌ، ومَذْهَبُهُ تَحْرِيمُهُ، وإنَّما تَوَرَّعَ عَنْ إطْلاقِ لَفْظِ التَّحْرِيمِ لِأجْلِ قَوْلِ عُثْمانَ.

وَقالَ أبُو القاسِمِ الخِرَقِيِّ فِيما نَقَلَهُ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ: ويُكْرَهُ أنْ يُتَوَضَّأ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ومَذْهَبُهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ، وقالَ في رِوايَةِ أبِي داوُد: ويُسْتَحَبُّ أنْ لا يَدْخُلَ الحَمّامَ إلّا بِمِئْزَرٍ لَهُ، وهَذا اسْتِحْبابُ وُجُوبٍ، وقالَ في رِوايَةِ إسْحاقَ بْنِ مَنصُورٍ: إذا كانَ أكْثَرُ مالِ الرَّجُلِ حَرامًا فَلا يُعْجِبُنِي أنْ يُؤْكَلَ مالُهُ، وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ.

وَقالَ في رِوايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: لا يُعْجِبُنِي أكْلُ ما ذُبِحَ لِلزَّهْرَةِ ولا الكَواكِبِ ولا الكَنِيسَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣].

فَتَأمَّلْ كَيْف قالَ: " لا يُعْجِبُنِي " فِيما نَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى تَحْرِيمِهِ، واحْتَجَّ هو أيْضًا بِتَحْرِيمِ اللَّهِ لَهُ في كِتابِهِ، وقالَ في رِوايَةِ الأثْرَمِ: أكْرَهُ لُحُومَ الجَلّالَةِ وألْبانَها، وقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْرِيمِ في رِوايَةِ حَنْبَلٍ وغَيْرِهِ، وقالَ في رِوايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: أكْرَهُ أكْلَ لَحْمِ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ؛ لِأنَّ الحَيَّةَ لَها نابٌ والعَقْرَبُ لَها حُمَةٌ ولا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُهُ في تَحْرِيمِهِ، وقالَ في رِوايَةِ حَرْبٍ: إذا صادَ الكَلْبُ مِن غَيْرِ أنْ يُرْسَلَ فَلا يُعْجِبُنِي؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا أرْسَلْت كَلْبَك وسَمَّيْت» فَقَدْ أطْلَقَ لَفْظَهُ " لا يُعْجِبُنِي " عَلى ما هو حَرامٌ عِنْدَهُ.

ثم قال ابن القيم:

فالسَّلَفُ كانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الكَراهَةَ في مَعْناها الَّذِي اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَكِنْ المُتَأخِّرُونَ اصْطَلَحُوا عَلى تَخْصِيصِ الكَراهَةِ بِما لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وتَرْكُهُ أرْجَحُ مِن فِعْلِهِ، ثُمَّ حَمَلَ مَن حَمَلَ مِنهم كَلامَ الأئِمَّةِ عَلى الِاصْطِلاحِ الحادِثِ، فَغَلِطَ في ذَلِكَ، وأقْبَحُ غَلَطًا مِنهُ مَن حَمَلَ لَفْظَ الكَراهَةِ أوْ لَفْظَ " لا يَنْبَغِي " في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عَلى المَعْنى الِاصْطِلاحِيِّ الحادِثِ، وقَدْ اطَّرَدَ في كَلامِ اللَّهِ ورَسُولِهِ اسْتِعْمالُ " لا يَنْبَغِي " في المَحْظُورِ شَرْعًا وقَدَرًا وفي المُسْتَحِيلِ المُمْتَنِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [مريم: ٩٢] وقَوْلِهِ: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]

وَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ - وما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠-٢١١]

«وَقَوْلِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وما يَنْبَغِي لَهُ، وشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وما يَنْبَغِي لَهُ» وقَوْلِهِ ﷺ: «إنّ اللَّهَ لا يَنامُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنامَ» وقَوْلِهِ ﷺ في لِباسِ الحَرِيرِ: «لا يَنْبَغِي هَذا لِلْمُتَّقِينَ» وأمْثالِ ذَلِكَ.

[فَصْلٌ قَوْلُ نُفاةِ القِياسِ]

قَدْ أتَيْنا عَلى ذِكْرِ فُصُولٍ نافِعَةٍ وأُصُولٍ جامِعَةٍ في تَقْرِيرِ القِياسِ والِاحْتِجاجِ بِهِ لَعَلَّكَ لا تَظْفَرُ بِها في غَيْرِ هَذا الكِتابِ، ولا بِقَرِيبٍ مِنها، فَلْنَذْكُرْ مَعَ ذَلِكَ ما قابَلَها مِن النُّصُوصِ والأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَمِّ القِياسِ، وأنَّهُ لَيْسَ مِن الدِّينِ، وحُصُولِ الِاسْتِغْناءِ عَنْهُ والِاكْتِفاءِ بِالوَحْيَيْنِ، وها نَحْنُ نَسُوقُها مُفَصَّلَةً مُبَيَّنَةً بِحَمْدِ اللَّهِ.

قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الرَّدَّ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - هو الرَّدُّ إلى كِتابِهِ، والرَّدَّ إلى الرَّسُولِ ﷺ هو الرَّدُّ إلَيْهِ في حُضُورِهِ وحَياتِهِ وإلى سُنَّتِهِ في غَيْبَتِهِ وبَعْدَ مَماتِهِ، والقِياسُ لَيْسَ بِهَذا ولا هَذا.

وَلا يُقالُ: الرَّدُّ إلى القِياسِ هو مِن الرَّدِّ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، لِدَلالَةِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - إنّما رَدَّنا إلى كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ولَمْ يَرُدَّنا إلى قِياسِ عُقُولِنا وآرائِنا قَطُّ، بَلْ قالَ - تَعالى - لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، وقالَ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ولَمْ يَقُلْ بِما رَأيْتَ أنْتَ، وقالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، وقالَ - تَعالى -: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣]، وقالَ - تَعالى -: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١]، وقالَ: ﴿قُلْ إنْ ضَلَلْتُ فَإنَّما أضِلُّ عَلى نَفْسِي وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: ٥٠]، فَلَوْ كانَ القِياسُ هُدًى لَمْ يَنْحَصِرْ الهُدى في الوَحْيِ، وقالَ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فَنَفى الإيمانَ حَتّى يُوجَدَ تَحْكِيمُهُ وحْدَهُ، وهو تَحْكِيمُهُ في حالِ حَياتِهِ وتَحْكِيمُ سُنَّتِهِ فَقَطْ بَعْدَ وفاتِهِ، وقالَ - تَعالى -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، أيْ لا تَقُولُوا حَتّى يَقُولَ.

قالَ نُفاةُ القِياسِ: والإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ حَرَّمَ ما سَكَتَ عَنْهُ أوْ أوْجَبَهُ قِياسًا عَلى ما تَكَلَّمَ بِتَحْرِيمِهِ أوْ إيجابِهِ تَقَدُّمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَإنَّهُ إذا قالَ: " حَرَّمْتُ عَلَيْكم الرِّبا في البُرِّ " فَقُلْنا: ونَحْنُ نَقِيسُ عَلى قَوْلِكَ البَلُّوطَ، فَهَذا مَحْضُ التَّقَدُّمِ.

قالُوا: وقَدْ حَرَّمَ - سُبْحانَهُ - أنْ نَقُولَ عَلَيْهِ ما لا نَعْلَمُ، فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَقَدْ واقَعْنا هَذا المُحَرَّمَ يَقِينًا، فَإنّا غَيْرُ عالَمِينَ بِأنَّهُ أرادَ مِن تَحْرِيمِ الرِّبا في الذَّهَبِ والفِضَّةِ تَحْرِيمَهُ في القَدِيدِ مِن اللُّحُومِ، وهَذا قَفْوٌ مِنّا ما لَيْسَ لَنا بِهِ عِلْمٌ، وتَعَدٍّ لِما حُدَّ لَنا، " ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ "، والواجِبُ أنْ نَقِفَ عِنْدَ حُدُودِهِ، ولا نَتَجاوَزَها ولا نُقَصِّرَ بِها.

وَلا يُقالُ: فَإبْطالُ القِياسِ وتَحْرِيمُهُ والنَّهْيُ عَنْهُ تَقَدُّمٌ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وتَحْرِيمٌ لِما لَمْ يَنُصَّ عَلى تَحْرِيمِهِ، وقَفْوٌ مِنكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ [عِلْمٌ]؛ لِأنّا نَقُولُ: اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أخْرَجْنا مِن بُطُونِ أُمَّهاتِنا لا نَعْلَمُ شَيْئًا، وأنْزَلَ عَلَيْنا كِتابَهُ، وأرْسَلَ إلَيْنا رَسُولَهُ يُعَلِّمُنا الكِتابَ والحِكْمَةَ، فَما عَلِمْناهُ وبَيَّنَهُ لَنا فَهو مِن الدِّينِ، وما لَمْ يُعَلِّمْناهُ ولا بَيَّنَ لَنا أنَّهُ مِن الدِّينِ فَلَيْسَ مِن الدِّينِ ضَرُورَةً، وكُلُّ ما لَيْسَ مِن الدِّينِ فَهو باطِلٌ؛ فَلَيْسَ بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ؛ وقَدْ قالَ - تَعالى -: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فاَلَّذِي أكْمَلَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - وبَيَّنَهُ وهو دِينُنا، لا دَيْنَ لَنا سِواهُ، فَأيْنَ فِيما أكْمَلَهُ لَنا " قِيسُوا ما سَكَتُّ عَنْهُ عَلى ما تَكَلَّمْتُ بِإيجابِهِ أوْ تَحْرِيمِهِ أوْ إباحَتِهِ، سَواءٌ كانَ الجامِعُ بَيْنَهُما عِلَّةً أوْ دَلِيلَ عِلَّةٍ أوْ وصْفًا شَبَهِيًّا، فاسْتَعْمِلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ وانْسِبُوهُ إلَيَّ وإلى رَسُولِي وإلى دِينِي واحْكُمُوا بِهِ عَلَيَّ ".

قالُوا: وقَدْ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]، وأخْبَرَ رَسُولُهُ: " إنّ الظَّنَّ أكْذَبُ الحَدِيثِ " ونَهى عَنْهُ، ومِن أعْظَمِ الظَّنِّ ظَنُّ القِياسِيِّينَ، فَإنَّهم لَيْسُوا عَلى يَقِينٍ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حَرَّمَ بَيْعَ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ والحَلْوى بِالعِنَبِ والنَّشا بِالبُرِّ، وإنَّما هي ظُنُونٌ مُجَرَّدَةٌ لا تُغْنِي مِن الحَقِّ شَيْئًا.

قالُوا: وإنْ لَمْ يَكُنْ قِياسُ الضُّراطِ عَلى " السَّلامُ عَلَيْكم " مِن الظَّنِّ الَّذِي نُهِينا عَنْ اتِّباعِهِ وتَحْكِيمِهِ وأخْبَرَنا أنَّهُ لا يُغْنِي مِن الحَقِّ شَيْئًا فَلَيْسَ في الدُّنْيا ظَنٌّ باطِلٌ، فَأيْنَ الضُّراطُ مِن " السَّلامُ عَلَيْكم "؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ قِياسُ الماءِ الَّذِي لاقى الأعْضاءَ الطّاهِرَةَ الطَّيِّبَةَ عِنْدَ اللَّهِ في إزالَةِ الحَدَثِ عَلى الماءِ الَّذِي لاقى أخْبَثَ العَذِراتِ والمَيْتاتِ والنَّجاساتِ ظَنًّا فَلا نَدْرِي ما الظَّنُّ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - القَوْلَ بِهِ وذَمَّهُ في كِتابِهِ وسَلَخَهُ مِن الحَقِّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قِياسُ أعْداءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن عُبّادِ الصُّلْبانِ واليَهُودِ الَّذِي هم أشَدُّ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أوْلِيائِهِ وخِيارِ خَلْقِهِ وِساداتِ الأُمَّةِ وعُلَمائِها وصُلَحائِها في تَكافُؤِ دِمائِهِمْ وجَرَيانِ القِصاصِ بَيْنَهم فَلَيْسَ في الدُّنْيا ظَنٌّ يُذَمُّ اتِّباعُهُ.

قالُوا: ومِن العَجَبِ أنَّكم قِسْتُمْ أعْداءَ اللَّهِ عَلى أوْلِيائِهِ في جَرَيانِ القِصاصِ بَيْنَهم فَقَتَلْتُمْ ألْفَ ولِيٍّ لِلَّهِ قَتَلُوا نَصْرانِيًّا واحِدًا يُجاهِرُهم بِسَبِّ اللَّهِ ورَسُولِهِ وكِتابِهِ عَلانِيَةً، ولَمْ تَقِيسُوا مَن ضَرَبَ رَأْسَ رَجُلٍ بِدَبُّوسِ فَنَثَرَ دِماغَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى مَن طَعَنَهُ بِمِسَلَّةٍ فَقَتَلَهُ.

قالُوا: وسَنُبَيِّنُ لَكم مِن تَناقُضِ أقْيِسَتِكم واخْتِلافِها وشِدَّةِ اضْطِرابِها ما يُبَيِّنُ أنَّها مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ.

قالُوا: واللَّهُ - تَعالى - لَمْ يَكِلْ بَيانَ شَرِيعَتِهِ إلى آرائِنا وأقْيِسَتِنا واسْتِنْباطِنا، وإنَّما وكَلَها إلى رَسُولِهِ المُبَيِّنِ عَنْهُ، فَما بَيَّنَهُ عَنْهُ وجَبَ اتِّباعُهُ، وما لَمْ يُبَيِّنْهُ فَلَيْسَ مِن الدِّينِ، ونَحْنُ نُناشِدُكم اللَّهَ: هَلْ اعْتِمادُكم في هَذِهِ الأقْيِسَةِ الشَّبَهِيَّةِ والأوْصافِ الحَدْسِيَّةِ التَّخْمِينِيَّةِ عَلى بَيانِ الرَّسُولِ أمْ عَلى آراءِ الرِّجالِ وظُنُونِهِمْ وحَدْسِهِمْ؟ قالَ اللَّهُ - تَعالى -: ﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، فَأيْنَ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنِّي إذا حَرَّمْتُ شَيْئًا أوْ أوْجَبْتُهُ أوْ أبَحْتُهُ فاسْتَخْرَجُوا وصْفًا ما شَبَهِيًّا جامِعًا بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ جَمِيعِ ما سَكَتُّ عَنْهُ فَألْحِقُوهُ بِهِ وقِيسُوا عَلَيْهِ.

قالُوا: واللَّهُ - تَعالى - قَدْ نَهى عَنْ ضَرْبِ الأمْثالِ لَهُ، فَكَما لا تُضْرَبُ لَهُ الأمْثالُ لا تُضْرَبُ لِدِينِهِ، وتَمْثِيلُ ما لَمْ يَنُصَّ عَلى حُكْمِهِ بِما نَصَّ عَلَيْهِ لِشَبَهِ ما ضَرَبَ الأمْثالَ لِدِينِهِ، وهَذا بِخِلافِ ما ضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن الأمْثالِ في كَثِيرٍ مِن الأحْكامِ الَّتِي سَألَ عَنْها، كَما أمَرَهم بِقَضاءِ الصَّلاةِ الَّتِي نامُوا عَنْها فَقالُوا: «ألا نُصَلِّيها لِوَقْتِها مِن الغَدِ؟ فَقالَ: أيَنْهاكم عَنْ الرِّبا ويَقْبَلُهُ مِنكُمْ»، وكَما «قالَ لِعُمَرَ وقَدْ سَألَهُ عَنْ القُبْلَةِ لِلصّائِمِ أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِماءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ»، وكَما «قالَ لِمَن سَألَتْهُ عَنْ الحَجِّ عَنْ أبِيها أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ»، وكَما «قالَ لِمَن سَألَهُ: هَلْ يُثابُ عَلى وطْءِ زَوْجَتِهِ أرَأيْتُمْ لَوْ وضَعَها في الحَرامِ».

[مِن الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ ورَسُولُهُ]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском