Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:45–46
40:45–46Page 472
فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ ٤٥
So Allāh protected him from the evils they plotted, and the people of Pharaoh were enveloped by the worst of punishment -
ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦
The Fire; they are exposed to it morning and evening.1 And the Day the Hour appears [it will be said], "Make the people of Pharaoh enter the severest punishment."
(فائدة)
(الآل) إن أفرد دخل فِيهِ المُضاف إلَيْهِ كَقَوْلِه تَعالى ﴿أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]
وَلا ريب في دُخُوله في آله هُنا.
وَقَوله تَعالى ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْن بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ونظائره.
وَقَول النَّبِي ﷺ
"اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى"
وَلا ريب في دُخُول أبي أوفى نَفسه في ذَلِك.
وَقَوله "اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم"
هَذِه أكثر رِوايات البُخارِيّ وإبْراهِيم هُنا داخل في آله ولَعَلَّ هَذا مُراد من قالَ آل الرجل نَفسه
وَأما إن ذكر الرجل ثمَّ ذكر آله لم يدْخل فيهم.
فَفرق بَين المُجَرّد والمقرون.
فَإذا قلت أعْط لزيد وآل زيد. لم يكن زيد هُنا داخِلا في آله.
وَإذا قلت أعْطه لآل زيد. تناول زيدا وآله.
وَهَذا لَهُ نَظائِر كَثِيرَة قد ذَكرناها في غير هَذا الموضع، وهِي أن اللَّفْظ تخْتَلف دلالَته بالتجريد والاقتران، كالفقير والمسكين هما صنفان إذا قرن بَينهما، وصنف واحِد إذا أفرد كل مِنهُما.
وَلِهَذا كانا في الزَّكاة صنفين، وفي الكَفّارات صنف واحِد.
وكالإيمان والإسْلام، والبر والتَّقوى، والفحشاء والمُنكر، والفسوق والعصيان.
ونظائر ذَلِك كَثِيرَة ولا سِيما في القُرْآن.
(فصل)
وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ:
«خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، فانْتَهَيْنا إلى القَبْرِ ولَمّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجَلَسْنا حَوْلَهُ كَأنَّ عَلى رُءُوسِنا الطَّيْرَ، وفي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ في الأرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِن عَذابِ القَبْرِ - مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا -
ثُمَّ قالَ: إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا كانَ في انْقِطاعٍ مِنَ الدُّنْيا، وإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّماءِ بِيضُ الوُجُوهِ كَأنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهم كَفَنٌ مِن أكْفانِ أهْلِ الجَنَّةِ، وحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجَنَّةِ، حَتّى يَجْلِسُوا مِنهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حَتّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ، اخْرُجِي إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ، فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَما تَسِيلُ القَطْرَةُ مِن في السِّقاءِ، فَيَأْخُذُها، فَإذا أخَذَها لَمْ يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتّى يَأْخُذُوها، فَيَجْعَلُوها في ذَلِكَ الكَفَنِ، وفي ذَلِكَ الحَنُوطِ، ويَخْرُجُ مِنها كَأطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِها، فَلا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا قالُوا: ما هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ؟
فَيَقُولُونَ: رُوحُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ، بِأحْسَنِ أسْمائِهِ الَّتِي كانُوا يُسَمُّونَهُ بِها في الدُّنْيا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُ، فَيُشُيِّعُهُ مِن كُلِّ سَماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السَّماءِ الَّتِي تَلِيها حَتّى يُنْتَهى بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: اكْتُبُوا كِتابَ عَبْدِي في عِلِّيِّينَ، وأعِيدُوهُ إلى الأرْضِ، فَإنِّي مِنها خَلَقْتُهُمْ، وفِيها أُعِيدُهم ومِنها أُخْرِجُهم تارَةً أُخْرى، فَقالَ: فَتُعادُ رُوحُهُ إلى الأرْضِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكانِ، فَيُجْلِسانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ؟
فَيَقُولُ: دِينَيَ الإسْلامُ، فَيَقُولانِ لَهُ: ما هَذا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: وما عِلْمُكَ؟
فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَآمَنتُ بِهِ وصَدَّقْتُ، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عَبْدِي، فافْرِشُوا لَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وألْبِسُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وافْتَحُوا لَهُ بابًا إلى الجَنَّةِ قالَ: فَيَأْتِيهِ مِن رُوحِها وطِيبِها، ويُفْسَحُ لَهُ في قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قالَ: ويَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَن أنْتَ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالخَيْرِ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الصّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أقِمِ السّاعَةَ رَبِّ أقِمِ السّاعَةَ، حَتّى أرْجِعَ إلى أهْلِي ومالِي، قالَ: وإنَّ العَبْدَ الكافِرَ إذا كانَ في انْقِطاعٍ مِنَ الدُّنْيا، وإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّماءِ، سُودُ الوُجُوهِ، مَعَهُمُ المُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حَتّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إلى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وغَضَبٍ، قالَ: فَتَغْرَقُ في جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُها، كَما يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ المُبْتَلِّ، فَيَأْخُذُها، فَإذا أخَذَها لَمْ يَدَعُوها في يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتّى يَجْعَلُونَها في تِلْكَ المُسُوحِ، ويَخْرُجُ مِنها كَأنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلى وجْهِ الأرْضِ فَيَصْعَدُونَ بِها، فَلا يَمُرُّونَ بِها عَلى مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ إلّا قالُوا: ما هَذِهِ الرُّوحُ الخَبِيثَةُ. فَيَقُولُونَ: رُوحُ فُلانِ بْنِ فُلانٍ، بِأقْبَحِ أسْمائِهِ الَّتِي كانَ يُسَمّى بِها في الدُّنْيا، فَيُسْتَفْتَحُ فَلا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]
فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: اكْتُبُوا كِتابَهُ في سِجِّينٍ في الأرْضِ السُّفْلى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]
فَتُعادُ رُوحُهُ في جَسَدِهِ، ويَأْتِيهِ مَلَكانِ فَيُجْلِسانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ: ما دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ: ما هَذا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟
فَيَقُولُ: هاهْ هاهْ لا أدْرِي، فَيُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ كَذَبَ عَبْدِي، فافْرِشُوا لَهُ مِنَ النّارِ، وافْتَحُوا لَهُ بابًا إلى النّارِ، فَيَأْتِيهِ مِن حَرِّها وسَمُومِها، ويُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ، حَتّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أضْلاعُهُ، ويَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ، هَذا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: ومَن أنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الوَجْهُ الَّذِي يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أنا عَمَلُكَ الخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لا تُقِمِ السّاعَةَ».
وَفِي لَفْظٍ لِأحْمَدَ أيْضًا «ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أعْمى أصَمُّ أبْكَمُ، في يَدِهِ مِرْزَبَّةٌ، لَوْ ضَرَبَ بِها جَبَلًا كانَ تُرابًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما كانَ، فَيَضْرِبُهُ ضَرْبَةً أُخْرى، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ، قالَ البَراءُ: ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُ بابٌ إلى النّارِ ويُمَدُّ لَهُ مِن فِراشِ النّارِ».
وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا عَنْهُ، قالَ:
بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ بَصُرَ بِجَماعَةٍ، فَقالَ: «عَلامَ اجْتَمَعَ هَؤُلاءِ؟ قِيلَ: عَلى قَبْرٍ يَحْفِرُونَهُ، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَدَرَ بَيْنَ يَدَيْ أصْحابِهِ مُسْرِعًا، حَتّى انْتَهى إلى القَبْرِ، فَجَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ، فاسْتَقْبَلْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِأنْظُرَ ما يَصْنَعُ، فَبَكى حَتّى بَلَّ الثَّرى مِن دُمُوعِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْنا، فَقالَ: أيْ إخْوانِي، لِمِثْلِ هَذا اليَوْمِ فَأعِدُّوا».
وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قالَ:
«خَرَجَ إلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَنادى ثَلاثَ مَرّاتٍ: يا أيُّها النّاسُ، أتَدْرُونَ ما مَثَلِي ومَثَلُكُمْ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ إنَّما مَثَلِي ومَثَلُكم مَثَلُ قَوْمٍ خافُوا عَدُوًّا يَأْتِيهِمْ فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَراءى لَهُمْ، فَأبْصَرَ العَدُوَّ، فَأقْبَلَ لِيُنْذِرَهُمْ، وخَشِيَ أنْ يُدْرِكَهُ العَدُوُّ قَبْلَ أنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ، فَأهْوى بِثَوْبِهِ: أيُّها النّاسُ أُتِيتُمْ، أيُّها النّاسُ أُتِيتُمْ، ثَلاثَ مَرّاتٍ».
وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«أرى ما لا تَرَوْنَ وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا وعَلَيْهِ مَلَكٌ ساجِدٌ، لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ»
قالَ أبُو ذَرٍّ: واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ.
وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قالَ:
«كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في جَنازَةٍ فَلَمّا انْتَهَيْنا إلى القَبْرِ قَعَدَ عَلى ساقَيْهِ، فَجَعَلَ يُرَدِّدُ بَصَرَهُ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: يُضْغَطُ المُؤْمِنُ فِيهِ ضَغْطَةً تَزُولُ مِنها حَمائِلُهُ ويُمْلَأُ عَلى الكافِرِ نارًا، والحَمائِلُ عُرُوقُ الأُنْثَيَيْنِ».
وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا مِن حَدِيثِ جابِرٍ قالَ:
«خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ، فَلَمّا صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووُضِعَ في قَبْرِهِ، وسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَبَّحْنا طَوِيلًا، ثُمَّ كَبَّرَ، فَكَبَّرْنا، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَبَّحْتَ، ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ فَقالَ: لَقَدْ تَضايَقَ عَلى هَذا العَبْدِ الصّالِحِ قَبْرُهُ حَتّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ».
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إذا وُضِعَتِ الجَنازَةُ، واحْتَمَلَها الرِّجالُ عَلى أعْناقِهِمْ، فَإنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وإنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ، قالَتْ: يا ويْلَها، أيْنَ تَذْهَبُونَ بِها؟
يَسْمَعُ صَوْتَها كُلُّ شَيْءٍ إلّا الإنْسانَ، ولَوْ سَمِعَها الإنْسانُ لَصُعِقَ».
وَفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«تَدْنُو الشَّمْسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى قَدْرِ مِيلٍ، ويُزادُ في حَرِّها كَذا وكَذا، تَغْلِي مِنها الرُّءُوسُ كَما تَغْلِي القُدُورُ، يَعْرَقُونَ فِيها عَلى قَدْرِ خَطاياهُمْ، مِنهم مَن يَبْلُغُ إلى كَعْبِهِ، ومِنهم مَن يَبْلُغُ إلى ساقَيْهِ، ومِنهم مَن يَبْلُغُ إلى وسَطِهِ، ومِنهم مَن يُلْجِمُهُ العَرَقُ».
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:
«كَيْفَ أنْعَمُ وصاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنَ؟ وحَنى جَبْهَتَهُ يَسْمَعُ مَتى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخُ.
فَقالَ أصْحابُهُ: كَيْفَ نَقُولُ؟ قالَ: قُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا».
وَفِي المُسْنَدِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ:
«مَن تَعَظَّمَ في نَفْسِهِ، أوِ اخْتالَ في مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانٌ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«إنَّ المُصَوِّرِينَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويُقالُ لَهم أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ».
وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:
«إنَّ أحَدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إنْ كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَمِن أهْلِ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ النّارِ فَمِن أهْلِ النّارِ، فَيُقالُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ».
وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
«إذا صارَ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، جِيءَ بِالمَوْتِ حَتّى يُوقَفَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، ثُمَّ يُذْبَحَ، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ فَلا مَوْتٌ، فَيَزْدادُ أهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إلى فَرَحِهِمْ، ويَزْدادُ أهْلُ النّارِ حُزْنًا إلى حُزْنِهِمْ».
[فصل: عذاب القبر وعلاقة البدن والروح به]
وهذا يتضح بجواب المسألة وهي قول السائل: هل عذاب القبر على النفس والبدن أو على النفس دون البدن أو على البدن دون النفس. وهل يشارك البدن النفس في النعيم والعذاب أم لا؟
وقد سئل شيخ الإسلام عن هذه المسألة، ونحن نذكر لفظ جوابه فقال: بل العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعا باتفاق أهل السنّة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما تكون على الروح منفردة عن البدن، وهل يكون العذاب والنعيم للبدن بدون الروح؟ هذا فيه قولان مشهوران لأهل الحديث والسنّة وأهل الكلام، وفي المسألة أقوال شاذّة ليست من أقوال أهل السنّة والحديث، قول من يقول: إن النعيم والعذاب لا يكون إلا على أرواح، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، وهذا تقوله الفلاسفة المنكرون لمعاد الأبدان، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين، ويقوله كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين يقرون بمعاد الأبدان لكي يقولون لا يكون ذلك في البرزخ، وإنما يكون عند القيام من القبور، لكن هؤلاء ينكرون عذاب البدن في البرزخ فقط، ويقولون: إن الأرواح هي المنعمة أو المعذبة في البرزخ، فإذا كان يوم القيامة عذبت الروح والبدن معا.
وهذا القول قاله طوائف من المسلمين من أهل الكلام والحديث وغيرهم، وهو اختيار ابن حزم وابن مرة، فهذا القول ليس من الأقوال الثلاثة الشاذة، بل هو مضاف إلى قول من يقول بعذاب القبر، ويقر بالقيامة، ويثبت معاد الأبدان والأرواح، ولكن هؤلاء لهم في عذاب القبر ثلاثة أقوال:
إحداها: أنه على الروح فقط.
والثاني: أنه عليها وعلى البدن بواسطتها.
والثالث: أنه على البدن فقط، وقد يضم إلى ذلك القول الثاني وهو قول من يثبت عذاب القبر ويجعل الروح هي الحياة، ويجعل الشاذ قول منكر عذاب الأبدان مطلقا، وقول من ينكر عذاب الروح مطلقا، فإذا جعلت الأقوال الشاذة ثلاثة فالقول الثاني الشاذ قول من يقول إن الروح بمفردها لا تنعم ولا تعذب، وإنما الروح هي الحياة، وهذا يقوله طوائف من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره، وينكرون أن الروح تبقى بعد فراق البدن، وهذا قول باطل قد خالف أصحابه أبو المعالي الجويني وغيره بل قد ثبت بالكتاب والسنّة واتفاق الأمة أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة، والفلاسفة الإلهيون يقرون بذلك.
ولكن ينكرون معاد الأبدان، وهؤلاء يقرون بمعاد الأبدان، لكن ينكرون معاد الأرواح ونعيمها وعذابها بدون الأبدان، وكلا القولين خطأ وضلال، لكن قول الفلاسفة أبعد عن أقوال أهل الإسلام، وإن كان يوافقهم عليه من يعتقد أنه متمسك بدين الإسلام، بل من يظن أنه من أهل المعرفة والتصوف والتحقيق والكلام.
والقول الثالث الشاذ قول من يقول: إن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب، بل لا يكون ذلك حتى تقوم الساعة الكبرى كما يقول ذلك من يقوله من المعتزلة ونحوهم ممن ينكر عذاب القبر ونعيمه، بناء على أن الروح لا تبقى بعد فراق البدن، وأن البدن لا ينعم ولا يعذب، فجميع هؤلاء الطوائف ضلال في أمر البرزخ لكنهم خير من الفلاسفة فإنهم مقرون بالقيامة الكبرى.
[فصل: مذهب السلف في عذاب الميت]
فإذا عرفت هذه الأقوال الباطلة، فلتعلم أن مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد قاموا من قبورهم لرب العالمين، ومعاد الأبدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى. ونحن نثبت ما ذكرناه.
فأما أحاديث عذاب القبر ومسألة منكر ونكير فكثيرة متواترة عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، كما في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» ثم دعا بجريدة رطبة فشقها نصفين فقال: «لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا» «١».
(وفي صحيح مسلم) عن زيد بن ثابت قال: بينا النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في حائط لبني النجار على بغلته ونحن معه، إذ حادت} «١» به فكادت تلقيه، فإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: «من يعرف أصحاب هذه الأقبر»؟ فقال رجل: أنا، قال: «فمتى مات هؤلاء»؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: «إن هذه الأمة تبتلي} «٢» في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا} «٣» لدعوت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه» «٤» ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «تعوذوا باللّه من عذاب النار»، قالوا: نعوذ باللّه من عذاب النار، فقال: «تعوذوا باللّه من عذاب القبر»، قالوا: نعوذ باللّه من عذاب القبر. قال: «تعوذوا باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن»، قالوا: نعوذ باللّه من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: «تعوذوا باللّه من فتنة الدجال»، قالوا نعوذ باللّه من فتنة الدجال} «٥».
(وفي صحيح مسلم) وجميع السنن عن أبي هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ باللّه من أربع: من عذاب جهم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا «٦» والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» «٧».
(وفي صحيح مسلم) أيضا وغيره عن ابن عباس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال» «٨».
(وفي الصحيحين) عن أبي أيوب قال: خرج النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم وقد غربت الشمس، فسمع صوتا فقال: «يهود تعذب في قبورها» «١».
(وفي الصحيحين) عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: دخلت عليّ عجوز من عجائز يهود المدينة فقالت: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتها ولم أصدقها، قالت: فخرجت ودخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول اللّه إن عجوزا من عجائز يهود أهل المدينة دخلت فزعمت أن أهل القبور يعذبون في قبورهم! قال: «صدقت إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم كلها» قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر «٢».
(وفي صحيح ابن حبان) عن أم مبشر قالت: دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأنا في حائط من حوائط بني النجار فيه قبور منهم «٣» وهو يقول:
«تعوذوا باللّه من عذاب القبر» «٤»، فقلت: يا رسول اللّه وللقبر عذاب؟ قال: «إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم».
(قال) بعض أهل العلم، ولهذا السبب يذهب الناس بدوابهم إذا مغلت «٥» إلى قبور اليهود والنصارى والمنافقين كالإسماعيلية «٦» والنصيرية والقرامطة من بني عبيد وغيرهم الذين بأرض مصر والشام، فإن أصحاب الخيل يقصدون قبورهم لذلك كما يقصدون قبور اليهود والنصارى، قال: فإذا سمعت الخيل عذاب القبر أحدث لها ذلك فزعا وحرارة تذهب بالمغل.
(وقد قال) عبد الحق الإشبيلي «١»، حدثني الفقيه أبو الحكم بن برجان وكان من أهل العلم والعمل أنهم دفنوا ميتا بقريتهم في شرف أشبيلية «٢»، فلما فرغوا من دفنه قعدوا ناحية يتحدثون، ودابة ترعى قريبا منهم، فإذا بالدابة قد أقبلت مسرعة إلى القبر، فجعلت أذنها عليه كأنها تسمع ثم ولت فارة، ثم عادت إلى القبر فجعلت أذنها عليها كأنها تسمع ثم ولت فارة، فعلت ذلك مرة بعد أخرى.
قال أبو الحكم: فذكرت عذاب القبر وقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم «أنهم ليعذبون عذابا تسمعه البهائم».
ذكر لنا هذه الحكاية ونحن نسمع عليه كتاب مسلم لما انتهى القارئ إلى قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم} «إنهم يعذبون عذابا تسمعه البهائم».
وهذا السماع واقع على أصوات المعذبين، قال هناد بن السري «٣» في كتاب (الزهد) حدثنا وكيع عن الأعمش عن شقيق عن عائشة رضي اللّه عنها قالت:
دخلت عليّ يهودية، فذكرت عذاب القبر، فكذبتها، فدخل النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم علي، فذكرت ذلك له، فقال: «و الذي نفسي بيده أنهم ليعذبون في قبورهم حتى تسمع البهائم أصواتهم».
(قلت) وأحاديث المسألة في القبر كثيرة كما في الصحيحين والسنن، عن البراء بن عازب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «المسلم إذا سئل في قبره فشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه فذلك قول اللّه يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ «٢»
وفي لفظ: نزلت في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: اللّه ربي ومحمد نبي، فذلك قول اللّه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ «٣».
والحديث قد رواه أهل السنن والمسانيد مطولا كما تقدم.
وقد صرح في هذا الحديث بإعادة الروح إلى البدن وباختلاف أضلاعه، وهذا بين في أن العذاب على الروح والبدن مجتمعين.
وقد روى مثل حديث البراء قبض الروح والمسألة والنعيم والعذاب أبو هريرة (وحديثه) في المسند، وصحيح أبي حاتم، أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن الميت إذا وضع في قبره أنه يسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، والصيام عن يمينه، والزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي ما دخل، ثم يؤتى عن يمينه فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول: فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان ما قبلي مدخل، فيقال: اجلس، فيجلس قد مثلت له الشمس وقد أخذت الغروب، فيقال له: هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وما ذا تشهد به عليه؟ فيقول: دعوني أصلي، فيقولون إنك ستصلي، أخبرنا عما نسألك عنه، أرأيتك هذا الرجل الذي كان فيكم ما تقول فيه وما تشهد عليه؟ فيقول محمد؟ أشهد أنه رسول اللّه، جاء بالحق من عند اللّه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء اللّه، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا مقعدك وما أعد اللّه لك فيها، فيزداد غبطة وسرورا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا، وينور له فيه، ويعاد الجسد لما بدي ء منه، وتجعل نسمته من النسم الطيب وهي طير معلق في شجرة الجنة، قال: فذلك قول اللّه تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ «١» وذكر في الكافر ضد ذلك إلى أن قال: ثم يضيق عليه في قبره إلى أن تختلف فيه أضلاعه فتلك المعيشة الضنك التي قال اللّه تعالى ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ «٢».
(وفي الصحيحين) من حديث قتادة: عن أنس أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أنه ليسمع خفق نعالهم، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد اللّه ورسوله، قال: فيقول أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك اللّه به مقعدا من الجنة»، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم:
«فيراهما جميعا». قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون «٣».
ثم رجع إلى حديث أنس قال: فأما الكافر والمنافق فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقولان: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطراق من حديد بين أذنيه فيصيح صيحة فيسمعها من عليها غير الثقلين.
(وفي صحيح أبي حاتم) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إذا قبر أحدكم أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر النكير، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد؟ صلى اللّه عليه وآله وسلم، فهو قائل ما كان يقول، فإن كان مؤمنا قال: هو عبد اللّه ورسوله، أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله، فيقولان له: إنا كنا لنعلم أنك تقول ذلك، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراع، وينور له فيه، ويقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي ومالي فأخبرهم، فيقولان نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه اللّه من مضجعه ذلك، وإن كان منافقا قال: لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئا فكنت أقوله، فيقولان له:
كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه حتى تختلف فيها أضلاعه، فلا يزال معذبا حتى يبعثه اللّه من مضجعه ذلك». وهذا صريح في أن البدن يعذب.
(وعن أبي هريرة) أن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إذا احتضر المؤمن أتته الملائكة بحريرة بيضاء فيقولون: أخرجي أيتها الروح الطيبة راضية مرضيا عنك إلى روح «١» وريحان «٢» ورب غير غضبان، فتخرج كأطيب من ريح المسك حتى أنه ليناوله بعضهم بعضا حتى يأتوا به باب السماء، فيقولون:
ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحا به من أحدكم بغائبة يقدم عليه، فيسألونه ما ذا فعل فلان؟ قال: فيقول دعوه يستريح فإنه كان في غم الدنيا، فإذا قال أتاكم فيقولون إنه ذهب به إلى أمه الهاوية، وإن الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: أخرجي مسخوطا عليك إلى عذاب اللّه فتخرج كأنتن روح جيفة حتى يأتوا به باب الأرض، فيقولون: فما أنتن هذه الروح حتى يأتوا به أرواح الكفار» رواه النسائي والبزار ومسلم مختصرا.
(وأخرجه أبو حاتم في صحيحه) وقال: «إن المؤمن إذا حضره الموت حضرته ملائكة الرحمة، فإذا قبض جعلت روحه في حريرة بيضاء، فينطلق بها إلى باب السماء، فيقولون: ما وجدنا ريحا أطيب من هذه، فيقال: ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقال: دعوه يستريح، فإنه كان في غم الدنيا، وأما الكافر إذا قبضت نفسه ذهب بها إلى الأرض فتقول خزنة الأرض: ما وجدنا ريحا أنتن من هذه، فيبلغ بها إلى الأرض السفلى».
(وروى) النسائي في سننه من حديث عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «هذا الذي تحرك له العرش وفتحت له أبواب السماء وشهد له سبعون ألفا من الملائكة، لقد ضم ضمة ثم فرج عنه»، قال النسائي «١» يعني سعد بن معاذ «٢».
(وروى) من حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «للقبر ضغطة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ»، رواه من حديث شعبة.
وقال هناد بن السري: حدثنا محمد بن الفضيل عن أبيه عن ابن أبي مليكة قال: «ما أجير من ضغطة القبر أحد ولا سعد بن معاذ الذي منديل من مناديله خير من الدنيا وما فيها» «٣».
وقال: وحدثنا عبدة من عبيد اللّه بن عمر عن نافع قال: لقد بلغني أنه شهد جنازة سعد بن معاذ سبعون ألف ملك لم ينزلوا إلى الأرض قط، لقد بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «ضم صاحبكم في القبر ضمة».
وقال: علي بن معبد، حدثنا عبيد اللّه عن زيد بن أبي أنيسة، عن جابر، عن نافع قال: أتينا صفية بنت أبي عبيد امرأة عبد اللّه بن عمر وهي فزعة، فقلنا:
ما شأنك؟ فقالت: جئت من عند بعض نساء النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، قالت: فحدثني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «إن كنت لأرى لو أن أحدا أعفي من عذاب القبر لأعفي منه سعد بن معاذ لقد ضم فيه ضمة».
(وحدثنا) مروان بن معاوية عن علاء بن المسيب عن معاوية العبسي عن زاذان بن عمرو قال: لما دفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ابنته فجلس عند القبر فتربد} «١» وجهه، ثم سرى عنه «٢»، فقال له أصحابه: رأينا وجهك آنفا ثم سرى، فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ذكرت ابنتي وضعفها وعذاب القبر، فدعوت اللّه ففرج عنها، وأيم اللّه لقد ضمت ضمة سمعها من بين الخافقين».
وحدثنا شعيب عن ابن دينار عن إبراهيم الغنوي عن رجل قال: كنت عند عائشة رضي اللّه عنها فمرت جنازة صبي صغير فبكت، فقلت لها: ما يبكيك يا أم المؤمنين، فقالت: هذا الصبي بكيت له شفقة عليه من ضمة القبر.
ومعلوم أن هذا كله بواسطة الروح.
[فصل: الإيمان بعذاب القبر]
وهذا كما أنه مقتضى السنّة الصحيحة فهو متفق عليه بين أهل السنّة. قال المروزي: قال أبو عبد اللّه: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل، قال حنبل:
قلت لأبي عبد اللّه في عذاب القبر فقال: هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها، كلما جاء عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إسناد جيد أقررنا به. إذا لم نقر بما جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ودفعناه ورددناه رددنا على اللّه أمره، قال اللّه تعالى ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾
قلت له: وعذاب القبر حق؟ قال: حق يعذبون في القبر.
قال: وسمعت أبا عبد اللّه يقول: نؤمن بعذاب القبر وبمنكر ونكير وأن العبد يسأل في قبره فيثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة في القبر.
(وقال) أحمد بن القاسم: قلت: يا أبا عبد اللّه، تقر بمنكر ونكير، وما يروى في عذاب القبر؟ فقال: سبحان اللّه نعم، نقر بذلك ونقوله، قلت: هذه اللفظة تقول: منكر ونكير هكذا أو تقول ملكين؟ قال: منكر ونكير؟ قلت: يقولون ليس في حديث منكر ونكير، قال: هو هكذا، يعني أنهما منكر ونكير.
وأما أقوال أهل البدع والضلال، فقال أبو الهذيل والمريسي: من خرج عن صفة الإيمان فإنه يعذب بين النفحتين، والمسألة في القبر إنما تقع في ذلك الوقت.
وأثبت الجبائي وابنه البلجي عذاب القبر ولكنهم نفوه عن المؤمنين، وأثبتوه لأصحاب التخليد من الكفار والفسّاق على أصولهم.
(وقال) كثير من المعتزلة: لا يجوز تسمية ملائكة اللّه بمنكر ونكير، وإنما المنكر ما يبدو من تلجلجه إذا سئل، والنكير تقريع الملكين له.
وقال الصالحي: وصالح فيه عذاب القبر يجري على المؤمن من غير رد الأرواح إلى الأجساد، والميت يجوز أن يتألم ويحس ويعلم بلا روح، وهذا قول جماعة من الكرامية.
(وقال) بعض المعتزلة: إن اللّه سبحانه يعذب الموتى في قبورهم ويحدث فيهم الآلام وهم لا يشعرون، فإذا حشروا أوجدوا تلك الآلام وأحسوا بها، قالوا:
وسبيل المعذبين من الموتى كسبيل السكران والمغشى عليه لو ضربوا لم يجدوا الآلام، فإذا عاد عليهم العقل أحسوا بألم الضرب.
وأنكر جماعة منهم عذاب القبر رأسا مثل ضرار بن عمرو «١» ويحيى بن كامل وهو قول المريبي، فهذه أقوال أهل الخزي والضلالة.
[فصل: الرد على منكري عذاب القبر]
وهي قول السائل: ما جوابنا للملاحدة والزنادقة المنكرين لعذاب القبر وسعته وضيقه وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، وكون الميت لا يجلس ولا يقعد فيه.
قالوا: فإنا نكشف القبر فلا نجد فيه ملائكة عميا صما يضربون الموتى بمطارق من حديد، ولا نجد هناك حيات ولا ثعابين ولا نيرانا تأجج، ولو كشفنا حاله في حالة من الأحوال لوجدناه لم يتغير، ولو وضعنا على عينيه الزئبق وعلى صدره الخردل لوجدناه على حاله، وكيف يفسح مد بصره أو يضيق عليه، ونحن نجده بحاله، ونجد مساحته على حد ما حفرناها، لم يزد ولم ينقص، وكيف يسع ذلك اللحد الضيق له وللملائكة وللصورة التي تؤنسه أو توحشه؟ قال إخوانهم من أهل البدع والضلال، وكل حديث يخالف مقتضى القول والحس يقطع بتخطئة قائلة، قالوا: ونحن نرى المصلوب على خشبة مدة طويلة لا يسأل ولا يجيب ولا يتحرك ولا يتوقد جسمه نارا، ومن افترسته السباع ونهشته الطيور وتفرقت أجزاؤه في أجواف السباع وحواصل الطيور وبطون الحيتان ومدارج الرياح كيف تسأل أجزاؤه مع تفرقها، وكيف يتصور مسألة الملكين لمن هذا وصفه، وكيف يصير القبر على هذا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وكيف يضيق عليه حتى تلتئمه أضلاعه، ونحن نذكر أمورا يعلم بها الجواب.
الأمر الأول: أن يعلم أن الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم لم يخبروا بما تحيله العقول وتقطع باستحالته، بل أخبارهم قسمان:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences