Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
الحجرات
Al-Hujurat
The Rooms · Medinan · 18 ayahs
49:1Page 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١
O you who have believed, do not put [yourselves] before Allāh and His Messenger1 but fear Allāh. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
أيْ لا تَقُولُوا حَتّى يَقُولَ، ولا تَأْمُرُوا حَتّى يَأْمُرَ، ولا تُفْتُوا حَتّى يُفْتِيَ، ولا تَقْطَعُوا أمْرًا حَتّى يَكُونَ هو الَّذِي يَحْكُمُ فِيهِ ويَمْضِيهِ، رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: لا تَقُولُوا خِلافَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ورَوى العَوْفِيُّ عَنْهُ قالَ: نُهُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بَيْنَ يَدَيْ كَلامِهِ.
والقَوْلُ الجامِعُ في مَعْنى الآيَةِ لا تَعْجَلُوا بِقَوْلٍ ولا فِعْلٍ قَبْلَ أنْ يَقُولَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أوْ يَفْعَلَ.
وَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]
فَإذا كانَ رَفْعُ أصْواتِهِمْ فَوْقَ صَوْتِهِ سَبَبًا لِحُبُوطِ أعْمالِهِمْ فَكَيْف تَقْدِيمُ آرائِهِمْ وعُقُولِهِمْ وأذْواقِهِمْ وسِياساتِهِمْ ومَعارِفِهِمْ عَلى ما جاءَ بِهِ ورَفْعُها عَلَيْهِ؟ ألَيْسَ هَذا أوْلى أنْ يَكُونَ مُحْبِطًا لِأعْمالِهِمْ.
(فصل)
وَمِنَ الأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ: أنْ لا يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأمْرٍ ولا نَهْيٍ، ولا إذَنٍ ولا تَصَرُّفٍ. حَتّى يَأْمُرَ هُوَ، ويَنْهى ويَأْذَنَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾
وَهَذا باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُنْسَخْ. فالتَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْ سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ، كالتَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْهِ في حَيّاتِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما عِنْدَ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ.
قالَ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: لا تَفْتاتُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَقُولُ العَرَبُ: لا تُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيِ الإمامِ وبَيْنَ يَدَيِ الأبِ. أيْ لا تُعَجِّلُوا بِالأمْرِ والنَّهْيِ دُونَهُ.
وَقالَ غَيْرُهُ: لا تَأْمُرُوا حَتّى يَأْمُرَ. ولا تَنْهُوا حَتّى يَنْهى.
وَمِنَ الأدَبِ مَعَهُ: أنْ لا تُرْفَعَ الأصْواتُ فَوْقَ صَوْتِهِ. فَإنَّهُ سَبَبٌ لِحُبُوطِ الأعْمالِ فَما الظَّنُّ بِرَفْعِ الآراءِ، ونَتائِجِ الأفْكارِ عَلى سُنَّتِهِ وما جاءَ بِهِ؟ أتُرى ذَلِكَ مُوجِبًا لِقَبُولِ الأعْمالِ، ورَفْعُ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ مُوجِبٌ لِحُبُوطِها؟
(فصل)
القلب السليم: هو الذي سلم من أن يكون لغير الله فيه شرك بوجه ما، بل قد خلصت عبوديته لله تعالى: إرادة ومحبة، وتوكلا، وإنابة، وإخباتا، وخشية، ورجاء. وخلص عمله لله، فإن أحب أحَبَّ في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى لله، وإن منع منع لله ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فيعقد قلبه معه عقدا محكما على الائتمام والاقتداء به وحده، دون كل أحد في الأقوال والأعمال من أقوال القلب، وهي العقائد، وأقوال اللسان؛ وهي الخبر عما في القلب. وأعمال القلب، وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال الجوارح.
فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دقه وجله هو ما جاء به الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، فلا يتقدم بين يديه بعقيدة ولا قول ولا عمل، كما قال تعالى:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقدِّمُوا بَيْنَ يَدىِ اللهِ ورَسُولهِ﴾ [الحجرات: ١].
أي لا تقولوا حتى يقول، ولا تفعلوا حتى يأمر، قال بعض السلف: ما من فعلة وإن صغرت إلا ينشر لها ديوانان: لم؟ وكيف؟ أي لم فعلت؟ وكيف فعلت؟
فالأول: سؤال عن علة الفعل وباعثه وداعيه؛ هل هو حظ عاجل من حظوظ العامل، وغرض من أغراض الدنيا في محبة المدح من الناس أو خوف ذمهم، أو استجلاب محبوب عاجل، أو دفع مكروه عاجل؟
أم الباعث على الفعل القيام بحق العبودية، وطلب التودد والتقرب إلى الرب سبحانه وتعالى، وابتغاء الوسيلة إليه؟
ومحل هذا السؤال: أنه، هل كان عليك أن تفعل هذا الفعل لمولاك، أم فعلته لحظك وهواك؟
والثاني: سؤال عن متابعة الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك التعبد، أي هل كان ذلك العمل مما شرعته لك على لسان رسولى، أم كان عملا لم أشرعه ولم أرضه؟
فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني عن المتابعة، فإن الله سبحانه لا يقبل عملا إلا بهما.
فطريق التخلص من السؤال الأول: بتجريد الإخلاص.
وطريق التخلص من السؤال الثاني: بتحقيق المتابعة، وسلامة القلب من إرادة تعارض الإخلاص، وهوى يعارض الاتباع.
فهذه حقيقة سلامة القلب الذي ضمنت له النجاة والسعادة.
49:2Page 515
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢
O you who have believed, do not raise your voices above the voice of the Prophet or be loud to him in speech like the loudness of some of you to others, lest your deeds become worthless while you perceive not.
(فصل)
قال أبو عمر: روى هشام بن عمار عن صدقة بن خالد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عطاء الخراساني قال: حدثتني ابنة ثابت ابن قيس بن شماس قالت، لما نزلت: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾
دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه، ففقده رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وأرسل إليه يسأله ما خبره؟
قال: أنا رجل شديد الصوت أخاف أن يكون قد حبط عملي.
قال: لست منهم بل تعيش بخير وتموت بخير.
قال: ثم أنزل اللّه ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ فأغلق عليه بابه وطفق يبكي، ففقده رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فأرسل إليه فأخبره، فقال: يا رسول اللّه: إني أحب الجمال، وأحب أن أسود قومي.
فقال: «لست منهم بل تعيش حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة».
49:3Page 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣
Indeed, those who lower their voices before the Messenger of Allāh - they are the ones whose hearts Allāh has tested for righteousness. For them is forgiveness and great reward.
No commentary for this ayah
49:4–5Page 515
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤
Indeed, those who call you, [O Muḥammad], from behind the chambers - most of them do not use reason.
وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
And if they had been patient until you [could] come out to them, it would have been better for them. But Allāh is Forgiving and Merciful.
[فَصْلٌ: في سَرِيَّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الفَزارِيِّ إلى بَنِي تَمِيمٍ]
ذِكْرُ سَرِيَّةِ عيينة بن حصن الفزاري إلى بَنِي تَمِيمٍ، وذَلِكَ في المُحَرَّمِ مِن هَذِهِ السَّنَةِ، بَعَثَهُ إلَيْهِمْ في سَرِيَّةٍ لِيَغْزُوَهم في خَمْسِينَ فارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ مُهاجِرِيٌّ ولا أنْصارِيٌّ، فَكانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ ويَكْمُنُ النَّهارَ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ في صَحْراءَ، وقَدْ سَرَّحُوا مَواشِيَهُمْ، فَلَمّا رَأوُا الجَمْعَ ولَّوْا، فَأخَذَ مِنهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وإحْدى وعِشْرِينَ امْرَأةً وثَلاثِينَ صَبِيًّا فَساقَهم إلى المَدِينَةِ فَأُنْزِلُوا في دارِ رملة بنت الحارث فَقَدِمَ فِيهِمْ عِدَّةٌ مِن رُؤَسائِهِمْ؛ عطارد بن حاجب، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، والأقرع بن حابس، وقيس بن الحارث، ونعيم بن سعد، وعمرو بن الأهتم، ورباح بن الحارث، فَلَمّا رَأوْا نِساءَهم وذَرارِيَّهم بَكَوْا إلَيْهِمْ فَعَجَّلُوا، فَجاءُوا إلى بابِ النَّبِيِّ ﷺ فَنادَوْا: يا مُحَمَّدُ اخْرُجْ إلَيْنا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأقامَ بلال الصَّلاةَ وتَعَلَّقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُونَهُ، فَوَقَفَ مَعَهم ثُمَّ مَضى فَصَلّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَلَسَ في صَحْنِ المَسْجِدِ فَقَدَّمُوا عطارد بن حاجب فَتَكَلَّمَ وخَطَبَ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ فَأجابَهم وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ - ولَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤٥]
فَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأسْرى والسَّبْيَ فَقامَ الزبرقان شاعِرُ بَنِي تَمِيمٍ فَأنْشَدَ مُفاخِرًا:
؎نَحْنُ الكِرامُ فَلا حَيٌّ يُعادِلُنا ∗∗∗ مِنّا المُلُوكُ وفِينا تُنْصَبُ البِيَعُ
؎وَكَمْ قَسَرْنا مِنَ الأحْياءِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ عِنْدَ النِّهابِ وفَضْلُ العِزِّ يُتَّبَعُ
؎وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ القَحْطِ مُطْعِمُنا ∗∗∗ مِنَ الشِّواءِ إذا لَمْ يُؤْنَسِ القَزَعُ
؎بِما تَرى النّاسَ تَأْتِينا سُراتُهُمُ ∗∗∗ مِن كُلِّ أرْضٍ هُوَيّا ثُمَّ نَصْطَنِعُ
؎فَنَنْحَرُ الكَوْمَ عُبْطًا في أرُومَتِنا ∗∗∗ لِلنّازِلِينَ إذا ما أُنْزِلُوا شَبِعُوا
؎فَلا تَرانا إلى حَيٍّ نُفاخِرُهم ∗∗∗ إلّا اسْتَفادُوا فَكانُوا الرَّأْسَ يُقْتَطَعُ
؎فَمَن يُفاخِرُنا في ذاكَ نَعْرِفُهُ ∗∗∗ فَيَرْجِعُ القَوْمُ والأخْبارُ تُسْتَمَعُ ...
؎إنّا أبَيْنا ولا يَأْبى لَنا أحَدٌ ∗∗∗ إنّا كَذَلِكَ عِنْدَ الفَخْرِ نَرْتَفِعُ
فَقامَ شاعِرُ الإسْلامِ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ فَأجابَهُ عَلى البَدِيهَةِ
؎إنَّ الذَّوائِبَ مَن فِهْرٍ وإخْوَتِهِمْ ∗∗∗ قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنّاسِ تُتَّبَعُ
؎يَرْضى بِها كُلُّ مَن كانَتْ سَرِيرَتُهُ ∗∗∗ تَقْوى الإلَهَ وكُلُّ الخَيْرِ مُصْطَنَعُ
؎قَوْمٌ إذا حارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ ∗∗∗ أوْ حاوَلُوا النَّفْعَ في أشْياعِهِمْ نَفَعُوا
؎سَجِيَّةٌ تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ ∗∗∗ إنَّ الخَلائِقَ فاعْلَمْ شَرُّها البِدَعُ
؎إنْ كانَ في النّاسِ سَبّاقُونَ بَعْدَهُمُ ∗∗∗ فَكُلُّ سَبْقٍ لِأدْنى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
؎لا يَرْقَعُ النّاسُ ما أوْهَتْ أكُفُّهُمُ ∗∗∗ عِنْدَ الدِّفاعِ ولا يُوهُونَ ما رَقَعُوا
؎إنْ سابَقُوا النّاسَ يَوْمًا فازَ سَبْقُهُمُ ∗∗∗ أوْ وازَنُوا أهْلَ مَجْدٍ بِالنَّدى مَتَعُوا
؎أعِفَّةٌ ذُكِرَتْ في الوَحْيِ عِفَّتُهم ∗∗∗ لا يَطْبَعُونَ ولا يُرْدِيهِمُ الطَّمَعُ
؎لا يَبْخَلُونَ عَلى جارٍ بِفَضْلِهِمُ ∗∗∗ ولا يَمَسُّهُمُ مِن مَطْمَعٍ طَبَعُ
؎إذا نَصَبْنا لِحَيٍّ لَمْ نَدِبَّ لَهم ∗∗∗ كَما يَدِبُّ إلى الوَحْشِيَّةِ الذُّرُعُ
؎نَسْمُوا إذا الحَرْبُ نالَتْنا مَخالِبُها ∗∗∗ إذا الزَّعانِفُ مِن أظْفارِها خَشَعُوا
؎لا يَفْخَرُونَ إذا نالُوا عَدُوَّهُمُ ∗∗∗ وإنْ أُصِيبُوا فَلا جَوْرٌ ولا هَلَعُ
؎كَأنَّهم في الوَغى والمَوْتُ مُكْتَنِعٌ ∗∗∗ أُسْدٌ بِحِلْيَةَ في أرْساغِها فَدَعُ
؎خُذْ مِنهُمُ ما أتَوْا عَفْوًا إذا غَضِبُوا ∗∗∗ ولا يَكُنْ هَمُّكَ الأمْرَ الَّذِي مَنَعُوا
؎فَإنَّ في حَرْبِهِمْ فاتْرُكْ عَداوَتَهم ∗∗∗ شَرًّا يُخاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ والسَّلَعُ
؎أكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهم ∗∗∗ إذا تَفاوَتَتِ الأهْواءُ والشِّيَعُ
؎أهْدى لَهم مِدْحَتِي قَلْبٌ يُوازِرُهُ ∗∗∗ فِيما أحَبَّ لِسانٌ حائِكٌ صَنَعُ
؎فَإنَّهم أفْضَلُ الأحْياءِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ إنْ جَدَّ بِالنّاسِ جِدُّ القَوْلِ أوْ شَمَعُوا
فِلْمًا فَرَغَ حسان قالَ الأقرع بن حابس: إنَّ هَذا الرَّجُلَ لَمُؤَتّى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أخْطَبُ مِن خَطِيبِنا، ولَشاعِرُهُ أشْعَرُ مِن شاعِرِنا، ولَأصْواتُهم أعْلى مِن أصْواتِنا، ثُمَّ أسْلَمُوا فَأجازَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأحْسَنَ جَوائِزَهم.
49:6Page 516
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦
O you who have believed, if there comes to you a disobedient one with information, investigate, lest you harm a people out of ignorance and become, over what you have done, regretful.
«نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ لَمّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَنِي المُصْطَلَقِ بَعْدَ الوَقْعَةِ مُصَدِّقًا، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَداوَةٌ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا سَمِعَ القَوْمُ بِمَقْدِمِهِ تَلَقَّوْهُ، تَعْظِيمًا لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَدَّثَهُ الشَّيْطانُ أنَّهم يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَهابَهم فَرَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: إنَّ بَنِي المُصْطَلَقِ مَنَعُوا صَدَقاتِهِمْ، وأرادُوا قَتْلِي، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَمَّ أنْ يَغْزُوَهُمْ، فَبَلَغَ القَوْمَ رُجُوعُهُ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْنا بِرَسُولِكَ، فَخَرَجْنا نَتَلَقّاهُ ونُكْرِمُهُ، ونُؤَدِّي إلَيْهِ ما قَبِلَنا مِن حَقِّ اللَّهِ، فَبَدا لَهُ في الرُّجُوعِ، فَخَشِينا أنَّهُ إنَّما رَدَّهُ مِنَ الطَّرِيقِ كِتابٌ جاءَ مِنكَ لِغَضَبٍ غَضَبْتَهُ عَلَيْنا، وإنّا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِهِ وغَضِبِ رَسُولِهِ، فاتَّهَمَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وبَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ خُفْيَةً في عَسْكَرٍ، وأمَرَهُ أنْ يُخْفِيَ عَلَيْهِمْ قُدُومَهُ، وقالَ لَهُ: انْظُرْ، فَإنْ رَأيْتَ مِنهم ما يَدُلُّ عَلى إيمانِهِمْ فَخُذْ مِنهم زَكاةَ أمْوالِهِمْ، وإنْ لَمْ تَرَ ذَلِكَ فاسْتَعْمِلْ فِيهِمْ ما تَسْتَعْمِلُ في الكُفّارِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ خالِدٌ، ووافاهُمْ، فَسَمِعَ مِنهم أذانَ صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ، فَأخَذَ مِنهم صَدَقاتِهِمْ، ولَمْ يُرَ مِنهم إلّا الطّاعَةَ والخَيْرَ، فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَنَزَلَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآيَةَ».
والنَّبَأُ هو الخَبَرُ الغائِبُ عَنِ المُخْبَرِ إذا كانَ لَهُ شَأْنٌ، والتَّبَيُّنُ طَلَبُ بَيانِ حَقِيقَتِهِ والإحاطَةِ بِها عِلْمًا.
وَهاهُنا فائِدَةٌ لَطِيفَةٌ، وهي أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّ خَبَرِ الفاسِقِ وتَكْذِيبِهِ ورَدِّ شَهادَتِهِ جُمْلَةً، وإنَّما أمَرَ بِالتَّبَيُّنِ، فَإنْ قامَتْ قَرائِنُ وأدِلَّةٌ مِن خارِجٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ عُمِلَ بِدَلِيلِ الصِّدْقِ، ولَوْ أخْبَرَ بِهِ مَن أخْبَرَ، فَهَكَذا يَنْبَغِي الِاعْتِمادُ في رِوايَةِ الفاسِقِ وشَهادَتِهِ، وكَثِيرٌ مِنَ الفاسِقِينَ يَصْدُقُونَ في أخْبارِهِمْ ورِواياتِهِمْ وشَهاداتِهِمْ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم يَتَحَرّى الصِّدْقَ غايَةَ التَّحَرِّي، وفِسْقُهُ مِن جِهاتٍ أُخَرَ، فَمِثْلُ هَذا لا يُرَدُّ خَبَرُهُ ولا شَهادَتُهُ، ولَوْ رُدَّتْ شَهادَةُ مِثْلِ هَذا ورِوايَتُهُ لَتَعَطَّلَتْ أكْثَرُ الحُقُوقِ، وبَطَلَ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ، ولاسِيَّما مَن فِسْقُهُ مِن جِهَةِ الِاعْتِقادِ والرَّأْيِ، وهو مُتَحَرٍّ لِلصِّدْقِ، فَهَذا لا يُرَدُّ خَبَرُهُ ولا شَهادَتُهُ.
وَأمّا مَن فِسْقُهُ مِن جِهَةِ الكَذِبِ فَإنْ كَثُرَ مِنهُ وتَكَرَّرَ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ كَذِبُهُ عَلى صِدْقِهِ، فَهَذا لا يُقْبَلُ خَبَرُهُ ولا شَهادَتُهُ، وإنْ نَدُرَ مِنهُ مَرَّةً ومَرَّتَيْنِ، فَفي رَدِّ شَهادَتِهِ وخَبَرِهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ لِلْعُلَماءِ، وهُما رِوايَتانِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
(فائدة)
قالَ أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ: إذا شَهِدَ الفاسِقُ عِنْدَ الحاكِمِ وجَبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ في القَضِيَّةِ، وقَدْ يَحْتَجُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]
وَحَرْفُ المَسْألَةِ: أنَّ مَدارَ قَبُولِ الشَّهادَةِ، ورَدِّها، عَلى غَلَبَةِ ظَنِّ الصِّدْقِ وعَدَمِهِ.
والصَّوابُ المَقْطُوعُ بِهِ أنَّ العَدالَةَ تَتَبَعَّضُ، فَيَكُونُ الرَّجُلُ عَدْلًا في شَيْءٍ، فاسِقًا في شَيْءٍ، فَإذا تَبَيَّنَ لِلْحاكِمِ أنَّهُ عَدْلٌ فِيما شَهِدَ بِهِ: قَبِلَ شَهادَتَهُ ولَمْ يَضُرَّهُ فِسْقُهُ في غَيْرِهِ.
وَمَن عَرَفَ شُرُوطَ العَدالَةِ، وعَرَفَ ما عَلَيْهِ النّاسُ تَبَيَّنَ لَهُ الصَّوابُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
49:7–8Page 516
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧
And know that among you is the Messenger of Allāh. If he were to obey you in much of the matter, you would be in difficulty, but Allāh has endeared to you the faith and has made it pleasing in your hearts and has made hateful to you disbelief, defiance and disobedience. Those are the [rightly] guided.
فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨
[It is] as bounty from Allāh and favor. And Allāh is Knowing and Wise.
يَقُولُ سُبْحانَهُ لَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُكم لِلْإيمانِ وإرادَتُكم لَهُ، وتَزْيِينُهُ في قُلُوبِكم مِنكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ هو الَّذِي جَعَلَهُ في قُلُوبِكم كَذَلِكَ، فَآثَرْتُمُوهُ ورَضِيتُمُوهُ، فَلِذَلِكَ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِي، ولا تَقُولُوا حَتّى يَقُولَ، ولا تَفْعَلُوا حَتّى يَأْمُرَ، فالَّذِي حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ أعْلَمُ بِمَصالِحِ عِبادِهِ مِنكُمْ، وأنْتُمْ فَلَوْلا تَوْفِيقُهُ لَكم لَما أذْعَنَتْ نُفُوسُكم لِلْإيمانِ، فَلَمْ يَكُنِ الإيمانُ بِمَشُورَتِكم وتَوْفِيقِ أنْفُسِكُمْ، ولا تَقَدَّمْتُمْ بِهِ إلَيْها، فَنُفُوسُكم تَقْصُرُ وتَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ ولا تَبْلُغُهُ، فَلَوْ أطاعَكم رَسُولِي في كَثِيرٍ مِمّا تُرِيدُونَ لَشَقَّ عَلَيْكم ذَلِكَ ولَهَلَكْتُمْ وفَسَدَتْ مَصالِحُكم وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ، ولا تَظُنُّوا أنَّ نُفُوسَكم تُرِيدُ لَكُمُ الرُّشْدَ والصَّلاحَ كَما أرَدْتُمُ الإيمانَ، فَلَوْلا أنِّي حَبَّبْتُهُ إلَيْكم وزَيَّنْتُهُ في قُلُوبِكُمْ، وكَرَّهْتُ إلَيْكم ضِدَّهُ لَما وقَعَ مِنكُمْ، ولا سَمَحَتْ بِهِ أنْفُسُكم.
فَهَذا الحُبُّ وهَذِهِ الكَراهَةُ لَمْ يَكُونا في النَّفْسِ ولا بِها، ولَكِنْ هو اللَّهُ الَّذِي مَنَّ بِهِما، فَجَعَلَ العَبْدَ بِسَبَبِهِما مِنَ الرّاشِدِينَ.
﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
(عَلِيمٌ) بِمَن يَصْلُحُ لِهَذا الفَضْلِ ويَزْكُو عَلَيْهِ وبِهِ، ويُثْمِرُ عِنْدَهُ.
(حَكِيمٌ) فَلا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أهْلِهِ فَيُضَيِّعُهُ بِوَضْعِهِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وقال في (شفاء العليل)
قوله تعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾
فتحبيبه سبحانه الإيمان إلى عباده المؤمنين هو إلقاء محبته في قلوبهم وهذا لا يقدر عليه سواه وأما تحبيب العبد الشيء إلى غيره فإنما هو بتزيينه وذكر أوصافه وما يدعو إلى محبته فأخبر سبحانه أنه جعل في قلوب عباده المؤمنين الأمرين حبه وحسنه الداعي إلى حبه وألقى في قلوبهم كراهة ضده من الكفر والفسوق والعصيان وإن ذلك محض فضله ومنته عليهم حيث لم يكلهم إلى أنفسهم بل تولى هو سبحانه هذا التحبيب والتزيين وتكريه ضده فجاد عليهم به فضلا منه ونعمة والله عليم بمواقع فضله ومن يصلح له ومن لا يصلح حكيم بجعله في مواضعه.
[فَصْلٌ الفُسُوقُ]
وَأمّا الفُسُوقُ: فَهو في كِتاب اللَّهِ نَوْعانِ: مُفْرَدٌ مُطْلَقٌ، ومَقْرُونٌ بِالعِصْيانِ.
والمُفْرَدُ نَوْعانِ أيْضًا: فُسُوقُ كُفْرٍ، يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ، وفُسُوقٌ لا يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ، فالمَقْرُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
والمُفْرَدُ الَّذِي هو فُسُوقُ كُفْرٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما يُضِلُّ بِهِ إلّا الفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦] الآيَةَ.
وَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلّا الفاسِقُونَ﴾ [البقرة: ٩٩]
وَقَوْلِهِ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] الآيَةَ.
فَهَذا كُلُّهُ فَسُوقُ كُفْرٍ.
وَأمّا الفُسُوقُ الَّذِي لا يُخْرِجُ عَنِ الإسْلامِ فَكَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيَةَ،
وَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ الآيَةَ.
والمَقْصُودُ ذِكْرُ الفُسُوقِ الَّذِي لا يَخْرُجُ إلى الكُفْرِ.
والفُسُوقُ الَّذِي تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ أعَمُّ مِنَ الفُسُوقِ الَّذِي تُرَدُّ بِهِ الرِّوايَةُ والشَّهادَةُ.
وَكَلامُنا الآنَ فِيما تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنهُ، وهو قِسْمانِ: فِسْقٌ مِن جِهَةِ العَمَلِ، وفِسْقٌ مِن جِهَةِ الِاعْتِقادِ.
فَفِسْقُ العَمَلِ نَوْعانِ: مَقْرُونٌ بِالعِصْيانِ ومُفْرَدٌ.
فالمَقْرُونَ بِالعِصْيانِ: هو ارْتِكابُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، والعِصْيانُ: هو عِصْيانُ أمْرِهِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦]
وَقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٢] وقالَ الشّاعِرُ:
؎أمَرْتُكَ أمْرًا جازِمًا فَعَصَيْتَنِي ∗∗∗ فَأصْبَحْتَ مَسْلُوبَ الإمارَةِ نادِمًا
فالفِسْقُ أخَصُّ بِارْتِكابِ النَّهْيِ، ولِهَذا يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَثِيرًا، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والمَعْصِيَةُ أخَصُّ بِمُخالَفَةِ الأمْرِ كَما تَقَدَّمَ، ويُطْلَقُ كُلٌّ مِنهُما عَلى صاحِبِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]
فَسَمّى مُخالَفَتَهُ لِلْأمْرِ فِسْقًا، وقالَ ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١]
فَسَمّى ارْتِكابَهُ لِلنَّهْيِ مَعْصِيَةً، فَهَذا عِنْدَ الإفْرادِ، فَإذا اقْتَرَنا كانَ أحَدُهُما لِمُخالَفَةِ الأمْرِ، والآخَرُ لِمُخالَفَةِ النَّهْيِ.
والتَّقْوى اتِّقاءُ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ، وبِتَحْقِيقِها تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنَ الفُسُوقِ والعِصْيانِ، بِأنْ يَعْمَلَ العَبْدُ بِطاعَةِ اللَّهِ عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَرْجُو ثَوابَ اللَّهِ، ويَتْرُكُ مَعْصِيَةَ اللَّهِ، عَلى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، يَخافُ عِقابَ اللَّهِ.
وَفِسْقُ الِاعْتِقادِ كَفِسْقِ أهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ويُوجِبُونَ ما أوْجَبَ اللَّهُ، ولَكِنْ يَنْفُونَ كَثِيرًا مِمّا أثْبَتَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، جَهْلًا وتَأْوِيلًا، وتَقْلِيدًا لِلشُّيُوخِ، ويُثْبِتُونَ ما لَمْ يُثْبِتْهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ.
وَهَؤُلاءِ كالخَوارِجِ المارِقَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ الرَّوافِضِ، والقَدَرِيَّةِ، والمُعْتَزِلَةِ، وكَثِيرٍ مِنَ الجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ لَيْسُوا غُلاةً في التَّجَهُّمِ.
وَأمّا غالِيَّةُ الجَهْمِيَّةِ فَكَغُلاةِ الرّافِضَةِ، لَيْسَ لِلطّائِفَتَيْنِ في الإسْلامِ نَصِيبٌ.
49:9Page 516
وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩
And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.
[الصُّلْحُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ]
وَقَوْلُهُ: " والصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا صُلْحًا أحَلَّ حَرامًا أوْ حَرَّمَ حَلالًا " هَذا مَرْوِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:
«الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا، والمُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِمْ، إلّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا»
قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ وقَدْ نَدَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى الصُّلْحِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ في الدِّماءِ فَقالَ:
﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما﴾ [الحجرات: ٩]
وَنَدَبَ الزَّوْجَيْنِ إلى الصُّلْحِ عِنْدَ التَّنازُعِ في حُقُوقِهِما، فَقالَ: ﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]
وَقالَ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]
وَأصْلَحَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لَمّا وقَعَ بَيْنَهُمْ، ولَمّا تَنازَعَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ أبِي حَدْرَدٍ في دَيْنٍ عَلى ابْنِ أبِي حَدْرَدٍ، أصْلَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ اسْتَوْضَعَ مِن دَيْنِ كَعْبٍ الشَّطْرَ وأمَرَ غَرِيمَهُ بِقَضاءِ الشَّطْرِ، وقالَ لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَما عِنْدَهُ:
«اذْهَبا فاقْتَسِما ثُمَّ تَوَخَّيا الحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِما ثُمَّ لْيُحْلِلْ كُلٌّ مِنكُما صاحِبَهُ»
وَقالَ: «مَن كانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأخِيهِ مِن عِرْضٍ أوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنهُ اليَوْمَ قَبْلَ أنْ لا يَكُونَ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ، وإنْ كانَ لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ مِنهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ صاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ»
وَجَوَّزَ في دَمِ العَمْدِ أنْ يَأْخُذَ أوْلِياءُ القَتِيلِ ما صُولِحُوا عَلَيْهِ، ولَمّا «اسْتُشْهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرامٍ الأنْصارِيُّ، والِدُ جابِرٍ، وكانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، سَألَ النَّبِيُّ ﷺ غُرَماءَهُ أنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حائِطَهِ ويُحْلِلُوا أباهُ».
وَقالَ عَطاءٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: إنّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا بِالمُخارَجَةِ، يَعْنِي الصُّلْحَ في المِيراثِ؛ وسُمِّيَتْ المُخارَجَةُ لِأنَّ الوارِثَ يُعْطى ما يُصالِحُ عَلَيْهِ ويُخْرِجُ نَفْسَهُ مِن المِيراثِ، وصُولِحَتْ امْرَأةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِن نَصِيبِها مِن رُبُعِ الثُّمُنِ عَلى ثَمانِينَ ألْفًا، وقَدْ رَوى مِسْعَرٌ عَنْ أزْهَرَ عَنْ مُحارِبٍ قالَ: قالَ عُمَرُ:
" رُدُّوا الخُصُومَ حَتّى يَصْطَلِحُوا فَإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُحْدِثُ بَيْنَ القَوْمِ الضَّغائِنَ ".
وَقالَ عُمَرُ أيْضًا " رُدُّوا الخُصُومَ لَعَلَّهم أنْ يَصْطَلِحُوا، فَإنَّهُ آثَرُ لِلصِّدْقِ، وأقَلُّ لِلْخِيانَةِ ".
وَقالَ عُمَرُ أيْضًا: " رُدُّوا الخُصُومَ إذا كانَتْ بَيْنَهم قَرابَةٌ، فَإنَّ فَصْلَ القَضاءِ يُورِثُ بَيْنَهم الشَّنَآنَ "
[فَصْلٌ: الحُقُوقُ ضَرْبانِ حَقُّ اللَّهِ تَعالى وحَقُّ عِبادِهِ].
والحُقُوقُ نَوْعانِ: حَقُّ اللَّهِ، وحَقُّ الآدَمِيِّ؛ فَحَقُّ اللَّهِ لا مَدْخَلَ لِلصُّلْحِ فِيهِ كالحُدُودِ والزَّكَواتِ والكَفّاراتِ ونَحْوِها، وإنَّما الصُّلْحُ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ رَبِّهِ في إقامَتِها، لا في إهْمالِها، ولِهَذا لا يُقْبَلُ بِالحُدُودِ، وإذا بَلَغَتْ السُّلْطانَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشّافِعَ والمُشَفِّعَ.
وَأمّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ فَهي الَّتِي تَقْبَلُ الصُّلْحَ والإسْقاطَ والمُعاوَضَةَ عَلَيْها، والصُّلْحُ العادِلُ هو الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَسُولُهُ ﷺ كَما قالَ: ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]
والصُّلْحُ الجائِرُ هو الظُّلْمُ بِعَيْنِهِ، وكَثِيرٌ مِن النّاسِ لا يَعْتَمِدُ العَدْلَ في الصُّلْحِ، بَلْ يُصْلِحُ صُلْحًا ظالِمًا جائِرًا، فَيُصالِحُ بَيْنَ الغَرِيمَيْنِ عَلى دُونِ الطَّفِيفِ مِن حَقِّ أحَدِهِما، والنَّبِيُّ ﷺ صالَحَ بَيْنَ كَعْبٍ وغَرِيمِهِ وصالَحَ أعْدَلَ الصُّلْحِ فَأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ الشَّطْرَ ويَدَعَ الشَّطْرَ؛ وكَذَلِكَ لَمّا عَزَمَ عَلى طَلاقِ سَوْدَةَ رَضِيَتْ بِأنْ تَهَبَ لَهُ لَيْلَتَها وتَبْقى عَلى حَقِّها مِن النَّفَقَةِ والكِسْوَةِ، فَهَذا أعْدَلُ الصُّلْحِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أباحَ لِلرَّجُلِ أنْ يُطَلِّقَ زَوْجَتَهُ ويَسْتَبْدِلَ بِها غَيْرَها، فَإذا رَضِيَتْ بِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّها وأخْذِ بَعْضِهِ وأنْ يُمْسِكَها كانَ هَذا مِن الصُّلْحِ العادِلِ، وكَذَلِكَ أرْشَدَ الخَصْمَيْنِ اللَّذَيْنِ كانَتْ بَيْنَهُما المَوارِيثُ بِأنْ يَتَوَخَّيا الحَقَّ بِحَسَبِ الإمْكانِ ثُمَّ يُحْلِلْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ؛ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالإصْلاحِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ المُقْتَتِلَتَيْنِ أوَّلًا فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَحِينَئِذٍ أمَرَ بِقِتالِ الباغِيَةِ لا بِالصُّلْحِ فَإنَّها ظالِمَةٌ، فَفي الإصْلاحِ مَعَ ظُلْمِها هَضْمٌ لِحَقِّ الطّائِفَةِ المَظْلُومَةِ، وكَثِيرٌ مِن الظَّلَمَةِ المُصْلِحِينَ يُصْلِحُ بَيْنَ القادِرِ الظّالِمِ والخَصْمِ الضَّعِيفِ المَظْلُومِ بِما يُرْضِي بِهِ القادِرَ صاحِبَ الجاهِ، ويَكُونُ لَهُ فِيهِ الحَظُّ، ويَكُونُ الإغْماضُ والحَيْفُ فِيهِ عَلى الضَّعِيفِ، ويَظُنُّ أنَّهُ قَدْ أصْلَحَ، ولا يُمَكِّنُ المَظْلُومَ مِن أخْذِ حَقِّهِ، وهَذا ظُلْمٌ، بَلْ يُمَكِّنُ المَظْلُومَ مِن اسْتِيفاءِ حَقِّهِ، ثُمَّ يَطْلُبُ إلَيْهِ بِرِضاهُ أنْ يَتْرُكَ بَعْضَ حَقِّهِ بِغَيْرِ مُحاباةٍ لِصاحِبِ الجاهِ، ولا يَشْتَبِهُ بِالإكْراهِ لِلْآخَرِ بِالمُحاباةِ ونَحْوِها.
[فَصْلٌ: الصُّلْحُ إمّا مَرْدُودٌ وإمّا جائِزٌ نافِذٌ]
والصُّلْحُ الَّذِي يُحِلُّ الحَرامَ ويُحَرِّمُ الحَلالَ كالصُّلْحِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ تَحْرِيمَ بُضْعٍ حَلالٍ، أوْ إحْلالَ بِضْع حَرامٍ، أوْ إرْقاقَ حُرٍّ، أوْ نَقْلَ نَسَبٍ أوْ ولاءً عَنْ مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ، أوْ أكْلَ رَبًّا، أوْ إسْقاطَ واجِبٍ، أوْ تَعْطِيلَ حَدٍّ، أوْ ظُلْمَ ثالِثٍ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَكُلُّ هَذا صُلْحٌ جائِزٌ مَرْدُودٌ.
فالصُّلْحُ الجائِزُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ هو الَّذِي يُعْتَمَدُ فِيهِ رِضا اللَّهِ سُبْحانَهُ ورِضا الخَصْمَيْنِ؛ فَهَذا أعْدَلُ الصُّلْحِ وأحَقُّهُ، وهو يَعْتَمِدُ العِلْمَ والعَدْلَ؛ فَيَكُونُ المُصْلِحُ عالِمًا بِالوَقائِعِ، عارِفًا بِالواجِبِ، قاصِدًا لِلْعَدْلِ، فَدَرَجَةُ هَذا أفْضَلُ مِن دَرَجَةِ الصّائِمِ القائِمِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«ألا أُنَبِّئُكم بِأفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصّائِمِ القائِمِ، قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ؛ فَإنَّ فَسادَ ذاتِ البَيْنِ الحالِقَةُ، أما إنِّي لا أقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، ولَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ»
وَقَدْ جاءَ في أثَرٍ: أصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّ اللَّهُ يُصْلِحُ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكم واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠].
49:10Page 516
إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠
The believers are but brothers, so make settlement between your brothers. And fear Allāh that you may receive mercy.
(فصل: المُواساة لِلْمُؤمنِ أنْواع)
مواساة بِالمالِ، ومواساة الجاه، ومواساة بِالبدنِ والخدمة، ومواساة بِالنَّصِيحَةِ والإرشاد، ومواساة بِالدُّعاءِ والِاسْتِغْفار لَهُم، ومواساة بالتوجع لَهُم.
على قدر الإيمان تكون هَذِه المُواساة، فَكلما ضعف الإيمان ضعفت المُواساة، وكلما قوي قويت.
وَكانَ رَسُول الله ﷺ أعظم النّاس مواساة لأصْحابه بذلك كُله، فلأتباعه من المُواساة بِحَسب اتّباعهم لَهُ.
ودخلوا على بشر الحافي في يَوْم شَدِيد البرد وقد تجرد وهو ينتفض فَقالُوا ما هَذا يا أبا نصر؟
فَقالَ ذكرت الفُقَراء وبردهم ولَيْسَ لي ما أواسيهم بِهِ فَأحْبَبْت أن أواسيهم في بردهمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences