Ibn al-QayyimAl‑Ma'idah · 5:54–77

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:54–77

5:54Page 117

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

وصفهم بست صفات:

أحدها: محبتهم له.

والثانية: محبته لهم.

والثالثة: ذلُّهم ولينُهم على أوليائه.

والرابعة: عِزّهم وشدّتهم على أعدائه.

والخامسة: جهادهم في سبيله.

والسادسة: احتمالهم لومَ الخلق لهم على ذلك، وأنهم ليسوا ممن يصدُّه الكلامُ والعَذْلُ عن الجهاد في سبيل الله، وأنهم ليسوا بمنزلة مَن يحتمل الملام والعذل في محبة ما لا يحبه الله، ولا بمنزلة مَن أظهر من مكروهات الرب تبارك وتعالى ما يُلامون عليه، ويُسمّون بالملامتية إظهارًا منهم لما يُلامون عليه في الظاهر، وهم مُنطَوون في الباطن على الصدق والإخلاص، سترًا لحالهم عن الناس، فهم فعلوا ذلك لعدم احتمالهم الملامَ، والأولون احتملوا الملام فيما لا يحبه الله، وأحبّاء الله فعلوا ما أحبَّه الله، ولم تأخذهم فيه لومة لائم.

فالأقسام ثلاثة:

أحدها: مَن يصدُّه اللوم عن مَحابِّ الله.

والثاني: مَن لا تأخذه في محبة الله لومة لائم.

والثالث: من يُظهِر ما يُلام عليه إخفاءً لقيامه بمحابِّ الله.

فالأول مفرِّط، والثالث مؤمن ضعيف، والوسط هو الوسط الخيار، وهو المؤمن القوي، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وأعلى ما يحبه الله ورسوله الجهاد في سبيل الله، واللائمون عليه كثير، إذ أكثرُ النفوس تكرهه، واللائمون عليه ثلاثة أقسام: منافق، ومخذِّل مفتِّر للهمة، ومُرجِف مُضعِف للقوة والقدرة.

[فَصْلٌ المَحَبَّةُ المَحْمُودَةُ والمَحَبَّةُ المَذْمُومَةُ]

وَلَمّا كانَتِ المَحَبَّةُ جِنْسًا تَحْتَهُ أنْواعٌ مُتَفاوِتَةٌ في القَدْرِ والوَصْفِ، كانَ أغْلَبَ ما يُذْكَرُ فِيها في حَقِّ اللَّهِ تَعالى ما يُخْتَصُّ بِهِ ويَلِيقُ بِهِ مِن أنْواعِها، وما لا تَصْلُحُ إلّا لَهُ وحْدَهُ، مِثْلَ العِبادَةِ والإنابَةِ ونَحْوِها، فَإنَّ العِبادَةَ لا تَصْلُحُ إلّا لَهُ وحْدَهُ، وكَذا الإنابَةُ، وقَدْ ذَكَرَ المَحَبَّةَ بِاسْمِها المُطْلَقِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾.

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

وَأعْظَمُ أنْواعِ المَحَبَّةِ المَذْمُومَةِ: المَحَبَّةُ مَعَ اللَّهِ الَّتِي يُسَوِّي المُحِبُّ فِيها بَيْنَ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ ومَحَبَّتِهِ لِلنِّدِّ الَّذِي اتَّخَذَهُ مِن دُونِهِ.

وَأعْظَمُ أنْواعِها المَحْمُودَةِ: مَحَبَّةُ اللَّهِ وحْدَهُ، وهَذِهِ المَحَبَّةُ هي أصْلُ السَّعادَةِ ورَأْسُها الَّتِي لا يَنْجُو أحَدٌ مِنَ العَذابِ إلّا بِها، والمَحَبَّةُ المَذْمُومَةُ الشِّرْكِيَّةُ هي أصْلُ الشَّقاوَةِ ورَأْسُها الَّتِي لا يَبْقى في العَذابِ إلّا أهْلُها، فَأهْلُ المَحَبَّةِ الَّذِينَ أحَبُّوا اللَّهَ وعَبَدُوهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لا يَدْخُلُونَ النّارَ، ومَن دَخَلَها مِنهم بِذُنُوبِهِ فَإنَّهُ لا يَبْقى فِيها مِنهم أحَدٌ.

وَمَدارُ القُرْآنِ عَلى الأمْرِ بِتِلْكَ المَحَبَّةِ ولَوازِمِها، والنَّهْيِ عَنِ المَحَبَّةِ الأُخْرى ولَوازِمِها، وضَرَبَ الأمْثالَ والمَقايِيسَ لِلنَّوْعَيْنِ، وذَكَرَ قَصَصَ النَّوْعَيْنِ، وتَفْصِيلَ أعْمالِ النَّوْعَيْنِ وأوْلِيائِهِمْ ومَعْبُودَ كُلٍّ مِنهُما، وإخْبارِهِ عَنْ فِعْلِهِ بِالنَّوْعَيْنِ، وعَنْ حالِ النَّوْعَيْنِ في الدُّورِ الثَّلاثَةِ: دارِ الدُّنْيا، ودارِ البَرْزَخِ، ودارِ القَرارِ، والقُرْآنُ جاءَ في شَأْنِ النَّوْعَيْنِ.

وَأصْلُ دَعْوَةِ جَمِيعِ الرُّسُلِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، إنَّما هي عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، المُتَضَمِّنَةُ لِكَمالِ حُبِّهِ، وكَمالِ الخُضُوعِ والذُّلِّ لَهُ، والإجْلالِ والتَّعْظِيمِ، ولَوازِمِ ذَلِكَ مِنَ الطّاعَةِ والتَّقْوى.

وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ».

وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ واللَّهِ لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن نَفْسِي، فَقالَ: لا يا عُمَرُ حَتّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ، قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأنْتَ أحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، قالَ: الآنَ يا عُمَرُ».

فَإذا كانَ هَذا شَأْنَ مَحَبَّةِ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ ﷺ ووُجُوبِ تَقْدِيمِها عَلى مَحَبَّةِ نَفْسِ الإنْسانِ ووَلَدِهِ ووالِدِهِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، فَما الظَّنُّ بِمَحَبَّةِ مُرْسِلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ووُجُوبِ تَقْدِيمِها عَلى مَحَبَّةِ ما سِواهُ؟

وَمَحَبَّةُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ تَخْتَصُّ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ في قَدْرِها وصِفَتِها وإفْرادِهِ سُبْحانَهُ بِها: فَإنَّ الواجِبَ لَهُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يَكُونَ أحَبَّ إلى العَبْدِ مِن ولَدِهِ ووالِدِهِ، بَلْ مِن سَمْعِهِ وبَصَرِهِ ونَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، فَيَكُونُ إلَهُهُ الحَقُّ ومَعْبُودُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، والشَّيْءُ قَدْ يُحَبُّ مِن وجْهٍ دُونَ وجْهٍ، وقَدْ يُحَبُّ بِغَيْرِهِ، ولَيْسَ شَيْءٌ يُحَبُّ لِذاتِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ إلّا اللَّهَ وحْدَهُ، ولا تَصْلُحُ الأُلُوهِيَّةُ إلّا لَهُ، و﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢].

والتَّألُّهُ: هو المَحَبَّةُ والطّاعَةُ والخُضُوعُ.

(فائدة)

قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: ادَّعى قَوْمٌ مَحَبَّةَ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ المِحْنَةِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].

وَقالَ " ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] " إشارَةٌ إلى دَلِيلِ المَحَبَّةِ وثَمَرَتِها، وفائِدَتِها.

فَدَلِيلُها وعَلامَتُها: اتِّباعُ الرَّسُولِ.

وَفائِدَتُها وثَمَرَتُها: مَحَبَّةُ المُرْسَلِ لَكم. فَما لَمْ تَحْصُلِ المُتابَعَةُ. فَلَيْسَتْ مَحَبَّتُكم لَهُ حاصِلَةً. ومَحَبَّتُهُ لَكم مُنْتَفِيَةً.

وَقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] فَقَدْ ذَكَرَ لَهم أرْبَعَ عَلاماتٍ أحَدُها: أنَّهم أذِلَّةٌ عَلى المُؤْمِنِينَ قِيلَ: مَعْناهُ أرِقّاءُ، رُحَماءُ مُشْفِقُونَ عَلَيْهِمْ. عاطِفُونَ عَلَيْهِمْ. فَلَمّا ضَمَّنَ أذِلَّةً هَذا المَعْنى عَدّاهُ بِأداةِ " عَلى ". قالَ عَطاءٌ: لِلْمُؤْمِنِينَ كالوَلَدِ لِوالِدِهِ، والعَبْدِ لِسَيِّدِهِ. وعَلى الكافِرِينَ كالأسَدِ عَلى فَرِيسَتِهِ ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].

العَلامَةُ الثّالِثَةُ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالنَّفْسِ واليَدِ، واللِّسانِ والمالِ، وذَلِكَ تَحْقِيقُ دَعْوى المَحَبَّةِ.

العَلامَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهم لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ. وهَذا عَلامَةُ صِحَّةِ المَحَبَّةِ فَكُلُّ مُحِبٍّ يَأْخُذُهُ اللَّوْمُ عَنْ مَحْبُوبِهِ فَلَيْسَ بِمُحِبٍّ عَلى الحَقِيقَةِ. كَما قِيلَ:

؎لا كانَ مَن لِسِواكَ فِيهِ بَقِيَّةٌ ∗∗∗ يَجِدُ السَّبِيلَ بِها إلَيْهِ اللُّوَمُ.

(فصل)

قوله تعالى ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾

لَمّا كانَ الذُّلُّ مِنهم ذُلَّ رَحْمَةٍ وعَطْفٍ وشَفَقَةٍ وإخْباتٍ عَدّاهُ بِأداةِ عَلى تَضْمِينًا لِمَعانِي هَذِهِ الأفْعالِ. فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ ذُلَّ الهَوانِ الَّذِي صاحِبُهُ ذَلِيلٌ. وإنَّما هو ذُلُّ اللِّينِ والِانْقِيادِ الَّذِي صاحِبُهُ ذَلُولٌ، فالمُؤْمِنُ ذَلُولٌ. كَما في الحَدِيثِ «المُؤْمِنِ كالجَمَلِ الذَّلُولِ.

والمُنافِقُ والفاسِقُ ذَلِيلٌ»

وَأرْبَعَةٌ يَعْشَقُهُمُ الذُّلُّ أشَدَّ العِشْقِ: الكَذّابُ. والنَّمّامُ. والبَخِيلُ. والجَبّارُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ هو مِن عِزَّةِ القُوَّةِ والمَنَعَةِ والغَلَبَةِ. قالَ عَطاءٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِلْمُؤْمِنِينَ كالوالِدِ لِوَلَدِهِ. وعَلى الكافِرِينَ كالسَّبُعِ عَلى فَرِيسَتِهِ. كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وهَذا عَكْسُ حالِ مَن قِيلَ فِيهِمْ:

؎كِبْرًا عَلَيْنا، وجُبْنًا عَنْ عَدُوِّكُمُ ∗∗∗ لَبِئْسَتِ الخِلَّتانِ: الكِبْرُ، والجُبْنُ

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عِياضِ بْنِ حِمارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيَّ: أنْ تَواضَعُوا، حَتّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ. ولا يَبْغِيَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ».

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ».

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «ألا أُخْبِرُكم بِأهْلِ النّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ».

وَفِي حَدِيثِ احْتِجاجِ الجَنَّةِ والنّارِ «أنَّ النّارَ قالَتْ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا الجَبّارُونَ، والمُتَكَبِّرُونَ؟ وقالَتِ الجَنَّةُ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا ضُعَفاءُ النّاسِ وسَقْطُهُمْ».

وَهُوَ في الصَّحِيحِ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: العِزَّةُ إزارِي. والكِبْرِياءُ رِدائِي. فَمَن نازَعَنِي عَذَّبْتُهُ».

وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لا يَزالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتّى يُكْتَبَ في دِيوانِ الجَبّارِينَ. فَيُصِيبُهُ ما أصابَهُمْ».

«وَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ عَلى الصِّبْيانِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ».

«وَكانَتِ الأمَةُ تَأْخُذُ بِيَدِهِ ﷺ. فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ.»

«وَكانَ ﷺ إذا أكَلَ لَعِقَ أصابِعَهُ الثَّلاثَ».

«وَكانَ ﷺ يَكُونُ في بَيْتِهِ في خِدْمَةِ أهْلِهِ، ولَمْ يَكُنْ يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ قَطُّ».

وَكانَ ﷺ «يَخْصِفُ نَعْلَهُ، ويُرَقِّعُ ثَوْبَهُ، ويَحْلِبُ الشّاةَ لِأهْلِهِ، ويَعْلِفُ البَعِيرَ ويَأْكُلُ مَعَ الخادِمِ. ويُجالِسُ المَساكِينَ، ويَمْشِي مَعَ الأرْمَلَةِ واليَتِيمِ في حاجَتِهِما، ويَبْدَأُ مَن لَقِيَهُ بِالسَّلامِ، ويُجِيبُ دَعْوَةَ مَن دَعاهُ. ولَوْ إلى أيْسَرِ شَيْءٍ».

«وَكانَ ﷺ هَيِّنَ المُؤْنَةِ، لَيِّنَ الخُلُقِ. كَرِيمَ الطَّبْعِ. جَمِيلَ المُعاشَرَةِ. طَلْقَ الوَجْهِ بَسّامًا، مُتَواضِعًا مِن غَيْرِ ذِلَّةٍ، جَوادًا مِن غَيْرِ سَرَفٍ، رَقِيقَ القَلْبِ رَحِيمًا بِكُلِّ مُسْلِمٍ خافِضَ الجَناحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيِّنَ الجانِبِ لَهُمْ».

وَقالَ ﷺ «ألا أُخْبِرُكم بِمَن يَحْرُمُ عَلى النّارِ - أوْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النّارُ - تَحْرُمُ عَلى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ» رَواهُ التِّرْمِذِيُّ. وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

وَقالَ: «لَوْ دُعِيتُ إلى ذِراعٍ - أوْ كُراعٍ - لَأجَبْتُ، ولَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِراعٌ - أوْ كُراعٌ - لَقَبِلْتُ» رَواهُ البُخارِيُّ.

وَكانَ ﷺ «يَعُودُ المَرِيضَ. ويَشْهَدُ الجِنازَةَ. ويَرْكَبُ الحِمارَ، ويُجِيبُ دَعْوَةَ العَبْدِ».

«وَكانَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ عَلى حِمارٍ مَخْطُومٍ بِحَبْلٍ مِن لِيفٍ عَلَيْهِ إكافٌ مِن لِيفٍ».

[فَصْلٌ: أنْواعُ المَحَبَّةِ]

وَهاهُنا أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ المَحَبَّةِ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَها، وإنَّما ضَلَّ مَن ضَلَّ بِعَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَها.

أحَدُها: مَحَبَّةُ اللَّهِ، ولا تَكْفِي وحْدَها في النَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ والفَوْزِ بِثَوابِهِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ وعُبّادَ الصَّلِيبِ واليَهُودَ وغَيْرَهم يُحِبُّونَ اللَّهَ.

الثّانِي: مَحَبَّةُ ما يُحِبُّ اللَّهُ، وهَذِهِ هي الَّتِي تُدْخِلُهُ في الإسْلامِ، وتُخْرِجُهُ مِنَ الكُفْرِ، وأحَبُّ النّاسِ إلى اللَّهِ أقْوَمُهم بِهَذِهِ المَحَبَّةِ وأشَدُّهم فِيها.

الثّالِثُ: الحُبُّ لِلَّهِ وفِيهِ، وهي مِن لَوازِمِ مَحَبَّةِ ما يُحِبُّ، ولا تَسْتَقِيمُ مَحَبَّةُ ما يُحِبُّ إلّا فِيهِ ولَهُ.

الرّابِعُ: المَحَبَّةُ مَعَ اللَّهِ، وهي المَحَبَّةُ الشِّرِكِيَّةُ، وكُلُّ مَن أحَبَّ شَيْئًا مَعَ اللَّهِ لا لِلَّهِ، ولا مِن أجْلِهِ، ولا فِيهِ، فَقَدِ اتَّخَذَهُ نِدًّا مِن دُونِ اللَّهِ، وهَذِهِ مَحَبَّةُ المُشْرِكِينَ.

وَبَقِيَ قِسْمٌ خامِسٌ لَيْسَ مِمّا نَحْنُ فِيهِ: وهي المَحَبَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ، وهي مَيْلُ الإنْسانِ إلى ما يُلائِمُ طَبْعَهُ، كَمَحَبَّةِ العَطْشانِ لِلْماءِ، والجائِعِ لِلطَّعامِ، ومَحَبَّةِ النَّوْمِ والزَّوْجَةِ والوَلَدِ، فَتِلْكَ لا تُذَمُّ إلّا إذا ألْهَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وشَغَلَتْ عَنْ مَحَبَّتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩].

وَقالَ تَعالى ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧].

5:55Page 117

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥

Your ally is none but Allāh and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakāh, and they bow [in worship].

No commentary for this ayah

5:56Page 117

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦

And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.

No commentary for this ayah

5:57Page 117

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allāh, if you should [truly] be believers.

No commentary for this ayah

5:58Page 118

وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

No commentary for this ayah

5:59Page 118

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

No commentary for this ayah

5:60Page 118

قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."

No commentary for this ayah

5:61Page 118

وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.

No commentary for this ayah

5:62Page 118

وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

No commentary for this ayah

5:63Page 118

لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

No commentary for this ayah

5:64Page 118

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤

And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.

No commentary for this ayah

5:65Page 119

وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

No commentary for this ayah

5:66Page 119

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦

And if only they had upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord [i.e., the Qur’ān], they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet.1 Among them are a moderate [i.e., acceptable] community, but many of them - evil is that which they do.

No commentary for this ayah

5:67Page 119

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.

إنَّ مِن تَمامِ التَّوَكُّلِ اسْتِعْمالَ الأسْبابِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا وشَرْعًا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أكْمَلُ الخَلْقِ تَوَكُّلًا، وإنَّما كانُوا يَلْقَوْنَ عَدُوَّهم وهم مُتَحَصِّنُونَ بِأنْواعِ السِّلاحِ، ودَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، والبَيْضَةُ عَلى رَأْسِهِ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾.

وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ، ولا رُسُوخَ في العِلْمِ يَسْتَشْكِلُ هَذا، ويَتَكايَسُ في الجَوابِ تارَةً بِأنَّ هَذا فَعَلَهُ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ، وتارَةً بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ. ووَقَعَتْ في مِصْرَ مَسْألَةٌ سَألَ عَنْها بَعْضُ الأُمَراءِ، وقَدْ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ، في " تارِيخِهِ الكَبِيرِ " أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ بَعْدَ أنْ أهْدَتْ لَهُ اليَهُودِيَّةُ الشّاةَ المَسْمُومَةَ لا يَأْكُلُ طَعامًا قُدِّمَ لَهُ حَتّى يَأْكُلَ مِنهُ مَن قَدَّمَهُ.

قالُوا: وفي هَذا أُسْوَةٌ لِلْمُلُوكِ في ذَلِكَ.

فَقالَ قائِلٌ: كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذا، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَإذا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ العِصْمَةَ فَهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إلَيْهِ.

وَأجابَ بَعْضُهم بِأنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ الحَدِيثِ، وبَعْضُهم بِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَها. ولَوْ تَأمَّلَ هَؤُلاءِ أنَّ ضَمانَ اللَّهِ لَهُ العِصْمَةَ لا يُنافِي تَعاطِيَهُ لِأسْبابِها، لَأغْناهم عَنْ هَذا التَّكَلُّفِ، فَإنَّ هَذا الضَّمانَ لَهُ مِن رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى لا يُناقِضُ احْتِراسَهُ مِنَ النّاسِ، ولا يُنافِيهِ، كَما أنَّ إخْبارَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِأنَّهُ يُظْهِرُ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ويُعْلِيهِ لا يُناقِضُ أمْرَهُ بِالقِتالِ وإعْدادِ العُدَّةِ والقُوَّةِ ورِباطِ الخَيْلِ، والأخْذِ بِالجِدِّ والحَذَرِ والِاحْتِراسِ مِن عَدُوِّهِ، ومُحارَبَتِهِ بِأنْواعِ الحَرْبِ والتَّوْرِيَةِ، فَكانَ إذا أرادَ الغَزْوَةَ ورّى بِغَيْرِها، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ عاقِبَةِ حالِهِ ومَآلِهِ بِما يَتَعاطاهُ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ مُفْضِيَةً إلى ذَلِكَ مُقْتَضِيَةً لَهُ، وهو ﷺ أعْلَمُ بِرَبِّهِ، وأتْبَعُ لِأمْرِهِ مِن أنْ يُعَطِّلَ الأسْبابَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مُوجِبَةً لِما وعَدَهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ إظْهارِ دِينِهِ وغَلَبَتِهِ لِعَدُوِّهِ، وهَذا كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ ضَمِنَ لَهُ حَياتَهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالاتِهِ، ويُظْهِرَ دِينَهُ، وهو يَتَعاطى أسْبابَ الحَياةِ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ والمَسْكَنِ، وهَذا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، حَتّى آلَ ذَلِكَ بِبَعْضِهِمْ إلى أنْ تَرَكَ الدُّعاءِ، وزَعَمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَسْئُولَ إنْ كانَ قَدْ قُدِّرَ نالَهُ، ولا بُدَّ وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ لَمْ يَنَلْهُ، فَأيُّ فائِدَةٍ في الِاشْتِغالِ بِالدُّعاءِ؟

ثُمَّ تَكايَسَ في الجَوابِ، بِأنْ قالَ: الدُّعاءُ عِبادَةٌ، فَيُقالُ لِهَذا الغالِطِ: بَقِيَ عَلَيْكَ قِسْمٌ آخَرُ - وهو الحَقُّ - أنَّهُ قَدْ قَدَّرَ لَهُ مَطْلُوبَهُ بِسَبَبٍ إنْ تَعاطاهُ حَصَلَ لَهُ المَطْلُوبُ، وإنْ عَطَّلَ السَّبَبَ فاتَهُ المَطْلُوبُ، والدُّعاءُ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ في حُصُولِ المَطْلُوبِ، وما مِثْلُ هَذا الغالِطِ إلّا مِثْلُ مَن يَقُولُ: وإنْ كانَ اللَّهُ قَدْ قَدَّرَ لِيَ الشَّبَعَ فَأنا أشْبَعُ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ، إنْ لَمْ يُقَدِّرْ لِيَ الشَّبَعَ لَمْ أشْبَعْ أكَلْتُ أوْ لَمْ آكُلْ فَما فائِدَةُ الأكْلِ؟ وأمْثالُ هَذِهِ التُّرَّهاتِ الباطِلَةِ المُنافِيَةِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وشَرْعِهِ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

(فائدة)

عتبة بن أبي وقاص الذي كسر رباعية النبي ﷺ يوم أحد قال بعض العلماء بالأخبار إنه استقرى نسله فلا يبلغ أحد منهم الحلم إلا أبخر وأهتم يعرف ذلك فيهم من شؤم الآباء على الأبناء.

واختلف فيما وقع للنبي ﷺ من هذا ونحوه فقيل هو قبل نزول قوله: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾.

وقيل العصمة الموعود بها عصمة النفس من القتل لا عصمته من أذاهم بالكلية بل أبقى الله تعالى لرسوله ثواب ذلك الأذى ولأمته حسن التأسي به إذا أوذي أحدهم نظر إلى ما جرى عليه وصبر، وللمؤذين الأشقياء الأخذة الرابية.

5:68Page 119

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

No commentary for this ayah

5:69Page 119

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩

Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1

No commentary for this ayah

5:70Page 119

لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

No commentary for this ayah

5:71Page 120

وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.

No commentary for this ayah

5:72Page 120

لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢

They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

No commentary for this ayah

5:73Page 120

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣

They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

No commentary for this ayah

5:74Page 120

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤

So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

5:75Page 120

مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

No commentary for this ayah

5:76Page 120

قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦

Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"

No commentary for this ayah

5:77Page 121

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

فهذا خطاب للنصارى لأنه في سياق خطابه معهم بقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ فوصفهم بأنهم قد ضلوا أولا، ثم أضلوا كثيرا وهم أتباعهم.

فهذا قبل مبعث النبي محمد ﷺ حيث ضلوا في أمر المسيح وأضلوا أتباعهم فلما بعث النبي ﷺ ازدادوا ضلالا آخر بتكذيبهم له وكفرهم به فتضاعف الضلال في حقهم هذا قول طائفة منهم الزمخشري وغيره وهو ضعيف فإن هذا كله وصف لأسلافهم الذين هم لهم تبع فوصفهم بثلاث صفات إحداها أنهم قد ضلوا من قبلهم والثانية: أضلوا أتباعهم والثالثة: أنهم ضلوا عن سواء السبيل فهذه صفات لأسلافهم الذين نهي هؤلاء عن اتباع أهوائهم فلا يصح أن يكون وصفا للموجودين في زمن النبي ﷺ لأنهم هم المنهيون أنفسهم لا المنهي عنهم فتأمله.

وإنما سر الآية أنها اقتضت تكرار الضلال في النصارى ضلالا بعد ضلال لفرط جهلهم بالحق وهي نظير الآية التي تقدمت في تكرار الغضب في حق اليهود ولهذا كان النصارى أخص بالضلال من اليهود ووجه تكرار هذا الضلال أن الضلال قد أخطأ نفس مقصوده فيكون ضالا فيه فيقصد ما لا ينبغي أن يقصده ويعبد من لا ينبغي أن يعبده وقد يصيب مقصودا حقا لكن يضل في طريق طلبة والسبيل الموصلة إليه فالأول ضلال في الغاية والثاني ضلال في الوسيلة ثم إذا دعا غيره إلى ذلك فقد أضله وأسلاف النصارى اجتمعت لهم الأنواع الثلاثة فضلوا عن مقصودهم حيث لم يصيبوه وزعموا أن إلههم بشر يأكل ويشرب ويبكي وأنه قتل وصلب وصفع فهذا ضلال في نفس المقصود حيث لم يظفروا به وضلوا عن السبيل الموصلة إليه فلا اهتدوا إلى المطلوب ولا إلى الطريق الموصل إليه ودعوا أتباعهم إلى ذلك فضلوا عن الحق وعن طريقه وأضلوا كثيرا فكانوا أدخل في الضلال من اليهود فوصفوا بأخص الوصفين والذي يحقق ذلك أن اليهود إنما أتوا من فساد الإرادة والحسد وإيثار ما كان لهم على قومهم من السحت والرياسة فخافوا أن يذهب بالإسلام فلم يؤتوا من عدم العلم بالحق فإنهم كانوا يعرفون أن محمدا رسول الله ﷺ كما يعرفون أبناءهم ولهذا لم يوبخهم الله تعالى ويقرعهم إلا بإراداتهم الفاسدة من الكبر والحسد وإيثار السحت والبغي وقتل الأنبياء ووبخ النصارى بالضلال والجهل الذي هو عدم العلم بالحق فالشقاء والكفر ينشأ من عدم معرفة الحق تارة ومن عدم إرادته والعمل بها أخرى يتركب منها، فكفر اليهود نشأ من عدم إرادة الحق والعمل به وإيثار غير عليه بعد معرفته فلم يكن ضلالا محضا وكفر النصارى نشأ من جهلهم بالحق وضلالهم فيه فإذا تبين لهم وآثروا الباطل عليه أشبهوا الأمة الغضبية وبقوا مغضوبا عليهم ضالين ثم لما كان الهدى والفلاح والسعادة لا سبيل إلى نيله إلا بمعرفة الحق وإيثاره على غيره وكان الجهل يمنع العبد من معرفته بالحق والبغي يمنعه من إرادته كان العبد أحوج شيء إلى أن يسأل الله تعالى كل وقت أن يهديه الصراط المستقيم تعريفا وبيانا وإرشادا وإلهاما وتوفيقا وإعانة فيعلمه ويعرفه ثم يجعله مريدا له قاصدا لاتباعه فيخرج بذلك عن طريقة المغضوب عليهم الذين عدلوا عنه على عمد وعلم والضالين الذين عدلوا عنه عن جهل وضلال.

(فائدة)

كان السلف يقولون من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبّادنا ففيه شبه من النصارى.

وهذا كما قالوا، فإن من فسد من العلماء فاستعمل أخلاق اليهود من تحريف الكلم عن مواضعه، وكتمان ما أنزل الله إذا كان فيه فوات غرضه وحسد من آتاه الله من فضله وطلب قتله وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس، ويدعونهم إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم إلى غير ذلك من الأخلاق التي ذم بها اليهود من الكفر واللي والكتمان والتحريف والتحيل على المحارم وتلبيس الحق بالباطل فهذا شبهه باليهود ظاهر.

وأما من فسد من العُبّاد فعبد الله بمقتضى هواه لا بما بعث به رسوله ﷺ وغلا في الشيوخ فأنزلهم منزلة الربوبية، وجاوز ذلك إلى نوع من الحلول أو الاتحاد فشبهه بالنصارى ظاهر.

فعلى المسلم أن يبعد من هذين الشبهين غاية البعد، ومن تصور الشبهين والوصفين وعلم أحوال الخلق علم ضرورته وفاقته إلى هذا الدعاء الذي ليس للعبد دعاء أنفع منه ولا أوجب منه عليه وأن حاجته إليه أعظم من حاجته إلى الحياة والنفس لأن غاية ما يقدر بفوتهما موته وهذا يحصل له بفوته شقاوة الأبد فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين إنه قريب مجيب.

(فصل)

وَقَدْ نَهى اللَّهُ عَنِ الغُلُوِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧].

والغُلُوُّ نَوْعانِ: نَوْعٌ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطِيعًا. كَمَن زادَ في الصَّلاةِ رَكْعَةً، أوْ صامَ الدَّهْرَ مَعَ أيّامِ النَّهْيِ، أوْ رَمى الجَمَراتِ بِالصَّخْراتِ الكِبارِ الَّتِي يُرْمى بِها في المَنجَنِيقِ، أوْ سَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ عَشْرًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ عَمْدًا.

وَغُلُوٌّ يُخافُ مِنهُ الِانْقِطاعُ والِاسْتِحْسارُ. كَقِيامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ. وسَرْدِ الصِّيامِ الدَّهْرَ أجْمَعَ. بِدُونِ صَوْمِ أيّامِ النَّهْيِ. والجَوْرِ عَلى النُّفُوسِ في العِباداتِ والأوْرادِ، الَّذِي قالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ هَذا الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ. فَسَدِّدُوا وقارِبُوا ويَسِّرُوا. واسْتَعِينُوا بِالغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ. وشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ» يَعْنِي اسْتَعِينُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ بِالأعْمالِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ. فَإنَّ المُسافِرَ يَسْتَعِينُ عَلى قَطْعِ مَسافَةِ السَّفَرِ بِالسَّيْرِ فِيها.

وَقالَ ﷺ «لِيُصَلِّ أحَدُكم نَشاطَهُ. فَإذا فَتَرَ فَلْيَرْقُدْ» رَواهُما البُخارِيُّ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ - قالَها ثَلاثًا - وهُمُ المُتَعَمِّقُونَ المُتَشَدِّدُونَ».

وَفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْهُ ﷺ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ، فَواللَّهِ لا يَمَلُّ اللَّهُ حَتّى تَمَلُّوا».

وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ هَذا الدِّينَ مَتِينٌ. فَأوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ. ولا تُبَغِّضَنَّ إلى نَفْسِكَ عِبادَةَ اللَّهِ». أوْ كَما قالَ.

وَقَوْلُهُ: ولا يُحْمَلا عَلى عِلَّةٍ تُوهِنُ الِانْقِيادَ.

يُرِيدُ: أنْ لا يَتَأوَّلَ في الأمْرِ والنَّهْيِ عِلَّةً تَعُودُ عَلَيْهِما بِالإبْطالِ، كَما تَأوَّلَ بَعْضُهم تَحْرِيمَ الخَمْرِ بِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِإيقاعِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، والتَّعَرُّضِ لِلْفَسادِ. فَإذا أمِنَ مِن هَذا المَحْذُورِ مِنهُ جازَ شُرْبُهُ. كَما قِيلَ:

؎أدِرْها فَما التَّحْرِيمُ فِيها لِذاتِها ∗∗∗ ولَكِنْ لِأسْبابٍ تَضَمَّنَّها السُّكْرُ

؎إذا لَمْ يَكُنْ سُكْرٌ يُضِلُّ عَنِ الهُدى ∗∗∗ فَسِيّانِ ماءٌ في الزُّجاجَةِ أوْ خَمْرُ

وَقَدْ بَلَغَ هَذا بِأقْوامٍ إلى الِانْسِلاخِ مِنَ الدِّينِ جُمْلَةً. وقَدْ حَمَلَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ أنْ جَعَلُوا تَحْرِيمَ ما عَدا شَرابِ خَمْرِ العِنَبِ مُعَلَّلًا بِالإسْكارِ. فَلَهُ أنْ يَشْرَبَ مِنهُ ما شاءَ، ما لَمْ يُسْكِرْ.

وَمِنَ العِلَلِ الَّتِي تُوهِنُ الِانْقِيادَ: أنْ يُعَلِّلَ الحُكْمَ بِعِلَّةٍ ضَعِيفَةٍ، لَمْ تَكُنْ هي الباعِثَةَ عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ. فَيَضْعُفَ انْقِيادُ العَبْدِ إذا قامَ عِنْدَهُ أنَّ هَذِهِ هي عِلَّةُ الحَكَمِ. ولِهَذا كانَتْ طَرِيقَةُ القَوْمِ عَدَمُ التَّعَرُّضِ لِعِلَلِ التَّكالِيفِ خَشْيَةَ هَذا المَحْذُورِ.

وَفِي بَعْضِ الآثارِ القَدِيمَةِ: يا بَنِي إسْرائِيلَ. لا تَقُولُوا: لِمَ أمَرَ رَبُّنا؟ ولَكِنْ قُولُوا: بِمَ أمَرَ رَبُّنا؟

وَأيْضًا فَإنَّهُ إذا لَمْ يَمْتَثِلِ الأمْرَ حَتّى تَظْهَرَ لَهُ عِلَّتُهُ، لَمْ يَكُنْ مُنْقادًا لِلْأمْرِ.

وَأقَلُّ دَرَجاتِهِ: أنْ يَضْعُفَ انْقِيادُهُ لَهُ.

وَأيْضًا فَإنَّهُ إذا نَظَرَ إلى حِكَمِ العِباداتِ والتَّكالِيفِ مَثَلًا. وجَعَلَ العِلَّةَ فِيها هي جَمْعِيَّةَ القَلْبِ، والإقْبالَ بِهِ عَلى اللَّهِ. فَقالَ: أنا أشْتَغِلُ بِالمَقْصُودِ عَنِ الوَسِيلَةِ. فاشْتَغَلَ بِجَمْعِيَّتِهِ وخَلْوَتِهِ عَنْ أوْرادِ العِباراتِ فَعَطَّلَها، وتَرَكَ الِانْقِيادَ بِحَمْلِهِ الأمْرَ عَلى العِلَّةِ الَّتِي أذْهَبَتِ انْقِيادَهُ.

وَكُلُّ هَذا مِن تَرْكِ تَعَظُّمِ الأمْرِ والنَّهْيِ.

وَقَدْ دَخَلَ مِن هَذا الفَسادِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الطَّوائِفِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. فَما يَدْرِي ما أوْهَنَتِ العِلَلُ الفاسِدَةُ مِن الِانْقِيادِ إلّا اللَّهُ. فَكَمْ عَطَّلَتْ لِلَّهِ مِن أمْرٍ. وأباحَتْ مِن نَهْيٍ. وحَرَّمَتْ مِن مُباحٍ؟!

وَهِيَ الَّتِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ السَّلَفِ عَلى ذَمِّها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском