Ibn al-QayyimAn‑Nisa · 4:59–78

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:59–78, continued

فَإنْ كُنّا قَدْ حَذَّرْنا زَلَّةَ العالِمِ وقِيلَ لَنا: إنّها مِن أخْوَفِ ما يُخافُ عَلَيْنا، وأُمِرْنا مَعَ ذَلِكَ أنْ لا نَرْجِعَ عَنْهُ، فالواجِبُ عَلى مَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ إذا بَلَغَتْهُ مَقالَةٌ ضَعِيفَةٌ عَنْ بَعْضِ الأئِمَّةِ أنْ لا يَحْكِيَها لِمَن يَتَقَلَّدُها، بَلْ يَسْكُتُ عَنْ ذِكْرِها إنْ تَيَقَّنَ صِحَّتَها، وإلّا تَوَقَّفَ في قَبُولِها؛ فَكَثِيرًا ما يُحْكى عَنْ الأئِمَّةِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وكَثِيرٌ مِن المَسائِلِ يُخَرِّجُها بَعْضُ الأتْباعِ عَلى قاعِدَةٍ مَتْبُوعِهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الإمامَ لَوْ رَأى أنَّها تُفْضِي إلى ذَلِكَ لَما التَزَمَها، وأيْضًا فَلازِمُ المَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، وإنْ كانَ لازِمُ النَّصِّ حَقًّا؛ لِأنَّ الشّارِعَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّناقُضُ، فَلازِمُ قَوْلِهِ حَقٌّ، وأمّا مَن عَداهُ فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ الشَّيْءَ ويَخْفى عَلَيْهِ لازِمُهُ، ولَوْ عَلِمَ أنَّ هَذا لازِمُهُ لَما قالَهُ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذا مَذْهَبُهُ، ويَقُولُ ما لَمْ يَقُلْهُ، وكُلُّ مَن لَهُ عِلْمٌ بِالشَّرِيعَةِ وقَدْرِها وبِفَضْلِ الأئِمَّةِ ومَقادِيرِهِمْ وعِلْمِهِمْ ووَرَعِهِمْ ونَصِيحَتِهِمْ لِلدِّينِ تَيَقَّنَ أنَّهم لَوْ شاهَدُوا أمْرَ هَذِهِ الحِيَلِ وما - أفَضْتَ إلَيْهِ مِن التَّلاعُبِ بِالدِّينِ لَقَطَعُوا بِتَحْرِيمِها.

وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ أفْتَوْا مِن العُلَماءِ بِبَعْضِ مَسائِلِ الحِيَلِ وأخَذُوا ذَلِكَ مِن بَعْضِ قَواعِدِهِمْ لَوْ بَلَغَهم ما جاءَ في ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ لَرَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ يَقِينًا، فَإنَّهم كانُوا في غايَةِ الإنْصافِ، وكانَ أحَدُهم يَرْجِعُ عَنْ رَأْيِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ غَيْرُ واحِدٍ مِنهم وإنْ كانُوا كُلُّهم مُجْمِعِينَ عَلى ذَلِكَ.

قالَ الشّافِعِيُّ: إذا صَحَّ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاضْرِبُوا بِقَوْلِي الحائِطَ، وهَذا وإنْ كانَ لِسانُ الشّافِعِيِّ فَإنَّهُ لِسانُ الجَماعَةِ كُلِّهِمْ، ومِن الأُصُولِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْها الأئِمَّةُ أنَّ أقْوالَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المُنْتَشِرَةِ لا تُتْرَكُ إلّا بِمِثْلِها. يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ القَوْلَ بِتَحْرِيمِ الحِيَلِ قَطْعِيٌّ لَيْسَ مِن مَسالِكِ الِاجْتِهادِ؛ إذْ لَوْ كانَ مِن مَسالِكِ الِاجْتِهادِ لَمْ يَتَكَلَّمْ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ والأئِمَّةُ في أرْبابِ الحِيَلِ بِذَلِكَ الكَلامِ الغَلِيظِ الَّذِي ذَكَرْنا مِنهُ اليَسِيرَ مِن الكَثِيرِ، وقَدْ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلى أنَّها بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ؛ فَلا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَن يُفْتِي بِها، ويَجِبُ نَقْضُ حُكْمِهِ، ولا يَجُوزُ الدَّلالَةُ لِلْمُقَلِّدِ عَلى مَن يُفْتِي بِها، وقَدْ نَصَّ الإمامُ أحْمَدُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ الأئِمَّةِ، كَما أنَّ المَكِّيِّينَ والكُوفِيِّينَ لا يَجُوزُ تَقْلِيدُهم في مَسْألَةِ المُتْعَةِ والصَّرْفِ والنَّبِيذِ، ولا يَجُوزُ تَقْلِيدُ بَعْضِ المَدَنِيِّينَ في مَسْألَةِ الحُشُوشِ وإتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ بَلْ عِنْدَ فُقَهاءِ الحَدِيثِ أنَّ مَن شَرِبَ النَّبِيذَ المُخْتَلِفَ فِيهِ حُدَّ، وهَذا فَوْقَ الإنْكارِ بِاللِّسانِ، بَلْ عِنْدَ فُقَهاءِ أهْلِ المَدِينَةِ يُفَسَّقُ، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ مَن قالَ: لا إنْكارَ في المَسائِلِ المُخْتَلَفِ فِيها، وهَذا خِلافُ إجْماعِ الأئِمَّةِ، ولا يُعْلَمُ إمامٌ مِن أئِمَّةِ الإسْلامِ قالَ ذَلِكَ، وقَدْ نَصَّ الإمامُ أحْمَدُ عَلى أنَّ مَن تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ مِن الزِّنا يُقْتَلُ، والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ ومالِكٌ لا يَرَوْنَ خِلاف أبِي حَنِيفَةَ فِيمَن تَزَوَّجَ أُمَّهُ وابْنَتَهُ أنَّهُ يُدْرَأُ عَنْهُ الحَدُّ بِشُبْهَةٍ دَراءَةٍ لِلْحَدِّ، بَلْ عِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُقْتَلُ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ يُحَدُّ حَدَّ الزِّنا في هَذا، مَعَ أنَّ القائِلِينَ بِالمُتْعَةِ والصَّرْفِ مَعَهم سُنَّةٌ وإنْ كانَتْ مَنسُوخَةً، وأرْبابُ الحِيَلِ لَيْسَ مَعَهم سُنَّةٌ، ولا أثَرٌ عَنْ صاحِبٍ، ولا قِياسٌ صَحِيحٌ.

4:60Page 88

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to ṭāghūt,1 while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

No commentary for this ayah

4:61Page 88

وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١

And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

No commentary for this ayah

4:62Page 88

فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

No commentary for this ayah

4:63Page 88

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣

Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.

No commentary for this ayah

4:64Page 88

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.

No commentary for this ayah

4:65Page 88

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

فَأقْسَمَ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ، وحَتّى يَرْتَفِعَ الحَرَجُ مِن نُفُوسِهِمْ مِن حُكْمِهِ، وحَتّى يُسَلِّمُوا لِحُكْمِهِ تَسْلِيمًا. وهَذا حَقِيقَةُ الرِّضا بِحُكْمِهِ.

فالتَّحْكِيمُ: في مَقامِ الإسْلامِ. وانْتِفاءُ الحَرَجِ: في مَقامِ الإيمانِ. والتَّسْلِيمُ: في مَقامِ الإحْسانِ.

وَمَتّى خالَطَ القَلْبَ بَشاشَةُ الإيمانِ، واكْتَحَلَتْ بَصِيرَتُهُ بِحَقِيقَةِ اليَقِينِ، وحَيّى بِرُوحِ الوَحْيِ، وتَمَهَّدَتْ طَبِيعَتُهُ، وانْقَلَبَتِ النَّفْسُ الأمّارَةُ مُطَمَئِنَّةً راضِيَةً وادِعَةً، وتَلَقّى أحْكامَ الرَّبِّ تَعالى بِصَدْرٍ واسِعٍ مُنْشَرِحٍ مُسْلِمٍ: فَقَدْ رَضِيَ كُلَّ الرِّضا بِهَذا القَضاءِ الدِّينِيِّ المَحْبُوبِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ.

(فائدة)

أقسم سبحانه بنفسه المقدسة قسمًا مؤكدًا بالنفي قبله على عدم إيمان الخلق حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الأصول والفروع وأحكام الشرع وأحكام المعاد وسائر الصفات وغيرها ولم يثبت لهم الإيمان بمجرد هذا التحكيم حتى ينتفى عنهم الحرج وهو ضيق الصدر وتنشرح صدورهم لحكمه كل الانشراح وتنفسح له كل الانفساح وتقبله كل القبول ولم يثبت لهم الإيمان.

بذلك أيضًا حتى ينضاف إليه مقابلة حكمة بالرضى والتسليم وعدم المنازعة وانتفاء المعارضة والاعتراض فهنا قد يحكم الرجل غيره وعنده حرج من حكمه ولا يلزم من انتفاء الحرج والرضا والتسليم والانقياد إذ قد يحكمه وينتفى الحرج عنه في تحكيمه ولكن لا ينقاد قلبه ولا يرضى كل الرضى بحكمه والتسليم أخص من انتفاء الحرج فالحرج مانع والتسليم أمر وجودى ولا يلزم من انتفاء حصوله بمجرد انتفائه إذ قد ينتفي الحرج ويبقى القلب فارغا من ومن الرضى به والتسليم له فتأمله.

وعند هذا يعلم أن الرب تبارك وتعالى أقسم على انتفاء إيمان أكثر الخلق وعند الامتحان تعلم هل هذه الأمور الثلاثة موجودة في قلب أكثر من يدعي الإسلام أم لا.

والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

(فوائد أخرى)

وقد أقسم سبحانه بنفسه المقدسة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم ولا يكفي ذلك في حصول الإيمان حتى يزول الحرج من نفوسهم بما حكم به في ذلك أيضا حتى يحصل منهم الرضا والتسليم فقال تعالى ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

فأكد ذلك بضروب من التأكيد

أحدها: تصدير الجملة المقسم عليها بحرف النفي المتضمن لتأكيد النفي المقسم عليه وهو في ذلك كتصدير الجملة المثبتة بإن.

الثاني: القسم بنفسه سبحانه.

الثالث: أنه أتى بالمقسم عليه بصيغة الفعل الدالة على الحدوث أي لا يقع منهم إيمان ما حتى يحكموك.

الرابع: أنه أتى في الغاية بحتى دون إلا المشعرة بأنه لا يوجد الإيمان إلا بعد حصول التحكيم لأن ما بعد حتى يدخل فيما قبلها.

الخامس: أنه أتى المحكم فيه بصيغة الموصول الدالة على العموم وهو قوله ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي في جميع ما تنازعوا فيه من الدقيقة والجليلة.

السادس أنه ضم إلى ذلك انتفاء الحرج وهو الضيق من حكمه.

السابع: أنه أتى به نكرة في سياق النفي أي لا يجدون نوعا من أنواع الحرج البتة.

الثامن: أنه أتى بذكر ما قضى به بصيغة العموم فإنها إما مصدرية أي من قضائك أو موصولة أي من الذي قضيته وهذا يتناول كل فرد من أفراد قضائه.

التاسع: أنه لم يكتف منهم بذلك حتى يضيفوا إليه التسليم وهو قدر زائد على التحكيم وانتفاء الحرج فما كل من حكم انتفى عنه الحرج ولا كل من انتفى عنه الحرج يكون مسلما منقادا فإن التسليم يتضمن الرضا بحكمه والانقياد له.

العاشر: أنه أكد فعل التسليم بالمصدر المؤكد ونحن نناشد هؤلاء الجهمية بالله الذي لا إله إلا هو هل يجدون في أنفسهم هذا التسليم والانقياد والتحكيم للنصوص وهل هم مع الرسول وما جاء به بهذه المنزلة فوالله إن قلوبهم وألسنتهم وكتبهم لتشهد عليهم بضد ذلك كما يشهد به عليهم المؤمنون والملائكة وأولو العلم والله سبحانه وكفى بالله شهيدا.

(فصل)

وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (مَنزِلَةُ التَّسْلِيمِ)

وَهِيَ نَوْعانِ: تَسْلِيمٌ لِحُكْمِهِ الدِّينِيِّ الأمْرِيِّ. وتَسْلِيمٌ لِحُكْمِهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ.

فَأمّا الأوَّلُ: فَهو تَسْلِيمُ المُؤْمِنِينَ العارِفِينَ. قالَ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

فَهَذِهِ ثَلاثُ مَراتِبَ: التَّحْكِيمُ، وسِعَةُ الصَّدْرِ بِانْتِفاءِ الحَرَجِ، والتَّسْلِيمُ.

وَأمّا التَّسْلِيمُ لِلْحُكْمِ الكَوْنِيِّ: فَمَزَلَّةُ أقْدامٍ، ومَضَلَّةُ أفْهامٍ. حَيَّرَ الأنامَ، وأوْقَعَ الخِصامَ. وهي مَسْألَةُ الرِّضا بِالقَضاءِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها بِما فِيهِ كِفايَةٌ. وبَيَّنّا أنَّ

التَّسْلِيمَ لِلْقَضاءِ يُحْمَدُ إذا لَمْ يُؤْمَرِ العَبْدُ بِمُنازَعَتِهِ ودَفْعِهِ. ولَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، كالمَصائِبِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دَفْعِها.

وَأمّا الأحْكامُ الَّتِي أُمِرَ بِدَفْعِها: فَلا يَجُوزُ لَهُ التَّسْلِيمُ إلَيْها، بَلِ العُبُودِيَّةُ: مُدافَعَتُها بِأحْكامٍ أُخَرَ أحَبِّ إلى اللَّهِ مِنها.

[فَصْلٌ: التَّسْلِيمُ الصّادِرُ عَنِ الرِّضا والِاخْتِيارِ]

قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":

وَفِي التَّسْلِيمِ والثِّقَةِ والتَّفْوِيضِ: ما في التَّوَكُّلِ مِنَ العِلَلِ. وهو مِن أعْلى دَرَجاتِ سُبُلِ العامَّةِ.

يَعْنِي أنَّ العِلَلَ الَّتِي في التَّوَكُّلِ مِن مَعانِي الدَّعْوى، ونِسْبَتِهِ الشَّيْءَ إلى نَفْسِهِ أوَّلًا، حَيْثُ زَعَمَ أنَّهُ وكَّلَ رَبَّهِ فِيهِ، وتُوَكَّلَ عَلَيْهِ فِيهِ. وجَعَلَهُ وكِيلَهُ، القائِمَ عَنْهُ بِمَصالِحِهِ الَّتِي كانَ يُحَصِّلُها لِنَفْسِهِ بِالأسْبابِ والتَّصَرُّفاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العِلَلِ المُتَقَدِّمَةِ. وقَدْ عَرَفْتَ ما في ذَلِكَ.

وَلَيْسَ في التَّسْلِيمِ إلّا عِلَّةٌ واحِدَةٌ: وهي أنْ لا يَكُونَ تَسْلِيمُهُ صادِرًا عَنْ مَحْضِ الرِّضا والِاخْتِيارِ، بَلْ يَشُوبُهُ كُرْهٌ وانْقِباضٌ، فَيُسَلِّمُ عَلى نَوْعِ إغْماضٍ. فَهَذِهِ عِلَّةُ التَّسْلِيمِ المُؤَثِّرَةِ. فاجْتَهِدْ في الخَلاصِ مِنها.

وَإنَّما كانَ لِلْعامَّةِ عِنْدَهُ، لِأنَّ الخاصَّةَ في شُغْلٍ عَنْهُ بِاسْتِغْراقِهِمْ بِالفَناءِ في عَيْنِ الجَمْعِ. وجَعْلُ الفَناءِ غايَةَ الِاسْتِغْراقِ في عَيْنِ الجَمْعِ: هو الَّذِي أوْجَبَ ما أوْجَبَ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

4:66Page 89

وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

No commentary for this ayah

4:67Page 89

وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧

And then We would have given them from Us a great reward.

No commentary for this ayah

4:68Page 89

وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨

And We would have guided them to a straight path.

No commentary for this ayah

4:69–70Page 89

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا ٦٩

And whoever obeys Allāh and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allāh has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا ٧٠

That is the bounty from Allāh, and sufficient is Allāh as Knower.

(فائدة: تقديم النبيين على الصديقين)

فأما تقديم النبيين على الصديقين فلكون الصديق تابعا للنبي ﷺ

فإنما استحق اسم الصديق بكمال تصديقه للنبي، فهو تابع محض.

وتأمل تقديم الصديقين على الشهداء، لفضل الصديقين عليهم، وتقديم الشهداء على الصالحين لفضلهم عليهم.

4:71Page 89

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

No commentary for this ayah

4:72Page 89

وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allāh has favored me in that I was not present with them."

No commentary for this ayah

4:73Page 89

وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣

But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1

No commentary for this ayah

4:74Page 89

۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤

So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

No commentary for this ayah

4:75Page 90

وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?

No commentary for this ayah

4:76Page 90

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا ٧٦

Those who believe fight in the cause of Allāh, and those who disbelieve fight in the cause of ṭāghūt.1 So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

No commentary for this ayah

4:77Page 90

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting]1 and establish prayer and give zakāh"? But then when battle was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allāh or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, "The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allāh. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

(فائدة)

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخرةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ جمعت بين التزهيد في الدنيا والترغيب في الآخرة والحض على فعل الخير والزجر عن فعل الشر إذ قوله: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يتضمن حثهم على كسب الخير وزجرهم عن كسب الشر.

(موعظة)

من عشق الدُّنْيا نظرت إلى قدرها عِنْده فصيرته من خدمها وعبيدها وأذلّته.

وَمن أعرض عَنْها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلّت لَهُ.

4:78Page 90

أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا ٧٨

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allāh"; and if evil befalls them, they say,1 "This is from you." Say, "All [things] are from Allāh." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском