Ibn al-QayyimAn‑Nisa · 4:79–89

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:79–89, continued

قال السني: أخطأتما جميعا بل كلاهما محكم مبين وإنما أتيتما من قلة الفهم في القرآن وتدبره فليس بين اللفظين تناقض لا في المعنى ولا في العبارة فإنه سبحانه وتعالى ذ كر عن هؤلاء الناكلين عن الجهاد أنهم إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا لرسوله ﷺ هذه من عندك أي بسبب ما أمرتنا به من دينك وتركنا ما كنا عليه أصابتنا هذه السيئات لأنك أمرتنا بما أوجبها فالسيئات هاهنا هي المصائب والأعمال التي ظنوا أنها سبب المصائب هي التي أمروا بها وقولهم في السيئة التي تصيبهم هذه من عندك تتناول مصائب الجهاد التي حصلت لهم من الهزيمة والجراح وقتل من قتل منهم وتتناول مصائب الرزق على وجه التطير والتشاؤم أي أصابنا هذا بسبب دينك كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ أي إذا جاءهم ما يسرون به ويتنعمون به من النعم قالوا نحن أهل ذلك ومستحقوه وإن أصابهم ما يسوءهم قالوا هذا بسبب ما جاء به موسى وقال أهل القرية للمرسلين إنا تطيرنا بكم وقال قوم صالح له عليه السلام اطيرنا بك وبمن معك وكانوا يقولون لما ينالهم من سبب الحرب هذا منك لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة له وللمصائب الحاصلة من غير جهة العدو وهذا أيضا منك أي بسبب مفارقتنا لديننا ودين آبائنا والدخول في طاعتك وهذه حال كل من جعل طاعة الرسول ﷺ سببا لشر أصابه من السماء أو من الأرض وهؤلاء كثير في الناس وهم الأقلون عند الله تعالى قدرا الأرذلون عنده ومعلوم أنهم لم يقولوا هذه من عندك بمعنى أحدثتها ومن فهم هذا يتبين له أن قوله تعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ لا يناقض قوله تعالى: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ بل هذا تحقيق له فإنه سبحانه بين أن النعم والمصائب كلها من عنده فهو الخالق لها المقدر لها المبتلي خلقه بها فهي من عنده ليس بعضها من عنده وبعضها خلقا لغيره فكيف يضاف بعضها إلى الرسول ﷺ وبعضها إلى الله تعالى ومعلوم أن الرسول ﷺ لم يحدثها فلم يبق إلا ظنهم أنه سبب لحصولها إما في الجملة كحال أهل التطير وإما في الواقعة المعينة كحال اللائمين له في الجهاد فأبطل الله سبحانه وذلك الوهم الكاذب والظن الباطل وبين أن ما جاء به لا يوجب الشر ألبتة بل الخير كله فيما جاء ﷺ به والشر بسبب أعمالهم وذنوبهم كما قال الرسل عليهم السلام لأهل القرية طائركم معكم ولا يناقض هذا قول صالح عليه السلام لقومه: ﴿طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى عن قوم فرعون: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ بل هاتان النسبتان نظير هاتين النسبتين في هذه الآية وهي نسبة السيئة إلى نفس العبد ونسبة الحسنة والسيئة إلى أنهما من عند الله عز وجل فتأمل اتفاق القرآن وتصديق بعضه بعضا فحيث جعل الطائر معهم والسيئة من نفس العبد فهو على وجهة السبب والموجب أي الشر والشؤم الذي أصابكم هو منكم ومهما فإن أسبابه قائمة بكم كما تقول شرك منك وشؤمك فيك يراد به العمل وطائرك معك وحيث جعل ذلك كله من عنده فهو لأنه الخالق له المجازي به عدلا وحكمة فالطائر يراد به العمل وجزاءه فالمضاف إلى العبد العمل والمضاف إلى الرب الجزاء فطائركم معكم طائر العمل وطائركم عند الله الجزاء فما جاءت به الرسل ليس سببا لشيء من المصائب ولا تكون طاعة الله ورسوله سببا لمصيبة قط بل طاعة الله ورسوله لا توجب إلا خيرا في الدنيا والآخرة ولكن قد يصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم وتقصيرهم في طاعة الله ورسوله كما لحقهم يوم أحد ويوم حنين وكذلك ما امتحنوا به من الضراء وأذى الكفار لهم ليس هو بسبب نفس إيمانهم ولا هو موجبه وإنما امتحنوا به ليخلص ما فيهم من الشر فامتحنوا بذلك كما يمتحن الذهب بالنار ليخلص من غشه والنفوس فيها ما هو من مقتضى طبعها فالامتحان يمحص المؤمن من ذلك الذي هو من موجبات طبعه كما قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ وقال: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ فطاعة الله ورسوله لا تجلب إلا خيرا ومعصيته لا تجلب إلا شرا ولهذا قال سبحانه: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ فإنهم لو فقهوا الحديث لعلموا أنه ليس في الحديث الذي أنزله الله على رسوله ما يوجب شرا ألبتة ولعلموا أنه سبب كل خير ولو فقهوا لعلموا أن العقول والفطر تشهد بأن مصالح المعاش والمعاد متعلقة بما جاء به الرسول فلو فقهوا القرآن علموا أنه أمرهم بكل خير ونهاهم عن كل شر وهذا مما يبين أن ما أمر الله به يعلم حسنه بالعقل وأنه كله مصلحة ورحمة ومنفعة وإحسان بخلاف ما يقوله كثير من أهل الكلام الباطل أنه سبحانه يأمر العباد بما لا مصلحة لهم فيه بل يأمرهم بما فيه مضرة لهم وقول هؤلاء تصديق وتقرير لقول المتطيرين بالرسل.

(فصل)

ومما يوضح الأمر في ذلك أنه سبحانه لما قال: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ عقب ذلك بقوله: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾

وذلك يتضمن أشياء منها تنبيه أمته على أن رسوله الذي شهد له بالرسالة إذا أصابه ما يكره فمن نفسه فما الظن بغيره ومنها أن حجة الله قد قامت عليهم بإرساله فإذا أصابهم سبحانه بما يسوءهم لم يكن ظالما لهم في ذلك لأنه قد أرسل رسوله إليهم يعلمهم بما فيه مصالحهم وما يجلبها لهم وما فيه مضرتهم وما يجلبها لهم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ومنها أنه سبحانه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات الدالة على صدقه وأنه رسوله حقا فلا يضره جحد هؤلاء الجاهلين الظالمين المتطيرين به لرسالته ومن شهد له رب السماوات والأرض ومنها أنهم أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتها حجة على إبطال رسالته فشهد له بالرسالة وأخبر أن شهادته كافيه فكان في ضمن ذلك إبطال قولهم أن المصائب من عند الرسول ﷺ وإثبات أنها من عند أنفسهم بطريق الأولى ومنها إبطال قول الجهمية المجبرة ومن وافقهم في قولهم إن الله قد يعذب العباد بلا ذنب ومنها إبطال قول القدرية الذين يقولون أن أسباب الحسنات والسيئات ليست من الله بل هي من العبد ومنها ذم من لم يتدبر القرآن ولم يفقهه وإن إعراضه عن تدبره وفقهه يوجب له من الضلال والشقاء بحسب إعراضه ومنها إثبات الأسباب وإبطال قول من ينفيها ولا يرى لها ارتباطا بمسبباتها ومنها أن الخير كله من الله والشر كله من النفس فإن الشر هو الذنوب وعقوبتها والذنوب من النفس وعقوباتها مترتبة عليها والله هو الذي قدر ذلك وقضاه وكل من عنده قضاء وقدرا وإن كانت نفس العبد سببه بخلاف الخير والحسنات فإن سببها مجرد فضل الله ومنه وتوفيقه كما تقدم تقريره ومنها أنه سبحانه لما رد قولهم أن الحسنة من الله والسيئة من رسوله وأبطله بقوله: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ رفع وهم من توهم أن نفسه لا تأثير لها في السيئة ولا هي منها أصلا بقوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ وخاطبه بهذا تنبيها لغيره كما تقدم ومنها أنه قال في الرد عليهم: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولم يقل من الله لما جمع بين الحسنات والسيئات والحسنة مضافة إلى الله من كل وجه والسيئة إنما تضاف إليه قضاء وقدرا وخلقا وأنه خالقها كما هو خالق الحسنة فلهذا قال: ﴿قُل كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو سبحانه إنما خلقها لحكمة فلا تضاف إليه من جهة كونها سيئة بل من جهة ما تضمنته من الحكمة والعدل والحمد وتضاف إلى النفس كونها سيئة ولما ذكر الحسنة مفردة عن السيئة قال: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ولم يقل من عند الله فالخير منه وأنه موجب أسمائه وصفاته والشر الذي هو بالنسبة إلى العبد شر من عنده سبحانه فإنه مخلوق له عدلا منه وحكمة ثم قال: ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ ولم يقل من عندك لأن النفس طبيعتها ومقتضاها ذلك فهو من نفسها والجميع من عند الله فالسيئة من نفس الإنسان بلا ريب والحسنة من الله بلا ريب وكلاهما من عنده سبحانه قضاء وقدرا وخلقا ففرق بين ما من الله وبين ما من عنده والشر لا يضاف إلى الله إرادة ولا محبة ولا فعلا ولا وصفا ولا اسما فإنه لا يريد إلا الخير ولا يحب إلا الخير ولا يفعل شرا ولا يوصف به ولا يسمى باسمه وسنذكر في باب دخول الشر في القضاء الإلهي وجه نسبته إلى قضائه وقدره إن شاء الله.

(فصل)

وقد اختلف في كاف الخطاب في قوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾

هل هي لرسول الله أو هي لكل واحد من الآدميين؟

فقال ابن عباس في رواية الوالبي عنه: "الحسنة ما فتح الله عليه يوم بدر من الغنيمة والفتح والسيئة ما أصابه يوم أحد أن شج في وجهه وكسرت رباعيته".

وقالت طائفة بل المراد جنس ابن آدم كقوله: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ روى سعيد عن قتادة: ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ قال عقوبة يا ابن آدم بذنبك

ورجحت طائفة القول الأول.

واحتجوا بقوله: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ قالوا وأيضا فإنه لم يتقدم ذكر الإنسان ولا خطابه وإنما تقدم ذكر الطائفة قالوا ما حكاه الله عنهم فلو كانوا هم المرادين لقال ما أصابهم أو ما أصابكم على طريق الالتفات قالوا وهذا من باب السبب لأنه إذا كان سيد ولد آدم وهكذا حكمه فكيف بغيره ورجحت طائفة القول الآخر.

واحتجت بأن رسول الله ﷺ وعلم معصوم لا يصدر عنه ما يوجب أن تصيبه به سيئة قالوا والخطاب وإن كان له في الصورة فالمراد به الأمة كقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ قالوا ولما كان أول الآية خطابا له أجرى الخطاب جميعه على وجه واحد فأفرده في الثاني والمراد به الجميع، والمعنى وما أصابكم من سيئة فمن أنفسكم فالأول له والثاني لأمته ولهذا لما أفرد إصابة السيئة قال: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وقال: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ وقال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا وضاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ فأخبر أن الهزيمة بذنوبهم وإعجابهم وأن النصر بما أنزله على رسوله وأيده به إذ لم يكن منه من سبب الهزيمة ما كان منه وجمعت طائفة ثالثة بين القولين وقالوا صورة الخطاب له ﷺ والمراد العموم كقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ثم قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ وكقوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ وقوله: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾

قالوا وهذا الخطاب نوعان نوع يختص لفظه به لكن يتناول غيره بطريق الأولى كقوله: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾

ونوع يكون الخطاب له وللأمة فأفرده بالخطاب لكونه هو المواجه بالوحي وهو الأصل فيه والمبلغ للأمة والسفير بينهم وبين الله وهذا معنى قول كثير من المفسرين الخطاب له والمراد غيره ولم يريدوا بذلك أنه لم يخاطب بذلك أصلا ولم يرد به ألبتة بل المراد أنه لما كان إمام الخلائق ومقدمهم ومتبوعهم أفرد بالخطاب وتبعته الأمة في حكمه كما يقول السلطان لمقدم العساكر أخرج غدا وأنزل بمكان كذا وأحمل على العدو وقت كذا قالوا فقوله: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ خطاب له وجميع الأمة داخلون في ذلك بطريق الأولى بخلاف قوله: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ فإن هذا له خاصة قالوا وهذه الشرطية لا تستلزم الوقوع بل تربط الجزاء بالشرط وأما وقوع الشرط والجزاء فلا يدل عليه فهو مقدر في حقه محقق في غيره والله أعلم.

قال القدري: إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة والنعم والمصائب مقدرة فلم فرق سبحانه بين الحسنات التي هي النعم والسيئات التي هي المصائب فجعل هذه منه سبحانه وهذه من نفس الإنسان والجميع مقدر.

قال السني: بينهما فروق الفرق الأول أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع بلا كسب منهم أصلا بل الرب سبحانه ينعم عليهم بالعافية والرزق والنصر وإرسال الرسل وإنزال الكتب وأسباب الهداية فيفعل ذلك من لم يكن منه سبب يقتضيه وينشئ للجنة خلقا يسكنهم إياها بغير سبب منهم ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة بلا عمل وأما العقاب فلا يعاقب أحدا إلا بعمله.

الفرق الثاني أن عمل الحسنات من إحسان الله ومنه وتفضله عليه بالهداية والإيمان كما قال أهل الجنة: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ فخلق الرب سبحانه لهم الحياة والسمع والبصر والعقول والأفئدة وإرسال الرسل وتبليغهم البلاغ الذي اهتدوا به وإلهامهم الإيمان وتحبيبه إليهم وتزيينه في قلوبهم وتكريه ضده إليهم كل ذلك من نعمه كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فجميع ما يتقلب فيه العالم من خير الدنيا والآخرة هو نعمة محضة بلا سبب سابق يوجب ذلك لهم ومن غير حول وقوة منهم إلا به وهو خالقهم وخالق أعمالهم الصالحة وخالق جزائها وهذا كله منه سبحانه بخلاف الشر فإنه لا يكون إلا بذنوب العبد وذنبه من نفسه وإذا تدبر العبد هذا علم أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله فشكر ربه على ذلك فزاده من فضله عملا صالحا ونعما يفيضها عليه وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه وبذنوبه استغفر ربه وتاب فزال عنه سبب الشر فيكون دائما شاكرا مستغفرا فلا يزال الخير يتضاعف له والشر يندفع عنه كما كان النبي ﷺ يقول في خطبته الحمد لله فيشكر الله ثم يقول نستعينه ونستغفره نستعينه على طاعته ونستغفره من معصيته ونحمده على فعله وإحسانه ثم قال ونعوذ بالله من شرور أنفسنا لما استغفره من الذنوب الماضية استعاذ به من الذنوب التي لم تقع بعد ثم قال ومن سيئات أعمالنا فهذه استعاذة من عقوبتها كما تقدم ثم قال من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فهذه شهادة للرب بأنه المتصرف في خلقه بمشيئته وقدرته وحكمته وعلمه وأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء فإذا هدى عبدا لم يضله أحد وإذا أضله لم يهده أحد وفي ذلك إثبات ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وقضائه وقدره الذي هو عقد نظام التوحيد وأساسه وكل هذا مقدمة بين يدي قوله وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فإن الشهادتين إنما تتحققان بحمد الله واستعانته واستغفاره واللجأ إليه والإيمان بأقداره والمقصود أنه سبحانه فرق بين الحسنات والسيئات بعد أن جمع بينهما في قوله ﴿كل من عند الله﴾ فجمع بينهما الجمع الذي لا يتم الإيمان إلا به وهو اجتماعهما في قضائه وقدره ومشيئته وخلقه ثم فرق بينهما الفرق الذي ينتفعون به وهو أن هذا الخير والحسنة نعمة منه فاشكروه عليه يزدكم من فضله ونعمه وهذا الشر والسيئة بذنوبكم فاستغفروه يرفعه عنكم وأصله من شرور أنفسكم فاستعيذوا به يخلصكم منها ولا يتم ذلك إلا بالإيمان بالله وحده وهو الذي يهدي ويضل وهو الإيمان بالقدر فادخلوا عليه من بابه فإن أزمة الأمور بيده فإذا فعلتم ذلك صدق منكم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهذه الخطبة العظيمة عقد نظام الإسلام والإيمان فلو اقتصر لهم على الجمع دون الفرق أعرض العاصي والمذنب عن ذم نفسه والتوبة من ذنوبه والاستعاذة من شرها وقام في قلبه شاهد الاحتجاج على ربه بالقدر وتلك حجة داحضة تبع الأشقياء فيها إبليس وهي لا تزيد صاحبها إلا شقاء وعذابا كما زادت إبليس طردا وبعدا عن ربه وكما زادت المشركين ضلالا وشقاء حين قالوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا وكما تزيد الذي يقول يوم القيامة لو أن الله هداني لكنت من المتقين حسرة وعذابا ولو اقتصر لهم على الفرق دون الجمع لغابوا به في التوحيد والإيمان بالقدر واللجأ إلى الله في الهداية والتوفيق والاستعاذة به من شر النفس وسيئات العمل والافتقار التام إلى إعانته وفضله وكان في الجمع والفرق بيان حق العبودية.

وسيأتي تمام هذا الكلام على هذا الموضع العظيم القدر إن شاء الله بإثبات اجتماع القدر والشرع وافتراقهما.

الفرق الثالث أن الحسنة يضاعفها الله سبحانه وينميها ويكتبها للعبد بأدنى سعي ويثيب على الهم بها والسيئة لا يؤاخذ على الهم بها ولا يضاعفها ويبطلها بالتوبة والحسنة الماحية والمصائب المكفرة فكانت الحسنة أولى بالإضافة إليه تعالى والسيئة أولى بالإضافة إلى النفس.

الفرق الرابع أن الحسنة التي هي الطاعة والنعمة يحبها ويرضاها فهو سبحانه يحب أن يطاع ويحب أن ينعم ويحسن ويجود وإن قدر المعصية وأراد المنع فالطاعة أحب إليه والبذل والعطاء آثر عنده فكان إضافة نوعي الحسنة له وإضافة نوعي السيئة إلى النفس أولى ولهذا تأدب العارفون من عباده بهذا الأدب فأضافوا إليه النعم والخيرات وأضافوا الشرور إلى محلها كما قال إمام الحنفاء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ فأضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى ربه.

وقال الخضر: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ ثم قال: ﴿وَأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾.

وقال مؤمنو الجن: ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾.

الفرق الخامس أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها من كل وجه وبكل اعتبار كما تقدم فما من وجه من وجوهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه.

وأما السيئة فهو سبحانه إنما قدرها وقضاها لحكمته وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب سبحانه لا يفعل سوأ قط كما لا يوصف به ولا يسمى باسمه بل فعله كله حسن وخير وحكمة كما قال تعالى بيده الخير وقال أعرف الخلق به: "والشر ليس إليك" فهو لا يخلق شرا محضا من كل وجه بل كل ما خلقه ففي خلقه مصلحة وحكمة وإن كان في بعضه شر جزئي إضافي وأما الشر الكلي المطلق من كل وجه فهو تعالى منزه عنه وليس إليه.

الفرق السادس أن ما يحصل للإنسان من الحسنات التي يعملها فهي أمور وجودية متعلقة بمشيئة الرب وقدره ورحمته وحكمته وليست أمورا عدمية تضاف إلى غير الله بل هي كلها أمور وجودية وكل موجود حادث والله محدثه وخالقه وذلك أن الحسنات إما فعل مأمور أو ترك محظور والترك أمر وجودي فترك الإنسان لما نهى عنه ومعرفته بأنه ذنب قبيح وبأنه سبب العذاب فبغضه له وكراهته له ومنع نفسه إذا هويته وطلبته منه أمور وجودية كما أن معرفته بالحسنات كالعدل والصدق حسنة وفعله لها أمر وجودي والإنسان إنما يثاب على ترك السيئات إذا تركها على وجه الكراهة لها والامتناع عنها وكف للنفس عنها قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الأِيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ ونَهى النَّفْسَ عَنِ الهَوى﴾ وقال: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾.

وفي الصحيحين عنه ﷺ: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" وقد جعل ﷺ البغض في الله من أوثق عرى الإيمان وهو أصل الترك وجعل المنع لله من كمال الإيمان وهو أصل الترك فقال: "من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله"

وقال: "من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" وجعل إنكار المنكر بالقلب من مراتب الإيمان

وهو بغضه وكراهته المستلزم لتركه فلم يكن الترك من الإيمان إلا بهذه الكراهة والبغض والامتناع والمنع لله وكذلك براءة الخليل وقومه من المشركين ومعبودهم ليست تركا محضا بل تركا صادرا عن بغض ومعاداة وكراهة هي أمور وجودية هي عبودية للقلب يترتب عليها خلو الجوارح من العمل كما أن التصديق والإرادة والمحبة للطاعة من عبودية القلب يترتب عليها آثارها في الجوارح وهذا الحب والبغض تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وهو إثبات تأله القلب لله ومحبته ونفي تألهه لغيره وكراهته فلا يكفي أن يعبد الله ويحبه ويتوكل عليه وينيب إليه ويخافه ويرجوه حتى يترك عبادة غيره والتوكل عليه والإنابة إليه وخوفه ورجاه ويبغض ذلك وهذه كلها أمور وجودية وهي الحسنات التي يثيب الله عليها وأما مجرد عدم السيئات من غير أن يعرف أنها سيئة ولا يكرهها بقلبه ويكف نفسه عنها بل يكون تركها لعدم خطورها بقلبه ولا يثاب على هذا الترك فهذا تكون السيئات في حقه بمنزلتها في حق الطفل والنائم لكن قد يثاب على اعتقاد تحريمها وإن لم يكن له إليها داعية ألبتة فالترك ثلاثة أقسام قسم يثاب عليه وقسم يعاقب عليه وقسم لا يثاب ولا يعاقب عليه فالأول ترك العالم بتحريمها الكاف نفسه عنها لله مع قدرته عليها والثاني كترك من يتركها لغير الله لا لله فهذا يعاقب على تركه لغير الله كما يعاقب على فعله لغير الله فإن ذلك الترك والامتناع فعل من أفعال القلب فإذا عبد به غير الله استحق العقوبة.

والثالث كترك من لم يخطر على قلبه علما ولا محبة ولا كراهة بل بمنزلة ترك النائم والطفل.

4:80Page 91

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا ٨٠

He who obeys the Messenger has obeyed Allāh; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

[فصل: السُّنَّةُ مَعَ القُرْآنِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ]

والسُّنَّةُ مَعَ القُرْآنِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها: أنْ تَكُونَ مُوافِقَةً لَهُ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ فَيَكُونُ تَوارُدُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى الحُكْمِ الواحِدِ مِن بابِ تَوارُدِ الأدِلَّةِ وتَظافُرِها. الثّانِي: أنْ تَكُونَ بَيانًا لِما أُرِيدَ بِالقُرْآنِ وتَفْسِيرًا لَهُ. الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ مُوجِبَةً لِحُكْمٍ سَكَتَ القُرْآنُ عَنْ إيجابِهِ أوْ مُحَرِّمَةً لِما سَكَتَ عَنْ تَحْرِيمِهِ، ولا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الأقْسامِ، فَلا تُعارِضُ القُرْآنَ بِوَجْهٍ ما، فَما كانَ مِنها زائِدًا عَلى القُرْآنِ فَهو تَشْرِيعٌ مُبْتَدَأٌ مِن النَّبِيِّ ﷺ: تَجِبُ طاعَتُهُ فِيهِ، ولا تَحِلُّ مَعْصِيَتُهُ، ولَيْسَ هَذا تَقْدِيمًا لَها عَلى كِتابِ اللَّهِ، بَلْ امْتِثالٌ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِن طاعَةِ رَسُولِهِ، ولَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُطاعُ في هَذا القِسْمِ لَمْ يَكُنْ لِطاعَتِهِ مَعْنًى، وسَقَطَتْ طاعَتُهُ المُخْتَصَّةُ بِهِ، وإنَّهُ إذا لَمْ تَجِبْ طاعَتُهُ إلّا فِيما وافَقَ القُرْآنَ لا فِيما زادَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ طاعَةٌ خاصَّةٌ تَخْتَصُّ بِهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وكَيْفَ يُمْكِنُ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ أنْ لا يَقْبَلَ حَدِيثًا زائِدًا عَلى كِتابِ اللَّهِ؛ فَلا يُقْبَلُ حَدِيثُ تَحْرِيمِ المَرْأةِ عَلى عَمَّتِها ولا عَلى خالَتِها، ولا حَدِيثُ التَّحْرِيمِ بِالرَّضاعَةِ لِكُلِّ ما يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ، ولا حَدِيثُ خِيارِ الشَّرْطِ، ولا أحادِيثُ الشُّفْعَةِ، ولا حَدِيثُ الرَّهْنِ في الحَضَرِ مَعَ أنَّهُ زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، ولا حَدِيثُ مِيراثِ الجَدَّةِ، ولا حَدِيثُ تَخْيِيرِ الأمَةِ إذا أُعْتِقَتْ تَحْتَ زَوْجِها، ولا حَدِيثُ مَنعِ الحائِضِ مِن الصَّوْمِ والصَّلاةِ، ولا حَدِيثُ وُجُوبِ الكَفّارَةِ عَلى مَن جامَعَ في نَهارِ رَمَضانَ، ولا أحادِيثُ إحْدادِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها مَعَ زِيادَتِها عَلى ما في القُرْآنِ مِن العِدَّةِ، فَهَلّا قُلْتُمْ: إنّها نَسْخٌ لِلْقُرْآنِ وهو لا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، وكَيْفَ أوْجَبْتُمْ الوِتْرَ مَعَ أنَّهُ زِيادَةٌ مَحْضَةٌ عَلى القُرْآنِ بِخَبَرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ؟ وكَيْفَ زِدْتُمْ عَلى كِتابِ اللَّهِ فَجَوَّزْتُمْ الوُضُوءَ بِنَبِيذِ التَّمْرِ بِخَبَرٍ ضَعِيفٍ؟ وكَيْفَ زِدْتُمْ عَلى كِتابِ اللَّهِ فَشَرَطْتُمْ في الصَّداقِ أنْ يَكُونَ أقَلُّهُ عَشَرَةَ دَراهِمَ بِخَبَرٍ لا يَصْلُحُ ألْبَتَّةَ وهو زِيادَةٌ مَحْضَةٌ عَلى القُرْآنِ؟

وَقَدْ أخَذَ النّاسُ بِحَدِيثِ: «لا يَرِثُ المُسْلِمُ الكافِرَ ولا الكافِرُ المُسْلِمَ» وهو زائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وأخَذُوا كُلُّهم بِحَدِيثِ تَوْرِيثِهِ ﷺ بِنْتَ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ البِنْتِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذَ النّاسُ كُلُّهم بِحَدِيثِ اسْتِبْراءِ المَسْبِيَّةِ بِحَيْضَةٍ، وهو زائِدٌ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ، وأخَذُوا بِحَدِيثِ: «مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ مِن قِسْمَةِ الغَنائِمِ، وأخَذُوا كُلُّهم بِقَضائِهِ ﷺ الزّائِدَ عَلى ما في القُرْآنِ مِن أنَّ أعْيانَ بَنِي الأبَوَيْنِ يَتَوارَثُونَ دُونَ بَنِي العَلّاتِ، الرَّجُلُ يَرِثُ أخاهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ دُونَ أخِيهِ لِأبِيهِ، ولَوْ تَتَبَّعْنا هَذا لَطالَ جِدًّا؛ فَسُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أجَلُّ في صُدُورِنا وأعْظَمُ وأفْرَضُ عَلَيْنا أنْ لا نَقْبَلَها إذا كانَتْ زائِدَةً عَلى ما في القُرْآنِ، بَلْ عَلى الرَّأْسِ والعَيْنَيْنِ، وكَذَلِكَ فَرْضٌ عَلى الأُمَّةِ الأخْذُ بِحَدِيثِ القَضاءِ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ وإنْ كانَ زائِدًا عَلى ما في القُرْآنِ، وقَدْ أخَذَ بِهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجُمْهُورُ التّابِعِينَ والأئِمَّةِ، والعَجَبُ مِمَّنْ يَرُدُّهُ؛ لِأنَّهُ زائِدٌ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ ثُمَّ يَقْضِي بِالنُّكُولِ ومَعاقِدُ القُمُطِ ووُجُوهِ الآجُرِّ في الحائِطِ ولَيْسَتْ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وأخَذْتُمْ أنْتُمْ وجُمْهُورُ الأُمَّةِ بِحَدِيثِ: «لا يُقادُ الوالِدُ بِالوَلَدِ» مَعَ ضَعْفِهِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ أنْتُمْ والنّاسُ بِحَدِيثِ أخْذِ الجِزْيَةِ مِن المَجُوسِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ مَعَ سائِرِ النّاسِ بِقَطْعِ رِجْلِ السّارِقِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ مَعَ زِيادَتِهِ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ أنْتُمْ والنّاسُ بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ الِاقْتِصاصِ مِن الجُرْحِ قَبْلَ الِانْدِمالِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذَتْ الأُمَّةُ بِأحادِيثِ الحَضانَةِ ولَيْسَتْ في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ أنْتُمْ والجُمْهُورُ بِاعْتِدادِ المُتَوَفّى عَنْها في مَنزِلِها وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأخَذْتُمْ مَعَ النّاسِ بِأحادِيثِ البُلُوغِ بِالسِّنِّ والإنْباتِ وهي زائِدَةٌ عَلى ما في القُرْآنِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ إلّا الِاحْتِلامُ، وأخَذْتُمْ مَعَ النّاسِ بِحَدِيثِ: «الخَراجُ بِالضَّمانِ» مَعَ ضَعْفِهِ، وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وبِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الكالِئِ بِالكالِئِ وهو زائِدٌ عَلى ما في القُرْآنِ، وأضْعافُ أضْعافِ ما ذَكَرْنا، بَلْ أحْكامُ السُّنَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ في القُرْآنِ إنْ لَمْ تَكُنْ أكْثَرَ مِنها لَمْ تَنْقُصْ عَنْها؛ فَلَوْ ساغَ لَنا رَدُّ كُلِّ سُنَّةٍ زائِدَةٍ كانَتْ عَلى نَصِّ القُرْآنِ لَبَطَلَتْ سُنَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّها إلّا سُنَّةً دَلَّ عَلَيْها القُرْآنُ، وهَذا هو الَّذِي أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ سَيَقَعُ ولا بُدَّ مِن وُقُوعِ خَبَرِهِ.

[أنْواعُ دَلالَةِ السُّنَّةِ الزّائِدَةِ عَنْ القُرْآنِ]

فَإنْ قِيلَ: السُّنَنُ الزّائِدَةُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ تارَةً تَكُونُ بَيانًا لَهُ، وتارَةً تَكُونُ مُنْشِئَةً لِحُكْمٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ القُرْآنُ لَهُ، وتارَةً تَكُونُ مُغَيِّرَةً لِحُكْمِهِ، ولَيْسَ نِزاعُنا في القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ فَإنَّهُما حُجَّةٌ بِاتِّفاقٍ، ولَكِنَّ النِّزاعَ في القِسْمِ الثّالِثِ وهو الَّذِي تَرْجَمْته بِمَسْألَةِ الزِّيادَةِ عَلى النَّصِّ.

4:81Page 91

وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ٨١

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allāh records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allāh. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

No commentary for this ayah

4:82Page 91

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ٨٢

Then do they not reflect upon the Qur’ān?1 If it had been from [any] other than Allāh, they would have found within it much contradiction.

No commentary for this ayah

4:83Page 91

وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣

And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

No commentary for this ayah

4:84Page 91

فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤

So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1

No commentary for this ayah

4:85Page 91

مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥

Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1

وتأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة ﴿يكن له نصيب منها﴾ وفي السيئة ﴿يكن له كفل منها﴾

فإن لفظ الكفل يشعر بالحمل والثقل، ولفظ النصيب يشعر بالحظ الذي ينصب طالبه في تحصيله وإن كان كل منهما يستعمل في الأمرين عند الانفراد، ولكن لما قرن بينهما حسن اختصاص حظ الخير بالنصيب، وحظ الشر بالكفل.

4:86Page 91

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.

No commentary for this ayah

4:87Page 92

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا ٨٧

Allāh - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allāh in statement.

No commentary for this ayah

4:88Page 92

۞ فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ٨٨

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites,1 while Allāh has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned.2 Do you wish to guide those whom Allāh has sent astray? And he whom Allāh sends astray - never will you find for him a way [of guidance].3

قال الفراء «أركسهم» ردهم إلى الكفر، وقال أبو عبيدة: يقال: أركست الشيء وركسته - لغتان - إذا رددته. والركس: قلب الشيء على رأسه، أو ردّ أوله على آخره. والارتكاس الارتداد.

قال أمية:

؎فأركسوا في حميم النار، إنهم ∗∗∗ كانوا عصاة، وقالوا الإفك والزورا

ومن هذا يقال للروث: الركس، لأنه رد إلى حال النجاسة. ولهذا المعنى سمي رجيعا والركس والنكس، والمركوس والمنكوس: بمعنى واحد. قال الزجاج: أركسهم نكسهم وردهم. والمعنى: أنه ردهم إلى حكم الكفار من الذل والصغار. وأخبر سبحانه عن حكمه وقضائه فيهم وعدله، وإن إركاسه لهم كان بسبب كسبهم وأعمالهم، كما قال ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فهذا توحيده، وهذا عدله لا ما يقوله القدرية والمعطلة من أن التوحيد: إنكار الصفات والعدل والتكذيب بالقدر.

4:89Page 92

وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا ٨٩

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allāh. But if they turn away [i.e., refuse], then seize them and kill them [for their betrayal] wherever you find them and take not from among them any ally or helper,

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском