Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:51–79
40:51Page 473
إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ ٥١
Indeed, We will support Our messengers and those who believe during the life of this world and on the Day when the witnesses will stand -
اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد وينقص.
وكذلك ولاية الله تعالى لعبده هي بحسب إيمانه قال تعالى: ﴿واللهُ ولِى المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]
وقال الله تعالى: ﴿اللهُ ولِى الّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].
وكذلك معيته الخاصة هي لأهل الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩].
فإذا نقص الإيمان وضعف، كان حظ العبد من ولاية الله له ومعيته الخاصة بقدر حظه من الإيمان.
وكذلك النصر والتأييد الكامل. إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]
وقال ﴿فَأيَّدْنا الّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤].
فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه.
وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
ويجيب عنه كثير منهم بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الآخرة، ويجيب آخرون بأنه لن يجعل لهم عليهم سبيلا في الحجة.
والتحقيق: أنها مثل هذه الآيات، وأن انتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل، فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم عليهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم، فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى.
فالمؤمن عزيز غالب مؤيد منصور، مكفى، مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهرا وباطنا. وقد قال تعالى للمؤمنين: ﴿وَلاَ تَهِنُوا ولا تحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]
وقال تعالى ﴿فَلاَ تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمٌ الأعْلَوْنَ واللهُ مَعَكمْ ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].
فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم، التي هي جند من جنود الله، يحفظهم بها، ولا يفردها عنهم ويقتطعها عنهم، فيبطلها عليهم، كما يَتِرُ الكافرين والمنافقين أعمالهم إذ كانت لغيره ولم تكن موافقة لأمره.
وأما المقام الثاني الذي وقع فيه الغلط، فكثير من الناس يظن أن أهل الدين الحق يكونون في الدنيا أذلاء مقهورين مغلوبين دائما، بخلاف من فارقهم إلى سبيل أخرى وطاعة أخرى، فلا يثق بوعد الله بنصر دينه وعباده، بل إما أن يجعل ذلك خاصا بطائفة دون طائفة، أو بزمان دون زمان أو يجعله معلقا بالمشيئة، وإن لم يصرح بها.
وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى، ومن سوء الفهم في كتابه.
والله سبحانه قد بين في كتابه أنه ناصر المؤمنين في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾ [غافر: ٥١].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦].
وقال تعالى: ﴿إنّ الّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولئِكَ في الأذَلَّينَ * كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢٠-٢١]
وهذا كثير في القرآن.
وقد بين سبحانه فيه أن ما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عدو، أو كسر، وغير ذلك فبذنوبه.
فبين سبحانه في كتابه كلا المقدمتين، فإذا جمعت بينهما تبين لك حقيقة الأمر، وزال الإشكال بالكلية، واستغنيت عن تلك التكليفات الباردة، والتأويلات البعيدة.
40:52Page 473
يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ ٥٢
The Day their excuse will not benefit the wrongdoers, and they will have the curse, and they will have the worst home [i.e., Hell].
No commentary for this ayah
40:53Page 473
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٥٣
And We had certainly given Moses guidance, and We caused the Children of Israel to inherit the Scripture
No commentary for this ayah
40:54Page 473
هُدٗى وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٤
As guidance and a reminder for those of understanding.
No commentary for this ayah
40:55Page 473
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٥٥
So be patient, [O Muḥammad]. Indeed, the promise of Allāh is truth. And ask forgiveness for your sin1 and exalt [Allāh] with praise of your Lord in the evening and the morning.
(فائدة)
بالاستغفار تتم الطاعة. وبالصبر يتم اليقين بالوعد. وقد جمع الله سبحانه بينهما في قوله:
﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللهِ حَق واستْغَفِرْ لِذَنْبِكَ وسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشِي والإبْكارِ﴾ [غافر: ٥٥].
وقد ذكر الله سبحانه في كتابه قصص الأنبياء وأتباعهم، وكيف نجاهم بالصبر والطاعة، ثم قال:
﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولِى الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١].
40:56Page 473
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٥٦
Indeed, those who dispute concerning the signs of Allāh without [any] evidence having come to them - there is not within their breasts except pride, [the extent of] which they cannot reach. So seek refuge in Allāh. Indeed, it is He who is the Hearing, the Seeing.
ولما كان المستعاذ منه في سورة "حم المؤمن" هو شر مجادلة الكفار في آياته، وما ترتب عليها من أفعالهم المرئية بالبصر قال: ﴿إنَّ الَّذِينَ يجادِلُونَ في آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهم إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغيهِ فاسْتَعِذْ بِاللهِ إنّهُ هو السَّمِيعُ البَصيرُ﴾ [غافر: ٥٦].
فإنه لما كان المستعاذ منه كلامه وأفعالهم المشاهدة عيانا قال: ﴿إنه هو السميع البصير﴾
وهناك المستعاذ منه غير مشاهد لنا، فإنه يرانا هو وقبيله من حيث لا نراه. بل هو معلوم بالإيمان وإخبار الله ورسوله.
40:57Page 473
لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧
The creation of the heavens and earth is greater than the creation of mankind, but most of the people do not know.
(فصل)
وَأما الِاسْتِدْلال بقوله تَعالى: ﴿لخلق السَّماوات والأرْض أكبر من خلق النّاس﴾
وَأن المُراد بِهِ كبر القدر والشرف لا كبر الجثة، فَفي غايَة الفساد، فَإن المُراد من الخلق هاهُنا الفِعْل لأنفس المَفْعُول وهَذا من أبلغ الأدِلَّة على المعاد أي أن الذي خلق السَّماوات والأرْض وخلقها أكبر من خَلقكُم كَيفَ يعجزه خَلقكُم بَعْدَما تموتون خلقا جَدِيدا ونَظِير هَذا في قَوْله في سُورَة يس ﴿أوليس الَّذِي خلق السَّماوات والأرْض بِقادِر على أن يخلق مثلهم﴾
أي مثل هَؤُلاءِ المنكرين فَهَذا اسْتِدْلال بشمول القدر للنوعين وأنَّها صالِحَة لَهما فَلا يجوز أن يثبت تعلقها بِأحد المقدورين دون الآخر فَكَذَلِك قَوْله لخلق السَّماوات والأرْض أكبر من خلق النّاس أي من لم تعجز قدرته عَن خلق العالم العلوِي والسفلي كَيفَ يعجز عَن خلق النّاس خلقا جَدِيدا بعد ما أماتهم ولا تعرض في هَذا لأحكام النُّجُوم بِوَجْه قطّ ولا لتأثير الكَواكِب وأما قوله تَعالى: {ويتفكرون في خلق السَّماوات والأرْض رَبنا ما خلقت هَذا باطِلا فَلا ريب أن خلق السَّماوات والأرْض من أعظم الأدِلَّة على وجود فاطرهما وكَمال قدرته وعلمه وحكمته وانفراده بالربوبية والوحدانية ومن سوى بَين ذَلِك وبَين البقة وجعل العبْرَة والدّلالَة والعلم بِوُجُود الرب الخالِق البارئ المصور مِنهُما سَواء فقد كابر والله سُبْحانَهُ إنَّما يَدْعُو عباده على النّظر والفكر في مخلوقاته العِظام لظُهُور أثر الدّلالَة فِيها وبديع عجائب الصَّنْعَة والحكمَة فِيها واتساع مجال الفِكر والنَّظَر في أرجائها وألا
؎فَفِي كل شَيْء لَهُ آيَة ∗∗∗ تدل على أنه واحِد ...
وَلَكِن أيْن الآيَة والدّلالَة في خلق العالم العلوِي والسفلي إلى خلق القملة والبرغوث والبقة؟
فَكيف يسمح لعاقل عقله أن يُسَوِّي بَينهما، ويجْعَل الدّلالَة من هَذا كالدلالة من الآخر؟
والله سُبْحانَهُ إنَّما يذكر من مخلوقاته للدلالة عَلَيْهِ أشرفها وأظهرها للحس والعقل وأبينها دلالَة وأعجبها صَنْعَة كالسماء والأرْض والشَّمْس والقَمَر واللَّيْل والنَّهار والنجوم والجِبال والسحاب والمطر وغير ذَلِك من آياته، ولا يَدْعُو عباده إلى التفكر في القمل والبراغيث والبعوض والبق والكلاب والحشرات ونَحْوها إنَّما يذكر ما يذكر من ذَلِك في سِياق ضرب الأمْثال مُبالغَة في الاحتقار والضعف كَقوله تَعالى: ﴿إن الَّذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولَو اجْتَمعُوا لَهُ وإن يسلبهم الذُّباب شَيْئا لا يستنفذوه مِنهُ﴾
فَهُنا لم يذكر الذُّباب في سِياق الدّلالَة على إثْبات الصّانِع تَعالى وكَذَلِكَ قَوْله ﴿إن الله لا يستحيي أن يضْرب مثلا ما بعوضة فَما فَوْقها﴾ وكَذَلِكَ قَوْله ﴿مثل الَّذين اتَّخذُوا من دون الله أوْلِياء كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وإن أوهن البيُوت لبيت العنكبوت﴾
فَتَأمل ذكر هَذِه المَخْلُوقات الحقيرة في أي سِياق وذكر المَخْلُوقات العَظِيمَة في أي سِياق.
وَأما قَول من قالَ من المُتَكَلِّمين المتكلفين إن دلالَة حُصُول الحَياة في الأبدان الحيوانية أقوى من دلالَة السَّماوات والأرْض على وجود الصّانِع تَعالى فبناء هَذا القائِل على الأصْل الفاسِد وهو إثْبات الجَوْهَر الفَرد وأن تَأْثِير الصّانِع تَعالى في خلق العالم العلوِي والسفلي هو تركيب تِلْكَ الجَواهِر وتأليفها، هَذا التَّأْلِيف الخاص والتركيب جنسه مَقْدُور للبشر وغَيرهم.
وَأما الإحْداث والاختراع فَلا يقدر عَلَيْهِ إلّا الله والقَوْل بالجوهر الفَرد وبِناء المبدأ والمعاد عَلَيْهِ مِمّا هو من أصول المُتَكَلِّمين الفاسِدَة الَّتِي نازعهم فِيها جُمْهُور العُقَلاء.
قالُوا وخلق الله تَعالى وإحداثه لما يحدثه من أجسام العالم هو إحْداث لأجزائها وذواتها لا مُجَرّد تركيب الجَواهِر مُنْفَرِدَة، ثمَّ قد فرغ من خلقها وصنعه وإبداعه الآن إنَّما هو في تأليفها وتركيبها.
وَهَذا من أقوال أهل البدع الَّتِي ابتدعوها في الإسْلام وبنوا عَلَيْها المعاد وحدوث العالم فسلطوا عَلَيْهِم أعداء الإسْلام ولم يُمكنهُم كسرهم لما بنوا المبدأ والمعاد على أمر وهمي خيالي، وظنوا أنه لا يتم لَهُم القَوْل بحدوث العالم وإعادة الأجْسام إلّا بِهِ، وأقام منازعوهم حجَجًا كَثِيرَة جدا على بطلان القَوْل بالجوهر واعترافهم بِقُوَّة كثير مِنها وصِحَّته، فأوقع ذَلِك شكا لكثير مِنهُم في أمر المبدأ والمعاد لبنائه على شفا جرف هار.
وَأما أئمة الإسْلام وفحول النظار فَلم يعتمدوا على هَذِه الطَّرِيقَة وهِي عِنْدهم أضْعَف وأوهى من أن يبنوا عَلَيْها شَيْئا من الدّين فضلا عَن حُدُوث العالم وإعادة الأجْسام، وإنَّما اعتمدوا على الطّرق الَّتِي أرشد الله سُبْحانَهُ إلَيْها في كِتابه وهِي حُدُوث ذات الحَيَوان والنبات وخلق نفس العالم العلوِي والسفلي، وحدوث السَّحاب والمطر والرياح وغَيرها من الأجْسام الَّتِي يُشاهد حدوثها بذواتها لامجرد حُدُوث تأليفها وتركيبها فَعِنْدَ القائِلين بالجوهر لا يشْهد أن الله أحدث في هَذا العالم شَيْئا من
الجَواهِر وإنَّما أحدث تأليفها وتركيبها فَقَط وإن كانَ إحداثه بجواهره سابِقًا مُتَقَدما قبل ذَلِك.
وَأما الآن فَإنَّما تحدث الأعْراض من الِاجْتِماع والافتراق والحَرَكَة والسكون فَقَط وهِي الأكوان عِنْدهم، وكَذَلِكَ المعاد فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يفرق أجزاء العالم وهو إعدامه ثمَّ يؤلفها ويجمعها، وهو المعاد وهَؤُلاء احتاجوا إلى أن يستدلوا على كَون عين الإنْسان وجواهره مخلوقة إذْ المشاهد عِنْدهم بالحس دائِما هو حُدُوث أعْراض في تِلْكَ الجَواهِر من التَّأْلِيف الخالِص وزَعَمُوا أن كل ما يحدثه الله من السَّحاب والمطر والزروع والثِّمار والحَيَوان فَإنَّما يحدث فِيهِ أعراضا، وهِي جمع الجَواهِر الَّتِي كانَت مَوْجُودَة وتفريقها، وزَعَمُوا أن أحدا لا يعلم حُدُوث عين من الأعْيان بِالمُشاهَدَةِ ولا بضرورة العقل وإنَّما يعلم ذَلِك بالاستدلال.
وَجُمْهُور العُقَلاء من الطوائف يخالفون هَؤُلاءِ ويَقُولُونَ الرب لا يزال يحدث الأعْيان كَما دلّ على ذَلِك الحس والعقل والقُرْآن فَإن الأجْسام الحادِثَة بِالمُشاهَدَةِ ذواتها وأجزاؤها حادِثَة بعد أن لم تكن جَواهِر مفرقة فاجتمعت.
وَمن قالَ غير ذَلِك فقد كابر الحس والعقل، فَإن كَون الإنْسان والحَيَوان مخلوقا مُحدثا كائِنا بعد إن لم يكن أمر مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ لجَمِيع النّاس، وكل أحد يعلم أنه حدث في بطن أمه بعد أن لم يكن وإن عينه حدثت كَما قالَ الله تَعالى ﴿وَقد خلقتك من قبل ولم تَكُ شَيْئا﴾ ولَيْسَ هَذا عِنْدهم مِمّا يسْتَدلّ عَلَيْهِ بل يسْتَدلّ بِهِ كَما هي طَريقَة القُرْآن فَإنَّهُ جعل حُدُوث الإنْسان وخلقه دَلِيلا لا مدلولا عَلَيْهِ
وَقَوْلهمْ إن الحادِث أعْراض فَقَط وأنه مركب من الجَواهِر المفردة قَولانِ باطلان بل يعلم حُدُوث عين الإنْسان وذاته وبطلان الجَوْهَر الفَرد ولَو كانَ القَوْل بالجوهر صَحِيحا لم يكن مَعْلُوما إلّا بأدلة خُفْيَة دقيقة فَلا يكون من أصُول الدّين بل ولا مُقَدّمَة فِيها فطريقتهم تَتَضَمَّن جحد المَعْلُوم وهو حُدُوث الأعْيان الحادِثَة وذواتها وإثْبات ما لَيْسَ بِمَعْلُوم بل هو باطِل وهو إثْبات الجَوْهَر الفَرد ولَيْسَ هَذا مَوضِع استقصاء هَذِه المسئلة والمَقْصُود الكَلام على قَوْله إن الِاسْتِدْلال بِحُصُول الحَياة في بنية الحَيَوان على وجود الصّانِع أقوى من دلالَة تركيب الأجرام الفلكية وهو مبْني على هَذا الأصْل الفاسِد.
40:58Page 473
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ٥٨
And not equal are the blind and the seeing, nor are those who believe and do righteous deeds and the evildoer. Little do you remember.
No commentary for this ayah
40:59Page 474
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٩
Indeed, the Hour is coming - no doubt about it - but most of the people do not believe.
No commentary for this ayah
40:60Page 474
وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠
And your Lord says, "Call upon Me; I will respond to you." Indeed, those who disdain My worship will enter Hell [rendered] contemptible.
والدُّعاء نَوْعانِ دُعاء عبادَة، ودُعاء مَسْألَة، والعابِد داع كَما أن السّائِل داع، وبِهِما فسر قَوْله تَعالى ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
قيل أطِيعُونِي أثبكم.
وَقيل سلوني أعطكم، وفسّر بهما قَوْله تَعالى ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]
والصَّواب أن الدُّعاء يعم النَّوْعَيْنِ وهَذا لفظ متواطئ لا اشْتِراك فِيهِ.
[الدُّعاءُ يَدْفَعُ المَكْرُوهَ]
وَكَذَلِكَ الدُّعاءُ، فَإنَّهُ مِن أقْوى الأسْبابِ في دَفْعِ المَكْرُوهِ، وحُصُولِ المَطْلُوبِ، ولَكِنْ قَدْ يَتَخَلَّفُ أثَرُهُ عَنْهُ، إمّا لِضَعْفِهِ في نَفْسِهِ - بِأنْ يَكُونَ دُعاءً لا يُحِبُّهُ اللَّهُ، لِما فِيهِ مِنَ العُدْوانِ - وإمّا لِضَعْفِ القَلْبِ وعَدَمِ إقْبالِهِ عَلى اللَّهِ وجَمْعِيَّتِهِ عَلَيْهِ وقْتَ الدُّعاءِ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ القَوْسِ الرِّخْوِ جِدًّا، فَإنَّ السَّهْمَ يَخْرُجُ مِنهُ خُرُوجًا ضَعِيفًا، وإمّا لِحُصُولِ المانِعِ مِنَ الإجابَةِ: مِن أكْلِ الحَرامِ، والظُّلْمِ، ورَيْنِ الذُّنُوبِ عَلى القُلُوبِ، واسْتِيلاءِ الغَفْلَةِ والشَّهْوَةِ واللَّهْوِ، وغَلَبَتِها عَلَيْها.
كَما في مُسْتَدْرَكِ الحاكِمِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ادْعُوا اللَّهَ وأنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإجابَةِ».
«واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ دُعاءً مِن قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ» فَهَذا دَواءٌ نافِعٌ مُزِيلٌ لِلدّاءِ، ولَكِنَّ غَفْلَةَ القَلْبِ عَنِ اللَّهِ تُبْطِلُ قُوَّتَهُ، وكَذَلِكَ أكْلُ الحَرامِ يُبْطِلُ قُوَّتَهُ ويُضْعِفُها.
كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ، لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]
وَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِّيَ بِالحَرامِ، فَأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ؟».
وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في كِتابِ الزُّهْدِ لِأبِيهِ: أصابَ بَنِي إسْرائِيلَ بَلاءٌ، فَخَرَجُوا مَخْرَجًا، فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى نَبِيِّهِمْ أنْ أخْبِرْهُمْ: إنَّكم تَخْرُجُونَ إلى الصَّعِيدِ بِأبْدانٍ نَجِسَةٍ، وتَرْفَعُونَ إلَيَّ أكُفًّا قَدْ سَفَكْتُمْ بِها الدِّماءَ، ومَلَأْتُمْ بِها بُيُوتَكم مِنَ الحَرامِ، الآنَ حِينَ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلَيْكُمْ؟ ولَنْ تَزْدادُوا مِنِّي إلّا بُعْدًا.
وَقالَ أبُو ذَرٍّ: يَكْفِي مِنَ الدُّعاءِ مَعَ البِرِّ، ما يَكْفِي الطَّعامَ مِنَ المِلْحِ.
وَهاهُنا سُؤالٌ مَشْهُورٌ وهُوَ:
أنَّ المَدْعُوَّ بِهِ إنْ كانَ قَدْ قُدِّرَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن وُقُوعِهِ، دَعا بِهِ العَبْدُ أوْ لَمْ يَدْعُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قُدِّرَ لَمْ يَقَعْ، سَواءٌ سَألَهُ العَبْدُ أوْ لَمْ يَسْألْهُ.
فَظَنَّتْ طائِفَةٌ صِحَّةَ هَذا السُّؤالِ، فَتَرَكَتِ الدُّعاءَ وقالَتْ: لا فائِدَةَ فِيهِ، وهَؤُلاءِ مَعَ فَرْطِ جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ، مُتَناقِضُونَ فَإنَّ طَرْدَ مَذْهَبِهِمْ يُوجِبُ تَعْطِيلَ جَمِيعِ الأسْبابِ فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ:
إنْ كانَ الشِّبَعُ والرِّيُّ قَدْ قُدِّرا لَكَ فَلابُدَّ مِن وُقُوعِهِما، أكَلْتَ أوْ لَمْ تَأْكُلْ، وإنْ لَمْ يُقَدَّرا لَمْ يَقَعا أكَلْتَ أوْ لَمْ تَأْكُلْ.
وَإنْ كانَ الوَلَدُ قُدِّرَ لَكَ فَلابُدَّ مِنهُ، وطِئْتَ الزَّوْجَةَ أوِ الأمَةَ أوْ لَمْ تَطَأْ، وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَكُنْ، فَلا حاجَةَ إلى التَّزْوِيجِ والتَّسَرِّي، وهَلُمَّ جَرّا.
فَهَلْ يَقُولُ هَذا عاقِلٌ أوْ آدَمِيٌّ؟ بَلِ الحَيَوانُ البَهِيمُ مَفْطُورٌ عَلى مُباشَرَةِ الأسْبابِ الَّتِي بِها قِوامُهُ وحَياتُهُ، فالحَيَواناتُ أعْقَلُ وأفْهَمُ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا.
وَتَكايَسَ بَعْضُهم وقالَ: الِاشْتِغالُ بِالدُّعاءِ مِن بابِ التَّعَبُّدِ المَحْضِ يُثِيبُ اللَّهُ عَلَيْهِ الدّاعِيَ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ في المَطْلُوبِ بِوَجْهٍ ما ولا فَرْقَ عِنْدَ هَذا المُتَكَيِّسِ بَيْنَ الدُّعاءِ والإمْساكِ عَنْهُ بِالقَلْبِ واللِّسانِ في التَّأْثِيرِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، وارْتِباطُ الدُّعاءِ عِنْدَهم بِهِ كارْتِباطِ السُّكُوتِ ولا فَرْقَ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى أكْيَسُ مِن هَؤُلاءِ: بَلِ الدُّعاءُ عَلامَةٌ مُجَرَّدَةٌ نَصَبَها اللَّهُ سُبْحانَهُ أمارَةً عَلى قَضاءِ الحاجَةِ، فَمَتى وُفِّقَ العَبْدُ لِلدُّعاءِ كانَ ذَلِكَ عَلامَةً لَهُ وأمارَةً عَلى أنَّ حاجَتَهُ قَدِ انْقَضَتْ، وهَذا كَما إذا رَأيْتَ غَيْمًا أسْوَدَ بارِدًا في زَمَنِ الشِّتاءِ، فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ وعَلامَةٌ عَلى أنَّهُ يُمْطِرُ.
قالُوا: وهَكَذا حُكْمُ الطّاعاتِ مَعَ الثَّوابِ، والكُفْرُ والمَعاصِي مَعَ العِقابِ، هي أماراتٌ مَحْضَةٌ لِوُقُوعِ الثَّوابِ والعِقابِ لا أنَّها أسْبابٌ لَهُ.
وَهَكَذا عِنْدَهُمُ الكَسْرُ مَعَ الِانْكِسارِ، والحَرْقُ مَعَ الإحْراقِ، والإزْهاقُ مَعَ القَتْلِ لَيْسَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ سَبَبًا ألْبَتَّةَ، ولا ارْتِباطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، إلّا مُجَرَّدُ الِاقْتِرانِ العادِيِّ، لا التَّأْثِيرُ السَّبَبِيُّ وخالَفُوا بِذَلِكَ الحِسَّ والعَقْلَ، والشَّرْعَ والفِطْرَةَ، وسائِرَ طَوائِفِ العُقَلاءِ، بَلْ أضْحَكُوا عَلَيْهِمُ العُقَلاءَ.
وَلِلصَّوابِ أنَّ هاهُنا قِسْمًا ثالِثًا، غَيْرَ ما ذَكَرَهُ السّائِلُ، وهو أنَّ هَذا المَقْدُورَ قُدِّرَ بِأسْبابٍ، ومِن أسْبابِهِ الدُّعاءُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ مُجَرَّدًا عَنْ سَبَبِهِ، ولَكِنْ قُدِّرَ بِسَبَبِهِ، فَمَتى أتى العَبْدُ بِالسَّبَبِ، وقَعَ المَقْدُورُ، ومَتى لَمْ يَأْتِ بِالسَّبَبِ انْتَفى المَقْدُورُ، وهَذا كَما قُدِّرَ الشِّبَعُ والرِّيُّ بِالأكْلِ والشُّرْبِ وقُدِّرَ الوَلَدُ بِالوَطْءِ، وقُدِّرَ حُصُولُ الزَّرْعِ بِالبَذْرِ، وقُدِّرَ خُرُوجُ نَفْسِ الحَيَوانِ بِذَبْحِهِ، وكَذَلِكَ قُدِّرَ دُخُولُ الجَنَّةِ بِالأعْمالِ، ودُخُولُ النّارِ بِالأعْمالِ، وهَذا القِسْمُ هو الحَقُّ، وهَذا الَّذِي حُرِمَهُ السّائِلُ ولَمْ يُوَفَّقْ لَهُ.
الدُّعاءُ مِن أقْوى الأسْبابِ
وَحِينَئِذٍ فالدُّعاءُ مِن أقْوى الأسْبابِ، فَإذا قُدِّرَ وُقُوعُ المَدْعُوِّ بِهِ بِالدُّعاءِ لَمْ يَصِحَّ أنْ يُقالَ: لا فائِدَةَ في الدُّعاءِ، كَما لا يُقالُ: لا فائِدَةَ في الأكْلِ والشُّرْبِ وجَمِيعِ الحَرَكاتِ والأعْمالِ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الأسْبابِ أنْفَعَ مِنَ الدُّعاءِ، ولا أبْلَغَ في حُصُولِ المَطْلُوبِ.
عُمَرُ يَسْتَنْصِرُ بِالدُّعاءِ
وَلَمّا كانَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أعْلَمَ الأُمَّةِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وأفْقَهَهم في دِينِهِ، كانُوا أقْوَمَ بِهَذا السَّبَبِ وشُرُوطِهِ وآدابِهِ مِن غَيْرِهِمْ.
وَكانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَسْتَنْصِرُ بِهِ عَلى عَدُوِّهِ، وكانَ أعْظَمَ جُنْدَيْهِ، وكانَ يَقُولُ لِأصْحابِهِ: لَسْتُمْ تُنْصَرُونَ بِكَثْرَةٍ، وإنَّما تُنْصَرُونَ مِنَ السَّماءِ، وكانَ يَقُولُ: إنِّي لا أحْمِلُ هَمَّ الإجابَةِ، ولَكِنْ هَمَّ الدُّعاءِ، فَإذا أُلْهِمْتُمُ الدُّعاءَ، فَإنَّ الإجابَةَ مَعَهُ، وأخَذَ الشّاعِرُ هَذا المَعْنى فَنَظَمَهُ فَقالَ:
؎لَوْ لَمْ تُرِدْ نَيْلَ ما أرْجُو وأطْلُبُهُ ∗∗∗ مِن جُودِ كَفَّيْكَ ما عَلَّمْتَنِي الطَّلَبا
فَمَن أُلْهِمَ الدُّعاءَ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الإجابَةُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وقالَ: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن لَمْ يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ».
وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ رِضاءَهُ في سُؤالِهِ وطاعَتِهِ، وإذا رَضِيَ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى فَكُلُّ خَيْرٍ في رِضاهُ، كَما أنَّ كُلَّ بَلاءٍ ومُصِيبَةٍ في غَضَبِهِ.
وَقَدْ ذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في كِتابِ الزُّهْدِ أثَرًا «أنا اللَّهُ، لا إلَهَ إلّا أنا، إذا رَضِيتُ بارَكْتُ، ولَيْسَ لِبَرَكَتِي مُنْتَهًى وإذا غَضِبْتُ لَعَنْتُ، ولَعْنَتِي تَبْلُغُ السّابِعَ مِنَ الوَلَدِ».
وَقَدْ دَلَّ العَقْلُ والنَّقْلُ والفِطْرَةُ وتَجارِبُ الأُمَمِ - عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها ومِلَلِها ونِحَلِها - عَلى أنَّ التَّقَرُّبَ إلى رَبِّ العالَمِينَ، وطَلَبِ مَرْضاتِهِ، والبِرِّ والإحْسانِ إلى خَلْقِهِ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ الجالِبَةِ لِكُلِّ خَيْرٍ، وأضْدادَها مِن أكْبَرِ الأسْبابِ الجالِبَةِ لِكُلِّ شَرٍّ، فَما اسْتُجْلِبَتْ نِعَمُ اللَّهِ، واسْتُدْفِعَتْ نِقْمَتُهُ، بِمِثْلِ طاعَتِهِ، والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، والإحْسانِ إلى خَلْقِهِ.
ارْتِباطُ الخَيْرِ والشَّرِّ بِالعَمَلِ
وَقَدْ رَتَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حُصُولَ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وحُصُولَ السُّرُورِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ في كِتابِهِ عَلى الأعْمالِ، تُرَتُّبَ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ، والمَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ، والمُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وهَذا في القُرْآنِ يَزِيدُ عَلى ألْفِ مَوْضِعٍ.
وَبِالجُمْلَةِ فالقُرْآنُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ صَرِيحٌ في تُرَتُّبِ الجَزاءِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ والأحْكامِ الكَوْنِيَّةِ والأمْرِيَّةِ عَلى الأسْبابِ، بَلْ تَرْتِيبِ أحْكامِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ومَصالِحِهِما ومَفاسِدِهِما عَلى الأسْبابِ والأعْمالِ.
وَمَن تَفَقَّهَ في هَذِهِ المَسْألَةِ وتَأمَّلَها حَقَّ التَّأمُّلِ انْتَفَعَ بِها غايَةَ النَّفْعِ، ولَمْ يَتَّكِلْ عَلى القَدَرِ جَهْلًا مِنهُ، وعَجْزًا وتَفْرِيطًا وإضاعَةً، فَيَكُونُ تَوَكُّلُهُ عَجْزًا، وعَجْزُهُ تَوَكُّلًا، بَلِ الفَقِيهُ كُلَّ الفِقْهِ الَّذِي يَرُدُّ القَدَرَ بِالقَدَرِ، ويَدْفَعُ القَدَرَ بِالقَدَرِ، ويُعارِضُ القَدَرَ بِالقَدَرِ، بَلْ لا يُمْكِنُ لِإنْسانٍ أنْ يَعِيشَ إلّا بِذَلِكَ، فَإنَّ الجُوعَ والعَطَشَ والبَرْدَ وأنْواعَ المَخاوِفِ والمَحاذِيرِ هي مِنَ القَدَرِ.
والخَلْقُ كُلُّهم ساهُونَ في دَفْعِ هَذا القَدَرِ بِالقَدَرِ، وهَكَذا مَن وفَّقَهُ اللَّهُ وألْهَمَهُ رُشْدَهُ يَدْفَعُ قَدَرَ العُقُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ بِقَدَرِ التَّوْبَةِ والإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَهَذا وِزانُ القَدَرِ المُخَوِّفِ في الدُّنْيا وما يُضادُّهُ سَواءٌ، فَرَبُّ الدّارَيْنِ واحِدٌ وحِكْمَتُهُ واحِدَةٌ لا يُناقِضُ بَعْضُها بَعْضًا، ولا يُبْطِلُ بَعْضُها بَعْضًا، فَهَذِهِ المَسْألَةُ مِن أشْرَفِ المَسائِلِ لِمَن عَرَفَ قَدْرَها، ورَعاها حَقَّ رِعايَتِها، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
(فائدة)
سمع بعض أهل العلم رجلا يدعوا بالعافية فقال له:
"يا هذا استعمل الأدوية وادع بالعافية فإن الله تعالى إذا كان قد جعل إلى العافية طريقا وهو التداوي ودعوته
بالعافية ربما كان جوابه قد عافيتك بما جعلته ووضعته سببا للعافية، وما هذا إلا بمثابة من بين زرعه وبين الماء ثلمة يدخل منها الماء يسقي زرعه فجعل يصلي ويستسقي لزرعه، ويطلب المطر مع قدرته على فتح تلك الثلمة لسقي زرعة فإن ذلك لا يحسن منه شرعا ولا عقلا ولم يكن ذلك إلا لأنه سبق بإعطاء الأسباب فهو إعطاء بأحد الطريقين وله أن يعطي بسبب وبغير سبب وبالسبب ليتبين به ما أفاض من صنعه وما أودع في مخلوقاته من القوى والطبائع والمنافع، وإعطاؤه لغير سبب ليتبين للعباد أن القدرة غير مفتقرة إلى واسطة في فعله فإذا دعوته بالعافية فاستنقذ ما أعطاك من العتائد والأرزاق فإن وصلت بها وإلا فاطلب طلب من أفلس من مطلوبه فرغب إلى المعدن كما قال سيد الخلائق:
"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
قلت: هذا كلام حسن وأكمل منه أن يبذل الأسباب ويسأل سؤال من لم يدل بشيء ألبتة.
والناس في هذا المقام أربعة أقسام:
- فأعجزهم من لم يبذل السبب ولم يكثر الطلب فذاك أمهن الخلق.
- والثاني: مقابلة وهو أحزم الناس من أدلى بالأسباب التي نصبها الله تعالى مفضية إلى المطلوب وسأل سؤال من لم يدل بسبب أصلا بل سؤال مفلس بائس ليس له حيلة ولا وسيلة.
- والثالث: من استعمل الأسباب وصرف همته إليها وقصر نظره عليها فهذا وإن كان له حظ مما رتبه الله تعالى عليها لكنه منقوص منقطع نصب الآفات والمعارضات لا يحصل له إلا بعد جهد فإذا حصل فهو وشيك الزوال سريع الانتقال غير معقب له توحيدا ولا معرفة ولا كان سببا لفتح الباب بينه وبين معبوده.
- الرابع: مقابلة وهو رجل نبذ الأسباب وراء ظهره وأقبل على الطلب والدعاء والابتهال فهذا يحمد في موضع ويذم في موضع ويشينه الأمر في موضع فيحمد عند كون تلك الأسباب غير مأمور بها إذ فيها مضرة عليه في دينه فإذا تركها وأقبل على السؤال والابتهال والتضرع لله كان محمودا ويذم حيث كانت الأسباب مأمورا بها فتركها وأقبل على الدعاء، كمن حصره العدو وأمر بجهاده
فترك جهاده وأقبل على الدعاء والتضرع أن يصرفه الله عنه وكمن جهده العطش وهو قادر على تناول الماء فتركه وأقبل يسأل الله تعالى أن يرويه وكمن أمكنه التداوي الشرعي فتركه وأقبل يسأل العافية ونظائر هذا.
ويشتبه الأمر في الأسباب التي لا يتبين له عواقبها وفيها بعض الاشتباه ولها لوازم قد يعجز عنها وقد يتولد عنها ما يعود بنقصان دينه فهذا موضع اشتباه وخطر والحاكم في ذلك كله الأمر فإن خفي فالاستخارة وأمر الله وراء ذلك.
40:61Page 474
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٦١
It is Allāh who made for you the night that you may rest therein and the day giving sight.1 Indeed, Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of them are not grateful.
No commentary for this ayah
40:62Page 474
ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٦٢
That is Allāh, your Lord, Creator of all things; there is no deity except Him, so how are you deluded?
No commentary for this ayah
40:63Page 474
كَذَٰلِكَ يُؤۡفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٦٣
Thus were those [before you] deluded who were rejecting the signs of Allāh.
No commentary for this ayah
40:64Page 474
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٤
It is Allāh who made for you the earth a place of settlement and the sky a structure [i.e., ceiling] and formed you and perfected your forms and provided you with good things. That is Allāh, your Lord; then blessed is Allāh, Lord of the worlds.
No commentary for this ayah
40:65Page 474
هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٥
He is the Ever-Living;1 there is no deity except Him, so call upon Him, [being] sincere to Him in religion. [All] praise is [due] to Allāh, Lord of the worlds.
No commentary for this ayah
40:66Page 474
۞ قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلۡبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرۡتُ أَنۡ أُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٦
Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been forbidden to worship those you call upon besides Allāh once the clear proofs have come to me from my Lord, and I have been commanded to submit to the Lord of the worlds."
No commentary for this ayah
40:67Page 475
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦٧
It is He who created you from dust, then from a sperm-drop, then from a clinging clot; then He brings you out as a child; then [He develops you] that you reach your [time of] maturity, then [further] that you become elders. And among you is he who is taken in death before [that], so that you reach a specified term;1 and perhaps you will use reason.
No commentary for this ayah
40:68Page 475
هُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٦٨
He it is who gives life and causes death; and when He decrees a matter, He but says to it, "Be," and it is.
No commentary for this ayah
40:69Page 475
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ ٦٩
Do you not consider those who dispute concerning the signs of Allāh - how are they averted?
No commentary for this ayah
40:70Page 475
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٧٠
Those who deny the Book [i.e., the Qur’ān] and that with which We sent Our messengers - they are going to know,
No commentary for this ayah
40:71Page 475
إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ٧١
When the shackles are around their necks and the chains; they will be dragged
No commentary for this ayah
40:72Page 475
فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ ٧٢
In boiling water; then in the Fire they will be filled [with flame].
No commentary for this ayah
40:73Page 475
ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٧٣
Then it will be said to them, "Where is that which you used to associate [with Him in worship]
No commentary for this ayah
40:74Page 475
مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡـٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤
Other than Allāh?" They will say, "They have departed from us; rather, we did not used to invoke previously anything." Thus does Allāh put astray the disbelievers.
No commentary for this ayah
40:75Page 475
ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ ٧٥
[The angels will say], "That was because you used to exult upon the earth without right and you used to behave insolently.
No commentary for this ayah
40:76Page 475
ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٦
Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
No commentary for this ayah
40:77Page 475
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٧٧
So be patient, [O Muḥammad]; indeed, the promise of Allāh is truth. And whether We show you some of what We have promised them or We take you in death, it is to Us they will be returned.
No commentary for this ayah
40:78Page 476
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٧٨
And We have already sent messengers before you. Among them are those [whose stories] We have related to you, and among them are those [whose stories] We have not related to you. And it was not for any messenger to bring a sign [or verse] except by permission of Allāh. So when the command of Allāh comes, it will be concluded [i.e., judged] in truth, and the falsifiers will thereupon lose [all].
No commentary for this ayah
40:79Page 476
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمَ لِتَرۡكَبُواْ مِنۡهَا وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٩
It is Allāh who made for you the grazing animals upon which you ride, and some of them you eat.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences