Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:32–37
5:32Page 113
مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢
Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4
(فصل)
النوع السادس ذكر ما هو من صرائح التعليل وهو من أجل كقوله: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾
وقد ظنت طائفة أن قوله ﴿من أجل ذلك﴾ تعليل لقوله ﴿فأصبح من النادمين﴾ أي من أجل قتله لأخيه وهذا ليس بشيء لأنه يشوش صحة النظم وتقل الفائدة بذكره ويذهب شأن التعليل بذلك للكتابة المذكورة وتعظيم شأن القتل حين جعل علة لهذا الكتابة فتأمله.
فإن قلت كيف يكون قتل أحد بني آدم للآخر علة لحكمه على أمة أخرى بذلك الحكم وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلهم.
قلت الرب سبحانه يجعل أقضيته وأقداره عللا وأسبابا لشرعة وأمره فجعل حكمه الكوني القدري علة لحكمه الديني الأمري وذلك أن القتل عنده لما كان من أعلى أنواع الظلم والفساد فخم أمره وعظم شأنه وجعل إثمه أعظم من إثم غيره ونزل قاتل النفس الواحدة منزلة قاتل الأنفس كلها ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه بمنزلة المشبه به من كل الوجوه فإذا كان قاتل الأنفس كلها يصلى النار وقاتل النفس الواحدة يصلاها صح تشبيهه به كما يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر ومن شرب عدة قناطير وإن اختلف مقدار الإثم وكذلك من زنى مرة واحدة وآخر زنى مرارا كثيرة كلاهما آثم وإن اختلف قدر الإثم وهذا معنى قول مجاهد: "من قتل نفسا واحدة يصلى النار بقتلها كما يصلاها من قتل الناس جميعا.
وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا في وصفه وإن شئت قلت التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها فإنه لا يختلف بقلة القتل وكثرته كما لو شرب قطرة فإن حده حد من شرب راوية ومن زنى بامرأة واحدة حده حد من زنى بألف وهذا تأويل الحسن وابن زيد قالا: "يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعا" ولك أن تجعل التشبيه في الأذى والغم الواصل إلى المؤمنين بقتل الواحد منهم فقد جعلهم كلهم خصماءه وأوصل إليهم من الأذى والغم ما يشبه القتل وهذا تأويل ابن الأنباري وفي الآية تأويلات أخر.
[فَصْلٌ جَرِيمَةُ القَتْلِ]
وَلَمّا كانَتْ مَفْسَدَةُ القَتْلِ هَذِهِ المَفْسَدَةَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢].
وَقَدْ أشْكَلَ فَهْمُ هَذا عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وقالَ: مَعْلُومٌ أنَّ إثْمَ قاتِلِ مِائَةٍ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِن إثْمِ قاتِلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وإنَّما أتَوْهُ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ التَّشْبِيهَ في مِقْدارِ الإثْمِ والعُقُوبَةِ، واللَّفْظُ لَمْ يَدُلَّ عَلى هَذا، ولا يَلْزَمُ مِن تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ أخْذُهُ بِجَمِيعِ أحْكامِهِ.
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلّا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ [النازعات: ٤٦].
وَقالَ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وَذَلِكَ لا يُوجِبُ أنَّ لُبْثَهم في الدُّنْيا إنَّما كانَ هَذا المِقْدارَ.
وَقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن صَلّى العِشاءَ في جَماعَةٍ فَكَأنَّما قامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، ومَن صَلّى الفَجْرَ في جَماعَةٍ فَكَأنَّما قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ»، أيْ: مَعَ العِشاءِ كَما جاءَ في لَفْظٍ آخَرَ، وأصْرَحُ مِن هَذا قَوْلُهُ: «مَن صامَ رَمَضانَ وأتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ فَكَأنَّما صامَ الدَّهْرَ»، وقَوْلُهُ ﷺ: «مَن قَرَأ " ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ " فَكَأنَّما قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ»، ومَعْلُومٌ أنَّ ثَوابَ فاعِلِ هَذِهِ الأشْياءَ لَمْ يَبْلُغْ ثَوابَ المُشَبَّهِ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْرُهُما سَواءً، ولَوْ كانَ قَدْرُ الثَّوابِ سَواءً لَمْ يَكُنْ لِمُصَلِّي العِشاءِ والفَجْرِ جَماعَةً في قِيامِ اللَّيْلِ مَنفَعَةٌ غَيْرُ التَّعَبِ والنَّصَبِ، وما أُوتِيَ أحَدٌ - بَعْدَ الإيمانِ - أفْضَلَ مِنَ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ﷺ. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ.
فَإنْ قِيلَ: فَفي أيِّ شَيْءٍ وقَعَ التَّشْبِيهُ بَيْنَ قاتِلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وقاتِلِ النّاسِ جَمِيعًا؟
قِيلَ: في وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
أحَدُها: أنَّ كُلًّا مِنهُما عاصٍ لِلَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ مُخالِفٌ لِأمْرِهِ مُتَعَرِّضٌ لِعُقُوبَتِهِ، وكُلٌّ مِنهُما قَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ولَعْنَتِهِ، واسْتِحْقاقِ الخُلُودِ في نارِ جَهَنَّمَ، وإعْدادِهِ عَذابًا عَظِيمًا، وإنَّما التَّفاوُتُ في دَرَجاتِ العَذابِ، فَلَيْسَ إثْمُ مَن قَتَلَ نَبِيًّا أوْ إمامًا عادِلًا أوْ عالِمًا يَأْمُرُ النّاسَ بِالقِسْطِ، كَإثْمِ مَن قَتَلَ مَن لا مَزِيَّةَ لَهُ مِن آحادِ النّاسِ.
الثّانِي: أنَّهُما سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ إزْهاقِ النَّفْسِ.
الثّالِثُ: أنَّهُما سَواءٌ في الجَراءَةِ عَلى سَفْكِ الدَّمِ الحَرامِ، فَإنَّ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، بَلْ لِمُجَرَّدِ الفَسادِ في الأرْضِ، أوْ لِأخْذِ مالِهِ: فَإنَّهُ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ كُلِّ مَن ظَفَرَ بِهِ وأمْكَنَهُ قَتْلُهُ، فَهو مُعادٍ لِلنَّوْعِ الإنْسانِيِّ.
وَمِنها: أنَّهُ يُسَمّى قاتِلًا أوْ فاسِقًا أوْ ظالِمًا أوْ عاصِيًا بِقَتْلِهِ واحِدًا، كَما يُسَمّى كَذَلِكَ بِقَتْلِهِ النّاسَ جَمِيعًا.
وَمِنها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَواصُلِهِمْ كالجَسَدِ الواحِدِ، إذا اشْتَكى مِنهُ عُضْوٌ تَداعى لَهُ سائِرُ الجَسَدِ بِالحُمّى والسَّهَرِ، فَإذا أتْلَفَ القاتِلُ مِن هَذا الجَسَدِ عُضْوًا، فَكَأنَّما أتْلَفَ سائِرَ الجَسَدِ، وآلَمَ جَمِيعَ أعْضائِهِ، فَمَن آذى مُؤْمِنًا واحِدًا فَكَأنَّما آذى جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، وفي أذى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ أذى جَمِيعِ النّاسِ، فَإنَّ اللَّهَ إنَّما يُدافِعُ عَنِ النّاسِ بِالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ، فَإيذاءُ الخَفِيرِ إيذاءُ المَخْفُورِ، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ، إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنها؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ».
وَلَمْ يَجِئْ هَذا الوَعِيدُ في أوَّلِ زانٍ ولا أوَّلِ سارِقٍ ولا أوَّلِ شارِبِ مُسْكِرٍ، وإنْ كانَ أوَّلُ المُشْرِكِينَ قَدْ يَكُونُ أوْلى بِذَلِكَ مِن أوَّلِ قاتِلٍ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ الشِّرْكَ؛ ولِهَذا رَأى النَّبِيُّ ﷺ عَمْرَو بْنَ لَحْيٍ الخُزاعِيَّ يُعَذَّبُ أعْظَمَ العَذابِ في النّارِ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: ٤١].
أيْ فَيَقْتَدِي بِكم مَن بَعْدَكُمْ، فَيَكُونُ إثْمُ كَفْرِهِ عَلَيْكُمْ، وكَذَلِكَ حُكْمُ مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فاتُّبِعَ عَلَيْها.
وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يَجِيءُ المَقْتُولُ يَوْمَ القِيامَةِ، ناصِيَتُهُ ورَأْسُهُ بِيَدِهِ، وأوْداجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، يَقُولُ: يا رَبِّ سَلْ هَذا فِيمَ قَتَلَنِي؟» فَذَكَرُوا لِابْنِ عَبّاسٍ التَّوْبَةَ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها﴾ [النساء: ٩٣].
ثُمَّ قالَ: ما نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ ولا بُدِّلَتْ، وأنّى لَهُ التَّوْبَةُ؟ قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَفِيهِ أيْضًا عَنْ نافِعٍ قالَ: نَظَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَوْمًا إلى الكَعْبَةِ، فَقالَ: ما أعْظَمَكِ وأعْظَمَ حُرْمَتَكِ، والمُؤْمِنُ عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ حُرْمَةً مِنكِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: أوَّلُ ما يُنْتِنُ مِنَ الإنْسانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ لا يَأْكُلَ إلّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، ومَنِ اسْتَطاعَ أنْ لا يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِن دَمٍ أهْراقَهُ فَلْيَفْعَلْ.
وَفِي صَحِيحِهِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَزالُ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرامًا».
وَذَكَرَ البُخارِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مِن ورَطاتِ الأُمُورِ الَّتِي لا مَخْرَجَ لِمَن أوْقَعَ نَفْسَهُ فِيها: سَفْكُ الدَّمِ الحَرامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ: «سِبابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ وقِتالُهُ كُفْرٌ».
وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ ﷺ «لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ».
وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْهُ ﷺ: «مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لَمْ يُرَحْ رائِحَةَ الجَنَّةِ، وإنَّ رِيحَها لَيُوجَدُ مِن مَسِيرَةِ أرْبَعِينَ عامًا».
هَذِهِ عُقُوبَةُ قاتِلِ عَدُوِّ اللَّهِ إذا كانَ في عَهْدِهِ وأمانِهِ، فَكَيْفَ عُقُوبَةُ قاتِلِ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ؟ وإذا كانَتِ امْرَأةٌ قَدْ دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حَتّى ماتَتْ جُوعًا وعَطَشًا، فَرَآها النَّبِيُّ ﷺ في النّارِ والهِرَّةُ تَخْدِشُها في وجْهِها وصَدْرِها، فَكَيْفَ عُقُوبَةُ مَن حَبَسَ مُؤْمِنًا حَتّى ماتَ بِغَيْرِ جُرْمٍ؟ وفي بَعْضِ السُّنَنِ عَنْهُ ﷺ: «لَزَوالُ الدُّنْيا أهْوَنُ عَلى اللَّهِ مِن قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ».
5:33–34Page 113
إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٣٣
Indeed, the penalty1 for those who wage war2 against Allāh and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٤
Except for those who return [repenting] before you overcome [i.e., apprehend] them. And know that Allāh is Forgiving and Merciful.
جعل الله عقوبة من أخاف السبيل وقطع الطريق: أن تقطع أطرافه، وتقطع عليه الطرق كلها بالنفي من الأرض، فلا يسير فيها إلا خائفًا.
[فَصْلٌ: تَوْبَةُ المُحارِبِ]
وَأمّا اعْتِبارُ تَوْبَةِ المُحارِبِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ فَيُقالُ: أيْنَ في نُصُوصِ الشّارِعِ هَذا التَّفْرِيقُ؟ بَلْ نَصَّهُ عَلى اعْتِبارِ تَوْبَةِ المُحارِبِ قَبْلَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ إمّا مِن بابِ التَّنْبِيهِ عَلى اعْتِبارِ تَوْبَةِ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ فَإنَّهُ إذا دَفَعَتْ تَوْبَتُهُ عَنْهُ حَدَّ حِرابِهِ مَعَ شِدَّةِ ضَرَرِها وتَعَدِّيهِ فَلَأنْ تَدْفَعَ التَّوْبَةَ ما دُونَ حَدِّ الحِرابِ بِطَرِيقِ الأوْلى والأحْرى، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ «التّائِبُ مِن الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» واللَّهُ تَعالى جَعَلَ الحُدُودَ عُقُوبَةً لِأرْبابِ الجَرائِمِ، ورَفَعَ العُقُوبَةَ عَنْ التّائِبِ شَرْعًا وقَدَرًا؛ فَلَيْسَ في شَرْعِ اللَّهِ ولا قَدَرِهِ عُقُوبَةُ تائِبٍ ألْبَتَّةَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: «كُنْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أصَبْت حَدًّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ، قالَ: ولَمْ يَسْألْهُ عَنْهُ، فَحَضَرَتْ الصَّلاةُ فَصَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ قامَ إلَيْهِ الرَّجُلُ فَأعادَ قَوْلَهُ، قالَ: ألَيْسَ قَدْ صَلَّيْت مَعَنا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَك» فَهَذا لَمّا جاءَ تائِبًا بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ولَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الحَدَّ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ، وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ في المَسْألَةِ، وهو إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وهو الصَّوابُ.
فَإنْ قِيلَ: فَماعِزٌ جاءَ تائِبًا والغامِدِيَّةُ جاءَتْ تائِبَةً، وأقامَ عَلَيْهِما الحَدَّ.
قِيلَ: لا رَيْبَ أنَّهُما جاءا تائِبَيْنِ، ولا رَيْبَ أنَّ الحَدَّ أُقِيمَ عَلَيْهِما، وبِهِما احْتَجَّ أصْحابُ القَوْلِ الآخَرِ، وسَألْت شَيْخَنا عَنْ ذَلِكَ؛ فَأجابَ بِما مَضْمُونُهُ بِأنَّ الحَدَّ مُطَهِّرٌ، وأنَّ التَّوْبَةَ مُطَهِّرَةٌ، وهُما اخْتارا التَّطْهِيرَ بِالحَدِّ عَلى التَّطْهِيرِ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، وأبَيا إلّا أنْ يُطَهَّرا بِالحَدِّ، فَأجابَهُما النَّبِيُّ ﷺ إلى ذَلِكَ وأرْشَدَ إلى اخْتِيارِ التَّطْهِيرِ بِالتَّوْبَةِ عَلى التَّطْهِيرِ بِالحَدِّ، «فَقالَ في حَقِّ ماعِزٍ: هَلّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ولَوْ تَعَيَّنَ الحَدُّ بَعْدَ التَّوْبَةِ لَما جازَ تَرْكُهُ، بَلْ الإمامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَتْرُكَهُ كَما قالَ لِصاحِبِ الحَدِّ الَّذِي اعْتَرَفَ بِهِ: «اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك» وبَيْنَ أنْ يُقِيمَ كَما أقامَهُ عَلى ماعِزٍ والغامِدِيَّةِ لَمّا اخْتارا إقامَتَهُ وأبَيا إلّا التَّطْهِيرَ بِهِ، ولِذَلِكَ رَدَّهُما النَّبِيُّ ﷺ مِرارًا وهُما يَأْبَيانِ إلّا إقامَتَهُ عَلَيْهِما، وهَذا المَسْلَكُ وسَطُ مَسْلَكِ مَن يَقُولُ: لا تَجُوزُ إقامَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ألْبَتَّةَ، وبَيْنَ مَسْلَكِ مَن يَقُولُ: لا أثَرَ لِلتَّوْبَةِ في إسْقاطِهِ ألْبَتَّةَ، وإذا تَأمَّلْت السُّنَّةَ رَأيْتها لا تَدُلُّ إلّا عَلى هَذا القَوْلِ الوَسَطِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
5:35Page 113
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥
O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.
No commentary for this ayah
5:36Page 113
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦
Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.
No commentary for this ayah
5:37Page 114
يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧
They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences