Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:101–104
5:101Page 124
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١
O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.
قالَ أبُو عُمَرَ: وفي سَماعِ أشْهَبَ: سُئِلَ مالِكٌ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنْهاكم عَنْ قِيلَ وقالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ» فَقالَ: أمّا كَثْرَةُ السُّؤالِ فَلا أدْرِي أهُوَ ما أنْتُمْ فِيهِ مِمّا أنْهاكم عَنْهُ مِن كَثْرَةِ المَسائِلِ؛ فَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ وعابَها، وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ فَلا أدْرِي أهُوَ هَذا أمْ السُّؤالُ في مَسْألَةِ النّاسِ في الِاسْتِعْطاءِ.
وَقالَ الأوْزاعِيُّ: عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أبِي لُبابَةَ: ودِدْت أنَّ حَظِيَ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ أنْ لا أسْألَهم عَنْ شَيْءٍ ولا يَسْألُونِي، يَتَكاثَرُونَ بِالمَسائِلِ كَما يَتَكاثَرُ أهْلُ الدَّراهِمِ بِالدَّراهِمِ.
قالَ: واحْتَجُّوا أيْضًا بِما رَواهُ ابْنُ شِهابٍ عَنْ عامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّهُ سَمِعَ أباهُ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أعْظَمُ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلى المُسْلِمِينَ فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» ورَوى ابْنُ وهْبٍ أيْضًا قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ».
وَقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طاوُسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وهو عَلى المِنبَرِ: أُحَرِّجُ بِاللَّهِ عَلى كُلِّ امْرِئٍ سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ ما هو كائِنٌ.
وَقالَ أبُو عُمَرَ: ورَوى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ ومُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما رَأيْت قَوْمًا خَيْرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ما سَألُوهُ إلّا عَنْ ثَلاثَ عَشْرَةَ مَسْألَةً حَتّى قُبِضَ ﷺ كُلُّهُنَّ في القُرْآنِ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ [البقرة: ٢٢٠]. ما كانُوا يَسْألُونَهُ إلّا عَمّا يَنْفَعُهم قالَ أبُو عُمَرَ: لَيْسَ الحَدِيثُ مِن الثَّلاثَ عَشْرَةَ مَسْألَةً إلّا ثَلاثً.
قُلْت: ومُرادُ ابْنِ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ: " ما سَألُوهُ إلّا عَنْ ثَلاثَ عَشَرَ مَسْألَةً " المَسائِلُ الَّتِي حَكاها اللَّهُ في القُرْآنِ عَنْهُمْ، وإلّا فالمَسائِلُ الَّتِي سَألُوهُ عَنْها وبَيَّنَ لَهم أحْكامَها بِالسُّنَّةِ لا تَكادُ تُحْصى ولَكِنْ إنّما كانُوا يَسْألُونَهُ عَمّا يَنْفَعُهم مِن الواقِعاتِ ولَمْ يَكُونُوا يَسْألُونَهُ عَنْ المُقَدَّراتِ والأُغْلُوطاتِ وعَضْلِ المَسائِلِ، ولَمْ يَكُونُوا يَشْتَغِلُونَ بِتَفْرِيعِ المَسائِلِ وتَوْلِيدِها، بَلْ كانَتْ هِمَمُهم مَقْصُورَةً عَلى تَنْفِيذِ ما أمَرَهم بِهِ، فَإذا وقَعَ بِهِمْ أمْرٌ سَألُوا عَنْهُ فَأجابَهُمْ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [المائدة: ١٠١] ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢].
وَقَدْ اخْتُلِفَ في هَذِهِ الأشْياءِ المَسْئُولِ عَنْها: هَلْ هي أحْكامٌ قَدَرِيَّةٌ أوْ أحْكامٌ شَرْعِيَّةٌ؟ عَلى قَوْلَيْنِ، فَقِيلَ: إنّها أحْكامٌ شَرْعِيَّةٌ عَفا اللَّهُ عَنْها، أيْ سَكَتَ عَنْ تَحْرِيمِها فَيَكُونُ سُؤالُهم عَنْها سَبَبُ تَحْرِيمِها، ولَوْ لَمْ يَسْألُوا لَكانَتْ عَفْوًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ «وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الحَجِّ أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَقالَ: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ مَسائِلِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ»؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ حَدِيثُ أبِي ثَعْلَبَةَ المَذْكُورُ «إنّ أعْظَمَ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا» الحَدِيثَ ومِنهُ الحَدِيثُ الآخَرُ: «إنّ اللَّهَ فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُّوها، وحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ رَحْمَةً مِن غَيْرِ نِسْيانٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها» وفُسِّرَتْ بِسُؤالِهِمْ عَنْ أشْياءَ مِن الأحْكامِ القَدَرِيَّةِ؛ «كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ مَن أبِي يا رَسُولَ اللَّهِ»؟ وقَوْلِ آخَرَ: «أيْنَ أبِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: في النّارِ».
والتَّحْقِيقُ أنَّ الآيَةَ تَعُمُّ النَّهْيَ عَنْ النَّوْعَيْنِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] أمّا في أحْكامِ الخَلْقِ والقَدَرِ فَإنَّهُ يَسُوءُهم أنْ يَبْدُوَ لَهم ما يَكْرَهُونَهُ مِمّا سَألُوا عَنْهُ، وأمّا في أحْكامِ التَّكْلِيفِ فَإنَّهُ يَسُوءُهم أنْ يَبْدُوَ لَهم ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفُهُ مِمّا سَألُوا عَنْهُ، وقَوْله تَعالى: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ القُرْآنَ إذا نَزَلَ بِها ابْتِداءً بِغَيْرِ سُؤالٍ فَسَألْتُمْ عَنْ تَفْصِيلِها وعِلْمِها أبْدى لَكم وبَيَّنَ لَكُمْ، والمُرادُ بِحِينِ النُّزُولِ زَمَنُهُ المُتَّصِلُ بِهِ، لا الوَقْتُ المُقارِنُ لِلنُّزُولِ، وكَأنَّ في هَذا إذْنًا لَهم في السُّؤالِ عَنْ تَفْصِيلٍ المُنَزَّلِ ومَعْرِفَتِهِ بَعْدَ إنْزالِهِ؛ فَفِيهِ رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ المَنعِ مِن السُّؤالِ عَنْ الأشْياءِ مُطْلَقًا، والقَوْلُ الثّانِي أنَّهُ مِن بابِ التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ، أيْ ما سَألْتُمْ عَنْها في وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ جاءَكم بَيانُ ما سَألْتُمْ عَنْهُ بِما يَسُوءُكُمْ، والمَعْنى لا تَتَعَرَّضُوا لِلسُّؤالِ عَمّا يَسُوءُكم بَيانُهُ، وإنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ في زَمَنِ الوَحْيِ أبْدى لَكم.
وَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ [المائدة: ١٠١] أيْ عَنْ بَيانِها خَبَرًا وأمْرًا، بَلْ طُوِيَ بَيانُها عَنْكم رَحْمَةً ومَغْفِرَةً وحِلْمًا واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ؛ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ عَفا اللَّهُ عَنْ التَّكْلِيفِ بِها تَوْسِعَةً عَلَيْكُمْ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي عَفا اللَّهُ عَنْ بَيانِها لِئَلّا يَسُوءَكم بَيانُها.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢] أرادَ نَوْعَ تِلْكَ المَسائِلِ، لا أعْيانَها، أيْ قَدْ تَعَرَّضَ قَوْمٌ مِن قَبْلِكم لِأمْثالِ هَذِهِ المَسائِلِ، فَلَمّا بُيِّنَتْ لَهم كَفَرُوا بِها، فاحْذَرُوا مُشابَهَتَهم والتَّعَرُّضَ لِما تَعْرِضُوا لَهُ.
وَلَمْ يَنْقَطِعْ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَتَعَرَّضَ لِلسُّؤالِ عَمّا إنْ بَدا لَهُ ساءَهُ، بَلْ يَسْتَعْفِي ما أمْكَنَهُ، ويَأْخُذُ بِعَفْوِ اللَّهِ. ومِن هاهُنا قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا صاحِبَ المِيزابِ، لا تُخْبِرْنا، لَمّا سَألَهُ رَفِيقُهُ عَنْ مائِهِ أطاهِرٌ أمْ لا، وكَذَلِكَ لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ أنْ يُبْدِيَ لَهُ مِن أحْوالِهِ وعاقِبَتِهِ ما طَواهُ عَنْهُ وسَتَرَهُ، فَلَعَلَّهُ يَسُوءُهُ إنْ أُبْدِيَ لَهُ، فالسُّؤالُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ تَعَرُّضٌ لِما يَكْرَهُهُ اللَّهُ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَكْرَهَ إبْداءَها، ولِذَلِكَ سَكَتَ عَنْها، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
قالُوا: ومَن تَدَبَّرَ الآثارَ المَرْوِيَّةَ في ذَمِّ الرَّأْيِ وجَدَها لا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الأنْواعِ المَذْمُومَةِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ آثارَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم بِذَلِكَ؛ لِيَتَبَيَّنَ مُرادُهُمْ: قالَ الخُشَنِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ ثنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ القَطّانُ عَنْ مُجالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ أرَأيْت
قالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: وثَنًا صالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ قالَ: سَألْت الشَّعْبِيَّ عَنْ مَسْألَةٍ مِن النِّكاحِ فَقالَ: إنْ أخْبَرْتُك بِرَأْيِي فَبُلْ عَلَيْهِ.
قالُوا: فَهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ في رَأْيِهِ، وهو مِن كِبارِ التّابِعِينَ، وقَدْ لَقِيَ مِائَةً وعِشْرِينَ مِن الصَّحابَةِ، وأخَذَ عَنْ جُمْهُورِهِمْ.
وَقالَ الطَّحاوِيُّ: ثنا سُلَيْمانُ بْنُ شُعَيْبٍ ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خالِدٍ ثنا مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: ما جاءَكم بِهِ هَؤُلاءِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَخُذُوهُ وما كانَ مِن رَأْيِهِمْ فاطْرَحُوهُ في الحُشِّ.
وَقالَ البُخارِيُّ: حَدَّثَنا سُنَيْدُ بْنُ داوُد ثنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قِيلَ لِجابِرِ بْنِ زَيْدٍ: إنّهم يَكْتُبُونَ ما يَسْمَعُونَ مِنك، قالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، يَكْتُبُونَهُ وأنا أرْجِعُ عَنْهُ غَدًا.
قالَ إسْحاقُ بْنُ راهْوَيْهِ: قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: اجْتِهادُ الرَّأْيِ هو مُشاوَرَةُ أهْلِ العِلْمِ، لا أنْ يَقُولَ هو بِرَأْيِهِ.
وَقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ: ثنا الحَوْطِيُّ ثنا إسْماعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ سَوادَةَ بْنِ زِيادٍ وعَمْرِو بْنِ المُهاجِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ كَتَبَ إلى النّاسِ: أنَّهُ لا رَأْيَ لِأحَدٍ مَعَ سُنَّةٍ سِنَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قالَ أبُو بَصِيرَةَ: سَمِعْت أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ لِلْحَسَنِ البَصْرِيِّ: بَلَغَنِي أنَّك تُفْتِي بِرَأْيِك، فَلا تُفْتِ بِرَأْيِك إلّا أنْ يَكُونَ سُنَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقالَ البُخارِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ ثنا عَبْدُ الواحِدِ ثنا ابْنُ الزِّبْرِقانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأُسَيْدِيُّ أنَّ أبا وائِلٍ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قالَ: إيّاكَ ومُجالَسَةَ مَن يَقُولُ: أرَأيْت أرَأيْت.
وَقالَ أبانُ بْنُ عِيسى بْنِ دِينارٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ ابْنِ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهابٍ قالَ: دَعُوا السُّنَّةَ تَمْضِي، لا تَعْرِضُوا لَها بِالرَّأْيِ.
وَقالَ يُونُسُ عَنْ أبِي الأسْوَدِ وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ - سَمِعْت عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: ما زالَ أمْرُ بَنْيِ إسْرائِيلَ مُعْتَدِلًا حَتّى نَشَأ فِيهِمْ المُوَلَّدُونَ أبْناءُ سَبايا الأُمَمِ، فَأخَذُوا فِيهِمْ بِالرَّأْيِ، فَأضَلُّوهم.
وَذَكَرَ ابْنُ وهْبٍ عَنْ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ قالَ، وهو يَذْكُرُ ما وقَعَ فِيهِ النّاسُ مِن هَذا الرَّأْيِ وتَرْكِهِمْ السُّنَنَ، فَقالَ: إنّ اليَهُودَ والنَّصارى إنّما انْسَلَخُوا مِن العِلْمِ الَّذِي بِأيْدِيهِمْ حِينَ اتَّبَعُوا الرَّأْيَ وأخَذُوا فِيهِ.
وَقالَ ابْنُ وهْبٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ أنَّ رَجُلًا سَألَ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ شَيْءٍ، فَقالَ: لَمْ أسْمَعْ في هَذا شَيْئًا، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: فَأخْبِرْنِي أصْلَحَك اللَّهُ بِرَأْيِك، فَقالَ: لا، ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنِّي أرْضى بِرَأْيِك، فَقالَ سالِمٌ: إنِّي لَعَلِيُّ إنْ أخْبَرْتُك بِرَأْيِي ثُمَّ تَذْهَبُ فَأرى بَعْدَ ذَلِكَ رَأْيًا غَيْرَهُ فَلا أجِدُك.
وَقالَ البُخارِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ ثنا مالِكُ بْنُ أنَسٍ قالَ: كانَ رَبِيعَةُ يَقُولُ لِابْنِ شِهابٍ: إنّ حالِي لَيْسَ بِشَبَهِ حالِك، أنا أقُولُ بِرَأْيِي مَن شاءَ أخَذَهُ وعَمِلَ بِهِ ومَن شاءَ تَرَكَهُ.
وَقالَ الفِرْيابِيُّ: ثنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ قالَ: سَمِعْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: سَمِعْت حَمّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: قِيلَ لِأيُّوبَ السِّخْتِيانِيُّ: ما لَك لا تَنْظُرُ في الرَّأْيِ؟ فَقالَ أيُّوبُ: قِيلَ لِلْحِمارِ ما لَك لا تَجْتَرُّ؟ قالَ: أكْرَهُ مَضْغَ الباطِلِ.
وَقالَ الفِرْيابِيُّ: ثنا العَبّاسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنُ مَزِيدٍ أخْبَرَنِي أبِي قالَ: سَمِعْت الأوْزاعِيَّ يَقُولُ: عَلَيْك بِآثارِ مَن سَلَفَ وإنْ رَفَضَك النّاسُ، وإيّاكَ وآراءَ الرِّجالِ وإنْ زَخْرَفُوا لَك القَوْلَ وقالَ أبُو زُرْعَةَ: ثنا أبُو مُسْهِرٍ قالَ: كانَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إذا سُئِلَ لا يُجِيبُ حَتّى يَقُولَ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، هَذا الرَّأْيُ، والرَّأْيُ يُخْطِئُ ويُصِيبُ.
وَقَدْ رَوى أبُو يُوسُفَ والحَسَنُ بْنُ زِيادٍ كِلاهُما عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قالَ: عِلْمُنا هَذا رَأْيٌ، وهو أحْسَنُ ما قَدَرْنا عَلَيْهِ، ومَن جاءَنا بِأحْسَنَ مِنهُ قَبِلْناهُ مِنهُ.
وَقالَ الطَّحاوِيُّ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ ثنا أشْهَبُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: كُنْت عِنْدَ مالِكٍ فَسُئِلَ عَنْ البَتَّةِ، فَأخَذْت ألْواحِي لِأكْتُبَ ما قالَ، فَقالَ لِي مالِكٌ: لا تَفْعَلْ، فَعَسى في العَشِيِّ أقُولُ إنّها واحِدَةٌ.
وَقالَ مَعْنُ بْنُ عِيسى القَزّازَ: سَمِعْت مالِكًا يَقُولُ: إنّما أنا بَشَرٌ أُخْطِئُ وأُصِيبُ، فانْظُرُوا في قَوْلِي، فَكُلُّ ما وافَقَ الكِتابَ والسُّنَّةَ فَخُذُوا بِهِ، وما لَمْ يُوافِقْ الكِتابَ والسُّنَّةَ فاتْرُكُوهُ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أئِمَّةِ الإسْلامِ، وجَزاهم عَنْ نَصِيحَتِهِمْ خَيْرًا، ولَقَدْ امْتَثَلَ وصِيَّتَهم وسَلَكَ سَبِيلَهم أهْلُ العِلْمِ والدِّينِ مِن أتْباعِهِمْ.
5:102Page 124
قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢
A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1
No commentary for this ayah
5:103Page 124
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣
Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.
(فصل)
قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾
وقوله: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً﴾
وقوله حكاية عن زكريا أنه قال عن ولده: ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾
وقال في الطرف الآخر: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾
وقال: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾
وهذه الأكنة والوقر هي شدة البغض والنفرة والإعراض التي لا يستطيعون معها سمعا ولا عقلا والتحقيق أن هذا ناشئ عن الأكنة والوقر فهو موجب ذلك ومقتضاه.
فمن فسر الأكنة والوقر به فقد فسرهما بموجبهما ومقتضاهما وبكل حال فتلك النفرة والإعراض والبغض من أفعالهم وهي مجعولة لله سبحانه كما أن الرأفة والرحمة وميل الأفئدة إلى بيته هو من أفعالهم والله جاعله فهو الجاعل للذوات وصفاتها وأفعالها وإراداتها واعتقاداتها فذلك كله مجعول مخلوق له وإن كان العبد فاعلا له باختياره وإرادته.
فإن قيل هذا كله معارض بقوله تعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾
والبحيرة والسائبة إنما صارت كذلك بجعل العباد لها فأخبر سبحانه أن ذلك لم يكن بجعله؟
قيل لا تعارض بحمد الله بين نصوص الكتاب بوجه ما والجعل هاهنا جعل شرعي أمري لا كوني قدري فإن الجعل في كتاب الله ينقسم إلى هذه النوعين كما ينقسم إليهما الأمر والإذن والقضاء والكتابة والتحريم كما سيأتي بيانه إن شاء الله فنفى سبحانه عن البحيرة والسائبة جعله الديني الشرعي أي لم يشرع ذلك ولا أمر به ولكن الذين كفروا افتروا عليه الكذب وجعلوا ذلك دينا له بلا علم.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾
فأخبر سبحانه أن هذه الفتنة الحاصلة بما ألقى الشيطان هي بجعله سبحانه وهذا جعل كوني قدري ومن هذا قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه: "اللهم اجعلني لك شكارا لك ذكارا لك رهابا لك مطواعا لك مخبتا لك أواها منيبا" فسأل ربه أن يجعله كذلك وهذه كلها أفعال اختيارية واقعة بإرادة العبد واختياره وفي هذا الحديث وسدد لساني وتسديد اللسان جعله ناطقا بالسداد من القول ومثله قوله في الحديث الآخر: "اللهم اجعلني لك مخلصا" ومثله قوله
"اللهم اجعلني أعظم شكرك وأكثر ذكرك وأتبع نصيحتك وأحفظ وصيتك"
ومثله قول المؤمنين: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾ فالصبر وثبات الأقدام فعلان اختياريان ولكن التصبير والتثبيت فعل الرب تعالى وهو المسؤول والصبر والثبات فعلهم القائم بهم حقيقة.
5:104Page 125
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences