Ibn al-QayyimAn‑Nisa · 4:90–101

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:90–101

4:90Page 92

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.

فإن قيل: وأي حكمة في تسليط أعدائه على أوليائه يسومونهم سوء العذاب؟

فالجواب: كم لله في ذلك من حكم باهرة منها حصول محبوبة من عبودية الصبر والجهاد وتحمل الأذى فيه والرضى عنه في السراء والضراء والثبات على عبوديته وطاعته مع قوة المعارض وغلبته وشوكته وتمحيص أوليائه من أحكام البشرية ودواعي الطباع ببذل نفوسهم له وأذى أعدائه لهم وتميز الصادق من الكاذب ومن يريده ويعبده على جميع الحالات ممن يعبده على حرف وليحصل له مرتبة الشهادة التي هي من أعلى المراتب ولا شيء أبر عند الحبيب من بذل محبة نفسه في مرضاته ومجاهدة عدوه فكم لله في هذا التسليط من نعمة ورحمة وحكمة وإذا شئت أن تعلم ذلك فتأمل الآيات من أواخر آل عمران من قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ إلى قوله: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

فكان هذا التمييز من بعض حكم ذلك التسليط ولولا ذلك التسليط لم تظهر فضيلة الصبر والعفو والحكم وكظم الغيظ ولا حلاوة النصر والظفر والقهر فإن الأشياء يظهر حسنها بأضدادها ولولا ذلك التسليط لم تستوجب الأعداء المحق والإهانة والكبت فاستخرج ذلك التسليط من القوة إلى الفعل ما عند أوليائه فاستحقوا كرامتهم عليه وما عند أعدائه فاستحقوا عقوبتهم عليه فكان هذا التسليط مما أظهر حكمته وعزته ورحمته ونعمته في الفريقين وهو العزيز الحكيم.

4:91Page 92

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

No commentary for this ayah

4:92Page 93

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment [diyah] presented to his [i.e., the deceased's] family [is required], unless they give [up their right as] charity. But if he [i.e., the deceased] was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively,1 [seeking] acceptance of repentance from Allāh.2 And Allāh is ever Knowing and Wise.

No commentary for this ayah

4:93Page 93

وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

[فَصْلٌ: هَلْ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْبٌ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أمْ لا؟]

اخْتَلَفَ النّاسُ هَلْ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْبٌ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أمْ لا؟

فَقالَ الجُمْهُورُ: التَّوْبَةُ تَأْتِي عَلى كُلِّ ذَنْبٍ، فَكُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّوْبَةُ مِنهُ وتُقْبَلُ.

وَقالَتْ طائِفَةٌ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ المَعْرُوفُ عَنْهُ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وقَدْ ناظَرَ ابْنَ عَبّاسٍ في ذَلِكَ أصْحابُهُ فَقالُوا: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]

إلى أنْ قالَ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] فَقالَ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا قَدْ قَتَلُوا وزَنَوْا فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْناهُ كَفّارَةً، فَنَزَلَ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةَ، فَهَذِهِ في أُولَئِكَ، وأمّا الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]

فالرَّجُلُ إذا عَرَفَ الإسْلامَ وشَرائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ.

وَقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: لَمّا نَزَلَتِ الَّتِي في الفُرْقانِ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]

عَجِبْنا مِن لِينِها فَلَبِثْنا سَبْعَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ نَزَلَتِ الغَلِيظَةُ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ فَنَسَخَتِ اللَّيِّنَةَ، وأرادَ بِالغَلِيظَةِ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ، وبِاللَّيِّنَةِ آيَةَ الفُرْقانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آيَةُ الفُرْقانِ مَكِّيَّةٌ، وآيَةُ النِّساءِ مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ ولَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ.

قالَ هَؤُلاءِ: ولِأنَّ التَّوْبَةَ مِن قَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا مُتَعَذَّرَةٌ إذْ لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِاسْتِحْلالِهِ أوْ إعادَةِ نَفْسِهِ الَّتِي فَوَّتَها عَلَيْهِ إلى جَسَدِهِ إذِ التَّوْبَةُ مِن حَقِّ الآدَمِيِّ لا تَصِحُّ إلّا بِأحَدِهِما، وكِلاهُما مُتَعَذَّرٌ عَلى القاتِلِ، فَكَيْفَ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ مِن حَقِّ آدَمِيٍّ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ولَمْ يَسْتَحِلَّهُ مِنهُ؟

وَلا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ هَذا في المالِ إذا ماتَ رَبُّهُ ولَمْ يُوَفِّهِ إيّاهُ لِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن إيصالِ نَظِيرِهِ إلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ.

قالُوا: ولا يُرَدُّ عَلَيْنا أنَّ الشِّرْكِ أعْظَمُ مِنَ القَتْلِ وتَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنهُ فَإنَّ ذَلِكَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ فالتَّوْبَةُ مِنهُ مُمْكِنَةٌ، وأمّا حَقُّ الآدَمِيِّ فالتَّوْبَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أدائِهِ إلَيْهِ واسْتِحْلالِهِ، وقَدْ تَعَذَّرَ.

واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فَهَذِهِ في حَقِّ التّائِبِ وبِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَهَذِهِ في حَقِّ غَيْرِ التّائِبِ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ، وعَلَّقَ المَغْفِرَةَ بِالمَشِيئَةِ فَخَصَّصَ وعَلَّقَ

وَفِي الَّتِي قَبْلَها عَمَّمَ وأطْلَقَ.

واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ [طه: ٨٢]

فَإذا تابَ هَذا القاتِلُ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ غَفّارٌ لَهُ.

قالُوا: وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثُ الَّذِي قَتَلَ المِائَةَ ثُمَّ تابَ فَنَفَعَتْهُ تَوْبَتُهُ وأُلْحِقَ بِالقَرْيَةِ الصّالِحَةِ الَّتِي خَرَجَ إلَيْها، وصَحَّ عَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ وحَوْلَهُ عِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ بايِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ، ولا تَأْتُوا بِبُهْتانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أيْدِيكم وأرْجُلِكُمْ، ولا تَعْصُونِي في مَعْرُوفٍ، فَمَن وفّى مِنكم فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ في الدُّنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ، ومَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو إلى اللَّهِ، إنْ شاءَ عَفا عَنْهُ وإنْ شاءَ عاقَبَهُ، فَبايَعْناهُ عَلى ذَلِكَ».

قالُوا: وقَدْ قالَ ﷺ فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى

«ابْنَ آدَمَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرابِ الأرْضِ خَطايا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا لَقِيتُكَ بِقُرابِها مَغْفِرَةً»

وَقالَ ﷺ «مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»

وَقالَ «مَن كانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»

وَقالَ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى النّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ»

وَفِي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ «أخْرِجُوا مِنَ النّارِ مَن في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ»

وَفِيهِ يَقُولُ اللَّهُ تَعالى «وَعِزَّتِي وجَلالِي لَأُخْرِجَنَّ مِنَ النّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»

وَأضْعافُ هَذِهِ النُّصُوصِ كَثِيرٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَخْلُدُ في النّارِ أحَدٌ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ.

قالُوا: وأمّا هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ فَهي نَظائِرُ أمْثالِها مِن نُصُوصِ الوَعِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٤]

وَقَوْلِهِ ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]

وَقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]

وَقَوْلِهِ ﷺ «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ يَتَوَجَّأُ بِها خالِدًا مُخَلَّدًا في نارِ جَهَنَّمَ» ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ النُّصُوصِ عَلى طُرُقٍ:

أحَدِها: القَوْلُ بِظاهِرِها، وتَخْلِيدِ أرْبابِ هَذِهِ الجَرائِمِ في النّارِ، وهو قَوْلُ الخَوارِجِ والمُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا.

فَقالَتِ الخَوارِجُ: هم كُفّارٌ؛ لِأنَّهُ لا يَخْلُدُ في النّارِ إلّا كافِرٌ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَيْسُوا بِكُفّارٍ بَلْ فُسّاقٍ مُخَلَّدُونَ في النّارِ، هَذا كُلُّهُ إذا لَمْ يَتُوبُوا.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هَذا الوَعِيدُ في حَقِّ المُسْتَحِلِّ لَها؛ لِأنَّهُ كافِرٌ، وأمّا مَن فَعَلَها مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَها فَلا يَلْحَقُهُ هَذا الوَعِيدُ وعِيدُ الخُلُودِ وإنْ لَحِقَهُ وعِيدُ الدُّخُولِ.

وَقَدْ أنْكَرَ الإمامُ أحْمَدُ هَذا القَوْلَ وقالَ: لَوِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ ولَمْ يَفْعَلْهُ كانَ كافِرًا، والنَّبِيُّ ﷺ إنَّما قالَ: مَن فَعَلَ كَذا وكَذا.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ ثالِثَةٌ: الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ النُّصُوصِ مَبْنِيٌّ عَلى ثُبُوتِ العُمُومِ، ولَيْسَ في اللُّغَةِ ألْفاظٌ عامَّةٌ، ومِن هاهُنا أنْكَرَ العُمُومَ مَن أنْكَرَهُ، وقَصْدُهم تَعْطِيلُ هَذِهِ الأدِلَّةِ عَنِ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ بِها، لَكِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَعْطِيلَ الشَّرْعِ جُمْلَةً، بَلْ تَعْطِيلَ عامَّةِ الأخْبارِ، فَهَؤُلاءِ رَدُّوا باطِلًا بَأبْطَلَ مِنهُ، وبِدْعَةً بِأقْبَحَ مِنها، وكانُوا كَمَن رامَ أنْ يَبْنِيَ قَصْرًا فَهَدَمَ مِصْرًا.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ رابِعَةٌ: في الكَلامِ إضْمارٌ.

قالُوا: والإضْمارُ في كَلامِهِمْ كَثِيرٌ مَعْرُوفٌ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا في هَذا المُضْمَرِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ بِإضْمارِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ كَذا إنْ جازاهُ أوْ إنْ شاءَ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ خامِسَةٌ بِإضْمارِ الِاسْتِثْناءِ، والتَّقْدِيرُ: فَجَزاؤُهُ كَذا إلّا أنْ يَعْفُوَ، وهَذِهِ دَعْوى لا دَلِيلَ في الكَلامِ عَلَيْها ألْبَتَّةَ ولَكِنَّ إثْباتَها بِأمْرِ خارِجٍ عَنِ اللَّفْظِ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ سادِسَةٌ: هَذا وعِيدٌ، وإخْلافُ الوَعِيدِ لا يُذَمُّ بَلْ يُمْدَحُ، واللَّهُ تَعالى يَجُوزُ عَلَيْهِ إخْلافُ الوَعِيدِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ خُلْفُ الوَعْدِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الوَعِيدَ حَقُّهُ فَإخْلافُهُ عَفْوٌ وهِبَةٌ وإسْقاطٌ، وذَلِكَ مُوجَبُ كَرَمِهِ وجُودِهِ وإحْسانِهِ، والوَعْدُ حَقٌّ عَلَيْهِ أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ.

قالُوا: ولِهَذا مَدَحَ بِهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ يَقُولُ:

؎نُبِّئْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ أوْعَدَنِي ∗∗∗ والعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ

وَتَناظَرَ في هَذِهِ المَسْألَةِ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، فَقالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: يا أبا عَمْرٍو لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ وقَدْ قالَ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآيَةَ، فَقالَ لَهُ أبُو عَمْرٍو: ويْحَكَ يا عَمْرُو، مِنَ العُجْمَةِ أتَيْتَ، إنَّ العَرَبَ لا تَعُدُّ إخْلافَ الوَعِيدِ ذَمًّا بَلْ جُودًا وكَرَمًا، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎وَلا يُرْهِبُ ابْنَ العَمِّ ما عِشْتُ صَوْلَتِي ∗∗∗ ولا يَخْتَشِي مِن سَطْوَةِ المُتَهَدِّدِ

؎وَإنِّي إنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي

وَقالَتْ فِرْقَةٌ سابِعَةٌ: هَذِهِ النُّصُوصُ وأمْثالُها مِمّا ذُكِرَ فِيهِ المُقْتَضِي لِلْعُقُوبَةِ، ولا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ مُقْتَضِي الحُكْمِ وجُودُهُ، فَإنَّ الحُكْمَ إنَّما يَتِمُّ بِوُجُودِ مُقْتَضِيهِ وانْتِفاءِ مانِعِهِ، وغايَةُ هَذِهِ النُّصُوصِ الإعْلامُ بِأنَّ كَذا سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ ومُقْتَضٍ لَها، وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى ذِكْرِ المَوانِعِ، فَبَعْضُها بِالإجْماعِ، وبَعْضُها بِالنَّصِّ، فالتَّوْبَةُ مانِعٌ بِالإجْماعِ، والتَّوْحِيدُ مانِعٌ بِالنُّصُوصِ المُتَواتِرَةِ الَّتِي لا مَدْفَعَ لَها، والحَسَناتُ العَظِيمَةُ الماحِيَةُ مانِعَةٌ، والمَصائِبُ الكِبارُ المُكَفِّرَةُ مانِعَةٌ، وإقامَةُ الحُدُودِ في الدُّنْيا مانِعٌ بِالنَّصِّ، ولا سَبِيلَ إلى تَعْطِيلِ هَذِهِ النُّصُوصِ فَلا بُدَّ مِن إعْمالِ النُّصُوصِ مِنَ الجانِبَيْنِ.

وَمِن هاهُنا قامَتِ المُوازَنَةُ بَيْنَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ اعْتِبارًا بِمُقْتَضِي العِقابِ ومانِعِهِ وإعْمالًا لِأرْجَحِها.

قالُوا: وعَلى هَذا بِناءُ مَصالِحِ الدّارَيْنِ ومَفاسِدِهِما، وعَلى هَذا بِناءُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ والأحْكامِ القَدَرِيَّةِ، وهو مُقْتَضى الحِكْمَةِ السّارِيَةِ في الوُجُودِ، وبِهِ ارْتِباطُ الأسْبابِ ومُسَبِّباتِها خَلْقًا وأمْرًا، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِكُلِّ ضِدٍّ ضِدًّا يُدافِعُهُ ويُقاوِمُهُ، ويَكُونُ الحُكْمُ لِلْأغْلَبِ مِنهُما، فالقُوَّةٌ مُقْتَضِيَةٌ لِلصِّحَّةِ والعافِيَةِ، وفَسادُ الأخْلاقِ وبَغْيُها مانِعٌ مِن عَمَلِ الطَّبِيعَةِ وفِعْلِ القُوَّةِ، والحُكْمُ لِلْغالِبِ مِنهُما، وكَذَلِكَ قُوى الأدْوِيَةِ والأمْراضِ، والعَبْدُ يَكُونُ فِيهِ مُقْتَضٍّ لِلصِّحَّةِ ومُقْتَضٍ لِلْعَطَبِ، وأحَدُهُما يَمْنَعُ كَمالَ تَأْثِيرِ الآخَرِ ويُقاوِمُهُ، فَإذا تَرَجَّحَ عَلَيْهِ وقَهَرَهُ كانَ التَّأْثِيرُ لَهُ.

وَمِن هاهُنا يُعْلَمُ انْقِسامُ الخَلْقِ إلى مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ولا يَدْخُلُ النّارَ وعَكْسُهُ، ومَن

يَدْخُلُ النّارَ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها، ويَكُونُ مُكْثُهُ فِيها بِحَسَبِ ما فِيهِ مِن مُقْتَضى المُكْثِ في سُرْعَةِ الخُرُوجِ وبُطْئِهِ.

وَمَن لَهُ بَصِيرَةٌ مُنَوَّرَةٌ يَرى بِها كُلَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ في كِتابِهِ مِن أمْرِ المَعادِ وتَفاصِيلِهِ حَتّى كَأنَّهُ يُشاهِدُهُ رَأْيَ عَيْنٍ، ويَعْلَمُ أنَّ هَذا هو مُقْتَضى إلَهِيَّتِهِ سُبْحانَهُ ورُبُوبِيَّتِهِ وعِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ ذَلِكَ، ونِسْبَةُ خِلافِ ذَلِكَ إلَيْهِ نِسْبَةُ ما لا يَلِيقُ بِهِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى بَصِيرَتِهِ كَنِسْبَةِ الشَّمْسِ والنُّجُومِ إلى بَصَرِهِ، وهَذا يَقِينُ الإيمانِ، وهو الَّذِي يَحْرِقُ السَّيِّئاتِ كَما تَحْرِقُ النّارُ الحَطَبَ.

وَصاحِبُ هَذا المَقامِ مِنَ الإيمانِ يَسْتَحِيلُ إصْرارُهُ عَلى السَّيِّئاتِ وإنْ وقَعَتْ مِنهُ وكَثُرَتْ، فَإنَّ ما مَعَهُ مِن نُورِ الإيمانِ يَأْمُرُهُ بِتَجْدِيدِ التَّوْبَةِ كُلَّ وقْتٍ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ بِعَدَدِ أنْفاسِهِ وهَذا مِن أحَبِّ الخَلْقِ إلى اللَّهِ.

فَهَذِهِ مَجامِعُ طُرُقِ النّاسِ في نُصُوصِ الوَعِيدِ.

4:94Page 93

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

No commentary for this ayah

4:95Page 94

لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -

نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم أخبر سبحانه عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة، ثم أخبر أنه فضلهم عليهم درجات.

وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس، من جهة أن القاعدين الذين فضّل عليهم المجاهدون بدرجات، إن كانوا هم والقاعدون الذين فضّل عليهم أولو الضرر المجاهدون بدرجات: هم غير أولي الضرر. فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا. وعلى هذا فما وجه استثناء أولي الضرر من القاعدين، وهم لا يستوون والمجاهدون أصلا؟ فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدا.

فهذا وجه الإشكال.

ونحن نذكر ما يزيل الإشكال بحمد الله. فنقول:

اختلف القراء في إعراب «غير» فقرئ رفعا ونصبا وهما في السبعة، وقرئ بالجر في غير السبعة. وهي قراءة أبي حبوة.

فأما قراءة النصب فعلى الاستثناء، لأن «غير» يعرب في الاستثناء إعراب الاسم الواقع بعد «إلا» وهو النصب. هذا هو الصحيح.

وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال، أي لا يستوي القاعدون غير مضرورين، أي لا يستوون في حال صحتهم هم والمجاهدون، والاستثناء أصح، فإن «غير» لا تكاد تقع حالا في كلامهم إلا مضافة إلى نكرة، كقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وقوله عز وجل أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ

وقوله ﷺ «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى».

فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعة لما قبلها.

كقوله تعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾

ولو قلت: مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى لجررت «غير» هذا هو المعروف من كلامهم.

والكلام في عدم تعريف «غير» بالإضافة، وحسن وقوعها إذ ذاك حالا له مقام آخر.

وأما بالرفع: فعلى النعت للقاعدين. هذا هو الصحيح.

وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: الذين هم غير أولي الضرر.

والذي حمله على هذا: ظنه أن «غير» لا يقبل التعريف بالإضافة.

فلا تجزى صفة للمعرفة. وليس مع من ادعى ذلك حجة يعتمد عليها، سوى أن «غير» توغلت في الإبهام. فلا تتعرف بما يضاف إليه.

وجواب هذا: أنها إذا دخلت بين متقابلين لم يكن فيها إبهام لتعيينها ما تضاف إليه.

وأما قراءة الجر: ففيها وجهان أيضا.

أحدهما - وهو الصحيح - أنه نعت للمؤمنين.

والثاني - وهو قول المبرد - أنه بدل منه. بناء على أنه نكرة. فلا ينعت به المعرفة.

وعلى الأقوال كلها: فهو مفهم معنى الاستثناء، وأن نفي التسوية غير مسلط على ما أضيف إليه «غير».

وقوله وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً هو مبين لمعنى نفي المساواة.

قالوا: والمعنى: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة واحدة لامتيازهم عنهم بالجهاد بنفسهم ومالهم. ثم أخبر سبحانه أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى، فقال وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى أي المجاهد والقاعد المضرور لاشتراكهم في الإيمان.

قالوا: وفي هذا دليل على تفضيل الغني المنفق على الفقير. لأن الله أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد، وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس. وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله ٩: ٩٢ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ.

فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج؟

قالوا: فهذا حكم القاعد من أولي الضرر والمجاهد.

وأما القاعد من غير أولي الضرر:

4:96Page 94

دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

وقوله «درجات» قيل: هو نصب على البدل من قوله «أجرا عظيما» وقيل: تأكيد له، وإن كان بغير لفظه. لأنه هو هو في المعنى.

قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة.

وقال ابن زيد: الدرجات التي فضل الله بها المجاهد على القاعد سبع. وهي التي ذكرها الله تعالى في براءة، إذ يقول تعالى: ﴿ذلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ فهذه خمس.

ثم قال ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ فهاتان اثنتان.

وقيل: الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة.

والصحيح: أن الدرجات هي المذكورة في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال

«من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان. فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها.

قالوا: يا رسول الله، أفلا نخبر الناس بذلك؟

قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس. فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة»

قالوا: وجعل سبحانه تعالى: التفضيل الأول بدرجة فقط، وجعله هاهنا بدرجات، ومغفرة ورحمة. وهذا يدل على أنه يفضل على غير أولي الضرر.

فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه.

ولكن بقي أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا لزم أن لا يستوي مجاهد وقاعد مطلقا، فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أولي الضرر فائدة. فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أولي الضرر أيضا.

وأيضا فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولي الضرر، لا القاعدون الذين هم أولو الضرر. فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم، وبين أن التفضيل على غيرهم. فاللام في القاعدين للعهد. والمعهود: هم غير أولي الضرر، لا المضرورون.

وأيضا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما

ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما»

وقال ﷺ «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم. قالوا: وهم بالمدينة؟ قال:

وهم بالمدينة، حبسهم العذر».

وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أولي الضرر عن الجهاد لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت عن حكمهم بطريق منطوقها ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى معذورين من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها وإنما أقعده العجز.

فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد. وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية.

4:97Page 94

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves1 - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

No commentary for this ayah

4:98Page 94

إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way1 -

No commentary for this ayah

4:99Page 94

فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩

For those it is expected that Allāh will pardon them, and Allāh is ever Pardoning1 and Forgiving.

No commentary for this ayah

4:100Page 94

۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠

And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

كُلَّما جَدَّ العارِفُ في الِاسْتِقامَةِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والقِيامِ لَهُ بِأمْرِهِ، جِدَّ العَدُوُّ في إغْراءِ السُّفَهاءِ بِهِ، فَهو في هَذِهِ العُقْبَةِ قَدْ لَبِسَ لَأْمَةَ الحَرْبِ، وأخَذَ في مُحارَبَةِ العَدُوِّ لِلَّهِ وبِاللَّهِ، فَعُبُودِيَّتُهُ فِيها عُبُودِيَّةُ خَواصِّ العارِفِينَ، وهي تُسَمّى عُبُودِيَّةَ المُراغَمَةِ، ولا يَنْتَبِهُ لَها إلّا أُولُو البَصائِرِ التّامَّةِ، ولا شَيْءَ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن مُراغَمَةِ ولِيِّهِ لِعَدُوِّهِ، وإغاظَتِهِ لَهُ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذِهِ العُبُودِيَّةِ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ:

أحَدُها: قَوْلُهُ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ سَمّى المُهاجِرَ الَّذِي يُهاجِرُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ مُراغِمًا يُراغِمُ بِهِ عَدُوُّ اللَّهِ وعَدُوُّهُ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن ولِيِّهِ مُراغَمَةَ عَدُوِّهِ، وإغاظَتَهُ، كَما قالَ تَعالى

﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وقالَ تَعالى في مِثْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأتْباعِهِ ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]

فَمُغايَظَةُ الكُفّارِ غايَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلرَّبِّ مَطْلُوبَةٌ لَهُ، فَمُوافَقَتُهُ فِيها مِن كَمالِ العُبُودِيَّةِ، وشَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُصَلِّي إذا سَها في صِلاتِهِ سَجْدَتَيْنِ، وقالَ «إنْ كانَتْ صَلاتُهُ تامَّةً كانَتا تُرْغِمانِ أنْفَ الشَّيْطانِ» وفي رِوايَةٍ " «تَرْغِيمًا لِلشَّيْطانِ» " وسَمّاها المُرْغِمَتَيْنِ.

فَمَن تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُراغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وافِرٍ، وعَلى قَدْرِ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِرَبِّهِ ومُوالاتِهِ ومُعاداتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِن هَذِهِ المُراغَمَةِ، ولِأجْلِ هَذِهِ المُراغَمَةِ حُمِدَ التَّبَخْتُرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، والخُيَلاءُ والتَّبَخْتُرُ عِنْدَ صَدَقَةِ السِّرِّ، حَيْثُ لا يَراهُ إلّا اللَّهُ، لِما في ذَلِكَ مِن إرْغامِ العَدُوِّ، وبَذْلِ مَحْبُوبِهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَهَذا بابٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ لا يَعْرِفُهُ إلّا القَلِيلُ مِنَ النّاسِ، ومَن ذاقَ طَعْمَهُ ولَذَّتَهُ بَكى عَلى أيّامِهِ الأُوَلِ.

وَبِاللَّهِ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

وَصاحِبُ هَذا المَقامِ إذا نَظَرَ إلى الشَّيْطانِ، ولاحَظَهُ في الذَّنْبِ، راغَمَهُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَأحْدَثَتْ لَهُ هَذِهِ المُراغَمَةُ عُبُودِيَّةً أُخْرى.

فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن بَعْضِ لَطائِفِ أسْرارِ التَّوْبَةِ لا تَسْتَهْزِئْ بِها، فَلَعَلَّكَ لا تَظْفَرُ بِها في مُصَنَّفٍ آخَرَ ألْبَتَّةَ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وبِهِ التَّوْفِيقُ.

4:101Page 94

وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ١٠١

And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer,1 [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you.2 Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском