Ibn al-QayyimAn‑Najm · 53:32–38

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:32–38, continued

وَأمّا حَدِيثُ الدَّواوِينِ فَإنَّما فِيهِ أنَّ حَقَّ الرَّبِّ تَعالى لا يَئُودُهُ أنْ يَهَبَهُ ويُسْقِطَهُ، ولا يَحْتَفِلَ بِهِ ويَعْتَنِي بِهِ كَحُقُوقِ عِبادِهِ، ولَيْسَ مَعْناهُ: أنَّهُ لا يُؤاخِذُ بِهِ ألْبَتَّةَ، أوْ أنَّهُ كُلَّهُ صَغائِرُ، وإنَّما مَعْناهُ أنَّهُ يَقَعُ فِيهِ مِنَ المُسامَحَةِ والمُساهَلَةِ والإسْقاطِ والهِبَةِ ما لا يَقَعُ مِثْلُهُ في حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ.

فَظَهَرَ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم في شَيْءٍ مِمّا احْتَجُّوا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

وَقالَتْ فِرْقَةٌ: الصَّغائِرُ ما دُونَ الحَدَّيْنِ، والكَبائِرُ ما تَعَلَّقَ بِها أحَدُ الحَدَّيْنِ.

وَمُرادُهم بِالحَدَّيْنِ عُقُوبَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكُلُّ ذَنْبٍ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ مَشْرُوعَةٌ مَحْدُودَةٌ في الدُّنْيا، كالزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ، والسَّرِقَةِ والقَذْفِ، أوْ عَلَيْهِ وعِيدٌ في الآخِرَةِ، كَأكْلِ مالِ اليَتِيمِ، والشُّرْبِ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهَبِ، وقَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ، وخِيانَتِهِ أمانَتَهُ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو مِنَ الكَبائِرِ، وصَدَقَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ: هي إلى السَّبْعِمِائَةِ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ.

[فَصْلٌ الأحْوالُ الَّتِي تَكُونُ مَعَها الكَبِيرَةُ صَغِيرَةً وبِالعَكْسِ]

وَهاهُنا أمْرٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ، وهو أنَّ الكَبِيرَةَ قَدْ يَقْتَرِنُ بِها - مِنَ الحَياءِ والخَوْفِ، والِاسْتِعْظامِ لَها - ما يُلْحِقُها بِالصَّغائِرِ، وقَدْ يَقْتَرِنُ بِالصَّغِيرَةِ - مِن قِلَّةِ الحَياءِ، وعَدَمِ المُبالاةِ، وتَرْكِ الخَوْفِ، والِاسْتِهانَةِ بِها - ما يُلْحِقُها بِالكَبائِرِ، بَلْ يَجْعَلُها في أعْلى رُتَبِها.

وَهَذا أمْرٌ مَرْجِعُهُ إلى ما يَقُومُ بِالقَلْبِ، وهو قَدْرٌ زائِدٌ عَلى مُجَرَّدِ الفِعْلِ، والإنْسانُ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ ومِن غَيْرِهِ.

وَأيْضًا فَإنَّهُ يُعْفى لِلْمُحِبِّ، ولِصاحِبِ الإحْسانِ العَظِيمِ، ما لا يُعْفى لِغَيْرِهِ، ويُسامَحُ بِما لا يُسامَحُ بِهِ غَيْرُهُ.

وَسَمِعْتُ شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَقُولُ: انْظُرْ إلى مُوسى - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - رَمى الألْواحَ الَّتِي فِيها كَلامُ اللَّهِ الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ فَكَسَرَها، وجَرَّ بِلِحْيَةِ نَبِيٍّ مِثْلِهِ، وهو هارُونُ، ولَطَمَ عَيْنَ مَلَكِ المَوْتِ فَفَقَأها، وعاتَبَ رَبَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ في مُحَمَّدٍ ﷺ ورَفَعَهُ عَلَيْهِ، ورَبُّهُ تَعالى يَحْتَمِلُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، ويُحِبُّهُ ويُكْرِمُهُ ويُدَلِّلُهُ، لِأنَّهُ قامَ لِلَّهِ تِلْكَ المَقاماتِ العَظِيمَةَ في مُقابَلَةِ أعْدى عَدُوٍّ لَهُ، وصَدَعَ بِأمْرِهِ، وعالَجَ أُمَّتَيِ القِبْطِ وبَنِي إسْرائِيلَ أشَدَّ المُعالَجَةِ، فَكانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ كالشَّعْرَةِ في البَحْرِ.

وانْظُرْ إلى يُونُسَ بْنِ مَتّى حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذِهِ المَقاماتُ الَّتِي لِمُوسى، غاضَبَ رَبَّهُ مَرَّةً، فَأخَذَهُ وسَجَنَهُ في بَطْنِ الحُوتِ، ولَمْ يَحْتَمِلْ لَهُ ما احْتَمَلَ لِمُوسى، وفَرْقٌ بَيْنَ مَن إذا أتى بِذَنْبٍ واحِدٍ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الإحْسانِ والمَحاسِنِ ما يَشْفَعُ لَهُ، وبَيْنَ مَن إذا أتى بِذَنْبٍ جاءَتْ مَحاسِنُهُ بِكُلِّ شَفِيعٍ، كَما قِيلَ:

؎وَإذا الحَبِيبُ أتى بِذَنْبٍ واحِدٍ ∗∗∗ جاءَتْ مَحاسِنُهُ بِألْفِ شَفِيعِ

فالأعْمالُ تَشْفَعُ لِصاحِبِها عِنْدَ اللَّهِ، وتُذَكِّرُ بِهِ إذا وقَعَ في الشَّدائِدِ، قالَ تَعالى عَنْ ذِي النُّونِ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ - لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣-١٤٤]

وَفِرْعَوْنُ لَمّا لَمْ تَكُنْ لَهُ سابِقَةُ خَيْرٍ تَشْفَعُ لَهُ وقالَ ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]

قالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].

وَفِي المُسْنَدِ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ «إنَّ ما تَذْكُرُونَ مِن جَلالِ اللَّهِ - مِنَ التَّسْبِيحِ، والتَّكْبِيرِ، والتَّحْمِيدِ - يَتَعاطَفْنَ حَوْلَ العَرْشِ، لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُذَكِّرْنَ بِصاحِبِهِنَّ، أفَلا يُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَكُونَ لَهُ مَن يُذَكِّرُ بِهِ؟» ولِهَذا مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ أفْلَحَ ولَمْ يُعَذَّبْ، ووُهِبَتْ لَهُ سَيِّئاتُهُ لِأجْلِ حَسَناتِهِ، ولِأجْلِ هَذا يُغْفَرُ لِصاحِبِ التَّوْحِيدِ ما لا يُغْفَرُ لِصاحِبِ الإشْراكِ، لِأنَّهُ قَدْ قامَ بِهِ مِمّا يُحِبُّهُ اللَّهُ ما اقْتَضى أنْ يَغْفِرَ لَهُ، ويُسامِحَهُ ما لا يُسامِحُ بِهِ المُشْرِكَ، وكَما كانَ تَوْحِيدُ العَبْدِ أعْظَمَ، كانَتْ مَغْفِرَةُ اللَّهِ لَهُ أتَمَّ، فَمَن لَقِيَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ألْبَتَّةَ غَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ كُلَّها، كائِنَةً ما كانَتْ، ولَمْ يُعَذِّبْ بِها.

وَلَسْنا نَقُولُ: إنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، بَلْ كَثِيرٌ مِنهم يَدْخُلُ بِذُنُوبِهِ، ويُعَذَّبُ عَلى مِقْدارِ جُرْمِهِ، ثُمَّ يُخْرَجُ مِنها، ولا تَنافِيَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِمَن أحاطَ عِلْمًا بِما قَدَّمْناهُ.

وَنَزِيدُ هاهُنا إيضاحًا لِعِظَمِ هَذا المَقامِ مِن شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ: اعْلَمْ أنَّ أشِعَّةَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ تُبَدِّدُ مِن ضَبابِ الذُّنُوبِ وغُيُومِها بِقَدْرِ قُوَّةِ ذَلِكَ الشُّعاعِ وضَعْفِهِ، فَلَها نُورٌ، وتَفاوُتُ أهْلِها في ذَلِكَ النُّورِ - قُوَّةً، وضَعْفًا - لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ تَعالى.

فَمِنَ النّاسِ مَن نُورُ هَذِهِ الكَلِمَةِ في قَلْبِهِ كالشَّمْسِ.

وَمِنهم مَن نُورُها في قَلْبِهِ كالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ.

وَمِنهم مَن نُورُها في قَلْبِهِ كالمَشْعَلِ العَظِيمِ.

وَآخَرُ كالسِّراجِ المُضِيءِ، وآخَرُ كالسِّراجِ الضَّعِيفِ.

وَلِهَذا تَظْهَرُ الأنْوارُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأيْمانِهِمْ، وبَيْنَ أيْدِيهِمْ، عَلى هَذا المِقْدارِ، بِحَسَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن نُورِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، عِلْمًا وعَمَلًا، ومَعْرِفَةً وحالًا.

وَكُلَّما عَظُمَ نُورُ هَذِهِ الكَلِمَةِ واشْتَدَّ أحْرَقَ مِنَ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ وشِدَّتِهِ، حَتّى إنَّهُ رُبَّما وصَلَ إلى حالٍ لا يُصادِفُ مَعَها شُبْهَةً ولا شَهْوَةً، ولا ذَنْبًا، إلّا أحْرَقَهُ، وهَذا حالُ الصّادِقِ في تَوْحِيدِهِ، الَّذِي لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَأيُّ ذَنْبٍ أوْ شَهْوَةٍ أوْ شُبْهَةٍ دَنَتْ مِن هَذا النُّورِ أحْرَقَها، فَسَماءُ إيمانِهِ قَدْ حُرِسَتْ بِالنُّجُومِ مِن كُلِّ سارِقٍ لِحَسَناتِهِ، فَلا يَنالُ مِنها السّارِقُ إلّا عَلى غِرَّةٍ وغَفْلَةٍ لا بُدَّ مِنها لِلْبَشَرِ، فَإذا اسْتَيْقَظَ وعَلِمَ ما سُرِقَ مِنهُ اسْتَنْقَذَهُ مِن سارِقِهِ، أوْ حَصَّلَ أضْعافَهُ بِكَسْبِهِ، فَهو هَكَذا أبَدًا مَعَ لُصُوصِ الجِنِّ والإنْسِ، لَيْسَ كَمَن فَتَحَ لَهم خِزانَتَهُ، ووَلّى البابَ ظَهْرَهُ.

وَلَيْسَ التَّوْحِيدُ مُجَرَّدَ إقْرارِ العَبْدِ بِأنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ومَلِيكُهُ، كَما كانَ عُبّادُ الأصْنامِ مُقِرِّينَ بِذَلِكَ وهم مُشْرِكُونَ، بَلِ التَّوْحِيدُ يَتَضَمَّنُ - مِن مَحَبَّةِ اللَّهِ، والخُضُوعِ لَهُ، والذُّلِّ لَهُ، وكَمالِ الِانْقِيادِ لِطاعَتِهِ، وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، وإرادَةِ وجْهِهِ الأعْلى بِجَمِيعِ الأقْوالِ والأعْمالِ، والمَنعِ، والعَطاءِ، والحُبِّ، والبُغْضِ - ما يَحُولُ بَيْنَ صاحِبِهِ وبَيْنَ الأسْبابِ الدّاعِيَةِ إلى المَعاصِي، والإصْرارِ عَلَيْها، ومَن عَرَفَ هَذا عَرَفَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى النّارِ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ» وقَوْلَهُ: «لا يَدْخُلُ النّارَ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» وما جاءَ مِن هَذا الضَّرْبِ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي أشْكَلَتْ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، حَتّى ظَنَّها بَعْضُهم مَنسُوخَةً، وظَنَّها بَعْضُهم قِيلَتْ قَبْلَ وُرُودِ الأوامِرِ والنَّواهِي واسْتِقْرارِ الشَّرْعِ، وحَمَلَها بَعْضُهم عَلى نارِ المُشْرِكِينَ والكُفّارِ، وأوَّلَ بَعْضُهُمُ الدُّخُولَ بِالخُلُودِ، وقالَ: المَعْنى لا يَدْخُلُها خالِدًا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ المُسْتَكْرَهَةِ.

والشّارِعُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ حاصِلًا بِمُجَرَّدِ قَوْلِ اللِّسانِ فَقَطْ، فَإنَّ هَذا خِلافُ المَعْلُومِ بِالِاضْطِرارِ مِن دِينِ الإسْلامِ، فَإنَّ المُنافِقِينَ يَقُولُونَها بِألْسِنَتِهِمْ، وهم تَحْتَ الجاحِدِينَ لَها في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ، فَلا بُدَّ مِن قَوْلِ القَلْبِ، وقَوْلِ اللِّسانِ، وقَوْلُ القَلْبِ يَتَضَمَّنُ مِن مَعْرِفَتِها، والتَّصْدِيقِ بِها، ومَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ - مِنَ النَّفْيِ والإثْباتِ، ومَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ المَنفِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، المُخْتَصَّةِ بِهِ، الَّتِي يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُها لِغَيْرِهِ، وقِيامُ هَذا المَعْنى بِالقَلْبِ عِلْمًا ومَعْرِفَةً ويَقِينًا، وحالًا - ما يُوجِبُ تَحْرِيمَ قائِلِها عَلى النّارِ، وكُلُّ قَوْلٍ رَتَّبَ الشّارِعُ ما رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ، فَإنَّما هو القَوْلُ التّامُّ، كَقَوْلِهِ ﷺ «مَن قالَ في يَوْمٍ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ عَنْهُ خَطاياهُ - أوْ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ - ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»

وَلَيْسَ هَذا مُرَتَّبًا عَلى مُجَرَّدِ قَوْلِ اللِّسانِ.

نَعَمْ مَن قالَها بِلِسانِهِ، غافِلًا عَنْ مَعْناها، مُعْرِضًا عَنْ تَدَبُّرِها، ولَمْ يُواطِئْ قَلْبُهُ لِسانَهُ، ولا عَرَفَ قَدْرَها وحَقِيقَتَها، راجِيًا مَعَ ذَلِكَ ثَوابَها، حَطَّتْ مِن خَطاياهُ بِحَسَبِ ما في قَلْبِهِ، فَإنَّ الأعْمالَ لا تَتَفاضَلُ بِصُوَرِها وعَدَدِها، وإنَّما تَتَفاضَلُ بِتَفاضُلِ ما في القُلُوبِ، فَتَكُونُ صُورَةُ العَمَلَيْنِ واحِدَةً، وبَيْنَهُما في التَّفاضُلِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والرَّجُلانِ يَكُونُ مَقامُهُما في الصَّفِّ واحِدًا، وبَيْنَ صَلاتَيْهِما كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.

وَتَأمَّلْ حَدِيثَ البِطاقَةِ الَّتِي تُوضَعُ في كِفَّةٍ، ويُقابِلُها تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ، فَتَثْقُلُ البِطاقَةُ وتَطِيشُ السِّجِلّاتُ، فَلا يُعَذَّبُ.

وَمَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مُوَحِّدٍ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ البِطاقَةِ، وكَثِيرٌ مِنهم يَدْخُلُ النّارَ بِذُنُوبِهِ، ولَكِنَّ السِّرَّ الَّذِي ثَقَلَ بِطاقَةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ، وطاشَتْ لِأجْلِهِ السِّجِلّاتُ لَمّا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ مِن أرْبابِ البِطاقاتِ، انْفَرَدَتْ بِطاقَتُهُ بِالثِّقَلِ والرَّزانَةِ.

وَإذا أرَدْتَ زِيادَةَ الإيضاحِ لِهَذا المَعْنى، فانْظُرْ إلى ذِكْرِ مَن قَلْبُهُ مَلْآنٌ بِمَحَبَّتِكَ، وذِكْرِ مَن هو مُعْرِضٌ عَنْكَ غافِلٌ ساهٍ، مَشْغُولٌ بِغَيْرِكَ، قَدِ انْجَذَبَتْ دَواعِي قَلْبِهِ إلى مَحَبَّةِ غَيْرِكَ، وإيثارِهِ عَلَيْكَ، هَلْ يَكُونُ ذِكْرُهُما واحِدًا؟ أمْ هَلْ يَكُونُ ولَداكَ اللَّذانِ هُما بِهَذِهِ المَثابَةِ، أوْ عَبْداكَ، أوْ زَوْجَتاكَ، عِنْدَكَ سَواءً؟

وَتَأمَّلْ ما قامَ بِقَلْبِ قاتِلِ المِائَةِ مِن حَقائِقِ الإيمانِ الَّتِي لَمْ تَشْغَلْهُ عِنْدَ السِّياقِ عَنِ السَّيْرِ إلى القَرْيَةِ، وحَمَلَتْهُ - وهو في تِلْكَ الحالِ - عَلى أنْ جَعَلَ يَنُوءُ بِصَدْرِهِ، ويُعالِجُ سَكَراتِ المَوْتِ، فَهَذا أمْرٌ آخَرُ، وإيمانٌ آخَرُ، ولا جَرَمَ أنْ أُلْحِقَ بِالقَرْيَةِ الصّالِحَةِ، وجُعِلَ مِن أهْلِها.

وَقَرِيبٌ مِن هَذا ما قامَ بِقَلْبِ البَغِيِّ الَّتِي رَأتْ ذَلِكَ الكَلْبَ - وقَدِ اشْتَدَّ بِهِ العَطَشُ يَأْكُلُ الثَّرى - فَقامَ بِقَلْبِها ذَلِكَ الوَقْتَ - مَعَ عَدَمِ الآلَةِ، وعَدَمِ المُعِينِ وعَدَمِ مَن تُرائِيهِ بِعَمَلِها - ما حَمَلَها عَلى أنْ غَرَّرَتْ بِنَفْسِها في نُزُولِ البِئْرِ، ومَلْءِ الماءِ في خُفِّها، ولَمْ تَعْبَأْ بِتَعَرُّضِها لِلتَّلَفِ، وحَمْلِها خُفَّها بِفِيها، وهو مَلْآنٌ، حَتّى أمْكَنَها الرُّقِيُّ مِنَ البِئْرِ، ثُمَّ تَواضُعُها لِهَذا المَخْلُوقِ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ النّاسِ بِضَرْبِهِ، فَأمْسَكَتْ لَهُ الخُفَّ بِيَدِها حَتّى شَرِبَ، مِن غَيْرِ أنْ تَرْجُوَ مِنهُ جَزاءً ولا شُكُورًا، فَأحْرَقَتْ أنْوارُ هَذا القَدْرِ مِنَ التَّوْحِيدِ ما تَقَدَّمَ مِنها مِنَ البِغاءِ، فَغُفِرَ لَها.

فَهَكَذا الأعْمالُ والعُمّالُ عِنْدَ اللَّهِ، والغافِلُ في غَفْلَةٍ مِن هَذا الإكْسِيرِ الكِيماوِيِّ، الَّذِي إذا وُضِعَ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ عَلى قَناطِيرَ مِن نُحاسِ الأعْمالِ قَلَبَها ذَهَبًا، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

53:33Page 527

أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ ٣٣

Have you seen the one who turned away

No commentary for this ayah

53:34Page 527

وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ ٣٤

And gave a little and [then] refrained?

No commentary for this ayah

53:35Page 527

أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥

Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1

No commentary for this ayah

53:36Page 527

أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦

Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses

No commentary for this ayah

53:37Page 527

وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧

And [of] Abraham, who fulfilled [his obligations] -

No commentary for this ayah

53:38Page 527

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨

That no bearer of burdens will bear the burden of another

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском