Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:105–117
5:105Page 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.
«وَسَألَهُ ﷺ أبُو ثَعْلَبَةَ عَنْ قَوْله تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةُ.
فَقالَ: ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وانْتَهُوا عَنْ المُنْكَرِ، حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، ودُنْيا مُؤْثَرَةً، وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ ودَعْ عَنْكَ العَوامَّ؛ فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلى الجَمْرِ، لِلْعامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أجْرِ خَمْسِينَ يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ» ذَكَرَهُ أبُو داوُد.
فَإذا أرادَ المُؤْمِنُ الَّذِي قَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ بَصِيرَةً في دِينِهِ، وفِقْهًا في سُنَّةِ رَسُولِهِ، وفَهْمًا في كِتابِهِ، وأراهُ ما النّاسُ فِيهِ مِنَ الأهْواءِ والبِدَعِ والضَّلالاتِ وتَنَكُّبِهِمْ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَسْلُكَ هَذا الصِّراطَ فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلى قَدْحِ الجُهّالِ وأهْلِ البِدَعِ فِيهِ، وطَعْنِهِمْ عَلَيْهِ، وإزْرائِهِمْ بِهِ وتَنْفِيرِ النّاسِ عَنْهُ وتَحْذِيرِهِمْ مِنهُ، كَما كانَ سَلَفُهم مِنَ الكُفّارِ يَفْعَلُونَ مَعَ مَتْبُوعِهِ وإمامِهِ ﷺ، فَأمّا إنْ دَعاهم إلى ذَلِكَ، وقَدَحَ فِيما هم عَلَيْهِ: فَهُنالِكَ تَقُومُ قِيامَتُهم ويَبْغُونَ لَهُ الغَوائِلَ ويَنْصِبُونَ لَهُ الحَبائِلَ ويَجْلِبُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلِ كَبِيرِهِمْ ورِجْلِهِ.
فَهُوَ غَرِيبٌ في دِينِهِ لِفَسادِ أدْيانِهِمْ، غَرِيبٌ في تَمَسُّكِهِ بِالسُّنَّةِ لِتَمَسُّكِهِمْ بِالبِدَعِ، غَرِيبٌ في اعْتِقادِهِ لِفَسادِ عَقائِدِهِمْ، غَرِيبٌ في صِلاتِهِ لِسُوءِ صِلاتِهِمْ، غَرِيبٌ في طَرِيقِهِ لِضَلالِ وفَسادِ طُرُقِهِمْ، غَرِيبٌ في نِسْبَتِهِ لِمُخالَفَةِ نَسَبِهِمْ، غَرِيبٌ في مُعاشَرَتِهِ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ يُعاشِرُهم عَلى ما لا تَهْوى أنْفُسُهم.
وَبِالجُمْلَةِ: فَهو غَرِيبٌ في أُمُورِ دُنْياهُ وآخِرَتِهِ لا يَجِدُ مِنَ العامَّةِ مُساعِدًا ولا مُعِينًا فَهو عالِمٌ بَيْنَ جُهّالٍ، صاحِبُ سُنَّةٍ بَيْنَ أهْلِ بِدَعٍ، داعٍ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ بَيْنَ دُعاةٍ إلى الأهْواءِ والبِدَعِ، آمِرٌ بِالمَعْرُوفِ ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ بَيْنَ قَوْمٍ المَعْرُوفُ لَدَيْهِمْ مُنْكَرٌ والمُنْكَرُ مَعْرُوفٌ.
(فصل)
وَذَكَرَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ أبِي عِمْرانَ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَلَكَيْنِ إلى قَرْيَةٍ، أنْ دَمِّراها بِمَن فِيها، فَوَجَدا رَجُلًا قائِمًا يُصَلِّي في مَسْجِدٍ، فَقالا: يا رَبِّ، إنَّ فِيها عَبْدَكَ فُلانًا يُصَلِّي، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: دَمِّراها ودَمِّراهُ مَعَهُمْ، فَإنَّهُ ما تَمَعَّرَ وجْهُهُ فِيَّ قَطُّ.
وَذَكَرَ الحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: قالَ: حَدَّثَنِي سُفْيانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مِسْعَرٍ: «أنَّ مَلَكًا أُمِرَ أنْ يَخْسِفَ بِقَرْيَةٍ، فَقالَ: يا رَبِّ، إنَّ فِيها فُلانًا العابِدَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ بِهِ فابْدَأْ، فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ فِيَّ ساعَةً قَطُّ».
وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا أصابَ داوُدُ الخَطِيئَةَ قالَ: يا رَبِّ اغْفِرْ لِي: قالَ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وألْزَمْتُ عارَها بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ يا رَبِّ، كَيْفَ وأنْتَ الحَكَمُ العَدْلُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، أنا أعْمَلُ الخَطِيئَةَ وتُلْزِمُ عارَها غَيْرِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، إنَّكَ لَمّا عَمِلْتَ الخَطِيئَةَ لَمْ يُعَجِّلُوا عَلَيْكَ بِالإنْكارِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: أنَّهُ دَخَلَ عَلى عائِشَةَ، هو ورَجُلٌ آخَرُ، فَقالَ لَها الرَّجُلُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ حَدِّثِينا عَنِ الزَّلْزَلَةِ، فَقالَتْ: إذا اسْتَباحُوا الزِّنا، وشَرِبُوا الخَمْرَ، وضَرَبُوا بِالمَعازِفِ، غارَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في سَمائِهِ، فَقالَ لِلْأرْضِ تَزَلْزَلِي بِهِمْ، فَإنْ تابُوا ونَزَعُوا، وإلّا هَدَمَها عَلَيْهِمْ، قالَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أعَذابًا لَهُمْ؟ قالَتْ: بَلى، مَوْعِظَةً ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، ونَكالًا وعَذابًا وسُخْطًا عَلى الكافِرِينَ، فَقالَ أنَسٌ: ما سَمِعْتُ حَدِيثًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنا أشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنِّي بِهَذا الحَدِيثِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا حَدِيثًا مُرْسَلًا: «إنَّ الأرْضَ تَزَلْزَلَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها ثُمَّ قالَ: اسْكُنِي، فَإنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكِ بَعْدُ، ثُمَّ التَفَتَ إلى أصْحابِهِ، فَقالَ: إنَّ رَبَّكم لَيَسْتَعْتِبُكم فَأعْتِبُوهُ، ثُمَّ تَزَلْزَلَتْ بِالنّاسِ عَلى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَقالَ، يا أيُّها النّاسُ ما كانَتْ هَذِهِ الزَّلْزَلَةُ إلّا عَنْ شَيْءٍ أحْدَثْتُمُوهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ عادَتْ لا أُساكِنُكم فِيها أبَدًا».
وَفِي مَناقِبِ عُمَرَ لِابْنِ أبِي الدُّنْيا «أنَّ الأرْضَ تَزَلْزَلَتْ عَلى عَهْدِ عُمَرَ، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَيْها، وقالَ: ما لَكِ؟ ما لَكِ؟ أما إنَّها لَوْ كانَتِ القِيامَةُ حَدَّثَتْ أخْبارَها، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ فَلَيْسَ فِيها ذِراعٌ ولا شِبْرٌ إلّا وهو يَنْطِقُ».
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ صَفِيَّةَ، قالَتْ: زُلْزِلَتِ المَدِينَةُ عَلى عَهْدِ عُمَرَ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ ما هَذا؟ وما أسْرَعَ ما أحْدَثْتُمْ، لَئِنْ عادَتْ لا أُساكِنُكم فِيها.
وَقالَ كَعْبٌ: إنَّما زُلْزِلَتِ الأرْضُ إذا عُمِلَ فِيها بِالمَعاصِي فَتُرْعِدُ فَرَقًا مِنَ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْها.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إلى الأمْصارِ: أمّا بَعْدُ فَإنَّ هَذا الرَّجْفَ شَيْءٌ يُعاتِبُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ العِبادَ، وقَدْ كَتَبْتُ إلى الأمْصارِ أنْ يُخْرِجُوا في يَوْمِ كَذا وكَذا في شَهْرِ كَذا وكَذا، فَمَن كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى - وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٤-١٥].
وَقُولُوا كَما قالَ آدَمُ: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وَقُولُوا كَما قالَ نُوحٌ: ﴿وَإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧].
وَقُولُوا كَما قالَ يُونُسُ: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا أسْوَدُ بْنُ عامِرٍ حَدَّثَنا أبُو بَكْرٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا ضَنَّ النّاسُ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وتَبايَعُوا بِالعِينَةِ، وتَبِعُوا أذْنابَ البَقَرِ، وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلاءً لا يَرْفَعُهُ عَنْهم حَتّى يُراجِعُوا دِينَهُمْ» رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ حَسَنٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ رَأيْنا وما أحَدٌ أحَقَّ بِدِينارِهِ ودِرْهَمِهِ مِن أخِيهِ المُسْلِمِ.
وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا ضَنَّ النّاسُ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وتَبايَعُوا بِالعِينَةِ، وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأخَذُوا أذْنابَ البَقَرِ، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ بَلاءً، فَلا يَرْفَعُهُ عَنْهم حَتّى يُراجِعُوا دِينَهُمْ».
وَقالَ الحَسَنُ: إنَّ الفِتْنَةَ واللَّهِ ما هي إلّا عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى النّاسِ.
وَنَظَرَ بَعْضُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى ما يَصْنَعُ بِهِمْ بُخْتَنَصَّرُ، فَقالَ: بِما كَسَبَتْ أيْدِينا سَلَّطْتَ عَلَيْنا مَن لا يَعْرِفُكَ ولا يَرْحَمُنا.
وَقالَ بُخْتَنَصَّرُ لِدانْيالَ: ما الَّذِي سَلَّطَنِي عَلى قَوْمِكَ؟ قالَ: عِظَمُ خَطِيئَتِكَ وظُلْمُ قَوْمِي أنْفُسَهم.
وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وحُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا أرادَ بِالعِبادِ نِقْمَةً أماتَ الأطْفالَ، وأعْقَمَ أرْحامَ النِّساءِ، فَتَنْزِلُ النِّقْمَةُ، ولَيْسَ فِيهِمْ مَرْحُومٌ».
وَذَكَرَ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأْتُ في الحِكْمَةِ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا اللَّهُ مالِكُ المُلُوكِ، قُلُوبُ المُلُوكِ بِيَدَيَّ، فَمَن أطاعَنِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ رَحْمَةً، ومَن عَصانِي جَعَلْتُهم عَلَيْهِ نِقْمَةً، فَلا تَشْغَلُوا أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلُوكِ، ولَكِنْ تُوبُوا إلَيَّ أعْطِفُهم عَلَيْكم.
وَفِي مَراسِيلِ الحَسَنِ: إذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا جَعَلَ أمْرَهم إلى حُلَمائِهِمْ، وفَيَّأهم عِنْدَ سُمَحائِهِمْ، وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ شَرًّا جَعَلَ أمْرَهم إلى سُفَهائِهِمْ، وفَيَّأهم عِنْدَ بُخَلائِهِمْ.
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ أنْتَ في السَّماءِ ونَحْنُ في الأرْضِ، فَما عَلامَةُ غَضَبِكَ مِن رِضاكَ؟ قالَ: إذا اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكم خِيارَكم فَهو مِن عَلامَةِ رِضائِي عَنْكُمْ، وإذا اسْتَعْمَلْتُ عَلَيْكم شِرارَكم فَهو مِن عَلامَةِ سُخْطِي عَلَيْكم.
وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى بَعْضِ الأنْبِياءِ: إذا عَصانِي مَن يَعْرِفُنِي سَلَّطْتُ عَلَيْهِ مَن لا يَعْرِفُنِي.
وَذَكَرَ أيْضًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِرَفْعِهِ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يَبْعَثَ اللَّهُ أُمَراءَ كَذَبَةً، ووُزَراءَ فَجَرَةً، وأعْوانًا خَوَنَةً، وعُرَفاءَ ظَلَمَةً، وقُرّاءَ فَسَقَةً، سِيماهم سِيماءُ الرُّهْبانِ، وقُلُوبُهم أنْتَنُ مِنَ الجِيَفِ، أهْواؤُهم مُخْتَلِفَةٌ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ لَهم فِتْنَةً غَبْراءَ مُظْلِمَةً فَيَتَهالَكُونَ فِيها، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيُنْقَضَنَّ الإسْلامُ عُرْوَةً عُرْوَةً، حَتّى لا يُقالَ: اللَّهُ اللَّهُ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لِيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم أشْرارَكُمْ، فَيَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ، ثُمَّ يَدْعُو خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَهُمْ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم مَن لا يَرْحَمُ صَغِيرَكُمْ، ولا يُوَقِّرُ كَبِيرَكُمْ».
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرانِيِّ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما طَفَّفَ قَوْمٌ كَيْلًا، ولا بَخَسُوا مِيزانًا، إلّا مَنَعَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القَطْرَ، وما ظَهَرَ في قَوْمٍ الزِّنا إلّا ظَهَرَ فِيهِمُ المَوْتُ، وما ظَهَرَ في قَوْمٍ الرِّبا إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُنُونَ، ولا ظَهَرَ في قَوْمٍ القَتْلُ - يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا - إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، ولا ظَهَرَ في قَوْمٍ عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ إلّا ظَهَرَ فِيهِمُ الخَسْفَ، وما تَرَكَ قَوْمٌ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ إلّا لَمْ تُرْفَعْ أعْمالُهم ولَمْ يُسْمَعْ دُعاؤُهُمْ» ورَواهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ إبْراهِيمَ بْنِ الأشْعَثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ سَعِيدٍ بِهِ.
وَفِي المُسْنَدِ وغَيْرِهِ مِن حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فَعَرَفْتُ في وجْهِهِ أنْ قَدْ حَفَزَهُ شَيْءٌ، فَما تَكَلَّمَ حَتّى تَوَضَّأ، وخَرَجَ، فَلَصِقْتُ بِالحُجْرَةِ، فَصَعِدَ المِنبَرَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ لَكُمْ: مُرُوا بِالمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ قَبْلَ أنْ تَدْعُونِي فَلا أُجِيبُكُمْ، وتَسْتَنْصِرُونِي فَلا أنْصُرُكُمْ، وتَسْألُونِي فَلا أُعْطِيكُمْ».
وَقالَ العُمَرِيُّ الزّاهِدُ: إنَّ مِن غَفْلَتِكَ عَنْ نَفْسِكَ، وإعْراضِكَ عَنِ اللَّهِ أنْ تَرى ما يُسْخِطُ اللَّهَ فَتَتَجاوَزَهُ، ولا تَأْمُرُ فِيهِ، ولا تَنْهى عَنْهُ، خَوْفًا مِمَّنْ لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضُرًّا ولا نَفْعًا.
وَقالَ: مَن تَرَكَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، مَخافَةً مِنَ المَخْلُوقِينَ، نُزِعَتْ مِنهُ الطّاعَةُ، ولَوْ أمَرَ ولَدَهُ أوْ بَعْضَ مَوالِيهِ لاسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ.
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم تَتْلُونَ هَذِهِ الآيَةَ، وإنَّكم تَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَوْضِعِها ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
وَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا الظّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلى يَدَيْهِ - وفي لَفْظٍ: إذا رَأوُا المُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ - أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ مِن عِنْدِهِ».
وَذَكَرَ الأوْزاعِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا خَفِيَتِ الخَطِيئَةُ لَمْ تَضُرَّ إلّا صاحِبَها، وإذا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُغَيَّرْ، ضَرَّتِ العامَّةَ».
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: تُوشِكُ القُرى أنْ تُخَرِّبَ وهي عامِرَةٌ، قِيلَ وكَيْفَ تُخَرَّبُ وهي عامِرَةٌ؟ قالَ: إذا عَلا فُجّارُها أبْرارَها، وسادَ القَبِيلَةَ مُنافِقُوها.
وَذَكَرَ الأوْزاعِيُّ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «سَيَظْهَرُ شِرارُ أُمَّتِي عَلى خِيارِها، حَتّى يَسْتَخْفِيَ المُؤْمِنُ فِيهِمْ كَما يَسْتَخْفِي المُنافِقُ فِينا اليَوْمَ».
وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ قالَ: «يَأْتِي زَمانٌ يَذُوبُ فِيهِ قَلْبُ المُؤْمِنِ كَما يَذُوبُ المِلْحُ في الماءِ، قِيلَ: مِمَّ ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: مِمّا يَرى مِنَ المُنْكَرِ لا يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَهُ».
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ جَرِيرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما مِن قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالمَعاصِي، وهم أعَزُّ وأكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ إلّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ».
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يُجاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُلْقى في النّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتابُهُ في النّارِ، فَيَدُورُ كَما يَدُورُ الحِمارُ بِرَحاهُ، فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أهْلُ النّارِ، فَيَقُولُونَ: أيْ فُلانُ، ما شَأْنُكَ؟ ألَسْتَ كُنْتَ تَأْمُرُنا بِالمَعْرُوفِ وتَنْهانا عَنِ المُنْكَرِ؟ قالَ: بَلى، كُنْتُ آمُرُكم بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ وأنْهاكم عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ».
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: كانَ حَبْرٌ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ يَغْشى مَنزِلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، فَيَعِظُهم ويُذَكِّرُهم بِأيّامِ اللَّهِ، فَرَأى بَعْضَ بَنِيهِ يَوْمًا يَغْمِزُ النِّساءَ، فَقالَ: مَهْلًا يا بُنَيَّ، مَهْلًا يا بُنَيَّ فَسَقَطَ مِن سَرِيرِهِ، فانْقَطَعَ نُخاعُهُ، وأُسْقِطَتِ امْرَأتُهُ، وقُتِلَ بَنُوهُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِمْ: أنْ أخْبِرْ فُلانًا الخَبَرَ: أنِّي لا أُخْرِجُ مِن صُلْبِكَ صِدِّيقًا أبَدًا، ما كانَ غَضَبُكَ لِي إلّا أنْ قُلْتَ مَهْلًا يا بُنَيَّ.
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إيّاكم ومُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ، فَإنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلى الرَّجُلِ حَتّى يُهْلِكْنَهُ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا، كَمَثَلِ القَوْمِ نَزَلُوا أرْضَ فَلاةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ القَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالعُودِ، والرَّجُلُ يَجِيءُ بِالعُودِ، حَتّى جَمَعُوا سَوادًا، وأجَّجُوا نارًا، وأنْضَجُوا ما قَذَفُوا فِيها».
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «إنَّكم لَتَعْمَلُونَ أعْمالًا هي أدَقُّ في أعْيُنِكم مِنَ الشَّعْرِ، وإنْ كُنّا لَنَعُدَّها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُوبِقاتِ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأةٌ في هِرَّةٍ سَجَنَتْها حَتّى ماتَتْ، فَدَخَلَتِ النّارَ، لا هي أطْعَمَتْها، ولا سَقَتْها، ولا تَرَكَتْها تَأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ».
وَفِي الحِلْيَةِ لِأبِي نُعَيْمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: في يَوْمٍ واحِدٍ تَرَكَتْ بَنُو إسْرائِيلَ دِينَهُمْ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهم كانُوا إذا أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَرَكُوهُ، وإذا نُهُوا عَنْ شَيْءٍ رَكِبُوهُ، حَتّى انْسَلَخُوا مِن دِينِهِمْ كَما يَنْسَلِخُ الرَّجُلُ مِن قَمِيصِهِ.
وَمِن هاهُنا قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: المَعاصِي بَرِيدُ الكُفْرِ، كَما أنَّ القُبْلَةَ بَرِيدُ الجِماعِ، والغِناءُ بَرِيدُ الزِّنا، والنَّظَرُ بَرِيدُ العِشْقِ، والمَرَضُ بَرِيدُ المَوْتِ.
وَفِي الحِلْيَةِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يا صاحِبَ الذَّنْبِ لا تَأْمَن سُوءَ عاقِبَتِهِ، ولَما يَتْبَعُ الذَّنْبَ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ إذا عَمِلْتَهُ، قِلَّةُ حَيائِكَ مِمَّنْ عَلى اليَمِينِ وعَلى الشِّمالِ - وأنْتَ عَلى الذَّنْبِ - أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وضَحِكُكَ وأنْتَ لا تَدْرِي ما اللَّهُ صانِعٌ بِكَ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وفَرَحُكَ بِالذَّنْبِ إذا ظَفِرْتَ بِهِ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وحُزْنُكَ عَلى الذَّنْبِ إذا فاتَكَ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، وخَوْفُكَ مِنَ الرِّيحِ إذا حَرَّكَتْ سِتْرَ بابِكَ وأنْتَ عَلى الذَّنْبِ ولا يَضْطَرِبُ فُؤادُكَ مِن نَظَرِ اللَّهِ إلَيْكَ أعْظَمُ مِنَ الذَّنْبِ، ويْحَكَ هَلْ تَدْرِي ما كانَ ذَنْبُ أيُّوبَ فابْتَلاهُ بِالبَلاءِ في جَسَدِهِ وذَهابِ مالِهِ؟ اسْتَغاثَ بِهِ مِسْكِينٌ عَلى ظالِمٍ يَدْرَؤُهُ عَنْهُ، فَلَمْ يُعِنْهُ، ولَمْ يَنْهَ الظّالِمَ عَنْ ظُلْمِهِ، فابْتَلاهُ اللَّهُ.
قالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا الوَلِيدُ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ بِلالَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: لا تَنْظُرْ إلى صِغَرِ الخَطِيئَةِ ولَكِنِ انْظُرْ إلى مَن عَصَيْتَ.
وَقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: بِقَدْرِ ما يَصْغَرُ الذَّنْبُ عِنْدَكَ يَعْظُمُ عِنْدَ اللَّهِ، وبِقَدْرِ ما يَعْظُمُ عِنْدَكَ يَصْغَرُ عِنْدَ اللَّهِ.
وَقِيلَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى مُوسى، يا مُوسى إنَّ أوَّلَ مَن ماتَ مِن خَلْقِي إبْلِيسُ، وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن عَصانِي، وإنَّما أعُدُّ مَن عَصانِي مِنَ الأمْواتِ.
وَفِي المُسْنَدِ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا أذْنَبَ ذَنْبًا نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَإذا تابَ ونَزَعَ واسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وإنْ زادَ زادَتْ حَتّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]».
وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَقالَ حُذَيْفَةُ: إذا أذْنَبَ العَبْدُ ذَنْبًا نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ حَتّى يَصِيرَ قَلْبُهُ كالشّاةِ الرَّيْداءِ.
وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ حَدَّثَنا أبِي عَنْ صالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أمّا بَعْدُ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَإنَّكم أهْلٌ لِهَذا الأمْرِ ما لَمْ تَعْصُوا اللَّهَ، فَإذا عَصَيْتُمُوهُ بَعَثَ عَلَيْكم مَن يَلْحاكم كَما يُلْحى هَذا القَضِيبُ بِقَضِيبٍ في يَدِهِ، ثُمَّ لَحا قَضِيبَهُ فَإذا هو أبْيَضُ يَصْلِدُ».
وَذَكَرَ الإمامُ أحْمَدُ: عَنْ وهْبٍ قالَ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: قالَ في بَعْضِ ما يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي إذا أُطِعْتُ رَضِيتُ، وإذا رَضِيتُ بارَكْتُ، ولَيْسَ لِبِرَكَتِي نِهايَةٌ، وإذا عُصِيتُ غَضِبْتُ، وإذا غَضِبْتُ لَعَنْتُ، ولَعْنَتِي تَبْلُغُ السّابِعَ مِنَ الوَلَدِ ".
5:106Page 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦
O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allāh if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange it [i.e., our oath] for a price [i.e., worldly gain], even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of [i.e., ordained by] Allāh. Indeed, we would then be of the sinful."
No commentary for this ayah
5:107Page 125
فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧
But if it is found that those two were guilty of sin [i.e., perjury], let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allāh, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."
No commentary for this ayah
5:108Page 125
ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨
That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allāh and listen [i.e., obey Him]; and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
No commentary for this ayah
5:109Page 126
۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩
[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -
﴿ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾
قِيلَ: قالُوهُ تَأدُبًا مَعَهُ سُبْحانَهُ، إذْ رَدُّوا العِلْمَ إلَيْهِ.
وَقِيلَ: مَعْناهُ لا عِلْمَ لَنا بِحَقِيقَةِ الباطِنِ، وإنَّما أجابَنا مَن أجابَنا ظاهِرًا، والباطِنُ غَيْبٌ، وأنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ.
والتَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ عُلُومَهم تَلاشَتْ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ واضْمَحَلَّتْ، فَصارَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَلا عِلْمٍ، فَرَدُّوا العِلْمَ كُلَّهُ إلى ولِيِّهِ وأهْلِهِ، ومَن هو أوْلى بِهِ، فَعُلُومُهم وعُلُومُ الخَلائِقِ جَمِيعِهِمْ في جَنْبِ عِلْمِهِ تَعالى كَنَقْرَةِ عُصْفُورٍ في بَحْرٍ مِن بِحارِ العالَمِ.
5:110Page 126
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠
[The Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel] and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind [from birth] and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."
No commentary for this ayah
5:111Page 126
وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١
And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger [i.e., Jesus]." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allāh]."
No commentary for this ayah
5:112Page 126
إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢
[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord1 send down to us a table [spread with food] from the heaven?" [Jesus] said, "Fear Allāh, if you should be believers."
No commentary for this ayah
5:113Page 126
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣
They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."
No commentary for this ayah
5:114Page 127
قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤
Said Jesus, the son of Mary, "O Allāh, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."
(فصل)
وأما السؤال السابع والعشرون: وهو ما الحكمة في ورود الثناء على الله في التشهد بلفظ الغيبة مع كونه سبحانه هو المخاطب الذي يناجيه العبد والسلام على النبي ﷺ بلفظ الخطاب مع كونه غائبا؟
فجوابه أن الثناء على الله عامة ما يجيء مضافا إلى أسمائه الحسنى الظاهرة دون الضمير إلا أن يتقدم ذكر الاسم الظاهر فيجيء بعده المضمر وهذا نحو قول المصلي: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وقوله في الركوع: "سبحان ربي العظيم" وفي السجود "سبحان ربي الأعلى " وفي هذا من السر أن تعليق الثناء بأسمائه الحسنى هو لما تضمنت معانيها من صفات الكمال ونعوت الجلال فأتى بالاسم الظاهر الدال على المعنى الذي يثنى به ولأجله عليه تعالى ولفظ الضمير لا إشعار له بذلك ولهذا إذا كان ولا بد من الثناء عليه بخطاب المواجهة أتى بالاسم الظاهر مقرونا بميم الجمع الدالة على جميع الأسماء والصفات نحو قوله في رفع رأسه من الركوع "اللهم ربنا لك الحمد" وربما اقتصر على ذكر الرب تعالى لدلالة لفظه على هذا المعنى فتأمله. فإنه لطيف المنزع جدا وتأمل كيف صدر الدعاء المتضمن للثناء والطلب بلفظة "اللهم كما في سيد الاستغفار "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك" الحديث ..
رواه البخاري والترمذي والنسائي.
وجاء الدعاء المجرد مصدرا بلفظ الرب نحو قول المؤمنين: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ وقول آدم: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ وقول موسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ وقول نوح: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ وكان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي رب اغفر لي" صحيح وسر ذلك أن الله تعالى يسأل بربوبيته
المتضمنة قدرته وإحسانه وتربيته عبده وإصلاح أمره ويثنى عليه بإلهيته المتضمنة إثبات ما يجب له من الصفات العلى والأسماء الحسنى وتدبر طريقة القرآن تجدها كما ذكرت لك فأما الدعاء فقد ذكرنا منه أمثلة وهو في القرآن حيث وقع لا يكاد يجيء إلا مصدرا باسم الرب، وأما الثناء فحيث وقع فمصدر بالأسماء الحسنى وأعظم ما يصدر به اسم الله جل جلاله نحو: ﴿الحمد لله﴾ حيث جاء ونحو: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ وجاء: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ ونحوه ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ حيث وقعت ونحو: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾، ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ ونظائره وجاء في دعاء المسيح: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فذكر الأمرين ولم يجئ في القرآن سواه ولا رأيت أحدا تعرض لهذا ولا نبه عليه سر عجيب دال على كمال معرفة المسيح بربه وتعظيمه له فإن هذا السؤال كان عقيب سؤال قومه له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فخوفهم الله وأعلمهم أن هذا مما لا يليق أن يسأل عنه وأن الإيمان يرده فلما ألحوا في الطلب وخاف المسيح أن يداخلهم الشك إن لم يجابوا إلى ما سألوا بدأ في السؤال باسم ﴿اللَّهُمَّ﴾ الدال على الثناء على الله بجميع أسمائه وصفاته ففي ضمن ذلك تصوره بصورة المثني الحامد الذاكر لأسماء ربه المثني عليه بها وأن المقصود من هذا الدعاء وقضاء هذه الحاجة إنما هو أن يثني على الرب بذلك ويمجده به ويذكر آلاءه ويظهر شواهد قدرته وربوبيته ويكون برهانا على صدق رسوله فيحصل بذلك من زيادة الإيمان والثناء على الله أمر يحسن معه الطلب ويكون كالعذر فيه فأتى بالاسمين اسم الله الذي يثني عليه به واسم الرب الذي يدعي ويسأل به لما كان المقام مقام الأمرين.
فتأمل هذا السر العجيب ولا يثب عنه فهمك فإنه من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء في كتابه وله الحمد.
5:115Page 127
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١١٥
Allāh said, "Indeed, I will send it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."
No commentary for this ayah
5:116Page 127
وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦
And [beware the Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allāh?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.
(مسألة)
قال تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فهذا شرط دخل على ماضي اللفظ وهو ماضي المعنى قطعا لأن المسيح إما أن يكون هذا الكلام قد صدر منه بعد رفعه إلى السماء أو يكون حكاية ما يقوله يوم القيامة وعلى التقديرين فإنما تعلق الشرط وجزاؤه بالماضي وغلط على الله من قال إن هذا القول وقع منه في الدنيا قبل رفعه والتقدير إن أكن أقول هذا فإنك تعلمه وهذا تحريف للآية لأن هذا الجواب إنما صدر منه بعد سؤال الله له عن ذلك والله لم يسأله وهو بين أظهر قومه ولا اتخذوه وأمه إلهين إلا بعد رفعه بمئين من السنين فلا يجوز تحريف كلام الله انتصارا لقاعدة نحوية هدم مائة أمثالها أسهل من تحريف معنى الآية وقال ابن السراج: في أصوله يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين تقديرهما إن ثبت في المستقبل أني قلته في الماضي يثبت أنك علمته وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل فيحسن التعليق عليه وهذا الجواب أيضا ضعيف جدا ولا ينبئ عنه اللفظ وليت شعري ما يصنعون بقول النبي ﷺ
" إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه"
رواه البخاري ومسلم.
هل يقول عاقل إن الشرط هنا مستقبل؟
أما التأويل الأول فمنتف هنا قطعا وأما الثاني فلا يخفي وجه التعسف فيه وأنه لم يقصد أنه يثبت في المستقبل أنك أذنبت في الماضي فتوبي ولا قصد هذا المعنى وإنما المقصود المراد ما دل عليه الكلام إن كان صدر منك ذنب فيما مضى فاستقبليه بالتوبة لم يرد إلا هذا الكلام وإذا ظهر فساد الجوابين فالصواب أن يقال جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقا محضا غير متضمن جوابا لسائل هل كان كذا ولا يتضمن لنفي قول من قال قد كان كذا فهذا يقتضي الاستقبال وتارة يكون مقصودة ومضمنة جواب سائل هل وقع كذا أو رد قوله قد وقع كذا فإذا علق الجواب هنا على شرط لم يلزم أن يكون مستقبلا لا لفظا ولا معنى بل لا يصح فيه الاستقبال بحال كمن يقول لرجل هل أعتقت عبدك فيقول إن كنت قد أعتقته فقد أعتقه الله فما للاستقبال هنا معنى قط وكذلك إذا قلته لمن قال صحبت فلانا فيقول إن كنت صحبته فقد أصبت بصحبته خيرا وكذلك إذا قلت له هل أذنبت فيقول إن كنت قد أذنبت فإني قد تبت إلى الله واستغفرته وكذلك إذا قال هل قلت لفلان كذا وهو يعلم أنه علم بقوله له فيقول إن قلته فقد علمته فقد عرفت أن هذه المواضع كلها مواضع ماض لفظا ومعنى ليطابق السؤال الجواب ويصح التعليق الخبري لا الوعدي فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال وأما التعليق الخبري فلا يستلزمه ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وتقول إن كانت البينة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت وهذه دقيقة خلت منها كتب النحاة والفضلاء وهي كما ترى وضوحا وبرهانا ولله الحمد.
5:117Page 127
مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧
I said not to them except what You commanded me - to worship Allāh, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences